Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 111–120 of 176

111

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And whoever commits a sin only earns it against himself. And Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ أيْ: ومَن يَعْمَلُ ذَنْبًا ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: إنَّما يَعُودُ وبالُهُ عَلَيْهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهَذِهِ في طُعْمَةَ أيْضًا.

An-Nisaa 4:111Listen in Qur'an →
112

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّها نَزَلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقِصَّةِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ إذْ رَمى عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ بِالإفْكِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ "الخَطِيئَةَ" يَمِينُ السّارِقِ الكاذِبَةِ، و "الإثْمُ": سَرِقَتُهُ الدِّرْعَ، ورَمْيُهُ اليَهُودِيَّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّ "الخَطِيئَةَ" ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الذَّنْبِ، و "الإثْمُ": قَذْفُهُ البَرِيءَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ "الخَطِيئَةَ" قَدْ تَقَعُ عَنْ عَمْدٍ، وقَدْ تَقَعُ عَنْ خَطَإٍ، و "الإثْمُ": يَخْتَصُّ العَمْدَ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ: أنَّ الخَطِيئَةَ نَحْوُ قَتْلِ الخَطَإ الَّذِي يَرْتَفِعُ فِيهِ الإثْمُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا سَمّى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعْضَ المَعاصِي خَطِيئَةً، وبَعْضُها إثْمًا، أعْلَمُ أنَّ مَن كَسَبَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ أحَدُ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ثُمَّ قَذَفَ بِهِ بَرِيئًا، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ أيْ: يَقْذِفُ بِما جَناهُ بَرِيئًا مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ: الخَطِيئَةُ والإثْمُ اثْنانِ، فَكَيْفَ قالَ: بِهِ، فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أرادَ: ثُمَّ يَرِمِ بِهِما، فاكْتَفى بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى الإثْمِ مِن إعادَتِهِ عَلى الخَطِيئَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ فَخَصَّ التِّجارَةَ، والمَعْنى: لِلتِّجارَةِ واللَّهْوِ.

والثّانِي: أنَّ "الهاءَ" تَعُودُ عَلى الكَسْبِ، فَلَمّا دَلَّ بِـ "يَكْسِبُ" عَلى الكَسْبِ، كَنّى عَنْهُ. والثّالِثُ: أنَّ "الهاءَ" راجِعَةٌ عَلى مَعْنى الخَطِيئَةِ والإثْمِ، كَأنَّهُ قالَ: ومَن يَكْسِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَرِمِ بِهِ. ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ. ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى الإثْمِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالبَرِيءِ: الَّذِي قَذَفَهُ هَذا السّارِقُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَمّاهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: زَيْدَ بْنَ السَّمِيرِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُسْلِمِ، فَقالَ: الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو عائِشَةُ لَمّا قَذَفَها ابْنُ أُبَيٍّ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ: هو لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ. وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: هو أبُو مُلَيِّلٍ الأنْصارِيُّ. فَأمّا البُهْتانُ: فَهو الكَذِبُ الَّذِي يُحَيِّرُ مِن عِظَمِهِ، يُقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ: إذا تَحَيَّرَ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا بِرَمْيِهِ البَرِيءَ، وإثْمًا مُبِينًا بِيَمِينِهِ الكاذِبَةِ.

An-Nisaa 4:112Listen in Qur'an →
113

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا

And if it was not for the favor of Allah upon you, [O Muhammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allah has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allah upon you been great.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقِصَّةِ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ لَبَّسُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْرَ صاحِبِهِمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ السّائِبِ.

والثّانِي: «أنَّ وفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: جِئْناكَ نُبايِعُكَ عَلى أنْ لا نَحْشِرَ ولا نَعْشِرَ، وعَلى أنَّ تُمَتِّعَنا بِالعُزّى سَنَةً، فَلَمْ يُجِبْهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.

وَفِي المُرادِ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ. والثّانِي: الإسْلامُ والقُرْآَنُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ حَيْثُ بَيَّنَ لَكَ أمْرَ طُعْمَةَ، وحَوَّلَكَ بِالقُرْآَنِ عَنْ تَصْدِيقِ الخائِنِ؛ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: لَقَدْ هَمَّتْ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ﴾ وقَدْ هَمَّتْ بِإضْلالِهِ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ، لَظَهَرَ تَأْثِيرُ ما هَمُّوا بِهِ. فَأمّا الطّائِفَةُ، فَعَلى رِوايَةِ ابْنِ السّائِبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَوْمُ طُعْمَةَ، وعَلى رِوايَةِ الضَّحّاكِ: وفْدُ ثَقِيفٍ.

وَفِي الإضْلالِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: التَّخْطِئَةُ في الحُكْمِ. والثّانِي: الِاسْتِزْلالُ عَنِ الحَقِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم، لِأنَّهم يَعْمَلُونَ عَمَلَ الضّالِّينَ، فَيَرْجِعُ الضَّلالُ إلَيْهِمْ. فَأمّا "الكِتابُ"، فَهو القُرْآَنُ.

وَفِي "الحِكْمَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القَضاءُ بِالوَحْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بَيانُ ما في الكِتابِ، وإلْهامُ الصَّوابِ، وإلْقاءُ صِحَّةِ الجَوابِ في الرَّوْعِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفي قَوْلِهِ ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّرْعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ والآَخَرِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والثّالِثُ: الكِتابُ والحِكْمَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المِنَّةُ بِالإيمانِ. والثّانِي: المِنَّةُ بِالنُّبُوَّةِ، هَذانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ الفَضْلِ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

An-Nisaa 4:113Listen in Qur'an →
114

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ طُعْمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: وكُلُّهم يَهُودٌ تَناجَوْا في أمَرِّ طُعْمَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عامٌّ في نَجْوى جَمِيعِ النّاسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى النَّجْوى: ما تَنْفَرِدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، سِرًّا كانَ أوْ ظاهِرًا. ومَعْنى "نَجَوْتُ الشَّيْءَ" في اللُّغَةِ: خَلَّصْتُهُ وألْقَيْتُهُ، يُقالُ: نَجَوْتُ الجِلْدَ: إذا ألْقَيْتُهُ عَنِ البَعِيرِ وغَيْرِهِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَقُلْتُ انْجُوا عَنْها نَجا الجِلْدِ إنَّهُ سَيُرْضِيكُما مِنها سَنامٌ وغارِبُهْ

وَقَدْ نَجَوْتُ فُلانًا: إذا اسْتَنْكَهْتَهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ نَجَوْتُ مُجالِدًا فَوَجَدَتُ مِنهُ ∗∗∗ كَرِيحِ الكَلْبِ ماتَ قَدِيمَ عَهْدٍ

وَأصْلُهُ كُلُّهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، قالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ سَيْلًا:

؎ فَمَن بِنَجْوَتِهِ كَمَن بِعَقْوَتِهِ ∗∗∗ والمَسَّتَكِنُّ كَمَن يَمْشِي بِقِرْواحِ

والمُرادُ بِنَجْواهُمْ: ما يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: إلّا في نَجْوى مِن أمْرٍ بِصَدَقَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: لَكِنَّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَفي نَجْواهم خَيْرٌ. وأمّا قَوْلُهُ: (أمَرَ بِصَدَقَةٍ) فالمَعْنى: حَثَّ عَلَيْها.

وَأُمًّا المَعْرُوفُ، فَفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرْضُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ. والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ أفْعالِ البِرِّ، وهو اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.

An-Nisaa 4:114Listen in Qur'an →
115

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ القُرْآَنُ بِتَكْذِيبِ طُعْمَةَ، وبَيانِ ظُلْمِهِ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ القَطْعِ والفَضِيحَةِ، هَرَبَ إلى مَكَّةَ، فَلَحِقَ بِأهْلِ الشِّرْكِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ السُّلَمِيِّ فَأحْسَنَ نُزُلَهُ، فَبَلَغَهُ أنَّ في بَيْتِهِ ذَهَبًا، فَخَرَجَ في اللَّيْلِ فَنَقَبَ حائِطَ البَيْتِ، فَعَلِمُوا بِهِ فَأحاطُوا البَيْتَ، فَلَمّا رَأوْهُ، أرادُوا أنْ يَرْجُمُوهُ، فاسْتَحْيا الحَجّاجُ، لِأنَّهُ ضَيْفُهُ، فَتَرَكُوهُ، فَخَرَجَ، فَلَحِقَ بِحُرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ يَعْبُدُ صَنَمَهم حَتّى ماتَ عَلى الشِّرْكَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ خَرَجَ مَعَ تُجّارٍ فَسَرَقَ مِنهم شَيْئًا، فَرَمَوْهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ، وقِيلَ: رَكِبَ سَفِينَةً، فَسَرَقَ فِيها مالًا، فَعَلِمَ بِهِ، فَأُلْقِي في البَحْرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْمًا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآَيَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومَعْنى الآَيَةِ: ومَن يُخالِفُ الرَّسُولَ في التَّوْحِيدِ، والحُدُودَ، مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ التَّوْحِيدُ والحُكْمُ، ويَتَّبِعُ غَيْرَ دِينِ المُسْلِمِينَ، نَوَلِّهِ ما تَوَلّى، أيْ: نَكِلُهُ إلى ما اخْتارَ لِنَفْسِهِ، ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ: نُدْخِلُهُ إيّاها.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: تَقُولُ صَلَيْتُ اللَّحْمَ أُصْلِيهِ: إذا شَوَيْتُهُ، فَإنْ أرَدْتَ أنَّكَ أحْرَقْتَهُ، قُلْتَ: أصْلَيْتُهُ. وساءَتْ مَصِيرًا، أيْ: مَرْجِعًا يُصارُ إلَيْهِ.

An-Nisaa 4:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly gone far astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في حُقِّ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ لَمّا هَرَبَ مِن مَكَّةَ، وماتَ عَلى الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: «أنَّ شَيْخًا مِنَ الأعْرابِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ، إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ، وإنِّي لَنادِمٌ مُسْتَغْفِرٌ، فَما حالِي؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَأمّا تَفْسِيرُها، فَقَدْ تَقَدَّمَ.

An-Nisaa 4:116Listen in Qur'an →
117

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًۭا مَّرِيدًۭا

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ "إنَّ" بِمَعْنى: "ما" و "يَدْعُونَ" بِمَعْنى: يَعْبُدُونَ. و "الهاءُ" في "دُونِهِ" تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ إناثًا. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: إلّا وثَنًا، بِفَتْحِ الواوِ، والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رُزِينٍ: أُنُثًا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهْيِكٍ: أُناثا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وبِألِفٍ بَعْدَ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّوارِ العَدَوِّيُّ، وأبُو شَيْخِ الهَنائِيُّ: أوْثانًا، بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها واوٌ وبِألِفٍ بَعْدَ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والجَوْنَيُّ: إلّا أُنْثى، عَلى وزْنِ "فُعْلى" وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: إلّا وُثُنا، بِرَفْعِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ مُورِّقٌ العِجْلِيُّ: أُثُنًا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قالَ: إناثًا، فَهو جَمْعُ أُنْثى وإناثٍ، ومَن قالَ: أُنْثًا، فَهو جَمْعُ إناثٍ، ومَن قالَ: أُثُنًا، فَهو جَمْعُ وثَنٍ، والأصْلُ: وثَنٌ، إلّا أنَّ الواوَ إذا انْضَمَّتْ جازَ إبْدالُها هَمْزَةً، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١١] .

الأصْلُ: وُقِّتَتْ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثُنٌ أصْلَها أُثْنٍ، فَأتْبَعَتِ الضَّمَّةُ الضَّمَّةَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثْنَ، مِثْلَ أسَدٍ وأُسْدٍ.

فَأمّا المُفَسِّرُونَ، فَلَهم في مَعْنى الإناثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإناثَ بِمَعْنى الأمْواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. قالَ الحَسَنُ: كُلُّ شَيْءٍ لا رُوحَ فِيهِ، كالحَجَرِ، والخَشَبَةِ، فَهو إناثٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَواتُ كُلُّها يُخْبَرُ عَنْها، كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ، تَقُولُ مِن ذَلِكَ: الأحْجارُ تُعْجِبُنِي، والدَّراهِمُ تَنْفَعُنِي.

والثّانِي: أنَّ الإناثَ: الأوْثانُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الإناثَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، كُلُّهُنَّ مُؤَنَّثٌ، وهَذا قَوْلُ أبِي مالِكٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ. ورَوى أبُو رَجاءٍ عَنِ الحَسْنِ قالَ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يُسَمُّونَهُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما يَدْعُونَ إلّا ما يُسَمُّونَهُ باسِمِ الإناثِ.

والرّابِعُ: أنَّها المَلائِكَةُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالشَّيْطانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: شَيْطانٌ يَكُونُ في الصَّنَمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانٌ يَتَراءى لِلسَّدَنَةِ فَيُكَلِّمُهم، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسٌ. وعِبادَتُهُ: طاعَتُهُ فِيما سَوَّلَ لَهم، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أصْنامُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَأمّا "المَرِيدُ"، فَقالَ الزَّجّاجُ: "المَرِيدُ": المارِدُ، وهو الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ قَدْ مَرَدَ في الشَّرِّ، يُقالُ: مَرَدَ الرَّجُلُ يَمْرُدُ مُرُوَدًا: إذا عَتا، وخَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ. وتَأْوِيلُ المُرُودِ: أنْ يُبَلِّغَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن جُمْلَةِ ما عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: امْلِساسُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْإنْسانِ: أمْرَدٌ: إذا لَمْ يَكُنْ في وجْهِهِ شَعْرٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ: شَجَرَةٌ …

An-Nisaa 4:117Listen in Qur'an →
118

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

Whom Allah has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ "إنَّ" بِمَعْنى: "ما" و "يَدْعُونَ" بِمَعْنى: يَعْبُدُونَ. و "الهاءُ" في "دُونِهِ" تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ إناثًا. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: إلّا وثَنًا، بِفَتْحِ الواوِ، والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رُزِينٍ: أُنُثًا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهْيِكٍ: أُناثا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وبِألِفٍ بَعْدَ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّوارِ العَدَوِّيُّ، وأبُو شَيْخِ الهَنائِيُّ: أوْثانًا، بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها واوٌ وبِألِفٍ بَعْدَ الثّاءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والجَوْنَيُّ: إلّا أُنْثى، عَلى وزْنِ "فُعْلى" وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: إلّا وُثُنا، بِرَفْعِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ مُورِّقٌ العِجْلِيُّ: أُثُنًا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قالَ: إناثًا، فَهو جَمْعُ أُنْثى وإناثٍ، ومَن قالَ: أُنْثًا، فَهو جَمْعُ إناثٍ، ومَن قالَ: أُثُنًا، فَهو جَمْعُ وثَنٍ، والأصْلُ: وثَنٌ، إلّا أنَّ الواوَ إذا انْضَمَّتْ جازَ إبْدالُها هَمْزَةً، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١١] .

الأصْلُ: وُقِّتَتْ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثُنٌ أصْلَها أُثْنٍ، فَأتْبَعَتِ الضَّمَّةُ الضَّمَّةَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثْنَ، مِثْلَ أسَدٍ وأُسْدٍ.

فَأمّا المُفَسِّرُونَ، فَلَهم في مَعْنى الإناثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإناثَ بِمَعْنى الأمْواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ. قالَ الحَسَنُ: كُلُّ شَيْءٍ لا رُوحَ فِيهِ، كالحَجَرِ، والخَشَبَةِ، فَهو إناثٌ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَواتُ كُلُّها يُخْبَرُ عَنْها، كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ، تَقُولُ مِن ذَلِكَ: الأحْجارُ تُعْجِبُنِي، والدَّراهِمُ تَنْفَعُنِي.

والثّانِي: أنَّ الإناثَ: الأوْثانُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الإناثَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، كُلُّهُنَّ مُؤَنَّثٌ، وهَذا قَوْلُ أبِي مالِكٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ. ورَوى أبُو رَجاءٍ عَنِ الحَسْنِ قالَ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يُسَمُّونَهُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما يَدْعُونَ إلّا ما يُسَمُّونَهُ باسِمِ الإناثِ.

والرّابِعُ: أنَّها المَلائِكَةُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالشَّيْطانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: شَيْطانٌ يَكُونُ في الصَّنَمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانٌ يَتَراءى لِلسَّدَنَةِ فَيُكَلِّمُهم، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسٌ. وعِبادَتُهُ: طاعَتُهُ فِيما سَوَّلَ لَهم، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أصْنامُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَأمّا "المَرِيدُ"، فَقالَ الزَّجّاجُ: "المَرِيدُ": المارِدُ، وهو الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ قَدْ مَرَدَ في الشَّرِّ، يُقالُ: مَرَدَ الرَّجُلُ يَمْرُدُ مُرُوَدًا: إذا عَتا، وخَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ. وتَأْوِيلُ المُرُودِ: أنْ يُبَلِّغَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن جُمْلَةِ ما عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: امْلِساسُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْإنْسانِ: أمْرَدٌ: إذا لَمْ يَكُنْ في وجْهِهِ شَعْرٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ: شَجَرَةٌ …

An-Nisaa 4:118Listen in Qur'an →
119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allah." And whoever takes Satan as an ally instead of Allah has certainly sustained a clear loss.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ سَبِيلِ الهُدى، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ مِنَ الضَّلالِ سِوى الدُّعاءِ إلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكَذِبُ الَّذِي يُخْبِرُهم بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ لَهُمْ: لا جَنَّةَ، وَلا نارَ، ولا بَعْثَ. والثّانِي: أنَّهُ التَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ إيهامُهم أنَّهم سَيَنالُونَ مِنَ الآَخِرَةِ حَظًّا، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَزْيِينُ الأمانِي لَهم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ: هو شَقُّ أُذُنِ البَحَيْرَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُبَتِّكُنَّ": يَشْقُقْنَ، يُقالُ: بَتَكَتُ الشَّيْءَ أبْتِكُهُ بَتْكًا: إذا قَطَعْتُهُ، وبَتْكُهُ وبَتَكَ، مِثْلُ: قَطْعُهُ وقَطَعَ. وهَذا في البَحِيرَةِ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا ولَدَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، و كانَ الخامِسُ ذَكَرًا، شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ، وامْتَنَعُوا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ ماءٍ، ولا مَرْعى، وإذا لَقِيَها المُعْيِي، لَمْ يَرْكَبْها. سَوَّلَ لَهم إبْلِيسُ أنَّ هَذا قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

وَفِي المُرادِ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَغْيِيرُ دِينِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيُّ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى تَغْيِيرُ الدِّينِ: تَحْلِيلُ الحَرامِ، وتَحْرِيمُ الحَلالِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَغْيِيرُ الخُلُقِ بِالخِصاءِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّغْيِيرُ بِالوَشْمِ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَغْيِيرُ أمْرِ اللَّهِ، رَواهُ أبُو شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ عِبادَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والحِجارَةِ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوا مِنَ الأنْعامِ، وإنَّما خَلَقَ ذَلِكَ لِلِانْتِفاعِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في المُرادِ بِالوَلِيِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: الرَّبِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: مِنَ المُوالاةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: مِن أيْنَ لِإبْلِيسَ العِلْمُ بِالعَواقِبِ حَتّى قالَ: ولِأُضِلَّنَّهم. وقالَ في [الأعْرافِ: ١٧]: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ . وقالَ في "بَنِي إسْرائِيلَ" [٦٢]: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ، فَتَحَقَّقَ ظَنُّهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٠] قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي سَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] عَلِمَ أنَّهُ يَنالُ ما يُرِيدُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَزَلَّ آَدَمَ، قالَ: ذَرِّيَّةُ هَذا أضْعَفُ مِنهُ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لَأُحَرِّضَنَّ ولَأجْتَهِدَنَّ في ذَلِكَ، لا أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ عَلَمًا مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ بِخَبَرٍ …

An-Nisaa 4:119Listen in Qur'an →
120

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا

Satan promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ يَعْنِي: الشَّيْطانُ يَعِدُ أوْلِياءَهُ. وفِيما يَعِدُهم بِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لا بَعْثَ لَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: النُّصْرَةُ لَهم، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفِيما يُمَنِّيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الغُرُورُ والأمانِيُّ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: سَيَطُولُ عُمْرُكَ، وتَنالُ مِنَ الدُّنْيا مُرادَكَ. والثّانِي: الظَّفْرُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ.

﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللَّهِ قِيلا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا يَغُرُّهم بِهِ، فَأمّا المَحِيصُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو المَعْدِلُ والمَلْجَأُ، يُقالُ: حِصْتُ عَنِ الرَّجُلِ أحِيصُ، ورَوَوْا: جِضْتُ أجَيْضُ بِالجِيمِ والضّادِ، بِمَعْنى: حِصْتُ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في القُرْآَنِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، والَّذِي في القُرْآَنِ أفْصَحُ مِمّا يَجُوزُ، ويُقالُ: حِصْتُ أحْوَصُ حَوْصًا وحِياصَةً: إذا خَطَّتْ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ حَصَّ عَيْنُ صَقَرِكَ، أيْ: خُطَّ عَيْنُهُ، والحَوْصُ في العَيْنِ: ضِيقُ مُؤَخِّرِها، ويُقالُ: وقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ. وحاصَ باصَ: إذا وقَعَ فِيما لا يَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ.

An-Nisaa 4:120Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.