Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أُصُولِنا.

فالأصْلُ الأوَّلُ: المُضِلُّ هو الشَّيْطانُ، ولَيْسَ المُضِلُّ هو اللَّهَ تَعالى. قالُوا: وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ ادَّعى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٦] وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُضِلًّا لِلنّاسِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الإلَهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ.

والأصْلُ الثّانِي: وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الإضْلالُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقُلْنا: لَيْسَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، بِدَلِيلِ أنَّ إبْلِيسَ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مَعَ أنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذا كَلامُ إبْلِيسَ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وأيْضًا أنَّ كَلامَ إبْلِيسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُضْطَرِبٌ

صفحة ٣٩

جِدًّا، فَتارَةً يَمِيلُ إلى القَدَرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩ ] . وأُخْرى إلى الجَبْرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْرِ ٣٩] . وتارَةً يُظْهِرُ التَّرَدُّدَ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القَصَصِ: ٦٣] يَعْنِي: أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ: نَحْنُ أُغْوِينا فَمَنِ الَّذِي أغْوانا عَنِ الدِّينِ ؟ ولا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ الكُلِّ بِالآخِرَةِ إلى اللَّهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِن إلْقاءِ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبُ الأمانِيِّ يُورِثُ شَيْئَيْنِ؛ الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمانِ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ قالَ ﷺ: «”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنانِ الحِرْصُ والأمَلُ“» . والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلى التَّوْبَةِ، ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.

ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ . البَتْكُ: القَطْعُ، وسَيْفٌ باتِكٌ: أيْ قاطِعٌ، والتَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ. قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: التَّبْتِيكُ هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُقَطِّعُونَ آذانَ الأنْعامِ نُسُكًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ، مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كُفْرٌ وفِسْقٌ.

خامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَغْيِيرُ دِينِ …

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أُصُولِنا.

فالأصْلُ الأوَّلُ: المُضِلُّ هو الشَّيْطانُ، ولَيْسَ المُضِلُّ هو اللَّهَ تَعالى. قالُوا: وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ ادَّعى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٦] وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُضِلًّا لِلنّاسِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الإلَهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ.

والأصْلُ الثّانِي: وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الإضْلالُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقُلْنا: لَيْسَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، بِدَلِيلِ أنَّ إبْلِيسَ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مَعَ أنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذا كَلامُ إبْلِيسَ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وأيْضًا أنَّ كَلامَ إبْلِيسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُضْطَرِبٌ

صفحة ٣٩

جِدًّا، فَتارَةً يَمِيلُ إلى القَدَرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩ ] . وأُخْرى إلى الجَبْرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْرِ ٣٩] . وتارَةً يُظْهِرُ التَّرَدُّدَ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القَصَصِ: ٦٣] يَعْنِي: أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ: نَحْنُ أُغْوِينا فَمَنِ الَّذِي أغْوانا عَنِ الدِّينِ ؟ ولا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ الكُلِّ بِالآخِرَةِ إلى اللَّهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِن إلْقاءِ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبُ الأمانِيِّ يُورِثُ شَيْئَيْنِ؛ الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمانِ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ قالَ ﷺ: «”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنانِ الحِرْصُ والأمَلُ“» . والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلى التَّوْبَةِ، ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.

ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ . البَتْكُ: القَطْعُ، وسَيْفٌ باتِكٌ: أيْ قاطِعٌ، والتَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ. قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: التَّبْتِيكُ هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُقَطِّعُونَ آذانَ الأنْعامِ نُسُكًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ، مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كُفْرٌ وفِسْقٌ.

خامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَغْيِيرُ دِينِ …

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأُمْنِيَّةُ أُفْعُولَةٌ مِنَ المُنْيَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ: فِعْلٌ، فَلا بُدَّ مِنَ اسْمٍ يَكُونُ هو مُسْنَدًا إلَيْهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَيْسَ الثَّوابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ والوَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ الآيَةَ، بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، أيْ

صفحة ٤٢

لَيْسَ يُسْتَحَقُّ بِالأمانِيِّ إنَّما يُسْتَحَقُّ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الثّانِي: لَيْسَ وضْعُ الدِّينِ عَلى أمانِيِّكم.

الثّالِثُ: لَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ بِأمانِيِّكم، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ إسْنادَ ”لَيْسَ“ إلى ما هو مَذْكُورٌ فِيما قَبْلُ أوْلى مِن إسْنادِهِ إلى ما هو غَيْرُ مَذْكُورٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وأمانِيُّهم: أنْ لا يَكُونُ هُناكَ حَشْرٌ، ولا نَشْرٌ، ولا ثَوابٌ، ولا عِقابٌ، وإنِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَكِنَّهم يَصِفُونَ أصْنامَهم بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأمّا أمانِيُّ أهْلِ الكِتابِ فَهو قَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] . وقَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨] فَلا يُعَذِّبُنا، وقَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠] .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأمانِيُّهم أنْ يَغْفِرَ لَهم وإنِ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى يَخُصُّ بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ مَن يَشاءُ، كَما قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ١١٦] . ورُوِيَ أنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ وأهْلُ الكِتابِ، فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، وقالَ المُسْلِمُونَ: نَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتابُنا ناسِخُ الكُتُبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ شَيْءٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يُشْكِلُ بِالصَّغائِرِ فَإنَّها مَغْفُورَةٌ قالُوا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ.

والثّانِي: أنَّ صاحِبَ الصَّغِيرَةِ قَدِ انْحَبَطَ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ بِمِقْدارِ عِقابِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، فَهَهُنا قَدْ وصَلَ جَزاءُ تِلْكَ المَعْصِيَةِ إلَيْهِ.

أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ الكَلامَ عَلى عُمُوماتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٨١] والَّذِي نَزِيدُهُ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الجَزاءِ ما يَصِلُ إلى الإنْسانِ في الدُّنْيا مِنَ الغُمُومِ والهُمُومِ، والأحْزانِ والآلامِ والأسْقامِ ؟ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا …

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ .

قالَ مَسْرُوقٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ . قالَ أهْلُ الكِتابِ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ وأنْتُمْ سَواءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يُدْخَلُونَ الجَنَّةَ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ وفي حم المُؤْمِنِ، والباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الخاءِ في هَذِهِ السُّوَرِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الدُّخُولَ مُضافٌ إلَيْهِمْ، وكِلاهُما حَسَنٌ، والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ أفْخَمُ، ويَدُلُّ عَلى مُثِيبٍ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ ويُوافِقُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ .

وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَهي مُطابِقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٠]، ولِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ [الحِجْرِ: ٤٦] . واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: الفَرْقُ بَيْنَ ”مَنِ“ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: مَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْمَلَ جَمِيعَ الصّالِحاتِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ إذا عَمِلَ بَعْضَها حالَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا اسْتَحَقَّ الثَّوابَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، بَلْ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ قَدْ صَلّى وصامَ وحَجَّ وزَكّى وجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ولَزِمَ بِحُكْمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ أنْ يَدْخُلَ النّارَ، فَأمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ يُنْقَلَ إلى النّارِ فَذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يَدْخُلُ النّارَ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٤٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّقِيرُ: نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يُنْقَصُونَ قَدْرَ مَنبِتِ النَّواةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ الصّالِحِينَ بِأنَّهم لا يُظْلَمُونَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم كَذَلِكَ كَما قالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٨] .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الرّاجِعُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ عائِدًا إلى عُمّالِ السُّوءِ وعُمّالِ الصّالِحاتِ جَمِيعًا.

والثّانِي: أنَّ كُلَّ ما لا يَنْقُصُ عَنِ الثَّوابِ كانَ بِأنْ لا يَزِيدَ في العِقابِ أوْلى هَذا هو الحُكْمُ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ عَلى وفْقِ تَعارُفِ الخَلْقِ.

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَطَ حُصُولَ النَّجاةِ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ بِكَوْنِ الإنْسانِ مُؤْمِنًا شَرَحَ الإيمانَ وبَيَّنَ فَضْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ المُشْتَمِلُ عَلى إظْهارِ كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى.

والثّانِي: وهو أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّرْغِيبِ في دِينِ الإسْلامِ.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ دِينَ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ: الِاعْتِقادُ والعَمَلُ: أمّا الِاعْتِقادُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ: هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ. والوَجْهُ أحْسَنُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ وبِعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ فَقَدْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، وأمّا العَمَلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ الحَسَناتِ وتَرْكُ السَّيِّئاتِ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ المُخْتَصَرَةِ واحْتِوائِها عَلى جَمِيعِ المَقاصِدِ والأغْراضِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وما أسْلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَفْوِيضِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى الخالِقِ، وإظْهارِ التَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعِينُونَ بِالأصْنامِ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والدَّهْرِيَّةُ والطَّبِيعِيُّونَ يَسْتَعِينُونَ بِالأفْلاكِ، والكَواكِبِ، والطَّبائِعِ وغَيْرِها، واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ في دَفْعِ عِقابِ الآخِرَةِ عَنْهم: أنَّهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَجَمِيعُ الفِرَقِ قَدِ اسْتَعانُوا بِغَيْرِ اللَّهِ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم في الحَقِيقَةِ ما أسْلَمَتْ وُجُوهُهم لِلَّهِ؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ الطّاعَةَ المُوجِبَةَ لِثَوابِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، والمَعْصِيَةَ المُوجِبَةَ لِعِقابِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَهم في الحَقِيقَةِ لا يَرْجُونَ إلّا أنْفُسَهم، ولا يَخافُونَ إلّا أنْفُسَهم، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ فَوَّضُوا التَّدْبِيرَ، والتَّكْوِينَ، والإبْداعَ، والخَلْقَ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا مُوجِدَ، ولا مُؤَثِّرَ إلّا اللَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ، وعَوَّلُوا بِالكُلِّيَّةِ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وانْقَطَعَ نَظَرُهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ.

صفحة ٤٦

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ فَضِيلَةِ الإسْلامِ: وهو أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما دَعا الخَلْقَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كُلِّ الخَلْقِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٨] . وما كانَ يَدْعُو إلى عِبادَةِ فَلَكٍ، ولا طاعَةِ كَوْكَبٍ، ولا سَجْدَةِ صَنَمٍ، ولا اسْتِعانَةٍ بِطَبِيعَةٍ، بَلْ كانَ دِينُهُ الدَّعْوَةَ إلى …

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا لِاحْتِياجِهِ إلَيْهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، كَما تَكُونُ خُلَّةُ الآدَمِيِّينَ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ ولَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى البَشَرِ الضَّعِيفِ ؟ وإنَّما اتَّخَذَهُ خَلِيلًا بِمَحْضِ الفَضْلِ والإحْسانِ والكَرَمِ؛ ولِأنَّهُ لَمّا كانَ مُخْلِصًا في العُبُودِيَّةِ لا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ، والحاصِلُ أنَّ كَوْنَهُ خَلِيلًا يُوهِمُ الجِنْسِيَّةَ، فَهو سُبْحانُهُ أزالَ وهْمَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ بِهَذا الكَلامِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فَبَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ إلَهُ المُحْدَثاتِ ومُوجِدُ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَلِكًا مُطاعًا، فَوَجَبَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَخْضَعَ لِتَكالِيفِهِ، وأنْ يَنْقادَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ ولا يُمْكِنُ الوَفاءُ بِهِما إلّا عِنْدَ حُصُولِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: القُدْرَةُ التّامَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِجَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ.

والثّانِي: العِلْمُ التّامُّ المُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ حَتّى لا يُشْتَبَهَ عَلَيْهِ المُطِيعُ والعاصِي والمُحْسِنُ والمُسِيءُ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وعَلى كَمالِ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .

الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ خَلِيلُهُ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ هَذِهِ الخُلَّةِ عَبْدٌ لَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، ويَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣] . ومَجْرى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٧٢] . يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ كَمالِهِمْ في صِفَةِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ في صِفَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، لَمّا لَمْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ مَعَ ضَعْفِ بَشَرِيَّتِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ ؟ ! كَذا هَهُنا، يَعْنِي: إذا كانَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكَهُ في تَسْخِيرِهِ ونَفاذِ إلَهِيَّتِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اتِّخاذَ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيلًا يُخْرِجُهُ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ ؟ ! وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها حَسَنَةٌ مُتَناسِبَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . ولَمْ يَقُلْ: ”مَن“؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجِنْسِ، والَّذِي يَعْقِلُ إذا ذُكِّرَ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ ذُكِّرَ بِـ ”ما“ .

صفحة ٤٩

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ الإحاطَةُ في العِلْمِ.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ الإحاطَةُ بِالقُدْرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفَتْحِ: ٢١] . قالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: ولَيْسَ …

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في تَرْتِيبِ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ وقَعَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وهو أنَّهُ يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ آياتٍ كَثِيرَةً في الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ويَخْلِطُ بِها آياتٍ دالَّةً عَلى كِبْرِياءِ اللَّهِ وجَلالِ قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ إلَهِيَّتِهِ. ثُمَّ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرى إلى بَيانِ الأحْكامِ، وهَذا أحْسَنُ أنْواعِ التَّرْتِيبِ وأقْرَبُها إلى التَّأْثِيرِ في القُلُوبِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ لا يَقَعُ في مَوْقِعِ القَبُولِ إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ لا يُؤَثِّرُ في القَلْبِ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِغايَةِ كَمالِ مَن صَدَرَ عَنْهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ أحْسَنُ التَّرْتِيباتِ اللّائِقَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، ثُمَّ أتْبَعَها بِشَرْحِ أحْوالِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَةِ جَلالِ اللَّهِ وكَمالِ كِبْرِيائِهِ، ثُمَّ عادَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى بَيانِ الأحْكامِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٥٠

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الِاسْتِفْتاءُ طَلَبُ الفَتْوى يُقالُ: اسْتَفْتَيْتُ الرَّجُلَ في المَسْألَةِ فَأفْتانِي إفْتاءًا وفُتْيًا وفَتْوًى، وهُما اسْمانِ مَوْضُوعانِ مَوْضِعَ الإفْتاءِ، ويُقالُ: أفْتَيْتُ فُلانًا في رُؤْيا رَآها إذا عَبَرَها قالَ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٦] . ومَعْنى الإفْتاءِ إظْهارُ المُشْكِلِ، وأصْلُهُ مِنَ الفَتى، وهو الشّابُّ الَّذِي قَوِيَ وكَمُلَ، فالمَعْنى: كَأنَّهُ يَقْوى بِبَيانِهِ ما أُشْكِلَ، ويَصِيرُ قَوِيًّا فَتِيًّا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِّساءَ والصِّبْيانَ شَيْئًا مِنَ المِيراثِ، كَما ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في تَوْرِيثِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَوْفِيَةِ الصَّداقِ لَهُنَّ، وكانَتِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَإذا كانَتْ جَمِيلَةً ولَها مالٌ تَزَوَّجَ بِها وأكَلَ مالَها، وإذا كانَتْ دَمِيمَةً مَنَعَها مِنَ الأزْواجِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ لا يَقَعُ عَنْ ذَواتِ النِّساءِ وإنَّما يَقَعُ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِنَّ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِمْ، وتِلْكَ الحالَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ، فَكانَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ دالَّةٍ عَلى الأمْرِ الَّذِي وقَعَ عَنْهُ الِاسْتِفْتاءُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والتَّقْدِيرُ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في النِّساءِ، والمَتْلُوُّ في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ أيْضًا، وذَلِكَ المَتْلُوُّ في …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

صفحة ٥٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُفْتِيهِمْ بِهِ في النِّساءِ مِمّا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحُجُراتِ: ٩]، وهَهُنا ارْتَفَعَ: (امْرَأةٌ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ: ﴿خافَتْ﴾، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الآياتِ الَّتِي تَلَوْناها، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: خافَتْ أيْ عَلِمَتْ، وقالَ آخَرُونَ: ظَنَّتْ، وكُلُّ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، بَلِ المُرادُ نَفْسُ الخَوْفِ، إلّا أنَّ الخَوْفَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ظُهُورِ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ الخَوْفِ، وتِلْكَ الأماراتُ هَهُنا أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنَّكِ دَمِيمَةٌ، أوْ شَيْخَةٌ، وإنِّي أُرِيدُ أنْ أتَزَوَّجَ شابَّةً جَمِيلَةً، والبَعْلُ هو الزَّوْجُ، والأصْلُ في البَعْلِ: هو السَّيِّدُ، ثُمَّ سُمِّيَ الزَّوْجُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ كالسَّيِّدِ لِلزَّوْجَةِ؛ ويُجْمَعُ البَعْلُ عَلى: بُعُولَةٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] . والنُّشُوزُ يَكُونُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وهو كَراهَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ النَّشَزِ: وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، ونُشُوزُ الرَّجُلِ في حَقِّ المَرْأةِ أنْ يُعْرِضَ عَنْها، ويَعْبِسَ وجْهُهُ في وجْهِها، ويَتْرُكَ مُجامَعَتَها ويُسِيءَ عِشْرَتَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ابْنِ أبِي السّائِبِ، كانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ولَهُ مِنها أوْلادٌ، وكانَتْ شَيْخَةً، فَهَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، ودَعْنِي أشْتَغِلْ بِمَصالِحِ أوْلادِي، واقْسِمْ في كُلِّ شَهْرٍ لَيالِيَ قَلِيلَةً، فَقالَ الزَّوْجُ: إنْ كانَ الأمْرُ فَهو أصْلَحُ لِي.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ «سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، أرادَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُطَلِّقَها، فالتَمَسَتْ أنْ يُمْسِكَها ويَجْعَلَ نَوْبَتَها لِعائِشَةَ، فَأجازَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ ولَمْ يُطَلِّقْها» .

والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: نَزَلَتْ في المَرْأةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، ويُرِيدُ الرَّجُلُ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها غَيْرَها، فَتَقُولُ: أمْسِكْنِي وتَزَوَّجْ بِغَيْرِي، وأنْتَ في حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ والقَسْمِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ المُرادُ بِالنُّشُوزِ: إظْهارُ الخُشُونَةِ في القَوْلِ، أوِ الفِعْلِ أوْ فِيهِما، والمُرادُ مِنَ الإعْراضِ: السُّكُوتُ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والمُداعاةِ، والإيذاءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الإعْراضِ يَدُلُّ دَلالَةً قَوِيَّةً عَلى النَّفْرَةِ والكَراهَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿يُصْلِحا﴾ …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: لَنْ تَقْدِرُوا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ في مَيْلِ الطِّباعِ، وإذا لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَمْ تَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ ولا جائِزِ الوُقُوعِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإشْكالَ لازِمٌ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ وفي الدَّواعِي.

الثّانِي: لا تَسْتَطِيعُونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ في الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في الحُبِّ يُوجِبُ التَّفاوُتَ في نَتائِجِ الحُبِّ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي، ومَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ والمَعْنى: أنَّكم لَسْتُمْ مَنهِيِّينَ عَنْ حُصُولِ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وُسْعِكم، ولَكِنَّكم مَنهِيُّونَ عَنْ إظْهارِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ في القَوْلِ والفِعْلِ. رَوى الشّافِعِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ، ويَقُولُ: ”هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ وأنْتَ أعْلَمُ بِما لا أمْلِكُ“» .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ يَعْنِي: تَبْقى لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، كَما أنَّ الشَّيْءَ المُعَلَّقَ لا يَكُونُ عَلى الأرْضِ ولا عَلى السَّماءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَةِ، وفي الحَدِيثِ: «”مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ“» .

«ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَعَثَ إلى أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ فَقالَتْ عائِشَةُ: إلى كُلِّ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذا ؟ فَقالُوا: لا، بَعَثَ إلى القُرَشِيّاتِ بِمِثْلِ هَذا، وإلى غَيْرِهِنَّ بِغَيْرِهِ، فَقالَتْ لِلرَّسُولِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ لِعُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا قِي القِسْمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ فَأتَمَّ لَهُنَّ جَمِيعًا» .

صفحة ٥٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ بِالعَدْلِ في القَسْمِ (وتَتَّقُوا) الجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ ما حَصَلَ في القَلْبِ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دُونَ البَعْضِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن مَيْلِكم وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا في المُسْتَقْبَلِ عَنْ مِثْلِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكم ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في المَيْلِ القَلْبِيِّ لَمّا كانَ خارِجًا عَنِ الوُسْعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حاجَةٌ إلى المَغْفِرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوازَ الصُّلْحِ إنْ أرادا ذَلِكَ، فَإنْ رَغِبا في المُفارَقَةِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ جَوازَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، ووَعَدَ لَهُما أنْ يُغْنِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ بَعْدَ الطَّلاقِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِزَوْجٍ خَيْرٍ مِن زَوْجِهِ الأوَّلِ، ويَعِيشُ أهْنَأ مِن عَيْشِهِ الأوَّلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِأنَّهُ يُغْنِيهِ مِن سَعَتِهِ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ واسِعًا، وإنَّما جازَ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى واسِعُ الرِّزْقِ، واسِعُ الفَضْلِ، واسِعُ الرَّحْمَةِ، واسِعُ القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، فَلَوْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ واسِعٌ في …

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: لَنْ تَقْدِرُوا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ في مَيْلِ الطِّباعِ، وإذا لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَمْ تَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ ولا جائِزِ الوُقُوعِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإشْكالَ لازِمٌ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ وفي الدَّواعِي.

الثّانِي: لا تَسْتَطِيعُونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ في الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في الحُبِّ يُوجِبُ التَّفاوُتَ في نَتائِجِ الحُبِّ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي، ومَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ والمَعْنى: أنَّكم لَسْتُمْ مَنهِيِّينَ عَنْ حُصُولِ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وُسْعِكم، ولَكِنَّكم مَنهِيُّونَ عَنْ إظْهارِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ في القَوْلِ والفِعْلِ. رَوى الشّافِعِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ، ويَقُولُ: ”هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ وأنْتَ أعْلَمُ بِما لا أمْلِكُ“» .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ يَعْنِي: تَبْقى لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، كَما أنَّ الشَّيْءَ المُعَلَّقَ لا يَكُونُ عَلى الأرْضِ ولا عَلى السَّماءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَةِ، وفي الحَدِيثِ: «”مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ“» .

«ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَعَثَ إلى أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ فَقالَتْ عائِشَةُ: إلى كُلِّ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذا ؟ فَقالُوا: لا، بَعَثَ إلى القُرَشِيّاتِ بِمِثْلِ هَذا، وإلى غَيْرِهِنَّ بِغَيْرِهِ، فَقالَتْ لِلرَّسُولِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ لِعُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا قِي القِسْمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ فَأتَمَّ لَهُنَّ جَمِيعًا» .

صفحة ٥٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ بِالعَدْلِ في القَسْمِ (وتَتَّقُوا) الجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ ما حَصَلَ في القَلْبِ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دُونَ البَعْضِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن مَيْلِكم وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا في المُسْتَقْبَلِ عَنْ مِثْلِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكم ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في المَيْلِ القَلْبِيِّ لَمّا كانَ خارِجًا عَنِ الوُسْعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حاجَةٌ إلى المَغْفِرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوازَ الصُّلْحِ إنْ أرادا ذَلِكَ، فَإنْ رَغِبا في المُفارَقَةِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ جَوازَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، ووَعَدَ لَهُما أنْ يُغْنِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ بَعْدَ الطَّلاقِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِزَوْجٍ خَيْرٍ مِن زَوْجِهِ الأوَّلِ، ويَعِيشُ أهْنَأ مِن عَيْشِهِ الأوَّلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِأنَّهُ يُغْنِيهِ مِن سَعَتِهِ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ واسِعًا، وإنَّما جازَ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى واسِعُ الرِّزْقِ، واسِعُ الفَضْلِ، واسِعُ الرَّحْمَةِ، واسِعُ القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، فَلَوْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ واسِعٌ في …

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.