Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [١٢١]

﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: أوْلِياءُ الشَّيْطانِ ﴿مَأْواهُمْ﴾ مَصِيرُهم ومَآلُهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ مَعْدَلًا ومَفَرًّا.

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ والأتْقِياءِ ومَآلَهم مِنَ الكَرامَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ [١٢٢]

﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهم ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: عَمِلَتْ جَوارِحُهم بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الخَيْراتِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ غُرَفِها ومَساكِنِها ﴿الأنْهارُ﴾ أنْهارُ الخَمْرِ والماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقِيمِينَ في الجَنَّةِ، لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ مِنها ﴿أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ صِدْقًا واقِعًا لا مَحالَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ وعْدُ اللَّهِ حَقًّا ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ وعْدًا وخْيَرًا، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ قِيلًا، لا إلَهَ إلّا هو لا رَبَّ سِواهُ.

وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: «إنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كَلامُ اللَّهِ، وخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ في النّارِ» .

والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ مُعارَضَةُ المَواعِيدِ الشَّيْطانِيَّةِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ، والمُبالِغَةُ في تَوْكِيدِهِ؛ تَرْغِيبًا لِلْعِبادِ في تَحْصِيلِهِ، و(القِيلُ) مَصْدَرٌ، كالقالِ والقَوْلِ.

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [١٢٣]

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى شَهَواتِكم وأمانِيِّكم أيُّها المُشْرِكُونَ أنْ تَنْفَعَكُمُ الأصْنامُ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ولا عَلى شَهَواتِ اليَهُودِ والنَّصارى حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [المائِدَةِ: ١٨] ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: ٨٠] .

﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ:

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [١٢٤]

﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و(مِنَ) الأُولى زائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، وصِفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ قَدْرُ نَقِيرٍ، وهو النُّقْرَةُ الَّتِي عَلى ظَهْرِ النَّواةِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في نَفْيِ الظُّلْمِ، ووَعْدٌ بِتَوْفِيَةِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، والرّاجِعُ فِي: " ولا يُظْلِمُونَ " لِعُمّالِ السُّوءِ وعُمّالِ الصّالِحاتِ جَمِيعًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ دَلِيلًا عَلى ذِكْرِهِ عِنْدَ الآخَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] [البَقَرَةِ: ٨١] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٨٢] عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]

* *

تَنْبِيهٌ:

ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣] لِلْمُشْرِكِينَ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ - هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ ونَظْمُها الكَرِيمُ كَما بَيَّنّا.

ورَواهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، قالَ الأوَّلانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: (السُّوءُ) هَهُنا هو الشِّرْكُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] هو الكافِرُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]

ولَمّا كانَ لِعُمُومِ هَذا الخِطابِ رَوْعَةٌ، وأيُّ رَوْعَةٍ، أشْفَقَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ لِأجْلِهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ.

قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ قالَ: أُخْبِرْتُ «أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الفَلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنا جُزِينا بِهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا أبا بَكْرٍ، ألَسْتَ تَمْرَضُ ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تَحْزَنُ؟ ألَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْواءُ قالَ: بَلى، قالَ: هو مِمّا تُجْزَوْنَ بِهِ»

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ في كُلِّ ما يُصابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفّارَةٌ، حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، والنَّكْبَةِ يُنْكَبُها» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: إنَّهُما سَمِعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ، حَتّى الهَمِّ يُهِمُّهُ - إلّا كَفَّرَ اللَّهُ …

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ [١٢٥]

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى فَلَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِواهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها وقَبُولِها ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أيْ: تارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، ومُقْبِلٌ عَلى الحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لا يَصُدُّهُ عَنْهُ صادٌّ، ولا يَرُدُّهُ عَنْهُ رادٌّ.

قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَطَ حُصُولَ النَّجاةِ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ بِكَوْنِ الإنْسانِ مُؤْمِنًا - شَرَحَ الإيمانَ وبَيَّنَ فَضْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ المُشْتَمِلُ عَلى إظْهارِ كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّرْغِيبِ في دِينِ الإسْلامِ.

أُمًّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ دِينَ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ: الِاعْتِقادُ، والعَمَلُ.

أمّا الِاعْتِقادُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ، والوَجْهُ أحْسَنُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ وعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ - فَقَدْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.

وأمّا العَمَلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ الحَسَناتِ وتَرْكُ السَّيِّئاتِ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ المُخْتَصَرَةِ واحْتِوائِها عَلى جَمِيعِ المَقاصِدِ والأغْراضِ.

وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ أنَّهُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وما أسْلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَفْوِيضِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى الخالِقِ، وإظْهارِ التَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعِينُونَ بِالأصْنامِ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والدَّهْرِيَّةُ والطَّبِيعِيُّونَ يَسْتَعِينُونَ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ والطَّبائِعِ وغَيْرِها.

واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ في دَفْعِ عِقابِ الآخِرَةِ عَنْهُمْ: إنَّهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَجَمِيعُ الفِرَقِ اسْتَعانُوا بِغَيْرِ اللَّهِ.

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ فَضِيلَةِ الإسْلامِ فَهو أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ إنَّما دَعا الخَلْقَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كُلِّ الخَلْقِ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنْعامِ: ١٩] وما كانَ يَدْعُو إلى عِبادَةِ فَلَكٍ ولا طاعَةِ كَوْكَبٍ، ولا سَجْدَةٍ لِصَنَمٍ، ولا …

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [١٢٦]

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِبَيانِ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا، لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ خَيْرًا وشَرًّا.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِهِ كَما هو دَأْبُ الآدَمِيِّينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ الخُلَّةَ لا تُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اصْطِفاءَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – لِلْخُلَّةِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: لَهُ تَعالى ما فِيهِما جَمِيعًا، يَخْتارُ مِنهُما ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ يَعْنِي عالِمًا عِلْمَ إحاطَةٍ، لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن عِبادِهِ: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ﴾ [سبإ: ٣] [يُونُسَ: ٦١].

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [١٢٧]

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: ويَسْألُونَكَ الإفْتاءَ في النِّساءِ، والإفْتاءُ تَبْيِينُ المُبْهَمِ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ ذَكَرُوا في (ما) وُجُوهًا: المُخْتارُ مِنها أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى المُبْتَدَأِ، وهو لَفْظُ الجَلالَةِ، أيْ: والمَتْلُوُّ في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ أيْضًا، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ فِي: " يُفْتِيكم " وساغَ لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ والجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ المَتْلُوُّ في الكِتابِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]

قالَ الرّازِيُّ: وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِن أحْوالِ النِّساءِ، فَما كانَ مِنها غَيْرَ مُبَيَّنِ الحُكْمِ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِيهِمْ فِيها، وما كانَ مِنها مُبَيَّنَ الحُكْمِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ المَتْلُوَّةَ تُفْتِيهِمْ فِيها، وجَعَلَ دَلالَةَ الكِتابِ عَلى هَذا الحُكْمِ إفْتاءً مِنَ الكِتابِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في المَشْهُورِ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَنا هَذا الحُكْمَ، وكَما جازَ هَذا جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ أفْتى بِكَذا.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ ودَوامِها، و(فِي الكِتابِ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا فِيهِ.

﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى (مِن) لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وقِيلَ: مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ: النِّساءِ اليَتامى.

﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ: ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها – قالَتْ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ، هو ولِيُّها ووارِثُها، فَأشْرَكَتْهُ في مالِهِ حَتّى في العِذْقِ، فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها، ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وعَنْها أيْضًا قالَتْ: وقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.

وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ، وأنَّ الجارَّ المُقَدَّرَ مَعَ (أنْ) هُنا هو (عَنْ) وقَدْ تَأوَّلَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: تَقْدِيرُ (عَنْ) و(فِي) فَقالَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ والغَنِيَّةِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: والمَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ أوْضَحُ في أنَّ الآيَةَ الأُولى - أيِ: الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - نَزَلَتْ في الغَنِيَّةِ، وهَذِهِ …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [١٢٨]

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ أيْ: زَوْجِها ﴿نُشُوزًا﴾ أيْ: تَجافِيًا عَنْها وتَرَفُّعًا عَنْ صُحْبَتِها، بِتَرْكِ مُضاجَعَتِها والتَّقْصِيرِ في نَفَقَتِها ﴿أوْ إعْراضًا﴾ أيْ: تَطْلِيقًا، أوْ أنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها ومُجالَسَتَها؛ كَراهَةً لَها أوْ لِطُمُوحِ عَيْنِهِ إلى أجْمَلَ مِنها.

﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ: لا إثْمَ ﴿عَلَيْهِما﴾ حِينَئِذٍ ﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ بِحَطِّ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ أوِ النَّفَقَةِ، أوْ هِبَةِ شَيْءٍ مِن مالِها أوْ قَسْمِها؛ طَلَبًا لِبَقاءِ الصُّحْبَةِ إنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ، وإلّا فَعَلى الزَّوْجِ أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها أوْ يُفارِقَها.

قالَ في "الإكْلِيلِ": الآيَةُ أصْلٌ في هِبَةِ الزَّوْجَةِ حَقَّها مِنَ القَسْمِ وغَيْرِهِ، اسْتَدَلَّ بِهِ مَن أجازَ لَها بَيْعَ ذَلِكَ.

﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ والنُّشُوزِ والإعْراضِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَلِ الطَّلاقُ بَغِيضٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» .

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ حَثٌّ عَلى الصَّبْرِ عَلى نَفْسِ الصُّحْبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُصُومَةِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُّرُورِ، وقَدْ كانَ مِن كَرَمِ أخْلاقِهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُكْرِمُ صَواحِبَ خَدِيجَةَ بَعْدَ مَوْتِها، وعَنْهُ ﷺ: «إنَّهُ مِن أبَرِّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» وهَذا فِيهِ صَبْرٌ، وفي الصَّبْرِ ما لا يُحْصَرُ مِنَ المَحاسِنِ والفَضائِلِ، والصُّلْحُ فِيهِ مِن أنْواعِ التَّرْغِيبِ.

رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «مَن أصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ اسْتَوْجَبَ ثَوابَ شَهِيدٍ»، وعَنْ أنَسٍ: «مَن أصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أعْطاهُ اللَّهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ» . انْتَهى.

وفِي "الإكْلِيلِ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عامٌّ في كُلِّ صُلْحٍ، أصْلٌ فِيهِ.

وفِي الحَدِيثِ: «الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا» واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أجازَ الصُّلْحَ عَلى الإنْكارِ والمَجْهُولِ.

﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ بَيانٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ، أيْ: جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، لا تَنْفَكُّ عَنْهُ أبَدًا، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِالنُّشُوزِ والإعْراضِ وحُقُوقِها مِنَ الرَّجُلِ، ولا الرَّجُلُ في إمْساكِها مَعَ القِيامِ بِحُقُوقِها عَلى ما يَنْبَغِي، إذا كَرِهَها أوْ أحَبَّ غَيْرَها، والجُمْلَةُ الأُولى لِلتَّرْغِيبِ في المُصالَحَةِ، والثّانِيَةُ لِتَمْهِيدِ العُذْرِ في المُشاحَّةِ، ولِلْحَثِّ عَلى الصُّلْحِ، فَإنَّ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْتَنِعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحِ.

﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾ في …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٢٩]

﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ أيْ: تُساوُوا بَيْنَهُنَّ في جَمِيعِ الوُجُوهِ، بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبِ إحْداهُنَّ، في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، فَإنَّهُ - وإنْ وقَعَ القَسْمُ الصُّورِيُّ لَيْلَةً ولَيْلَةً - فَلا بُدَّ مِنَ التَّفاوُتِ في المَحَبَّةِ والشَّهْوَةِ والجِماعِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أيْ: عَلى إقامَةِ العَدْلِ، وبالَغْتُمْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَيْلَ يَقَعُ بِلا اخْتِيارٍ في القَلْبِ.

عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ! هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ» يَعْنِي القَلْبَ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ.

﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ أيْ: إذا مِلْتُمْ إلى واحِدَةٍ مِنهُنَّ فَلا تُبالِغُوا في المَيْلِ إلَيْها، وقالَ المَهايِمِيُّ: فَلا تَمِيلُوا، أيْ: عَنِ امْرَأةٍ كُلَّ المَيْلِ فَتَتْرُكُوا المُسْتَطاعَ مِنَ القِسْطِ.

﴿فَتَذَرُوها﴾ أيِ: الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، لا تَكُونُ في إحْدى الجِهَتَيْنِ، لا ذاتَ زَوْجٍ ولا مُطَلَّقَةً.

ورَوى أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِدْقَيْهِ ساقِطٌ» .

كَذا رَأيْتُهُ في (ابْنِ كَثِيرٍ) شِدْقَيْهِ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ دالٍ.

ورِوايَةُ أصْحابِ السُّنَنِ المَنقُولَةُ: وشِقُّهُ (بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ قافٍ) ساقِطٌ، وفي رِوايَةٍ: مائِلٌ.

﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ أيْ: نُفُوسَكم بِالتَّسْوِيَةِ والقِسْمَةِ والعَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ ﴿وتَتَّقُوا﴾ الحَيْفَ والجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما سَلَفَ مِن مَيْلِكم.

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ [١٣٠]

﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: الزَّوْجُ والمَرْأةُ بِالطَّلاقِ، بِأنْ لَمْ يَتَّفِقِ الصُّلْحُ بَيْنَهُما، فاخْتارُوا الفُرْقَةَ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ أيْ: مِنهُما، أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: غِناهُ وجُودِهِ وقُدْرَتِهِ، وفِيهِ زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ رَغْمًا لِصاحِبِهِ، وتَسْلِيَةٌ لَهُما بَعْدَ الطَّلاقِ.

﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا﴾ أيْ: واسْعَ الفَضْلِ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأقْدارِهِ وشَرْعِهِ.

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.