Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 111–120 of 176

111

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And whoever commits a sin only earns it against himself. And Allah is ever Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١١١]

﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَلْيَتَحَرَّزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

An-Nisaa 4:111Listen in Qur'an →
112

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [١١٢]

﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ الخَطِيئَةُ الذَّنْبُ، أوْ ما تُعِمَّدَ مِنهُ، والإثْمُ الذَّنْبُ أيْضًا، وأنْ يَعْمَلَ ما لا يَحِلُّ لَهُ، كَذا في "القامُوسِ".

قالَ الرّاغِبُ: الإثْمُ أعَمُّ مِنَ العُدْوانِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو فِعْلٌ مُبَطِّئٌ عَنِ الثَّوابِ.

﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ﴿بَرِيئًا﴾ أيْ: مِمّا رَماهُ بِهِ، كَما اتَّهَمَ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِصَنِيعِهِمُ القَبِيحِ ذَلِكَ الرَّجُلَ الصّالِحَ، وهو لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ - كَما تَقَدَّمَ - وقَدْ كانَ بَرِيئًا ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا فاحِشًا؛ لِأنَّهُ بِكَسْبِ الإثْمِ آثِمٌ، وبِرَمْيِ البَرِيءِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

An-Nisaa 4:112Listen in Qur'an →
113

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا

And if it was not for the favor of Allah upon you, [O Muhammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allah has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allah upon you been great.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [١١٣]

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ بِإعْلامِكَ ما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ بِرَمْيِ البَرِيءِ والمُجادَلَةِ عَنِ الخائِنِينَ، يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ لَمّا أثْنَوْا عَلى بَنِي أُبَيْرِقٍ ولامُوا قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ في كَوْنِهِ اتَّهَمَهم وهم صُلَحاءُ بُرَآءُ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما أنْهَوْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.

﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّكَ إنَّما عَمِلْتَ بِظاهِرِ الحالِ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

ولَمّا أنْزَلَ تَعالى فَصْلَ القَضِيَّةِ وجَلّاها لِرَسُولِهِ ﷺ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِتَأْيِيدِهِ إيّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ ﴿وعَلَّمَكَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ والشَّرائِعِ ﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أيْ: قَبْلَ نُزُولِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ [الشورى: ٥٢] [الشُّورى: مِنَ الآيَةِ ٥٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] [القَصَصِ: ٨٦] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ أيْ: فِيما عَلَّمَكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ.

قالَ الرّازِيُّ: هَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيهِ حِينَ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

An-Nisaa 4:113Listen in Qur'an →
114

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١١٤]

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ أيْ: مُسارَرَتِهِمْ، والسِّياقُ - وإنْ دَلَّ عَلى مُناجاةِ بَعْضِ قَوْمِ ذَلِكَ السّارِقِ مَعَ بَعْضٍ - إلّا أنَّها في المَعْنى عامَّةٌ، والمُرادُ: لا خَيْرَ فِيما يَتَناجى فِيهِ النّاسُ ويَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ، ثُمَّ اسْتَثْنى النَّجْوى في أعْمالِ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ - بِخُفْيَةٍ عَنِ الحاضِرِينَ - بِصَدَقَةٍ لِيُعْطِيَها سِرًّا، يَسْتُرُ بِهِ عارَ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.

﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ - وأعْمالُ البِرِّ كُلُّها مَعْرُوفٌ - وسِرُّ التَّناجِي فِيهِ أنْ لا يَأْنَفَ المَأْمُورُ عَنْ قَبُولِهِ لَوْ جَهَرَ بِهِ.

﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الإصْلاحَ بَيْنَ المُتَبايِنَيْنِ المُتَخاصِمَيْنِ لِيَتَراجَعا إلى ما كانا فِيهِ مِنَ الأُلْفَةِ والِاجْتِماعِ، عَلى ما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ وأمَرَ بِهِ، وسِرُّ النَّجْوى فِيهِ أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أوَّلًا رُبَّما لَمْ يَتِمَّ.

قالَ المَهايِمِيُّ: قِيلَ في الحَصْرِ: الخَيْرُ إمّا نَفْعٌ جُسْمانِيٌّ وهو في الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ، أوْ رُوحانِيٌّ وهو في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وإمّا دَفْعٌ وهو في الإصْلاحِ.

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الخَيْرُ إمّا نَفْعٌ مُتَعَدٍّ مِنَ المَأْمُورِ وهو الصَّدَقَةُ، أوْ لازِمٌ لَهُ وهو المَعْرُوفُ، أوْ دَفْعُ ضَرَرٍ مُتَعَدٍّ أوْ لازِمٍ لَهُ وهو الإصْلاحُ، وإنَّما تَتِمُّ خَيْرِيَّتُها إذا ابْتُغِيَ بِها رِضاءُ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ﴾ أيْ: طَلَبَ ﴿مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ يُساوِي أجْرَ الفاعِلِ أوْ يَفُوقُهُ.

وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى /التَّرْغِيبِ في الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ أكَّدَ تَعالى التَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ وأنَّ النِّيَّةَ فِيها شَرْطٌ لِنَيْلِ الثَّوابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ وعَلى أنَّ كَلامَ الإنْسانِ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ما كانَ في هَذا ونَحْوِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدِهِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قالَ: دَخَلْنا عَلى سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ نَعُودُهُ فَدَخَلَ عَلَيْنا سَعِيدُ بْنُ حَسّانَ، فَقالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ: الحَدِيثُ الَّذِي كُنْتَ حَدَّثْتَنِيهِ عَنْ أُمِّ صالِحٍ ارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ.

فَقالَ سُفْيانُ: أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ في كِتابِهِ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] [النَّبَأِ: ٣٨] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] إلَخْ [العَصْرِ: ١ - ٢] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ.

وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ …

An-Nisaa 4:114Listen in Qur'an →
115

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [١١٥]

﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أيْ: يُخالِفُهُ ويُعادِيهِ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيِ: اتَّضَحَ لَهُ الحَقُّ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، وهو الدِّينُ القَيِّمُ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَجْعَلُهُ والِيًا مُرَجِّحًا ما تَوَلّاهُ مِنَ المَشاقَّةِ ومُتابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ فَنُزَيِّنُهُ لَهُ تَزَيُّنَ الكُفْرِ عَلى الكَفَرَةِ؛ اسْتِدْراجًا لَهُ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] [القَلَمِ: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] [الصَّفِّ: ٥] وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] [الأنْعامِ: ١١٠].

﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: نُدْخِلْهُ إيّاها ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ وجَعَلَ النّارَ مَصِيرَهُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ مَن خَرَجَ عَنِ الهُدى لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلّا النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] [سُورَةِ الصّافّاتِ: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] [الكَهْفِ: ٥٣].

قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُلازِمٌ لِلصِّفَةِ الأُولى، ولَكِنْ قَدْ تَكُونُ المُخالَفَةُ لِنَصِّ الشّارِعِ، وقَدْ تَكُونُ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فِيما عُلِمَ اتِّفاقُهم عَلَيْهِ تَحْقِيقًا، فَإنَّهُ قَدْ ضُمِنَتْ لَهُمُ العِصْمَةُ في اجْتِماعِهِمْ مِنَ الخَطَأِ؛ تَشْرِيفًا لَهم وتَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِمْ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَلِكَ، ومِنَ العُلَماءِ مَنِ ادَّعى تَواتُرَ مَعْناها، والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الِاحْتِجاجِ عَلى كَوْنِ الإجْماعِ حُجَّةً تَحْرُمُ مُخالَفَتُهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، بَعْدَ التَّرَوِّي والفِكْرِ الطَّوِيلِ، وهو مِن أحْسَنِ الِاسْتِنْباطاتِ وأقْواها، وإنْ كانَ بَعْضُهم قَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ فاسْتَبْعَدَ الدَّلالَةَ مِنها عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ ﷺ كَبِيرَةٌ، وقَدْ تَبْلُغُ إلى الكُفْرِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ الجَهْلَ عُذْرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ مُخالَفَةَ الإجْماعِ كَبِيرَةٌ، وأنَّهُ دَلِيلٌ كالكِتابِ والسُّنَّةِ، لَكِنْ إنَّما يَكُونُ كَبِيرَةً إذا كانَ نَقْلُهُ قَطْعِيًّا لا أُحادِيًّا. انْتَهى.

وقالَ المُهايِمِيُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى حُرْمَةِ مُخالَفَةِ الإجْماعِ؛ لِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَتَّبَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى مُشاقَّةِ الرَّسُولِ ومُخالَفَةِ الإجْماعِ، فَهو إمّا لِحُرْمَةِ أحَدِهِما وهو باطِلٌ؛ إذْ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ وأكَلَ الخُبْزَ اسْتَوْجَبَ الحَدَّ، إذْ لا دَخْلَ لِأكْلِ الخُبْزِ فِيهِ، أوْ لِحُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما وهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ حَرامٌ وإنْ لَمْ يُضَمَّ إلَيْها غَيْرُها، أوْ لِحُرْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو المَطْلُوبُ. انْتَهى.

ونَقَلَ …

An-Nisaa 4:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly gone far astray.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [١١٦]

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ مُطَوَّلًا، قالُوا: تَكْرِيرُها إمّا تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا أوْ لِتَكْمِيلِ قِصَّةَ طُعْمَةَ، وقَدْ مَرَّ مَوْتُهُ كافِرًا.

أوْ: إنَّ لَها سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، عَلى ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ، إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المَعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَنَزَلَتْ».

واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الوَجْهَ الأخِيرَ قالَ: لِأنَّ التَّأْكِيدَ - مَعَ بُعْدِ عَهْدِهِ - لا يَقْتَضِي تَخَصُّصَ هَذا المَوْضِعِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ.

وأغْرَبَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ جَعَلَها مُشِيرَةً إلى شِقَّيِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، حَيْثُ قالَ: ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ وعِيدَ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ جازِمٌ دُونَ مُخالَفَةِ الإجْماعِ؛ لِأنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ دَلِيلُ تَكْذِيبِهِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ، إذْ خَلْقُ المُعْجِزاتِ لا يَكُونُ إلّا لِكامِلِ القُدْرَةِ، ولا يَكُونُ إلّا لِإلَهٍ، فَإذا نَفاها عَنِ اللَّهِ فَقَدْ أثْبَتَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ. ومُخالَفَةُ الإجْماعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً؛ لِأنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ، إذْ لا تَنْتَهِي إلى الشِّرْكِ. وكُلُّ هَذِهِ المُناسَباتِ دالَّةٌ - دُونَ ذَلِكَ قَطْعًا - عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ قَطْعًا، سَواءٌ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ.

وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالَةِ وأبْعَدُها عَنِ الصَّوابِ والِاسْتِقامَةِ، وإنَّما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ [النساء: ٤٨] لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقِصَّةِ أهْلِ الكِتابِ، ومَنشَأُ شِرْكِهِمْ كانَ نَوْعَ افْتِراءٍ، وهو دَعْوى التَّبَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قالَهُ القاضِي.

وفِي (السَّمِينِ): خُتِمَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ [النساء: ٤٨] وهَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ لِأنَّ الأُولى في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ وهم عِنْدَهم عِلْمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وأنَّ شَرِيعَتَهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كابَرُوا في ذَلِكَ وافْتَرَوْا عَلى اللَّهِ، وهَذِهِ في شَأْنِ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ ولا عِنْدَهم عِلْمٌ، فَناسَبَ وصْفَهم بِالضَّلالِ، وأيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ هُنا ذِكْرُ الهُدى وهو ضِدُّ الضَّلالِ. انْتَهى.

An-Nisaa 4:116Listen in Qur'an →
117

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًۭا مَّرِيدًۭا

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [١١٧]

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ما يَعْبُدُ مُشْرِكُو مَكَّةَ ونَحْوُهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ الرّازِيُّ: (يَدْعُونَ) بِمَعْنى (يَعْبُدُونَ) لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا فَإنَّهُ يَدْعُوهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ. انْتَهى.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهُمْ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الدُّعاءَ هو العِبادَةُ» ورَواهُ أبُو يَعْلى عَنِ البَراءِ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ بِلَفْظِ: «الدُّعاءَ مُخُّ العِبادَةِ» .

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إناثًا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: يَعْنِي أوْثانًا، وعَلَيْهِ فَمَرْجِعُ التَّسْمِيَةِ بِالإناثِ كَوْنُ أسْماءِ غالِبِها مُؤَنَّثَةً، كَمَناةَ والعُزّى واللّاتِ ونَحْوِها؛ ولِأنَّهم كانُوا يُلْبِسُونَها أنْواعَ الحُلِيِّ ويُزَيِّنُونَها عَلى هَيْئاتِ النِّسْوانِ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ نَحْوُ ما لِعائِشَةَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَنى المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم كانَ يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ويَقُولُونَ عَنْها: بَناتُ اللَّهِ.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلْمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. قالَ: فاتَّخَذُوهُنَّ أرْبابًا وصَوَّرُوهُنَّ جِوارِيَ فَحَكَوْا وقَلَّدُوا وقالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَناتِ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونُ المَلائِكَةَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا التَّفْسِيرُ شَبِيهٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] [النَّجْمِ: ٢٧] الآياتِ، وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] [الزُّخْرُفِ: ١٩].... الآيَةَ، وقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] [الصّافّاتِ: ١٣٧] انْتَهى.

وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]

الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.

الرّابِعُ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: إناثًا يَعْنِي مَوْتى، قالَ الحَسَنُ: الإناثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، إمّا خَشَبَةٌ يابِسَةٌ وإمّا حَجَرٌ يابِسٌ. رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ.

وفِي "القامُوسِ وشَرْحِهِ": الإناثُ جَمْعُ الأُنْثى، وهو خِلافُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والمَواتُ الَّذِي هو خِلافُ الحَيَوانِ، كالشَّجَرِ والحَجَرِ والخَشَبِ، عَنِ اللِّحْيانِي. وعَنِ الفَرّاءِ: تَقُولُ العَرَبُ: اللّاتُ والعُزّى وأشْباهُهُما مِنَ الآلِهَةِ المُؤَنَّثَةِ. انْتَهى.

وقالَ الإمامُ أبُو البَقاءَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إناثًا﴾ هو جَمْعُ أُنْثى عَلى (فِعالٍ) ويُرادُ بِهِ كُلُّ ما لا رُوحٌ فِيهِ مِن صَخْرَةٍ وشَمْسٍ ونَحْوِهِما.

ويُقْرَأُ (أُنْثى) عَلى الإفْرادِ، ودَلَّ الواحِدُ عَلى الجَمْعِ.

ويُقْرَأُ (أُنُثًا) مِثْلَ رُسُلٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُفْرَدَةً مِثْلَ: "امْرَأةٌ جُنُبٌ" ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ، وقَدْ قالُوا: "حَدِيدٌ أنِيثٌ" مِن هَذا المَعْنى.

ويُقْرَأُ (أُثُنًا) والواحِدُ وثَنٌ وهو الصَّنَمُ …

An-Nisaa 4:117Listen in Qur'an →
118

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

Whom Allah has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [١١٨]

﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (شَيْطانًا) أيْ: أبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، فَأرادَ إبْعادَ مَن أُبْعِدَ بِسَبَبِهِ ﴿وقالَ﴾ حِينَ أُبْعِدَ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أبْعَدْتَنِي بِسَبَبِهِمْ، أيْ: لَأجْعَلَنَّ لِي مِنهم ﴿نَصِيبًا﴾ أيْ: حَظًّا ﴿مَفْرُوضًا﴾ أيْ: مَقْطُوعًا ومُقَدَّرًا مِن عِبادَتِهِمْ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَكَ، أوْ يُراءُوا فِيها، أوْ يُعْجَبُوا بِها، أوْ يُتْلِفُوها في المَظالِمِ، أوْ يُحْبِطُوها بِالكُفْرِ بَعْدَها.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ﴾ إلَخْ .. عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ: أيْ: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ عَنْهُ عِنْدَ اللَّعْنِ.

ولَقَدْ بَرْهَنَ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ غايَةُ الضَّلالِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَها يَنْفَعِلُ ولا يَفْعَلُ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا، وذَلِكَ يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ غايَةَ المُنافاةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ وهو أفْظَعُ الضَّلالِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ لا يَكادُ يَعْلَقُ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والهُدى، فَتَكُونُ طاعَتُهُ ضَلالًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ.

والثّانِي: أنَّهُ مَلْعُونٌ لِضَلالِهِ، فَلا تَسْتَتْبِعُ مُطاوَعَتُهُ سِوى اللَّعْنِ والضَّلالِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ في غايَةِ السَّعْيِ في إهْلاكِهِمْ وإضْلالِهِمْ، فَمُوالاةُ مَن هَذا شَأْنُهُ غايَةُ الضَّلالِ، فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ.

An-Nisaa 4:118Listen in Qur'an →
119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allah." And whoever takes Satan as an ally instead of Allah has certainly sustained a clear loss.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [١١٩]

﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الهُدى ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أيِ: الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الآمالِ، قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الشَّيْطانَ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِنَ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبِ ما يُورِثُ شَيْئَيْنِ: الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمُ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ، قالَ ﷺ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنَتانِ: الحِرْصُ والأمَلُ» .

والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يَقْدَمُ عَلى التَّوْبَةِ ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.

﴿ولآمُرَنَّهُمْ﴾ أيْ: عَلى خِلافِ أمْرِكَ إضْلالًا لَهم ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلَيُقَطِّعُنَّها ويَشُقُّنَّها سِمَةً وعَلامَةً لِلْبَحائِرِ والسَّوائِبِ لِيُحَرِّمُوها بَعْدَما أحْلَلْتَها.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّبْتِيكُ: هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا ثُمَّ تُسَيَّبُ، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها، فَأعْفَوْا ظَهْرَها مِنَ الرُّكُوبِ والحَمْلِ والذَّبْحِ، ولا يَرُدُّونَها عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المُعْيى المُنْقَطِعُ بِهِ لَمْ يَرْكَبْها، وسَوَّلَ لَهم إبْلِيسُ أنَّ هَذا قُرْبَةٌ وهي البَحِيرَةُ.

قالَ ابْنُ سِيدَهْ: بَحَرَ النّاقَةَ والشّاةَ يَبْحَرُها: شَقَّ أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ، وقَلَّ بِنِصْفَيْنِ طُولًا.

﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَثِيرِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] [الرُّومِ: ٣٠] عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا، أيْ: لا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ، ودَعُوا النّاسَ عَلى فِطْرَتِهِمْ.

كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تَجِدُونَ بِها مِن جَدْعاءَ؟»

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ وبَحَرَ البَحِيرَةَ» .

ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ …

An-Nisaa 4:119Listen in Qur'an →
120

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا

Satan promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [١٢٠]

﴿يَعِدُهُمْ﴾ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ ﴿ويُمَنِّيهِمْ﴾ أيْ: ما لا يَنالُونَهُ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ باطِلًا وضَلالًا، وإيهامَ نَفْعٍ مِمّا لَيْسَ فِيهِ إلّا الضَّرَرُ.

An-Nisaa 4:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.