Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

و {عَنْهَا} : يجوز أن يتعلَّق بمحذوف: إمَّا على الحال من «محِيصاً» لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التبيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحذوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عن» ولا ب «محيصاً» ، وإنْ كان المعنى عليه لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يُجَوِّزُ ذلك يُجَوِّزُ تَعَلُّق «عن» به. والمحيصُ: اسمُ مصدر من حاصَ يَحِيص إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه:

165 - 3- ولم نَدْرِ إنْ حِصْناً من الموت حَيْصَةً ... كم العمرُ باقٍ والمَدَى مُتَطاوِلُ

ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضاد المعجمة، ومنه: «وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ» وحاصَ باصَ، أي: وقعوا في أمرٍ يَعْسَرُ التخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحاص قال:

165 - 4- أتَحِيصُ من حُكْمِ المَنِيَّةِ جاهداً ... ما للرجال عن المَنونِ مَحاصُ

ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاُ وحِياصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فهي، والحَوْصُ: ضيق مؤخر العين ومنه الأحْوَصُ.

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

وقوله تعالى: {والذين آمَنُواْ} : يجوزُ فيه وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر «سَنُدْخِلُهم» والنصبُ على الاشتغال أي: سَنُدْخِل الذين آمنوا سندخلهم، وقرئ: «سيُدْخِلُهم» بياء الغيْبة. وانتصب «وعد الله» على المصدرِ المؤكِّد لنفسِه «وحقاً» على المصدرِ المؤكِّد لغيرِه، ف «وعدَ» مؤكدٌ لقولِه «سندخلهم» ، وهو مفهومٌ مما قبله، و «حقاً» مؤكِّدٌ لقوله: {وَعْدَ الله} و «قيلا» نصبٌ على التمييز. والقيل والقول والقال مصادرُ بمعنى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يارب} [الزخرف: 88] .

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} : في «ليس» ضميرٌ هو اسمُها، وفيه خلافٌ: فقيل: يعودُ على ملفوظٍ به، وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه اللفظُ من الفعلِ، وقيل: يَدُلُّ عليه سببُ الآية. فأمَّا عَوْدُه على ملفوظٍ به فقيل: هو الوعدُ المتقدِّم في قوله {وَعْدَ الله} وهذا ما اختاره الزمخشري قال: «في ليس ضميرُ وعدَ الله أي: ليس يُنالُ ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب. والخطابُ للمسلمين لأنه لايُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن به» وهذا وجهٌ حسنٌ. وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه اللفظ فقيل: هو الإِيمان المفهومُ من قوله: «والذين آمنوا» وهو قولُ الحسنِ وعنه: «ليس الإِيمانُ بالتمني» وأمّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السببُ فقيل: يعودُ على مجاورةِ المسلمين مع أهلِ الكتاب، وذلك أنَّ بعضَهم قال: «دينُنا قبلَ دينكم، ونبينا قبلَ نبيكم، فنحن أفضلُ» وقال المسلمون: «كتابُنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتمُ الآنبياء» فنزلت وقيل: يعودُ على الثواب والعقاب أي: ليس الثوابُ على الحسنات ولا العقابُ على السيئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ نحن أنبياء الله وأحبَّاؤه، ونحن أصحاب الجنة، وكذلك النصارى. وقالت كفار قريش: لا نُبْعَثُ، فنزلت أي: ليس ما ادعيتموه يا كفارَ قريش بأمانيِّكم.

وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبةُ بن نصاح والحكم والأعرج: «أمانِيكم» «ولا أمانِي» بالتخفيف كأنَّهم جَمَعُوه على فعالِل دون فعاليل كما قالوا: قَرْقور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقص من فعاليل الياء، كما تَزيدُها في فعالِل نحو قوله:

165 - 5-. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . تَنْقادَ الصياريفِ وقوله: {مَن يَعْمَلْ} جملة مستأنفة مؤكدةٌ لحكم الجملة قبلها. وقرأ الجمهور «ولا يَجِدْ» جزماً، على عطفه على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر رفعُه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي ب «لا» لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً.

قوله: {مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ} «من» الأولى للتبعيض لأنَّ المكلَّف لا يطيق عمل كل الصالحات. وقال الطبري: «هي زائدة عند قوم» وفيه ضعفٌ لعدمِ الشرطين. و «مِنْ» الثانية للمتبين. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ حالاً، وفي صاحبِها وجهان أحدُهما: أنه الضميرُ المرفوع ب «يعمل» ، والثاني: أنه الصالحات أي: الصالحات كائنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى} [آل عمران: 195] والكلامُ على «أو» أيضاً «وقوله:» وهو مؤمن «جملة حالية من فاعل» يعمل «وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر عن عاصم:» يُدْخَلون «هنا وفي مريم وأول غافر بضم حرف المضارعة وفتح الخاء مبنياً للمفعول، وانفردَ ابنُ كثير وأبو بكر بثانية غافر، وأبو عمرو بالتي في فاطر والباقون بفتحِ حرفِ المضارعة وضَمِّ الخاء مبنياً للفاعل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ، وقد يظهرُ فروقٌ لا يَسَعُها هذا الكتابُ.

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

Explained together with ayah 123

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

قوله تعالى: {مِمَّنْ أَسْلَمَ} متعلِّقٌ ب «أَحْسَنُ» فهي «مِنْ» الجارة للمفضول، و «لله» متعلقٌ ب «أَسْلَم» وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ من «وجهه» وفيه نظرٌ لا يخفى. «وهو مُحْسِنٌ» حالٌ من فاعل «أَسْلم» و «اتَّبع» يجوز أن يكون عطفاً على «أسلم» وهو الظاهر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فاعل «أسلم» بإضمار «قد» عند مَنْ يشترط ذلك، وقد تقدَّم الكلام على {حَنِيفاً} [الآية: 135] في البقرة، إلا أنه يجوزُ هنا أن يكونَ حالاً من فاعلِ «اتّبع» .

قوله: {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فيه وجهان، وذلك أن اتَّخذ «إنْ عَدَّيْناها لاثنين كان مفعولاً ثانياً وإلا كانَ حالاً، وهذه الجملة عطف على الجملةِ الاستفهاميةِ التي معناها الخبرُ نَبَّهَتْ على شرف المتبوع وأنه جديرٌ بأن يُتَّبع لاصطفاءِ الله له بالخُلّة، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتِها صلةً للموصول. وجعلها الزمخشري جملةً معترضة قال:» فإنْ قلت ما محلُّ هذه الجملةِ؟ قلت: لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مِنْ جمل الاعتراضاتِ نحو ما يجيء في الشعر من قولهم «والحوادثُ جَمَّةٌ» فائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتِّباع مِلَّته، لأنَّ مَنْ بَلَغ من الزُّلفى عند الله أَن اتَّخذه خليلاً كان جديراً بأن يُتَّبع «فإنْ عنى بالاعتراضِ المصطلحَ عليه فليس ثَمَّ اعتراضٌ، إذ الاعتراضُ بين متلازمين كفعلٍ وفاعل مبتدأ وخبر وشرط وجزاء وقسم وجواب، وإن عَنَى غيرَ ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم:» والحوادثُ جَمَّةٌ «يُشْعِر بالاعتراض المصطلح عليه؛ فإن قولهم» والحوادث جمة «وَرَدَ في بيتينِ، أحدُهما بين / فعل وفاعل كقوله:

165 - 6- وقد أَدْرَكَتْني والحوادثُ جَمَّةٌ ... أَسِنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزْلِ

والآخرُ يحتمل ذلك، على أن تكونَ الباءُ زائدةً في الفاعل كقوله:

165 - 7- ألا هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأنَّ امرأ القيس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا

ويحتمل أن يكونَ الفاعلُ ضميراً دلَّ عليه السياق أي: هل أتاها الخبر بأن امرأ القيس، فيكون اعتراضاً بين الفعل ومعموله.

والخليلُ: مشتق من الخَلَّة بالفتح وهي الحاجة، أو من الخُلَّة بالضم، وهي المودة الخالصة، أو من الخَلَل. قال ثعلب:» سُمِّي خليلاً لأن مودته تَتَخَلَّلُ القلبَ «وأنشد:

165 - 8- قد تَخَلَّلْتَ مسلكَ الروحِ مني ... وبه سُمِّي الخليلُ خليلا

وقال الراغب:» الخَلَّة - أي بالفتح- الاختلالُ العارضُ للنفس: إمَّا لشَهْوَتِها لشيء أو لحاجتِها إليه، ولهذا فَسَّر الخَلّة بالحاجة، والخُلّة - أي بالضم - المودة: إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وإما لأنها تُخِلُّ النفسَ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السهم في الرميَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحاجة إليها «.

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

Explained together with ayah 125

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

قوله تعالى: {وَمَا يتلى} : فيه سبعة أوجه، وذلك أن موضع «ما» يحتمل أن يكون رفعاً أو نصباً أو جراً. فالرفعُ من ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكنِّ في «يُفتيكم» العائدِ على الله تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور مع أن الفصلَ بأحدِهما كافٍ. والثاني: أنه معطوفٌ على لفظ الجلالة فقط، كذا ذكره أبو البقاء وغيرُه، وفيه نظر، لأنه: إمَّا أَنْ يُجعلَ من عطف مفردٍ على مفرد فكان يجب أن يُثَنَّى الخبرُ وإنْ توسط بين المتعاطفين فيقال: «يُفْتِيانكم» ، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجوز، ومَنِ ادَّعى جوازه يَحْتاج إلى سماع من العرب فيقال: «زيد قائمان وعمرو» ومثلُ هذا لا يجوز، وإم‍َّا أَنْ يُجْعَلَ من عطف الجمل بمعنى أنَّ خبرَ الثاني محذوفٌ أي: وما يتلى عليكم يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوجهَ الثالث - وقد ذكروه - فيلزم التكرار. والثالث من أوجه الرفع: أنه رفع بالابتداء وفي الخبر احتمالان، أحدهما: أنه الجار بعده وهو «في الكتاب» والمرادُ بما يتلى القرآنُ، وبالكتابِ اللوحُ المحفوظ، وتكون هذه الجملةُ معترضةً بين البدل والمبدل منه على ما سيأتي بيانُه. وفائدةُ الاخبارِ بذلك تعظيمُ المتلوِّ ورفعُ شأنِه، ونحوه: {وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] . والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف: أي: والمتلوُّ عليكم في الكتاب يُفْتيكم أو يبيِّن لكم أحكامَهن، فهذه أربعة أوجه. وكلام الزمخشري يحتمل جميع الأوجه، فإنه قال: «ما يُتْلى» في محل الرفع أي: اللهُ يُفْتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، يعني قولَه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى} [النساء: 3] وهو من قولك: «أعجبني زيدٌ وكرمه» انتهى. يعني أنه من بابِ التجريد، إذ المقصودُ الإِخبارُ بإعجاب كرمِ زيدٍ، وإنما ذُكِر زيدٌ ليُفيدَ هذا المعنى الخاص لذلك المقصود أنّ الذي يُفْتيهم هو المتلو في الكتاب، وذُكِرت الجلالةُ للمعنى المشار [إليه] ، وقد تقدَّم تحقيق التجريد في أول البقرة عند قوله {يُخَادِعُونَ الله} [الآية: 9] .

والجر من وجهين، أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وأقسمَ اللهُ بالمتلوِّ في شأن النساء تعظيماً له كأنه قيل: وأُقْسم بما يُتْلى عليكم في الكتاب، ذكره الزمخشري والثاني: أنه عطفٌ على الضمير المجرور ب «في» أي: يُفْتيكم فيهنَّ وفيما يتلى، وهذا منقولٌ عن محمد بن أبي موسى قال: «أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يَسْألوا» إلا أنَّ هذا ضعيف من حيث الصناعةُ، لأنه عطفٌ على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجار وهو رأي الكوفيين، وقد قَدَّمْتُ ما في ذلك من مذاهب الناس ودلائلهم مستوفى عند قوله:

{وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام} [البقرة: 217] فعليك بالالتفات إليه. قال الزمخشري: «ليس بسديدٍ أن يُعْطَف على المجرور في» فيهنَّ «لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى» وهذا سبَقَه إليه أبو إسحاق قال: «وهذا بعيدٌ بالنسبةِ إلى اللفظِ وإلى المعنى: أمَّا اللفظُ فإنه يقتضي عطفَ المُظْهَر على المضمرِ، وأما المعنى فلأنه ليس المرادُ أنَّ اللهَ يفتيكم في شأنِ ما يُتْلى عليكم في الكتاب، وذلك غيرُ جائزٍ كما لم يَجُزْ في قوله {تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام} [النساء: 1] يعني من غيرِ إعادةِ الجار. وقد أجاب الشيخ عما ردَّ به الزمخشري والزجاج بأن التقدير: يُفْتيكم في متلوِّهنَّ وفيما يُتْلى عليكم في الكتابِ في يتامى النساء، وحُذِف لدلالة قوله {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ} وإضافةُ» متلوّ «إلى ضمير» هُنَّ «سائغةٌ، إذ الإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ لمَّا كان متلواً فيهن صَحَّتِ الإِضافةُ إليهن، كقوله: {مَكْرُ الليل والنهار} [سبأ: 33] لمَّا كان المكرُ يقع فيهما صَحَّتْ إضافُته إليهما، ومثله قول الآخر:

165 - 9- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةٍ ... سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في الغرائب

وفي هذا الجواب نظرٌ.

والنصبُ …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

قوله تعالى: {وَإِنِ امرأة} : «امرأةٌ» فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ واجبِ الإِضمار، وهذه من باب الاشتغال، ولا يجوزُ رفعُها بالابتداء لأنَّ أداةَ الشرطِ لا يليها إلا الفعلُ عند جمهور البصريين خلافاً للأخفش والكوفيين، والتقديرُ: «وإنْ خافت امرأة خافت» ونحوهُ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك} [التوبة: 6] . واستدلَّ البصريون على مذهبهم بأن الفعل قد جاء مجزوماً بعد الاسم الواقع أداة الشرط في قول عدي:

166 - 1- ومتى واغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو ... هُ وتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي و {مِنْ بعلها} يجوزُ أن يتلعَّق ب «خافت» وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «نُشوزاً» إذ هو الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها تعذَّر جَعْلُه صفةً فنُصِب حالاً. و «فلا» جوابُ الشرط.

قوله: {أَن يُصْلِحَا} قرأ الكوفيون: / «يُصْلِحا» من أصلح، وباقي السبعة «يَصَّالحا» بتشديد الصاد بعدها ألف، وقرأ عثمان البتي والجحدري: «يَصَّلِحا» بتشديد الصاد من غير ألف، وعبيدة السلماني: «يُصالِحا» بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وبعدَها ألفٌ من المفاعلة، وابن مسعود والأعمش: «أن اصَّالحا» فأمّا قراءةُ الكوفيين فواضحةٌ، وقراءةُ باقي السبعة أصلُهَا «يتصالحا» فأُريد الإِدغام تخفيفاً فَأُبْدِلت التاءُ صاداً وأُدْغِمت، وأمَّا قراءةُ عثمان فأصلُها: «يَصْطَلِحا» فَخُفِّفَ بإبدالِ الطاء المبدلةِ من تاءِ الافتعال صاداً وإدغامهما فيما بعدها. وقال أبو البقاء: «وأصلُه::» يَصْتَلِحا «فأُبْدِلت التاء صاداً وأُدْغِمت فيها الأولى» وهذا ليس بجيدٍ، لأنَّ تاءً الافتعال يجبُ قَلْبُها طاءً بعد الأحرف الأربعة كما تقدَّم تحقيقُه في البقرة، فلا حاجة إلى تقديرها تاءً، لأنه لو لُفِظ بالفعلِ مظهراً لم يُلْفظ فيه بالتاء إلا بياناً لأصلِهِ. وأمَّا قراءةُ عبيدة فواضحةٌ لأنها من المصالحة. وأما قراءة «يصطلحا» فأوضحُ. ولم يُخْتلف في «صُلْحاً» مع اختلافِهم في فعلِه.

وفي نصبِه أوجهٌ: فإنه على قراءة الكوفيين يَحْتمل أن يكونَ مصدراً، وناصبُه: إمَّا الفعلُ المتقدمُ وهو مصدرٌ على حذف الزوائد، وبعضُهم يعبِّر عنه بأنه اسمُ مصدرٍ كالعطاءِ والنبات، وإمَّا فعلٌ مقدرٌ أي: فيُصْلِحُ حالهما صلحاً. وفي المفعولِ على هذين التقديرين وجهان، أحدُهما: أنه «بينهما» اتُسِّع في الظرف فجُعِل مفعولاً به. والثاني: أنه محذوف «وبينهما» ظرفٌ أوحالٌ مِنْ «صلحا» فإنه صفةٌ له في الأصل. ويُحْتمل أن يكونَ نصبُ «صلحاً» على المفعول به إن جعلته اسماً للشيء المصطلح عليه كالعَطاء بمعنى المُعْطى، والنبات بمعنى المُنْبَت. وأمَّا على بقيةِ القراءات فيجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً على أحدِ التقديرين المتقدمين: أعني كونَه اسمَ المصدرِ، أو كونَه على حَذْفِ الزوائد، فيكون واقعاً موقعَ «تصالحا أو اصطلاحاً أو مصالحةً» حَسْبَ القراءات المتقدمة، ويجوزُ أَنْ يكون منصوباً على إسقاطِ حرفِ الجرِ أي: بصلح أي بشيء يقعُ بسببِ المصالحة، إذا جَعَلْناه اسماً للشيء المصطلح عليه.

والحاصلُ أنه من بقية القراءات ينتفي عنه وجهُ المفعولِ به المذكورِ في قراءة الكوفيين، وتبقى الأوجهُ الباقيةُ جائزةً في سائر القراءات.

قوله: {والصلح خَيْرٌ} مبتدأ وخبر، وهذه الجملة قال الزمخشري فيها وفي التي بعدها: «إنهما اعتراضٌ» ولم يبيِّنْ ذلك، وكأنه يريد أن قولَه: «وإنْ يَتفَرَّقا» معطوفٌ على قوله: «فلا جناح» فجاءت الجملتان بينهما اعتراضاً، هكذا قال الشيخ وفيه نظر، فإن بعدهما جملاً أُخَرَ فكان ينبغي أن يقول الزمخشري في الجميع: إنها اعتراض، ولا يخص: «والصلح خير» «وأُحْضِرَت الأنفسُ» بذلك، وإنما يريد الزمخشري بذلك الاعتراضَ بين قوله: {وَإِنِ امرأة} وقوله: {وَإِن تُحْسِنُواْ} فإنهما شرطان متعاطفان، ويَدُلُّ عليه تفسيرُه له بما يفيد هذا المعنى فإنه قال: «وإن تحسنوا بالإِقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتتقوا …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: {كُلَّ الميل} : نصبٌ على المصدرية، وقد تقرر أن «كل» بحسَبِ ما تُضاف إليه، إنْ أضيفت إلى مصدر كانت [مصدراً] ، أو ظرفٍ أو غيره فكذلك. قوله: {فَتَذَرُوهَا} فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب بإضمارِ «أَنْ» في جواب النهي، والثاني: أنه مجزوم عطفاً على الفعل قبله أي: فلا تذروها، ففي الأول نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضميرُ في «تَذَروها» يعود على المميلِ عنها لدلالة السياق عليها. قوله: {كالمعلقة} حال من «ها» في «تَذَروها» فيتعلق بمحذوف أي: فتذروها مشبهةً المعلقة، ويجوز عندي أن يكون مفعولاً ثانياً لأن قولك: / «تذر» بمعنى «تترك» وتَرَكَ «يتعدَّى لاثنين إذا كان بمعنى صيَّر.

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

Explained together with ayah 129

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.