Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ اتَّخَذَ الشَّيْطانَ ولَّيا بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الخُسْرانِ ﴿مَأْواهُمْ﴾ ومُسْتَقَرُّهم جَمِيعًا ﴿جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أيْ مَعْدَلًا ومَهْرَبًا، وهو اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حاصَ يَحِيصُ إذا عَدَلَ ووَلّى، ويُقالُ: مَحِيصٌ ومَحاصٌ، وأصْلُ مَعْناهُ - كَما قِيلَ – الرَّوَغانُ، ومِنهُ: وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ، وحاصَ باصَ، أيْ: في أمْرٍ يَعْسُرُ التَّخَلُّصُ مِنهُ، ويُقالُ: حاصَ يَحُوصُ أيْضًا، وحَوْصًا وحِياصًا، و(عَنْها) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (مَحِيصًا)

ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَهُ بِـ(يَجِدُونَ) لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِـ(عْنَ) ولا بِـ(مَحِيصًا) لِأنَّهُ إنْ كانَ اسْمَ مَكانٍ فَهو لا يَعْمَلُ؛ لِأنَّهُ مُلْحَقٌ بِالجَوامِدِ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا فَمَعْمُولُ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَهُ إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا ومَجْرُورًا جَوَزَّهُ هُنا.

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا يَخْفى مَرْجُوحِيَّتُهُ، وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إثْرَ وعِيدِ الكافِرِينَ، وإنَّما قَرَنَهُما سُبْحانَهُ وتَعالى زِيادَةً لِمَسَرَّةِ أحِبّائِهِ ومَساءَةِ أعْدائِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أيْ: وعَدَهم وعْدًا وأحَقَّهُ حَقًّا، فالأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ كُلِّهِ عَلى ما أُلِفَ عُرْفًا؛ فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ؛ إذْ لَيْسَ الوَعْدُ إلّا الإخْبارُ عَنْ إيصالِ المَنافِعِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، كَـ(زَيْدٌ قائِمٌ حَقًّا) فَإنَّ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِها وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قائِلِها تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ، والحَقَّ والباطِلَ، وجُوِّزَ أنْ يَنْتَصِبَ (وعْدَ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ(سَنُدْخِلُهُمْ) عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى نَعِدُهم إدْخالَ جَنّاتٍ، ويَكُونُ (حَقًّا) حالًا مِنهُ.

﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ مُؤَكِّدٌ لَهُ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، و(القِيلُ) مَصْدَرُ قالَ، ومِثْلُهُ القالُ.

وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: إنَّهُما اسْمانِ لا مَصْدَرانِ، ونُصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ولا يَخْفى ما في الِاسْتِفْهامِ، وتَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجَلِيلِ الجامِعِ، وبِناءِ أفْعَلَ، وإيقاعِ القَوْلِ تَمْيِيزًا مِنَ المُبالَغَةِ، والمَقْصُودُ مُعارَضَةُ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ الَّتِي غَرَّتْهم حَتّى اسْتَحَقُّوا الوَعِيدَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ الَّذِي أوْصَلَهم إلى السَّعادَةِ العُظْمى، ولِذا بالَغَ سُبْحانَهُ فِيهِ وأكَّدَهُ؛ حَثًّا عَلى تَحْصِيلِهِ وتَرْغِيبًا فِيهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ، والجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أيْ: صَدَقَ ولا أصْدَقَ مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ الغَفْلَةُ عَنْ حُكْمِ الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى الجُمْلَةِ التَّذْيِلِيَّةِ، وتَجْوِيزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وقائِلِينَ: مَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى (خالِدِينَ) أدْهى وأمَرُّ.

وقَرَأ الكُوفِيُّ غَيْرَ عاصِمٍ، ووَرْشٌ بِإشْمامِ الصّادِ الزّايَ.

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأمانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ - وبِهِما قُرِئَ - جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ عَلى وزْنِ أُفْعُولَةٍ، وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ، أيْ: تَقْدِيرُهُ في النَّفْسِ وتَصْوِيرُهُ فِيها، ويُقالُ: مَنّى لَهُ المانِي أيْ: قَدَّرَ لَهُ المُقَدِّرُ، ومِنهُ قِيلَ: مَنِيَّةٌ أيْ: مُقَدَّرَةٌ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ التَّمَنِّي عَلى تَصَوُّرِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِن هُنا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ

صفحة 152

الكَذِبِ؛ لِأنَّهُ تَصَوُّرُ ما ذُكِرَ، وإيرادُهُ بِاللَّفْظِ، فَكَأنَّ التَّمَنِّيَ مَبْدَأٌ لَهُ، فَلِذا صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «ما تَعَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ».

والباءُ في (بِأمانِيِّكُمْ) مِثْلُها في (زَيْدٌ بِالبابِ) ولَيْسَتْ زائِدَةً، والزِّيادَةُ مُحْتَمَلَةٌ، ونَفاها البَعْضُ، واسْمُ (لَيْسَ) مُسْتَتِرٌ فِيها، عائِدٌ عَلى الوَعْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أوْ بِمَعْنى المَوْعُودِ، فَهو اسْتِخْدامٌ كَما قالَ السَّعْدُ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَوْعُودِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ عامِلُ (وعْدَ اللَّهِ) أوْ عَلى إدْخالِ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلِ الصّالِحِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقِيلَ: عَلى الأمْرِ المُتَحاوَرِ فِيهِ بِقَرِينَةِ سَبَبُ النُّزُولِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «التَقى ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، فَقالَ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، دِينُنا قَبْلَ دِينِكُمْ، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، ونَحْنُ عَلى دِينٍ إبْراهِيمَ، (ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا) وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كِتابُنا بَعْدَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ نَبِيِّكم ودِينُنا بَعْدَ دِينِكُمْ، وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَتَّبِعُونا وتَتْرُكُوا أمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ).

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ﴾ إلَخْ أيْ: لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ تَعالى أوْ ما وعَدَ سُبْحانَهُ مِنَ الثَّوابِ، أوْ إدْخالُ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلُ الصّالِحُ، أوِ الإيمانُ، أوْ ما تَحاوَرْتُمْ فِيهِ حاصِلًا بِمُجَرَّدِ أمانِيِّكم أيُّها المُسْلِمُونَ وأمانِيِّ اليَهُودِ والنَّصارى، وإنَّما يُحَصَّلُ بِالسَّعْيِ والتَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجِدِّ لِامْتِثالِ الأمْرِ، ويُؤَيِّدُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلَهُ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ مَوْقُوفًا: «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألَّهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ لَأحْسَنُوا العَمَلَ».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي ولا بِالتَّحَلِّي، ولَكِنْ هو ما وقَرَ في القَلْبِ، فَأمّا عِلْمُ القَلْبِ فالعِلْمُ النّافِعُ، وعِلْمُ اللِّسانِ حُجَّةٌ عَلى بَنِي آدَمَ»».

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإنَّهم قالُوا: «لا نُبْعَثُ ولا نُعَذَّبُ» …

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ﴾ الأعْمالِ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ: بَعْضَها وشَيْئًا مِنها؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ عَمَلَ كُلِّ الصّالِحاتِ، وكَمْ مِن مُكَلَّفٍ لا حَجَّ عَلَيْهِ، ولا زَكاةَ، ولا جِهادَ، فَـ(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وتَخْصِيصُ الصّالِحاتِ بِالفَرائِضِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَعْمَلْ) و(مِن) بَيانِيَّةٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصّالِحاتِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: كائِنَةً مِن ذَكَرٍ إلَخْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومَعَ هَذا الأظْهَرُ تَقْدِيرُ (كائِنًا) لا (كائِنَةً)؛ لِأنَّهُ حالٌ مِن (شَيْئًا) مِنها.

وكَوْنُ المَعْنى (الصّالِحاتُ الصّادِرَةُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى) لا يُجْدِي نَفْعًا لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ، ولَعَلَّ تَبْيِينَ العامِلِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ في إهْلاكِهِمْ إناثَهُمْ، وجَعْلِهِنَّ مَحْرُوماتٍ مِنَ المِيراثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ أيْضًا، وفي اشْتِراطِ اقْتِرانِ العَمَلِ بِها في اسْتِدْعاءِ الثَّوابِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ دُونَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَنْفَعُ الكافِرَ حَيْثُ قُرِنَ بِذِكْرِ العَمَلِ السُّوءِ المُضِرِّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى كَما قِيلَ، وقَدْ مَرَّ لَكَ قَرِيبًا ما يَنْفَعُكَ فَتَذَكَّرْ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ والإيمانِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ السّابِقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.

﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ جَزاءَ عَمَلِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ (يُدْخَلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مِنَ الإدْخالِ.

صفحة 154

﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا حَقِيرًا مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ النَّقِيرَ عَلَمٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأصْلُهُ نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ، مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ تَنْقِيصِ ثَوابِ المُطِيعِ نَفْيُ زِيادَةِ عِقابٍ العاصِي مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّ الأذى في زِيادَةِ العِقابِ أشَدُّ مِنهُ في تَنْقِيصِ الثَّوابِ، فَإذا لَمْ يَرْضَ بِالأوَّلِ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ فَكَيْفَ يَرْضى بِالثّانِي؟! وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ عَدَمِ تَنْقِيصِ الثَّوابِ بِالذِّكْرِ دُونَ ذِكْرِ عَدَمِ زِيادَةِ العِقابِ، مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ في العَمَلِ الصّالِحِ، فَلا يُناسِبُهُ إلّا هَذا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ.

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى، لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا سِواهُ، وقِيلَ: أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ لَهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بَذَلَ لَهُ وجْهَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في السُّجُودِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ، والمَقْصُودُ مَدْحُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ و(دِينًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِن (أحْسَنُ) مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن دِينُهُ أحْسَنُ مِن دِينِ مَن أسْلَمَ، إلَخْ، فَيَؤُولُ الكَلامُ إلى تَفْضِيلِ دِينٍ عَلى دِينٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صَرْفَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِكُلِّيَّتِها لِلَّهِ تَعالى أعْلى المَراتِبِ الَّتِي تَبْلُغُها القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ، و(مِمَّنْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أحْسَنُ) وكَذا الِاسْمُ الجَلِيلُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وجْهَهُ).

﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ، تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الإحْسانِ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ (وهُوَ مُحْسِنٌ) في عَقِيدَتِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ: وهو مُوَحِّدٌ، وعَلى هَذا فالأوْلى أنْ يُفَسَّرَ إسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى بِالِانْقِيادِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالأعْمالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (أسْلَمَ).

﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها، وهَذا عَطْفٌ عَلى (أسْلَمَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ، حالٌ مِن (إبْراهِيمَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (اتَّبَعَ).

﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ تَذْيِيلٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإيذانِ بِأنَّهُ نِهايَةٌ في الحُسْنِ، وإظْهارُ اسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفْخِيمًا لَهُ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ عَلى و(مَن أحْسَنُ) إلَخْ، سَواءٌ كانَ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا، وتَوْكِيدًا لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ وبَيانًا لِأنَّ الصّالِحاتِ ما هِيَ؟ وأنَّ المُؤْمِنَ مَن هو لِفَقْدِ المُناسِبَةِ، والجامِعُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وأدائِهِ ما يُؤَدِّيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ والبَيانِ، ولا عَلى صِلَةِ (مَن) لِعَدَمِ صُلُوحِهِ لَها، وعَدَمُ صِحَّةِ عْطَفِهِ عَلى ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وجَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرٍ قَدْ خِلافُ الظّاهِرِ، والعَطْفُ عَلى ﴿حَنِيفًا﴾ لا يَصِحُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ، والخَلِيلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلَّةِ بِضَمِّ الخاءِ، وهي إمّا مِنَ الخِلالِ بِكَسْرِ الخاءِ؛ فَإنَّها مَوَدَّةٌ تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ وتُخالِطُها مُخالَطَةً مَعْنَوِيَّةً، فالخَلِيلُ مَن بَلَغَتْ مَوَدَّتُهُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ، كَما قالَ:

قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ولِذا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا

فَإذا ما نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي ∗∗∗ وإذا ما سَكَتُّ كُنْتَ الغَلِيلا

وإمّا مِنَ الخَلَلِ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنَ الخَلِيلَيْنِ يُصْلِحُ خَلَلَ الآخَرِ، وإمّا مِنَ الخَلِّ بِالفَتْحِ، وهو الطَّرِيقُ

صفحة 155

فِي الرَّمْلِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ عَلى طَرِيقَةٍ، وإمّا مِنَ الخَلَّةِ …

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ عَلى أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العَمَلِ، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ اعْتِراضٌ، أيْ: إنَّ جَمِيعَ ما في العُلُوِّ والسُّفْلِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِلَّهِ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ، أيْ: هو مالِكٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَيَخْتارُ مَن يُرِيدُهُ مِنهم كَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو لِبَيانِ أنَّ اصْطَفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ لِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ كَما هو دَأْبُ المَخْلُوقِينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنْ خُلَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.

﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطَةُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةً الإحاطَةِ في الأجْسامِ، فَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وارْتِكابِ المَجازِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلَفُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ ما قَبْلَهُ عَلى سائِرِ وُجُوهِهِ.

* * *

هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في أرْضِ الِاسْتِعْدادِ لِمُحارَبَةِ عَدُوِّ النَّفْسِ، أوْ تَحْصِيلِ أحْوالِ الكِمالاتِ (فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أيْ: تَنْقُصُوا مِنَ

صفحة 157

الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُجِبُوا عَنِ الحَقِّ مِن قُوى الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، وحاصِلُهُ التَّرْخِيصُ لِأرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةِ القُوى أنْ يَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ويَزِيدُوا في الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كالفِكْرِ والذِّكْرِ؛ لِيَصِفُوَ القَلْبُ، ويُشْرِقَ نُورُهُ عَلى القُوى، فَتَقِلَّ غائِلَتُها، فَتَزْكُوَ عِنْدَ ذَلِكَ الأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ تَرْكُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ.

﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ولَمْ تَكُنْ غائِبًا عَنْهم بِسَيْرِكَ في غَيْبِ الغَيْبِ، وجَلالِ المُشاهِدَةِ، وعائِمًا في بِحارِ «لِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيِ: الأعْمالَ البَدَنِيَّةَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ ولِيَفْعَلُوا كَما تَفْعَلُ ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ مِن قُوى الرُّوحِ، ويَجْمَعُوا حَواسَّهم لِيَتَأتّى لَهُمُ المُشابَهَةُ، أوْ لِيَقِفُوا عَلى ما في فِعْلِكَ مِنَ الأسْرارِ فَلا تُضِلُّهُمُ الوَساوِسُ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ وبَلَغُوا الغايَةَ في مَعْرِفَةِ ما أقَمْتَهُ لَهُمْ، وأتَوْا بِهِ عَلى وجْهِهِ ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ ذابِّينَ عَنْكُمُ اعْتِراضَ الجاهِلِينَ، أوْ قائِمِينَ بِحَوائِجِكُمُ الضَّرُورِيَّةِ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾ مِنهم ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ بَعْدُ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ولْيَفْعَلُوا فِعْلَكَ ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم …

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَبْيِينَ المُشْكَلِ مِنَ الأحْكامِ في النِّساءِ، مِمّا يَجِبُ لَهُنَّ وعَلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ سُئِلَ عَنْ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ، فَما بُيِّنَ فِيما سَلَفَ أُحِيلَ بَيانُهُ عَلى ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ، وما لَمْ يُبَيَّنْ بَعْدُ بُيِّنَ هُنا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ المُرادَ: يَسْتَفْتُونَكَ في مِيراثِهِنَّ، والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ لا يَرِثُ إلّا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أنْ يَقُومَ في المالِ ويَعْمَلَ فِيهِ، ولا يَرِثُ الصَّغِيرُ ولا المَرْأةُ شَيْئًا، فَلَمّا نَزَلَتِ المَوارِيثُ في سُورَةِ النِّساءِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وقالُوا: أيَرِثُ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَقُومُ في المالِ والمَرْأةُ الَّتِي هي كَذَلِكَ فَيَرِثانِ كَما يَرِثُ الرَّجُلُ؟! فَرَجُوا أنْ يَأْتِيَ في ذَلِكَ حَدَثٌ مِنَ السَّماءِ فانْتَظَرُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَأْتِي حَدَثٌ قالُوا: لَئِنْ تَمَّ هَذا إنَّهُ لَواجِبٌ ما عَنْهُ بُدٌّ، ثُمَّ قالُوا: سَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَغْزُونَ ولا يَغْنَمُونَ خَيْرًا، فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَحْوَهُ وإلى الأوَّلِ مالَ شَيْخُ الإسْلامِ.

﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ فِيهِنَّ، والإفْتاءُ إظْهارُ المُشْكِلِ عَلى السّائِلِ، وفي البَحْرِ يُقالُ: أفْتاهُ إفْتاءً وفُتْيا وفَتْوى، وأفْتَيْتُ فَلانًا رُؤْياهُ عَبَرْتُها لَهُ.

﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ في (ما) ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ:

وعَلى الأوَّلِ: إمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وما يُتْلى عَلَيْكم في القُرْآنِ يُفْتِيكم ويُبَيِّنُ لَكُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِدَوامِ التِّلاوَةِ واسْتِمْرارِها و(فِي الكِتابِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ، والمُرادُ بِالكِتابِ حِينَئِذٍ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْناهُ المُتَبادَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ (وما يُتْلى)

صفحة 160

مُتَناوِلٌ لِما تُلِيَ وما سَيُتْلى، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (يُفْتِيكُمْ) وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ والجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجارِ، في المَجازِ العَقْلِيِّ سائِغٌ شائِعٌ، فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ حَقِيقِيٌّ لِلْفِعْلِ، والمَتْلُوَّ فاعِلٌ مَجازِيٌّ لَهُ، والإسْنادُ إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ فَلا يَصِحُّ العَطْفُ، ونَظِيرَ ذَلِكَ: أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والإيرادُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ، نَعَمِ، المُتَبادَرُ أنَّ هَذا العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، ويُبْعِدُهُ إفْرادُ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى.

وعَلى الثّانِي: تَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ لَمْ تُبَيَّنْ قَبْلُ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««خَشِيَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُطَلِّقْنِي واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»».

وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: ««أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةِ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا إمّا كِبْرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ ونَزَلَ القُرْآنُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي السّائِبِ.

أيْ: وإنْ خافَتِ امْرَأةٌ خافَتْ، فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ (امْرَأةٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقَدَّرَ بَعْضُهم هَنا كانَتْ لِاطِّرادِ حَذْفِ كانَ بَعْدَ إنَّ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الِاشْتِغالِ، وهو مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ.

والخَوْفُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ أوْ بِمَعْنى التَّوَقُّعِ أيْ: وإنِ امْرَأةٌ تَوَقَّعَتْ لِما ظَهَرَ لَها مِنَ المَخايِلِ ﴿مِن بَعْلِها﴾ أيْ: زَوْجِها، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(خافَتْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُشُوزًا﴾ أيِ: اسْتِعْلاءً وارْتِفاعًا بِنَفْسِهِ عَنْها إلى غَيْرِها لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن صِفَةِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ ﴿أوْ إعْراضًا﴾ أيِ: انْصِرافًا بِوَجْهِهِ أوْ بِبَعْضِ مَنافِعِهِ الَّتِي كانَتْ لَها مِنهُ، وفي البَحْرِ: النُّشُوزُ أنْ يَتَجافى عَنْها، بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ، والمَوَدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُما، وأنْ يُؤْذِيَها بِسَبٍّ أوْ ضَرْبٍ مَثَلًا، والإعْراضُ أنْ يُقَلِّلَ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها لِطَعْنٍ في سِنٍّ، أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْنٍ في خَلْقٍ أوْ خُلُقٍ، أوْ مَلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أخَفُّ مِنَ النُّشُوزِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ: فَلا حَرَجَ ولا إثْمَ ﴿عَلَيْهِما﴾ أيِ: المَرْأةِ وبَعْلِها حِينَئِذٍ.

﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ أيْ: في أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما، بِأنْ تَتْرُكَ المَرْأةُ لَهُ يَوْمَها كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ ما يَجِبُ لَها مِن نَفَقَةٍ أوَكِسْوَةٍ، أوْ تَهَبَهُ المَهْرَ، أوْ شَيْئًا مِنهُ، أوْ تُعْطِيَهُ مالًا لِتَسْتَعْطِفَهُ بِذَلِكَ، وتَسْتَدِيمَ المُقامَ في حِبالِهِ، وصُدِّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الجُناحِ لِنَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ ما يُؤْخَذُ كالرِّشْوَةِ فَلا يَحِلٌّ.

وقَرَأ غَيْرُ أهْلِ الكُوفَةِ (يَصّالَحا) بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الصّادِ، وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ (يَتَصالَحا) فَأُبْدِلَتِ التّاءُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (يَصَّلَحا) بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ

صفحة 162

مِن غَيْرِ ألِفٍ، وأصْلُهُ (يَصْطَلِحا) فَخُفِّفَ بِإبْدالِ الطّاءِ المُبْدَلَةِ مِن تاءِ الِافْتِعالِ صادًّا، وأُدْغِمَتِ الأُولى فِيها، لا أنَّهُ أُبْدِلَتِ التّاءُ ابْتِداءً صادًّا وأُدْغِمَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ تاءَ الِافْتِعالِ يَجِبُ قَلْبَها طاءٌ بَعْدَ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ.

وقُرِئَ (يَصْطَلِحا) وهو ظاهِرٌ و(صُلْحًا) عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ عَلى مَعْنى يُوَقِّعا الصُّلْحَ، أوْ بِواسِطَةِ حَرْفٍ أيْ: يُصْلِحُ، والمُرادُ بِهِ ما يُصْلَحُ بِهِ، …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُوا البَتَّةَ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبٍ

صفحة 163

فِي شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ؛ كالقِسْمَةِ، والنَّفَقَةِ، والتَّعَهُّدِ، والنَّظَرِ، والإقْبالِ، والمُمالَحَةِ، والمُفاكَهَةِ، والمُؤانَسَةِ، وغَيْرِها مِمّا لا يَكادُ الحَصْرُ يَأْتِي مِن ورائِهِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبِيدَةَ أنَّهُ قالَ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ في الحُبِّ والجِماعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: في الجِماعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما قالا: في المَحَبَّةِ.

وأخْرَجا عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وكانَ رَسُولُ ﷺ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهم عَنْها أنَّها قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ»» وعَنى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (بِما تَمْلِكُ) المَحَبَّةَ ومَيْلَ القَلْبِ الغَيْرَ الِاخْتِيارِيِّ.

﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ، وبالَغْتُمْ فِيهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ أيْ: لا تَجُورُوا عَلى المَرْغُوبِ عَنْها كُلَّ الجَوْرِ، فَتَمْنَعُوها حَقَّها مِن غَيْرِ رِضًا مِنها، واعْدِلُوا ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّ عَجْزَكم عَنْ حَقِيقَةِ العَدْلِ لا يَمْنَعُ عَنْ تَكْلِيفِكم بِما دُونَها مِنَ المَراتِبِ الَّتِي تَسْتَطِيعُونَها، وانْتِصابُ (كُلَّ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها بِحَسَبِ ما تُضافُ إلَيْهِ مِن مَصْدَرٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَتَذَرُوها﴾ أيْ: فَتَدْعُوا الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ وهي كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - الَّتِي لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ (كالمَسْجُونَةِ) وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ (المُعَلَّقَةِ) والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (تَذْرُوها).

وجَوَّزَ السَّمِينُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ(تَذَرُ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى (تَصِيرُ)، وحَذْفُ نُونِ (تَذْرُوها) إمّا لِلنّاصِبِ، وهو (أنِ) المُضْمِرَةُ في جَوابِ النَّهْيِ، وإمّا لِلْجازِمِ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ قَبْلَهُ، وفي الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»».

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، أنَّهُ قالَ: «كانَتْ لِي امْرَأتانِ فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ».

وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ.

وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى.

﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ مِن أُمُورِهِنَّ ﴿وتَتَّقُوا﴾ المَيْلَ الَّذِي نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما مَضى مِنَ الحَيْفِ ﴿رَحِيمًا﴾ فَيَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ.

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: المَرْأةُ وبَعْلُها، وقُرِئَ (يَتَفارَقا) أيْ: وإنْ لَمْ يَصْطَلِحا ولَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما وِفاقٌ بِوَجْهٍ ما مِنَ الصُّلْحِ وغَيْرِهِ ووَقَعَتْ بَيْنَهُما الفُرْقَةُ بِطَلاقٍ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ مِنهُما أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ، ويَكْفِهِ ما أهَمَّهُ، وقِيلَ: يُغْنِي الزَّوْجَ بِامْرَأةٍ أُخْرى، والمَرْأةَ بِزَوْجٍ آخَرَ ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: مِن غِناهُ وقُدْرَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الزُّجَّيْنِ بَعْدَ الطَّلاقِ، وقِيلَ: زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ، وكَيْفَما كانَ فَهو مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا﴾ أيْ: غَنِيًّا وكافِيًا لِلْخَلْقِ، أوْ مُقْتَدِرًا، أوْ عالِمًا ﴿حَكِيمًا﴾ مُتْقِنًا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.