Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 121–130 of 176

121

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

صفحة ٢٠٣

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ .

كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ.

ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.

والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ.

وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ

صفحة ٢٠٤

الدُّعاءِ بُعْدًا.

وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ …

An-Nisaa 4:121Listen in Qur'an →
122

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allah, [which is] truth, and who is more truthful than Allah in statement.

صفحة ٢٠٧

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ١٢١] جَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الإنْذارِ بِالبِشارَةِ، والوَعِيدِ بِالوَعْدِ.

وقَوْلُهُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ إلَخْ، وهي بِمَعْناهُ، فَلِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحاةُ مِثْلَهُ مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِما هو بِمَعْناهُ.

وقَوْلُهُ حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾، إذْ كانَ هَذا في مَعْنى الوَعْدِ، أيْ هَذا الوَعْدُ أُحَقِّقُهُ حَقًّا، أيْ لا يَتَخَلَّفُ. ولَمّا كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ خالِيًا عَنْ مَعْنى الإحْقاقِ كانَ هَذا المَصْدَرُ مِمّا يُسَمِّيهِ النُّحاةُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعْدِ وتَحْقِيقٌ لَهُ: أيْ هَذا مِن وعْدِ اللَّهِ، ووُعُودُ اللَّهِ وُعُودُ صِدْقٍ، إذْ لا أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِأنَّ التَّذْيِيلَ مِن أصْنافِ الِاعْتِراضِ وهو اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، وانْتَصَبَ قِيلًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةٍ مِن ﴿أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾ .

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.

والقِيلُ: القَوْلُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ بِوَزْنِ فِعْلٍ يَجِيءُ في الشَّرِّ والخَيْرِ.

An-Nisaa 4:122Listen in Qur'an →
123

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا

Paradise is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allah a protector or a helper.

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾

صفحة ٢٠٨

الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضائِلِ الأعْمالِ، والتَّشْوِيهِ بِمَساوِيها، وأنَّ في لَيْسَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ تابِعًا لِأمانِيِّ النّاسِ ومُشْتَهاهم، بَلْ هو أمْرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَقْدِيرًا بِحَسَبَ الأعْمالِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ تَذْيِيلٍ مُشْعِرٍ بِالنِّهايَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .

ومِمّا يُرَجِّحُهُ أنَّ في ذَلِكَ الِاعْتِبارِ إبْهامًا في الضَّمِيرِ، ثُمَّ بَيانًا لَهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وهي ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ وأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ عَنْ مَوْقِعِها الَّذِي يُتَرَقَّبُ في آخِرِ الكَلامِ، فَكانَ تَقْدِيمُها إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِها، وتَهْيِئَةً لِإبْهامِ الضَّمِيرِ. وهَذِهِ كُلُّها خَصائِصُ مِن طُرُقِ الإعْجازِ في النَّظْمِ.

وجُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ بَيانِ هَذا النَّفْيِ المُجْمَلِ. ولِهَذا الِاسْتِئْنافُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ وخُصُوصِيَّةٌ تَفُوتُ بِغَيْرِ هَذا النَّظْمِ الَّذِي فَسَّرْناهُ.

وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ عائِدًا عَلى وعْدِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَكْمِلَةِ الكَلامِ السّابِقِ حالًا مِن وعْدَ اللَّهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا.

رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي صالِحٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى مَسْرُوقٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَزِيدُ عَلى بَعْضٍ، أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّهُ وقَعَ تَحاجٌّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ: اليَهُودِ والنَّصارى، كُلُّ فَرِيقٍ يَقُولُ لِلْآخَرَيْنِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، ويَحْتَجُّ لِذَلِكَ ويَقُولُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآياتِ. فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدى اللَّهِ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ وكُلَّ مَن ضَلَّ وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَهو مُجازًى بِسُوءِ عَمِلِهِ، فالَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ عِيسى، فَبَطَلَ قَوْلُ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. والَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا: فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَكَمًا فَصْلًا بَيْنَ الفِرَقِ، وتَعْلِيمًا لَهم أنْ يَنْظُرُوا في تَوَفُّرِ حَقِيقَةِ الإيمانِ الصَّحِيحِ، وتَوَفُّرِ العَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ، ولِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ أمانِيَّ الفِرَقِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ

صفحة ٢٠٩

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم …

An-Nisaa 4:123Listen in Qur'an →
124

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾

صفحة ٢٠٨

الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضائِلِ الأعْمالِ، والتَّشْوِيهِ بِمَساوِيها، وأنَّ في لَيْسَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ تابِعًا لِأمانِيِّ النّاسِ ومُشْتَهاهم، بَلْ هو أمْرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَقْدِيرًا بِحَسَبَ الأعْمالِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ تَذْيِيلٍ مُشْعِرٍ بِالنِّهايَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .

ومِمّا يُرَجِّحُهُ أنَّ في ذَلِكَ الِاعْتِبارِ إبْهامًا في الضَّمِيرِ، ثُمَّ بَيانًا لَهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وهي ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ وأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ عَنْ مَوْقِعِها الَّذِي يُتَرَقَّبُ في آخِرِ الكَلامِ، فَكانَ تَقْدِيمُها إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِها، وتَهْيِئَةً لِإبْهامِ الضَّمِيرِ. وهَذِهِ كُلُّها خَصائِصُ مِن طُرُقِ الإعْجازِ في النَّظْمِ.

وجُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ بَيانِ هَذا النَّفْيِ المُجْمَلِ. ولِهَذا الِاسْتِئْنافُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ وخُصُوصِيَّةٌ تَفُوتُ بِغَيْرِ هَذا النَّظْمِ الَّذِي فَسَّرْناهُ.

وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ عائِدًا عَلى وعْدِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَكْمِلَةِ الكَلامِ السّابِقِ حالًا مِن وعْدَ اللَّهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا.

رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي صالِحٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى مَسْرُوقٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَزِيدُ عَلى بَعْضٍ، أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّهُ وقَعَ تَحاجٌّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ: اليَهُودِ والنَّصارى، كُلُّ فَرِيقٍ يَقُولُ لِلْآخَرَيْنِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، ويَحْتَجُّ لِذَلِكَ ويَقُولُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآياتِ. فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدى اللَّهِ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ وكُلَّ مَن ضَلَّ وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَهو مُجازًى بِسُوءِ عَمِلِهِ، فالَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ عِيسى، فَبَطَلَ قَوْلُ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. والَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا: فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَكَمًا فَصْلًا بَيْنَ الفِرَقِ، وتَعْلِيمًا لَهم أنْ يَنْظُرُوا في تَوَفُّرِ حَقِيقَةِ الإيمانِ الصَّحِيحِ، وتَوَفُّرِ العَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ، ولِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ أمانِيَّ الفِرَقِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ

صفحة ٢٠٩

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم …

An-Nisaa 4:124Listen in Qur'an →
125

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا

And who is better in religion than one who submits himself to Allah while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allah took Abraham as an intimate friend.

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] الَّذِي ماصَدَقُهُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ أعْقَبَهُ بِتَفْضِيلِ دِينِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ.

وإسْلامُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَمامِ الطّاعَةِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أحْسَنُ الكِناياتِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وفِيهِ ما كانَ بِهِ الإنْسانُ إنْسانًا، وفي القُرْآنِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] . والعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ مِن هَذا القَبِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويَقُولُونَ: أخَذَ بِساقِهِ، أيْ تَمَكَّنَ مِنهُ، وكَأنَّهُ تَمْثِيلٌ لِإمْساكِ الرُّعاةِ الأنْعامَ.

وفِي الحَدِيثِ «الطَّلاقُ لِمَن أخَذَ بِالسّاقِ» . ويَقُولُونَ: ألْقى إلَيْهِ القِيادَ، وألْقى إلَيْهِ الزِّمامَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

يَقُولُ أنْفِي لَكَ عانٍ راغِمُ

ويَقُولُونَ: يَدِي رَهْنٌ لِفُلانٍ. وأرادَ بِإسْلامِ الوَجْهِ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] .

صفحة ٢١١

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ قُصِدَ مِنها اتِّصافُهُ بِالإحْسانِ حِينَ إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ، أيْ خَلَعَ الشِّرْكَ قاصِدًا الإحْسانَ، أيْ راغِبًا في الإسْلامِ لِما رَأى فِيهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإحْسانِ. ومَعْنى ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أنَّهُ اتَّبَعَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ الَّتِي هي عَلى أُسُسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ بِها يَكْمُلُ مَعْنى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، ولَعَلَّها هي: الإيمانُ، والإحْسانُ، والإسْلامُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ دَخَلَ في الإسْلامِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُخْلِصٌ راغِبٌ في الخَيْرِ، وأنَّ اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَنى بِهِ التَّوْحِيدَ. وتَقَدَّمَ أنَّ حَنِيفًا مَعْناهُ مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ أوْ مُتَعَبِّدًا. وإذا جَعَلْتَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ عامِلٌ الصّالِحاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ المُرادِفِ وهو بَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ عَطَفَ ثَناءَ إبْراهِيمَ عَلى مَدْحِ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ: زِيادَةَ تَنْوِيهٍ بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا. والخَلِيلُ في كَلامِ العَرَبِ الصّاحِبُ المُلازِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِن أُمُورِ صاحِبِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخِلالِ، وهو النَّواحِي المُتَخَلِّلَةُ لِلْمَكانِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ. ويُقالُ: خِلٌّ وخُلٌّ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها ومُؤَنَّثُهُ: خُلَّةٌ بِضَمِّ الخاءِ، ولا يُقالُ بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ كَعْبٌ:

أكْرِمْ بِها خُلَّةً لَوْ أنَّها صَدَقَتْ

وجَمْعُها خَلائِلُ. وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - عَلى الصُّحْبَةِ الخالِصَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وجَمْعُها خِلالٌ ﴿مِن …

An-Nisaa 4:125Listen in Qur'an →
126

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah, of all things, encompassing.

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] الَّذِي ماصَدَقُهُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ أعْقَبَهُ بِتَفْضِيلِ دِينِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ.

وإسْلامُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَمامِ الطّاعَةِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أحْسَنُ الكِناياتِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وفِيهِ ما كانَ بِهِ الإنْسانُ إنْسانًا، وفي القُرْآنِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] . والعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ مِن هَذا القَبِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويَقُولُونَ: أخَذَ بِساقِهِ، أيْ تَمَكَّنَ مِنهُ، وكَأنَّهُ تَمْثِيلٌ لِإمْساكِ الرُّعاةِ الأنْعامَ.

وفِي الحَدِيثِ «الطَّلاقُ لِمَن أخَذَ بِالسّاقِ» . ويَقُولُونَ: ألْقى إلَيْهِ القِيادَ، وألْقى إلَيْهِ الزِّمامَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

يَقُولُ أنْفِي لَكَ عانٍ راغِمُ

ويَقُولُونَ: يَدِي رَهْنٌ لِفُلانٍ. وأرادَ بِإسْلامِ الوَجْهِ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] .

صفحة ٢١١

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ قُصِدَ مِنها اتِّصافُهُ بِالإحْسانِ حِينَ إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ، أيْ خَلَعَ الشِّرْكَ قاصِدًا الإحْسانَ، أيْ راغِبًا في الإسْلامِ لِما رَأى فِيهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإحْسانِ. ومَعْنى ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أنَّهُ اتَّبَعَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ الَّتِي هي عَلى أُسُسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ بِها يَكْمُلُ مَعْنى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، ولَعَلَّها هي: الإيمانُ، والإحْسانُ، والإسْلامُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ دَخَلَ في الإسْلامِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُخْلِصٌ راغِبٌ في الخَيْرِ، وأنَّ اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَنى بِهِ التَّوْحِيدَ. وتَقَدَّمَ أنَّ حَنِيفًا مَعْناهُ مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ أوْ مُتَعَبِّدًا. وإذا جَعَلْتَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ عامِلٌ الصّالِحاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ المُرادِفِ وهو بَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ عَطَفَ ثَناءَ إبْراهِيمَ عَلى مَدْحِ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ: زِيادَةَ تَنْوِيهٍ بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا. والخَلِيلُ في كَلامِ العَرَبِ الصّاحِبُ المُلازِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِن أُمُورِ صاحِبِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخِلالِ، وهو النَّواحِي المُتَخَلِّلَةُ لِلْمَكانِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ. ويُقالُ: خِلٌّ وخُلٌّ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها ومُؤَنَّثُهُ: خُلَّةٌ بِضَمِّ الخاءِ، ولا يُقالُ بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ كَعْبٌ:

أكْرِمْ بِها خُلَّةً لَوْ أنَّها صَدَقَتْ

وجَمْعُها خَلائِلُ. وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - عَلى الصُّحْبَةِ الخالِصَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وجَمْعُها خِلالٌ ﴿مِن …

An-Nisaa 4:126Listen in Qur'an →
127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا

And they request from you, [O Muhammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allah gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allah is ever Knowing of it.

صفحة ٢١٢

﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ .

عُطِفَ تَشْرِيعٌ عَلى إيمانٍ وحِكْمَةٍ وعِظَةٍ. ولَعَلَّ هَذا الِاسْتِفْتاءُ حَدَثَ حِينَ نُزُولِ الآياتِ السّابِقَةِ، فَذَكَرَ حُكْمَهُ عَقِبَها مَعْطُوفًا، وهَذا الِاسْتِفْتاءُ حَصَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢] إلَخْ.

وأحْسَنُ ما ورَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] قالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ ولِيِّها تَشْرَكُهُ في مالِهِ ويُعْجِبُهُ مالَها وجَمالَها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ، وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ. وأنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ . قالَتْ عائِشَةُ: وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ؛ قالَتْ: فَنُهُوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِنَّ عَنْهُنَّ إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ، وكانَ الوَلِيُّ يَرْغَبُ عَنْ أنْ يَنْكِحَها ويَكْرَهَ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فالمُرادُ: ويَسْتَفْتُونَكَ في أحْكامِ النِّساءِ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وأخَصُّ الأحْكامِ بِالنِّساءِ: أحْكامُ وِلايَتِهِنَّ، وأحْكامُ مُعاشَرَتِهِنَّ. ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا مِيراثَ النِّساءِ إذْ لا خُطُورَ لَهُ بِالبالِ هُنا.

وقَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ وعْدٌ بِاسْتِيفاءِ الإجابَةِ عَنِ الِاسْتِفْتاءِ، وهو ضَرْبٌ مِن تَبْشِيرِ السّائِلِ المُتَحَيِّرِ بِأنَّهُ قَدْ وجَدَ طِلْبَتَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ.

صفحة ٢١٣

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذِهِ الفُتْيا.

وقَوْلُهُ ﴿وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ ويُفْتِيكم فِيهِنَّ ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، أيِ القُرْآنِ. وإسْنادُ الإفْتاءِ إلى ما يُتْلى إسْنادٌ مَجازِيٌّ، لِأنَّ ما يُتْلى دالٌّ عَلى إفْتاءِ اللَّهِ فَهو سَبَبٌ فِيهِ، فَآلَ المَعْنى إلى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وما سَيُتْلى بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ بِهِ وتَكْرِيرَهُ إفْتاءٌ بِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، وما أتْبَعَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ إفْتاءٌ أيْضًا. وقَدْ ألَمَّتِ …

An-Nisaa 4:127Listen in Qur'an →
128

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess. But if you do good and fear Allah - then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ .

عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ،

صفحة ٢١٥

وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها.

فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا.

واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .

ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن …

An-Nisaa 4:128Listen in Qur'an →
129

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging. And if you amend [your affairs] and fear Allah - then indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ .

عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ،

صفحة ٢١٥

وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها.

فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا.

واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .

ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن …

An-Nisaa 4:129Listen in Qur'an →
130

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا

But if they separate [by divorce], Allah will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allah Encompassing and Wise.

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ .

عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ،

صفحة ٢١٥

وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها.

فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا.

واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .

ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن …

An-Nisaa 4:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.