Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 111–120 of 176

111

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And whoever commits a sin only earns it against himself. And Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الكَسْبِ؛ والإثْمُ: اَلْحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ونِسْبَةُ المَرْءِ إلى العُقُوبَةِ فِيها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؛ أيْ: إيّاها يُرْدِي؛ وبِها يُحِلُّ المَكْرُوهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَطِيئَةً أو إثْمًا﴾ ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ؛ لِأنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عن عَمْدٍ؛ وعن غَيْرِ عَمْدٍ؛ والإثْمَ لا يَكُونُ إلّا عن عَمْدٍ". وهَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها عامٌّ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ العُمُومِ؛ وتَوْبِيخِهِ؛ أهْلُ النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وبَرِيءُ النازِلَةِ قِيلَ: هُوَلَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ وقِيلَ: هو زَيْدُ بْنُ السَمِينِ اليَهُودِيُّ؛ وقِيلَ: أبُو مُلَيْلٍ الأنْصارِيُّ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ ؛ تَشْبِيهٌ؛ إذِ الذُنُوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ؛ فَهي كالمَحْمُولاتِ؛ و﴿ "بُهْتانًا"؛﴾ مَعْناهُ: كَذِبًا عَلى البَرِيءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - ﷺ -: « "إذا قُلْتَ في أخِيكَ ما فِيهِ مِمّا يَكْرَهُ سَماعَهُ؛ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ؛ فَإنْ قُلْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"؛» فَرَمْيُ البَرِيءِ بُهْتٌ لَهُ؛ ونَفْسُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ إثْمٌ مُبِينٌ؛ ومَعْصِيَةُ هَذا الرامِي مَعْصِيَتانِ.

ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى هَذا؛ وعِصْمَتِهُ لَهُ؛ وأنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَجَعَلَتْهُ هَمَّها وشُغْلَها؛ حَتّى تُنَفِّذَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الألْفاظَ عامَّةٌ في غَيْرِ أهْلِ النازِلَةِ؛ وإلّا فَأهْلُ التَعَصُّبِ لِبَنِي أُبَيْرِقٍ قَدْ وقَعَ هَمُّهم وثَبَتَ؛ وإنَّما المَعْنى: "وَلَوْلا عِصْمَةُ اللهِ لَكَ لَكانَ في الناسِ مَن يَشْتَغِلُ بِإضْلالِكَ؛ ويَجْعَلُهُ هَمَّ نَفْسِهِ"؛ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ؛ لَكِنَّ العِصْمَةَ تُبْطِلُ كَيْدَ الجَمِيعِ؛ فَيَبْقى الضَلالُ في حَيِّزِهِمْ.

ثُمَّ ضُمِّنَ وعْدُ اللهِ لَهُ أنَّهم لا يَضُرُّونَهُ شَيْئًا؛ وقَرَّرَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ؛ مِن إنْزالِ الكِتابِ المَتْلُوِّ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي بَعْضُها خُوطِبَ بِهِ؛ وبَعْضُها جُعِلَتْ لَهُ سَجِيَّةً مَلَكَها؛ وقَرِيحَةً يَعْمَلُ عنها؛ ويَنْظُرُ بَيْنَ الناسِ بِها؛ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ وبِهَذَيْنِ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

An-Nisaa 4:111Listen in Qur'an →
112

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الكَسْبِ؛ والإثْمُ: اَلْحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ونِسْبَةُ المَرْءِ إلى العُقُوبَةِ فِيها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؛ أيْ: إيّاها يُرْدِي؛ وبِها يُحِلُّ المَكْرُوهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَطِيئَةً أو إثْمًا﴾ ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ؛ لِأنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عن عَمْدٍ؛ وعن غَيْرِ عَمْدٍ؛ والإثْمَ لا يَكُونُ إلّا عن عَمْدٍ". وهَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها عامٌّ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ العُمُومِ؛ وتَوْبِيخِهِ؛ أهْلُ النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وبَرِيءُ النازِلَةِ قِيلَ: هُوَلَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ وقِيلَ: هو زَيْدُ بْنُ السَمِينِ اليَهُودِيُّ؛ وقِيلَ: أبُو مُلَيْلٍ الأنْصارِيُّ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ ؛ تَشْبِيهٌ؛ إذِ الذُنُوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ؛ فَهي كالمَحْمُولاتِ؛ و﴿ "بُهْتانًا"؛﴾ مَعْناهُ: كَذِبًا عَلى البَرِيءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - ﷺ -: « "إذا قُلْتَ في أخِيكَ ما فِيهِ مِمّا يَكْرَهُ سَماعَهُ؛ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ؛ فَإنْ قُلْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"؛» فَرَمْيُ البَرِيءِ بُهْتٌ لَهُ؛ ونَفْسُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ إثْمٌ مُبِينٌ؛ ومَعْصِيَةُ هَذا الرامِي مَعْصِيَتانِ.

ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى هَذا؛ وعِصْمَتِهُ لَهُ؛ وأنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَجَعَلَتْهُ هَمَّها وشُغْلَها؛ حَتّى تُنَفِّذَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الألْفاظَ عامَّةٌ في غَيْرِ أهْلِ النازِلَةِ؛ وإلّا فَأهْلُ التَعَصُّبِ لِبَنِي أُبَيْرِقٍ قَدْ وقَعَ هَمُّهم وثَبَتَ؛ وإنَّما المَعْنى: "وَلَوْلا عِصْمَةُ اللهِ لَكَ لَكانَ في الناسِ مَن يَشْتَغِلُ بِإضْلالِكَ؛ ويَجْعَلُهُ هَمَّ نَفْسِهِ"؛ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ؛ لَكِنَّ العِصْمَةَ تُبْطِلُ كَيْدَ الجَمِيعِ؛ فَيَبْقى الضَلالُ في حَيِّزِهِمْ.

ثُمَّ ضُمِّنَ وعْدُ اللهِ لَهُ أنَّهم لا يَضُرُّونَهُ شَيْئًا؛ وقَرَّرَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ؛ مِن إنْزالِ الكِتابِ المَتْلُوِّ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي بَعْضُها خُوطِبَ بِهِ؛ وبَعْضُها جُعِلَتْ لَهُ سَجِيَّةً مَلَكَها؛ وقَرِيحَةً يَعْمَلُ عنها؛ ويَنْظُرُ بَيْنَ الناسِ بِها؛ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ وبِهَذَيْنِ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

An-Nisaa 4:112Listen in Qur'an →
113

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا

And if it was not for the favor of Allah upon you, [O Muhammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allah has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allah upon you been great.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أو إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الكَسْبِ؛ والإثْمُ: اَلْحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ونِسْبَةُ المَرْءِ إلى العُقُوبَةِ فِيها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ؛ أيْ: إيّاها يُرْدِي؛ وبِها يُحِلُّ المَكْرُوهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَطِيئَةً أو إثْمًا﴾ ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ؛ لِأنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عن عَمْدٍ؛ وعن غَيْرِ عَمْدٍ؛ والإثْمَ لا يَكُونُ إلّا عن عَمْدٍ". وهَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها عامٌّ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ العُمُومِ؛ وتَوْبِيخِهِ؛ أهْلُ النازِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وبَرِيءُ النازِلَةِ قِيلَ: هُوَلَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ وقِيلَ: هو زَيْدُ بْنُ السَمِينِ اليَهُودِيُّ؛ وقِيلَ: أبُو مُلَيْلٍ الأنْصارِيُّ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ ؛ تَشْبِيهٌ؛ إذِ الذُنُوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ؛ فَهي كالمَحْمُولاتِ؛ و﴿ "بُهْتانًا"؛﴾ مَعْناهُ: كَذِبًا عَلى البَرِيءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ - ﷺ -: « "إذا قُلْتَ في أخِيكَ ما فِيهِ مِمّا يَكْرَهُ سَماعَهُ؛ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ؛ فَإنْ قُلْتَ ما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"؛» فَرَمْيُ البَرِيءِ بُهْتٌ لَهُ؛ ونَفْسُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ إثْمٌ مُبِينٌ؛ ومَعْصِيَةُ هَذا الرامِي مَعْصِيَتانِ.

ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى هَذا؛ وعِصْمَتِهُ لَهُ؛ وأنَّها بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَجَعَلَتْهُ هَمَّها وشُغْلَها؛ حَتّى تُنَفِّذَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الألْفاظَ عامَّةٌ في غَيْرِ أهْلِ النازِلَةِ؛ وإلّا فَأهْلُ التَعَصُّبِ لِبَنِي أُبَيْرِقٍ قَدْ وقَعَ هَمُّهم وثَبَتَ؛ وإنَّما المَعْنى: "وَلَوْلا عِصْمَةُ اللهِ لَكَ لَكانَ في الناسِ مَن يَشْتَغِلُ بِإضْلالِكَ؛ ويَجْعَلُهُ هَمَّ نَفْسِهِ"؛ أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ؛ لَكِنَّ العِصْمَةَ تُبْطِلُ كَيْدَ الجَمِيعِ؛ فَيَبْقى الضَلالُ في حَيِّزِهِمْ.

ثُمَّ ضُمِّنَ وعْدُ اللهِ لَهُ أنَّهم لا يَضُرُّونَهُ شَيْئًا؛ وقَرَّرَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ؛ مِن إنْزالِ الكِتابِ المَتْلُوِّ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي بَعْضُها خُوطِبَ بِهِ؛ وبَعْضُها جُعِلَتْ لَهُ سَجِيَّةً مَلَكَها؛ وقَرِيحَةً يَعْمَلُ عنها؛ ويَنْظُرُ بَيْنَ الناسِ بِها؛ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ وبِهَذَيْنِ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

An-Nisaa 4:113Listen in Qur'an →
114

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾

اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ.

والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:

"اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ".

وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى.

و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

An-Nisaa 4:114Listen in Qur'an →
115

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾

اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ.

والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:

"اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ".

وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى.

و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

An-Nisaa 4:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly gone far astray.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾

اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ.

والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:

"اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ".

وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى.

و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

An-Nisaa 4:116Listen in Qur'an →
117

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًۭا مَّرِيدًۭا

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾

اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] ؛ و﴿ "إنْ"﴾ نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)؛ و﴿ "يَدْعُونَ"؛﴾ عِبارَةٌ مُغْنِيَةٌ مُوجَزَةٌ في مَعْنى "يَعْبُدُونَ"؛ و"يَتَّخِذُونَ آلِهَةً"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "إنْ تَدْعُونَ"؛ بِالتاءِ؛ فَقالَ أبُو مالِكٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "ذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ؛ كاللاتِ؛ والعُزّى؛ ومَناةَ؛ ونائِلَةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ -: "وَيَرُدُّ عَلى هَذا أنَّها كانَتْ تُسَمّى بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "اَلْمُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ؛ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم هَذا عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ: "اَلْمُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ وهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبِرُ عنها كَما يُخْبِرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ؛ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "إلّا إناثًا"؛ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ"؛ وقِيلَ: "إنَّما هَذا لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الصَنَمَ أُنْثى؛ فَتَقُولُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا عَلى اخْتِلافِهِ يَقْضِي بِتَعْيِيرِهِمْ بِالتَأْنِيثِ؛ وأنَّ التَأْنِيثَ نَقْصٌ؛ وخَساسَةٌ؛ بِالإضافَةِ إلى التَذْكِيرِ"؛ وقِيلَ: "مَعْنى "إناثًا": أوثانًا"؛ وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوثانًا"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عنهُ أبُو صالِحٍ: "إلّا أنَثًا"؛ يُرِيدُ: "وَثَنًا"؛ فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا؛ وهو جَمْعُ جَمْعٍ؛ عَلى ما حَكى بَعْضُ الناسِ؛ كَأنَّهُ جَمَعَ "وَثَنًا" عَلى "وِثانٌ"؛ كَـ "جَمَلٌ"؛ و"جِمالٌ"؛ ثُمَّ جَمَعَ "وِثانًا" عَلى "وُثُنٌ"؛ كَـ "رِهانٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ وكَـ "مِثالٌ"؛ و"مُثُلٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ "فِعالًا" في جَمْعِ "فَعَلٌ" إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ؛ والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما تُجْمَعُ جُمُوعُ التَقْلِيلِ؛ والصَوابُ أنْ تَقُولَ: "وُثُنٌ" جَمْعُ "وَثَنٌ"؛ دُونَ واسِطَةٍ؛ كَـ "أُسُدٌ"؛ و"أسَدٌ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: "وَبِهَذا قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ ؛ وعَطاءٌ "؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "إلّا وثَنًا"؛ بِفَتْحِ الواوِ والثاءِ؛ عَلى إفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وُثُنًا"؛ بِضَمِّ الواوِ والثاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا وثْنًا"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا أثْنًا"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ «وَقَرَأ النَبِيُّ - ﷺ -: "إلّا أُنُثًا"؛ بِتَقْدِيمِ النُونِ؛» وهو جَمْعُ "أنِيثٌ"؛ كَـ "غَدِيرٌ"؛ و"غُدُرٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ "إناثٌ"؛ كَـ "ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ ؛ قالَ: "وَقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ ".

واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالشَيْطانِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ الشَيْطانُ المُقْتَرِنُ بِكُلِّ صَنَمٍ؛ فَكَأنَّهُ مُوَحَّدٌ بِاللَفْظِ؛ جَمْعٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الواحِدَ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: "اَلْمُرادُ: إبْلِيسُ"؛ وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّ …

An-Nisaa 4:117Listen in Qur'an →
118

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

Whom Allah has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾

اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَدْعُونَ"﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] ؛ و﴿ "إنْ"﴾ نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)؛ و﴿ "يَدْعُونَ"؛﴾ عِبارَةٌ مُغْنِيَةٌ مُوجَزَةٌ في مَعْنى "يَعْبُدُونَ"؛ و"يَتَّخِذُونَ آلِهَةً"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "إنْ تَدْعُونَ"؛ بِالتاءِ؛ فَقالَ أبُو مالِكٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "ذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ؛ كاللاتِ؛ والعُزّى؛ ومَناةَ؛ ونائِلَةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ -: "وَيَرُدُّ عَلى هَذا أنَّها كانَتْ تُسَمّى بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "اَلْمُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ؛ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم هَذا عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ: "اَلْمُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ وهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبِرُ عنها كَما يُخْبِرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ؛ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "إلّا إناثًا"؛ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ"؛ وقِيلَ: "إنَّما هَذا لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الصَنَمَ أُنْثى؛ فَتَقُولُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا عَلى اخْتِلافِهِ يَقْضِي بِتَعْيِيرِهِمْ بِالتَأْنِيثِ؛ وأنَّ التَأْنِيثَ نَقْصٌ؛ وخَساسَةٌ؛ بِالإضافَةِ إلى التَذْكِيرِ"؛ وقِيلَ: "مَعْنى "إناثًا": أوثانًا"؛ وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوثانًا"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عنهُ أبُو صالِحٍ: "إلّا أنَثًا"؛ يُرِيدُ: "وَثَنًا"؛ فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا؛ وهو جَمْعُ جَمْعٍ؛ عَلى ما حَكى بَعْضُ الناسِ؛ كَأنَّهُ جَمَعَ "وَثَنًا" عَلى "وِثانٌ"؛ كَـ "جَمَلٌ"؛ و"جِمالٌ"؛ ثُمَّ جَمَعَ "وِثانًا" عَلى "وُثُنٌ"؛ كَـ "رِهانٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ وكَـ "مِثالٌ"؛ و"مُثُلٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ "فِعالًا" في جَمْعِ "فَعَلٌ" إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ؛ والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما تُجْمَعُ جُمُوعُ التَقْلِيلِ؛ والصَوابُ أنْ تَقُولَ: "وُثُنٌ" جَمْعُ "وَثَنٌ"؛ دُونَ واسِطَةٍ؛ كَـ "أُسُدٌ"؛ و"أسَدٌ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: "وَبِهَذا قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ ؛ وعَطاءٌ "؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "إلّا وثَنًا"؛ بِفَتْحِ الواوِ والثاءِ؛ عَلى إفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وُثُنًا"؛ بِضَمِّ الواوِ والثاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا وثْنًا"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا أثْنًا"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ «وَقَرَأ النَبِيُّ - ﷺ -: "إلّا أُنُثًا"؛ بِتَقْدِيمِ النُونِ؛» وهو جَمْعُ "أنِيثٌ"؛ كَـ "غَدِيرٌ"؛ و"غُدُرٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ "إناثٌ"؛ كَـ "ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ ؛ قالَ: "وَقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ ".

واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالشَيْطانِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ الشَيْطانُ المُقْتَرِنُ بِكُلِّ صَنَمٍ؛ فَكَأنَّهُ مُوَحَّدٌ بِاللَفْظِ؛ جَمْعٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الواحِدَ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: "اَلْمُرادُ: إبْلِيسُ"؛ وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّ …

An-Nisaa 4:118Listen in Qur'an →
119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allah." And whoever takes Satan as an ally instead of Allah has certainly sustained a clear loss.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا﴾

قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ.

والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ".

واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".»

ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ. …

An-Nisaa 4:119Listen in Qur'an →
120

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا

Satan promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا﴾

قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ.

والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ".

واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".»

ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ. …

An-Nisaa 4:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.