Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ .

صفحة ١٦٥

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَبُ، والآخَرُ العَهْدُ، أمّا النَّسَبُ فَهم ما كانُوا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ ولا الإناثَ. وإنَّما كانُوا يُوَرِّثُونَ مِنَ الأقارِبِ الرِّجالَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ عَلى الخَيْلِ ويَأْخُذُونَ الغَنِيمَةَ، وأمّا العَهْدُ فَمِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: الحِلْفُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَإذا تَعاهَدُوا عَلى هَذا الوَجْهِ فَأيُّهَما ماتَ قَبْلَ صاحِبِهِ كانَ لِلْحَيِّ ما اشْتَرَطَ مِن مالِ المَيِّتِ.

والثّانِي: التَّبَنِّي، فَإنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَتَبَنّى ابْنَ غَيْرِهِ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ أبِيهِ مِنَ النَّسَبِ ويَرِثُهُ، وهَذا التَّبَنِّي نَوْعٌ مِن أنْواعِ المُعاهَدَةِ، ولَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ تَرَكَهم في أوَّلِ الأمْرِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: بَلْ قَرَّرَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] والمُرادُ التَّوارُثُ بِالنَّسَبِ. ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] والمُرادُ بِهِ التَّوارُثُ بِالعَهْدِ، والأوَّلُونَ قالُوا المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ النَّصِيبَ مِنَ المالِ، بَلِ المُرادُ فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ النُّصْرَةِ والنَّصِيحَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، فَهَذا شَرْحُ أسْبابِ التَّوارُثِ في الجاهِلِيَّةِ.

وأمّا أسْبابُ التَّوارُثِ في الإسْلامِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في أوَّلِ الأمْرِ قَرَّرَ الحِلْفَ والتَّبَنِّيَ، وزادَ فِيهِ أمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: الهِجْرَةُ، فَكانَ المُهاجِرُ يَرِثُ مِنَ المُهاجِرِ. وإنْ كانَ أجْنَبِيًّا عَنْهُ، إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُخْتَصًّا بِالآخَرِ بِمَزِيدِ المُخالَطَةِ والمُخالَصَةِ، ولا يَرِثُهُ غَيْرُ المُهاجِرِ، وإنْ كانَ مِن أقارِبِهِ. والثّانِي: المُؤاخاةُ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُؤاخِي بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهم، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّوارُثِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ كُلَّ هَذِهِ الأسْبابِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] والَّذِي تَقَرَّرَ عَلَيْهِ دِينُ الإسْلامِ أنَّ أسْبابَ التَّوْرِيثِ ثَلاثَةٌ: النَّسَبُ، والنِّكاحُ، والوَلاءُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى عَطاءٌ قالَ: «اسْتُشْهِدَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وامْرَأةً وأخًا، فَأخَذَ الأخُ المالَ كُلَّهُ، فَأتَتِ المَرْأةُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ ابْنَتا سَعْدٍ، وإنَّ سَعْدًا قُتِلَ وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ارْجِعِي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي فِيهِ“ ثُمَّ إنَّها عادَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ وبَكَتْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُما وقالَ: ”أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأمَّهُما الثُّمُنَ وما بَقِيَ فَهو لَكَ، فَهَذا أوَّلُ مِيراثٍ قُسِمَ في الإسْلامِ» .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في مالِ الأيْتامِ، …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

صفحة ١٧٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ أقْسامَ الوَرَثَةِ في هَذِهِ الآياتِ عَلى أحْسَنِ التَّرْتِيباتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوارِثَ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالمَيِّتِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةٍ، فَإنِ اتَّصَلَ بِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ فَسَبَبُ الِاتِّصالِ إمّا أنْ يَكُونَ هو النَّسَبَ أوِ الزَّوْجِيَّةَ، فَحَصَلَ هاهُنا أقْسامٌ ثَلاثَةٌ، أشْرَفُها وأعْلاها الِاتِّصالُ الحاصِلُ ابْتِداءً مِن جِهَةِ النَّسَبِ، وذَلِكَ هو قُرابَةُ الوِلادَةِ، ويَدْخُلُ فِيها الأوْلادُ والوالِدانِ، فاللَّهُ تَعالى قَدَّمَ حُكْمَ هَذا القِسْمِ.

وثانِيها: الِاتِّصالُ الحاصِلُ ابْتِداءً مِن جِهَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وهَذا القِسْمُ مُتَأخِّرٌ في الشَّرَفِ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ ذاتِيٌّ وهَذا الثّانِي عَرَضِيٌّ، والذّاتِيُّ أشْرَفُ مِنَ العَرَضِيِّ، وهَذا القِسْمُ هو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ الآنَ في تَفْسِيرِها.

وثالِثُها: الِاتِّصالُ الحاصِلُ بِواسِطَةِ الغَيْرِ وهو المُسَمّى بِالكَلالَةِ، وهَذا القِسْمُ مُتَأخِّرٌ عَنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الأوْلادَ والوالِدَيْنِ والأزْواجَ والزَّوْجاتِ لا يَعْرِضُ لَهُمُ السُّقُوطُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا الكَلالَةُ فَقَدْ يَعْرِضُ لَهُمُ السُّقُوطُ بِالكُلِّيَّةِ.

وثانِيها: أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ يُنْسَبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى المَيِّتِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والكَلالَةُ تُنْسَبُ إلى المَيِّتِ بِواسِطَةٍ، والثّابِتُ ابْتِداءً أشْرَفُ مِنَ الثّابِتِ بِواسِطَةٍ.

وثالِثُها: أنَّ مُخالَطَةَ الإنْسانِ بِالوالِدَيْنِ والأوْلادِ والزَّوْجِ والزَّوْجَةِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن مُخالَطَتِهِ بِالكَلالَةِ. وكَثْرَةُ المُخالَطَةِ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والشَّفَقَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ شِدَّةَ الِاهْتِمامِ بِأحْوالِهِمْ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ الثَّلاثَةِ وأشْباهِها أخَّرَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ مَوارِيثِ الكَلالَةِ عَنْ ذِكْرِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ وما أشَدَّ انْطِباقَهُ عَلى قَوانِينِ المَعْقُولاتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ في المُوجِبِ النِّسْبِيِّ حَظَّ الرَّجُلِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ كَذَلِكَ جَعَلَ في المُوجِبِ السَّبَبِيِّ حَظَّ الرَّجُلِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، واعْلَمْ أنَّ الواحِدَ والجَماعَةَ سَواءٌ في الرُّبُعِ والثُّمُنِ، والوَلَدُ مِن ذَلِكَ الزَّوْجِ ومِن غَيْرِهِ سَواءٌ في الرَّدِّ مِنَ النِّصْفِ إلى الرُّبُعِ أوْ مِنَ الرُّبُعِ إلى الثُّمُنِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا فَرْقَ في الوَلَدِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى ولا فَرْقَ بَيْنَ الِابْنِ وبَيْنَ ابْنِ الِابْنِ ولا بَيْنَ البِنْتِ وبَيْنَ بِنْتِ الِابْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لِلزَّوْجِ غَسْلُ زَوْجَتِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَجُوزُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّها بَعْدَ المَوْتِ زَوْجَتُهُ فَيَحِلُّ لَهُ غَسْلُها، بَيانُ أنَّها زَوْجَتُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ سَمّاها زَوْجَةً حالَ ما أثْبَتَ لِلزَّوْجِ نِصْفَ مالِها عِنْدَ مَوْتِها، إذا ثَبَتَ لِلزَّوْجِ …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

صفحة ١٨٤

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَعْدَ بَيانِ سِهامِ المَوارِيثِ ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ تَرْغِيبًا في الطّاعَةِ وتَرْهِيبًا عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ.

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أحْوالِ المَوارِيثِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا مِن بَيانِ أمْوالِ الأيْتامِ وأحْكامِ الأنْكِحَةِ وأحْوالِ المَوارِيثِ وهو قَوْلُ الأصَمِّ. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي أنَّ عَوْدَهُ إلى الأقْرَبِ إذا لَمْ يَمْنَعْ مِن عَوْدِهِ إلى الأبْعَدِ مانِعٌ يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى الكُلِّ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِحُدُودِ اللَّهِ المُقَدَّراتُ الَّتِي ذَكَرَها وبَيَّنَها، وحَدُّ الشَّيْءِ طَرَفُهُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ حُدُودُ الدّارِ، والقَوْلُ الدّالُّ عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ يُسَمّى حَدًّا لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وغَيْرُهُ هو كُلُّ ما سِواهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِمَن أطاعَ أوْ عَصى في هَذِهِ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ هو عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ هَذا وغَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ الكُلَّ. أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العامَّ إنَّما ذُكِرَ عَقِيبَ تَكالِيفَ خاصَّةٍ، إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ العُمُومِ، ألا تَرى أنَّ الوالِدَ قَدْ يُقْبِلُ عَلى ولَدِهِ ويُوَبِّخُهُ في أمْرٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ يَقُولُ: احْذَرْ مُخالَفَتِي ومَعْصِيَتِي ويَكُونُ مَقْصُودُهُ مَنعَهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ. نُدْخِلْهُ نارًا) بِالنُّونِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِالياءِ.

أمّا الأوَّلُ: فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿سَنُلْقِي﴾ بِالنُّونِ.

وأمّا الثّانِي: فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالواحِدِ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالجَمْعِ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟

الجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى، فَلِهَذا صَحَّ الوَجْهانِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: انْتَصَبَ ”خالِدِينَ“ ”وخالِدًا“ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في ”نُدْخِلْهُ“ والتَّقْدِيرُ: نُدْخِلْهُ خالِدًا في النّارِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ يَبْقَوْنَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ. وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَن تَعَدّى في الحُدُودِ الَّتِي

صفحة ١٨٥

سَبَقَ ذِكْرُها …

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

صفحة ١٨٤

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَعْدَ بَيانِ سِهامِ المَوارِيثِ ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ تَرْغِيبًا في الطّاعَةِ وتَرْهِيبًا عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ.

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أحْوالِ المَوارِيثِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا مِن بَيانِ أمْوالِ الأيْتامِ وأحْكامِ الأنْكِحَةِ وأحْوالِ المَوارِيثِ وهو قَوْلُ الأصَمِّ. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي أنَّ عَوْدَهُ إلى الأقْرَبِ إذا لَمْ يَمْنَعْ مِن عَوْدِهِ إلى الأبْعَدِ مانِعٌ يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى الكُلِّ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِحُدُودِ اللَّهِ المُقَدَّراتُ الَّتِي ذَكَرَها وبَيَّنَها، وحَدُّ الشَّيْءِ طَرَفُهُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ حُدُودُ الدّارِ، والقَوْلُ الدّالُّ عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ يُسَمّى حَدًّا لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وغَيْرُهُ هو كُلُّ ما سِواهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِمَن أطاعَ أوْ عَصى في هَذِهِ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ هو عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ هَذا وغَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ الكُلَّ. أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العامَّ إنَّما ذُكِرَ عَقِيبَ تَكالِيفَ خاصَّةٍ، إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ العُمُومِ، ألا تَرى أنَّ الوالِدَ قَدْ يُقْبِلُ عَلى ولَدِهِ ويُوَبِّخُهُ في أمْرٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ يَقُولُ: احْذَرْ مُخالَفَتِي ومَعْصِيَتِي ويَكُونُ مَقْصُودُهُ مَنعَهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ. نُدْخِلْهُ نارًا) بِالنُّونِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِالياءِ.

أمّا الأوَّلُ: فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿سَنُلْقِي﴾ بِالنُّونِ.

وأمّا الثّانِي: فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالواحِدِ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالجَمْعِ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟

الجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى، فَلِهَذا صَحَّ الوَجْهانِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: انْتَصَبَ ”خالِدِينَ“ ”وخالِدًا“ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في ”نُدْخِلْهُ“ والتَّقْدِيرُ: نُدْخِلْهُ خالِدًا في النّارِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ يَبْقَوْنَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ. وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَن تَعَدّى في الحُدُودِ الَّتِي

صفحة ١٨٥

سَبَقَ ذِكْرُها …

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلى النِّساءِ ومُعاشَرَتِهِنَّ بِالجَمِيلِ، وما يَتَّصِلُ بِهَذا البابِ، ضَمَّ إلى ذَلِكَ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِنَّ فِيما يَأْتِينَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إحْسانٌ إلَيْهِنَّ ونَظَرٌ لَهُنَّ في أمْرِ آخِرَتِهِنَّ، وأيْضًا فَفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى: وهو أنَ لا يَجْعَلَ أمْرُ اللَّهِ الرِّجالَ بِالإحْسانِ إلَيْهِنَّ سَبَبًا لِتَرْكِ إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِنَّ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِنَّ في أنْواعِ المَفاسِدِ والمَهالِكِ، وأيْضًا فِيهِ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ، وهي بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَما يَسْتَوْفِي لِخَلْقِهِ فَكَذَلِكَ يَسْتَوْفِي عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لَيْسَ في أحْكامِهِ مُحاباةٌ ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ قَرابَةٌ، وأنَّ مَدارَ هَذا الشَّرْعِ الإنْصافُ والِاحْتِرازُ في كُلِّ بابٍ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فَقالَ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اللّاتِي: جَمْعُ الَّتِي، ولِلْعَرَبِ في جَمْعِ ”الَّتِي“ لُغاتٌ: اللّاتِي واللّاتِ واللَّواتِي واللَّواتِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ في الجَمْعِ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ: الَّتِي، ومِنَ الحَيَوانِ: اللّاتِي، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النساء: ٥] وقالَ في هَذِهِ: اللّاتِي واللّائِي، والفَرْقُ هو أنَّ الجَمْعَ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ الشَّيْءِ الواحِدِ، وأمّا جَمْعُ الحَيَوانِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ غَيْرِها بِخَواصٍّ وصِفاتٍ، فَهَذا هو الفَرْقُ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ البابَيْنِ، فَيَقُولُ: ما فَعَلَتِ الهِنْداتُ الَّتِي مِن أمْرِها كَذا، وما فَعَلَتِ الأثْوابُ الَّتِي مِن قِصَّتِهِنَّ كَذا، والأوَّلُ هو المُخْتارُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ أيْ يَفْعَلْنَها يُقالُ: أتَيْتُ أمْرًا قَبِيحًا، أيْ فَعَلْتُهُ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] وقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى الفَواحِشِ بِهَذِهِ العِبارَةِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَهى المُكَلَّفَ عَنْ فِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي، فَهو تَعالى لا يُعِينُ المُكَلَّفَ عَلى فِعْلِها، بَلِ المُكَلَّفُ كَأنَّهُ ذَهَبَ إلَيْها مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، واخْتارَها بِمُجَرَّدِ طَبْعِهِ، فَلِهَذِهِ الفائِدَةِ يُقالُ: إنَّهُ جاءَ إلى تِلْكَ الفاحِشَةِ وذَهَبَ إلَيْها، إلّا أنَّ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ لا تَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يَأْتِينَ بِالفاحِشَةِ، وأمّا الفاحِشَةُ فَهِي الفِعْلَةُ القَبِيحَةُ وهي مَصْدَرٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كالعاقِبَةِ يُقالُ: فَحُشَ الرَّجُلُ يَفْحُشُ فُحْشًا وفاحِشَةً، وأفْحَشَ إذا جاءَ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الفاحِشَةَ هَهُنا الزِّنا، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الزِّنا اسْمُ الفاحِشَةِ لِزِيادَتِها في القُبْحِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ القَبائِحِ.

فَإنْ قِيلَ: الكُفْرُ أقْبَحُ مِنهُ، وقَتْلُ النَّفْسِ أقْبَحُ مِنهُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ فاحِشَةً.

قُلْنا: السَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ القُوى المُدَبِّرَةَ لِبَدَنِ الإنْسانِ …

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (واللَّذانِّ وهَذانِّ) مُشَدَّدَةَ النُّونِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا أبُو عَمْرٍو فَإنَّهُ

صفحة ١٩٠

وافَقَ ابْنَ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: (فَذانِّكَ) أمّا وجْهُ التَّشْدِيدِ قالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: إنَّما شَدَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذِهِ النُّوناتِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الفَرْقُ بَيْنَ تَثْنِيَةِ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وغَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، والآخَرُ: أنَّ ”الَّذِي وهَذا“ مَبْنِيّانِ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو الذّالُ، فَأرادُوا تَقْوِيَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِأنْ زادُوا عَلى نُونِها نُونًا أُخْرى مِن جِنْسِها، وقالَ غَيْرُهُ: سَبَبُ التَّشْدِيدِ فِيها أنَّ النُّونَ فِيها لَيْسَتْ نُونَ التَّثْنِيَةِ، فَأرادَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ نُونِ التَّثْنِيَةِ، وقِيلَ زادُوا النُّونَ تَأْكِيدًا، كَما زادُوا اللّامَ، وأمّا تَخْصِيصُ أبِي عَمْرٍو التَّعْوِيضَ في المُبْهَمَةِ دُونَ المَوْصُولَةِ، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَمّا رَأى مِن أنَّ الحَذْفَ لِلْمُبْهَمَةِ ألْزَمُ، فَكانَ اسْتِحْقاقُها العِوَضَ أشَدَّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الآيَةَ الأُولى في الزُّناةِ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا في الزُّناةِ، فَعِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا في أنَّهُ ما السَّبَبُ في هَذا التَّكْرِيرِ وما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ الزَّوانِي، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ الزُّناةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ الحَبْسَ في البَيْتِ بِالمَرْأةِ وخَصَّ الإيذاءَ بِالرَّجُلِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَقَعُ في الزِّنا عِنْدَ الخُرُوجِ والبُرُوزِ، فَإذا حُبِسَتْ في البَيْتِ انْقَطَعَتْ مادَّةُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وأمّا الرَّجُلُ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ حَبْسُهُ في البَيْتِ، لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى الخُرُوجِ في إصْلاحِ مَعاشِهِ وتَرْتِيبِ مُهِمّاتِهِ واكْتِسابِ قُوتِ عِيالِهِ، فَلا جَرَمَ جُعِلَتْ عُقُوبَةُ المَرْأةِ الزّانِيَةِ الحَبْسَ في البَيْتِ، وجُعِلَتْ عُقُوبَةُ الرَّجُلِ الزّانِي أنْ يُؤْذى، فَإذا تابَ تُرِكَ إيذاؤُهُ.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ الإيذاءَ كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، والحَبْسُ كانَ مِن خَواصِّ المَرْأةِ، فَإذا تابا أُزِيلَ الإيذاءُ عَنْهُما وبَقِيَ الحَبْسُ عَلى المَرْأةِ، وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ البِكْرُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وبِالآيَةِ الأُولى الثَّيِّبُ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ.

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ فَأضافَهُنَّ إلى الأزْواجِ.

والثّانِي: أنَّهُ سَمّاهُنَّ نِساءً وهَذا الِاسْمُ ألْيَقُ بِالثَّيِّبِ.

والثّالِثُ: أنَّ الأذى أخَفُّ مِنَ الحَبْسِ في البَيْتِ والأخَفُّ لِلْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ.

والرّابِعُ: قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والتَّقْدِيرُ: واللَّذانِ يَأْتِيانِ الفاحِشَةَ مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما. ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ يَعْنِي إنْ لَمْ يَتُوبا وأصَرّا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ فَأمْسِكُوهُنَّ في …

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ المُرْتَكِبَيْنِ لِلْفاحِشَةِ إذا تابا وأصْلَحا زالَ الأذى عَنْهُما، وأخْبَرَ عَلى الإطْلاقِ أيْضًا أنَّهُ تَوّابٌ رَحِيمٌ، ذَكَرَ وقْتَ التَّوْبَةِ وشَرْطَها، ورَغَّبَهم في تَعْجِيلِها لِئَلّا يَأْتِيَهِمُ المَوْتُ وهم مُصِرُّونَ فَلا تَنْفَعُهُمُ التَّوْبَةُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ فَقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] واحْتَجَّ القاضِي عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ عَقْلًا قَبُولُها.

الثّانِي: لَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ عَلى مُجَرَّدِ القَبُولِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فَرْقٌ لِأنَّ هَذا أيْضًا إخْبارٌ عَنِ الوُقُوعِ، أمّا إذا حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ القَبُولِ وهَذا عَلى الوُقُوعِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولا يَلْزَمُ التَّكْرارُ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِالوُجُوبِ عَلى اللَّهِ باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ لازِمَةَ الوُجُوبِ اسْتِحْقاقُ الذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ، فَهَذِهِ اللّازِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُمْتَنِعَةَ الثُّبُوتِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أوْ غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ في حَقِّهِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ الواجِبِ لَمّا كانَ مُسْتَلْزِمًا لِهَذا الذَّمِّ، وهَذا الذَّمُّ مُحالُ الثُّبُوتِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّرْكُ مُمْتَنِعَ الثُّبُوتِ في حَقِّ اللَّهِ، وإذا كانَ التَّرْكُ مُمْتَنِعَ الثُّبُوتِ عَقْلًا كانَ الفِعْلُ واجِبَ الثُّبُوتِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّهُ تَعالى مُوجَبًا بِالذّاتِ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ وذَلِكَ باطِلٌ، وأمّا إنْ كانَ اسْتِحْقاقُ الذَّمِّ غَيْرَ مُمْتَنِعِ الحُصُولِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، فَيَلْزَمُ جَوازُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مَعَ كَوْنِهِ إلَهًا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِاسْتِحْقاقِ الذَّمِّ وذَلِكَ مُحالٌ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى باطِلٌ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قادِرِيَّةَ العَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ التَّوْبَةِ وتَرْكِها إمّا أنْ يَكُونَ عَلى السَّوِيَّةِ، أوْ لا يَكُونَ

صفحة ٤

عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنْ كانَ عَلى السَّوِيَّةِ لَمْ يَتَرَجَّحْ فِعْلُ التَّوْبَةِ عَلى تَرْكِها إلّا لِمُرَجِّحٍ، ثُمَّ ذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ حَدَثَ لا عَنْ مُحْدِثٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ حَدَثَ عَنِ العَبْدِ عادَ التَّقْسِيمُ، وإنْ حَدَثَ عَنِ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ العَبْدُ إنَّما أقْدَمَ عَلى التَّوْبَةِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَقْوِيَتِهِ، فَتَكُونُ تِلْكَ التَّوْبَةُ إنْعامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، وإنْعامُ المَوْلى عَلى عَبْدِهِ لا يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى، فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ التَّوْبَةِ عَنِ العَبْدِ لا يُوجِبُ عَلى اللَّهِ القَبُولَ، وأمّا إنْ كانَتْ …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَرائِطَ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ أرْدَفَها بِشَرْحِ التَّوْبَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَقْبُولَةً، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَن حَضَرَهُ المَوْتُ وشاهَدَ أهْوالَهُ فَإنَّ تَوْبَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَحْثَيْنِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَةَ مَن وصَفْنا حالَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ وهي صَرِيحَةٌ في المَطْلُوبِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] .

الثّالِثُ: قالَ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ﴾

صفحة ٧

﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١] فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَوْبَتَهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ، ولَوْ أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الإيمانِ قَبْلَ تِلْكَ السّاعَةِ بِلَحْظَةٍ لَكانَ مَقْبُولًا.

الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] .

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المنافقون: ١٠، ١١]، فَأخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُقْبَلُ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.

السّادِسُ: رَوى أبُو أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ»، أيْ ما لَمْ تَتَرَدَّدِ الرُّوحُ في حَلْقِهِ، وعَنْ عَطاءٍ: ولَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِفُواقِ النّاقَةِ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ إبْلِيسَ قالَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ: وعِزَّتِكَ لا أُفارِقُ ابْنَ آدَمَ ما دامَتْ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فَقالَ: وعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ أيْ عَلاماتُ نُزُولِ المَوْتِ وقُرْبِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] .

البَحْثُ الثّانِي: قالَ المُحَقِّقُونَ: قُرْبُ المَوْتِ لا يَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، بَلِ المانِعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ مُشاهَدَةُ الأحْوالِ الَّتِي عِنْدَها يَحْصُلُ العِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ نَفْسَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ لا يَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أحْياهم مِثْلَ قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ومِثْلَ أوْلادِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم بَعْدَ ذَلِكَ الإحْياءَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مُشاهَدَةَ المَوْتِ لا تُخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ.

الثّانِي: أنَّ الشَّدائِدَ الَّتِي يَلْقاها مَن يَقْرُبُ مَوْتُهُ تَكُونُ مِثْلَ الشَّدائِدِ الحاصِلَةِ عِنْدَ القُولَنْجِ، ومِثْلَ الشَّدائِدِ الَّتِي تَلْقاها المَرْأةُ عِنْدَ الطَّلْقِ أوْ أزْيَدَ مِنها، فَإذا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الشَّدائِدُ …

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ وصْفِ التَّوْبَةِ عادَ إلى أحْكامِ النِّساءِ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُؤْذُونَ النِّساءَ بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإيذاءِ، ويَظْلِمُونَهُنَّ بِضُرُوبٍ مِنَ الظُّلْمِ، فاللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْها في هَذِهِ الآياتِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ماتَ وكانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ جاءَ ابْنُهُ مِن غَيْرِها أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَألْقى ثَوْبَهُ عَلى المَرْأةِ وقالَ: ورِثْتُ امْرَأتَهُ كَما ورِثْتُ مالَهُ، فَصارَ أحَقَّ بِها مِن سائِرِ النّاسِ ومِن نَفْسِها، فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِغَيْرِ صَداقٍ، إلّا الصَّداقَ الأوَّلَ الَّذِي أصْدَقَها المَيِّتُ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها مِن إنْسانٍ آخَرَ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها مِنهُ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ وأنَّ الرَّجُلَ

صفحة ١٠

لا يَرِثُ امْرَأةَ المَيِّتِ مِنهُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾ عَيْنُ النِّساءِ، وأنَّهُنَّ لا يُورَثْنَ مِنَ المَيِّتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الوِراثَةَ تَعُودُ إلى المالِ، وذَلِكَ أنَّ وارِثَ المَيِّتِ كانَ لَهُ أنْ يَمْنَعَها مِنَ الأزْواجِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَ مالَها، فَقالَ تَعالى: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا أمْوالَهُنَّ وهُنَّ كارِهاتٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”كُرْهًا“ بِضَمِّ الكافِ، وفي التَّوْبَةِ ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وفي الأحْقافِ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] كُلُّ ذَلِكَ بِالضَّمِّ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في الأحْقافِ بِالضَّمِّ، والباقِي بِالفَتْحِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكَرْهُ بِالفَتْحِ الإكْراهُ، وبِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، فَما أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَهو كَرْهٌ بِالفَتْحِ، وما كانَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَهو كُرْهٌ بِالضَّمِّ.

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّساءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِالعَطْفِ عَلى حَرْفِ ”أنْ“ تَقْدِيرُهُ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والثّانِي: أنَّهُ جُزِمَ بِالنَّهْيِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ، ولا تَرِثُوا ولا تَعْضُلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَضْلُ: المَنعُ، ومِنهُ الدّاءُ العُضالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُخاطَبُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ مِنهم قَدْ كانَ يَكْرَهُ زَوْجَتَهُ ويُرِيدُ مُفارَقَتَها، فَكانَ يُسِيءُ العِشْرَةَ مَعَها ويُضَيِّقُ …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

النَّوْعُ الرّابِعُ: مِنَ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ.

﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾

صفحة ١٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى لَمّا أذِنَ في مُضارَّةِ الزَّوْجاتِ إذا أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمَ المُضارَّةِ في غَيْرِ حالِ الفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا مالَ إلى التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ أُخْرى رَمى زَوْجَةَ نَفْسِهِ بِالفاحِشَةِ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ المَرْأةِ الَّتِي يُرِيدُها قالَ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ الآيَةَ، والقِنْطارُ المالُ العَظِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] .

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ المُغالاةِ في المَهْرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ عَلى المِنبَرِ: ألا لا تُغالُوا في مُهُورِ نِسائِكم، فَقامَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ اللَّهُ يُعْطِينا وأنْتَ تَمْنَعُ ؟ وتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ، ورَجَعَ عَنْ كَراهَةِ المُغالاةِ.

وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى جَوازِ المُغالاةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ إيتاءِ القِنْطارِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الآلِهَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ شَرْطًا لِشَيْءٍ آخَرَ كَوْنُ ذَلِكَ الشَّرْطِ في نَفْسِهِ جائِزَ الوُقُوعِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» “، ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ جَوازُ القَتْلِ، وقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ كانَ الإلَهُ جِسْمًا لَكانَ مُحْدَثًا، وهَذا حَقٌّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ قَوْلَنا: الإلَهُ جِسْمٌ حَقٌّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ يَدْخُلُ فِيها ما إذا آتاها مَهْرَها وما إذا لَمْ يُؤْتِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوْقَعَ العَقْدَ عَلى ذَلِكَ الصَّداقِ في حُكْمِ اللَّهِ، فَلا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما إذا آتاها الصَّداقَ حِسًّا، وبَيْنَ ما إذا لَمْ يُؤْتِها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تُقَرِّرَ المَهْرَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ الزَّوْجَ مِن أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِنَ المَهْرِ، وهَذا المَنعُ مُطْلَقٌ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ قَبْلَ الخَلْوَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ بَعْدَ الخَلْوَةِ، قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.