Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 111–120 of 176

111

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And whoever commits a sin only earns it against himself. And Allah is ever Knowing and Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (ها) لِلتَّنْبِيهِ في: (ها أنْتُمْ)، و(هَؤُلاءِ) وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، (جادَلْتُمْ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ (أُولاءِ) خَبَرًا، كَما تَقُولُ لِبَعْضِ الأسْخِياءِ: أنْتَ حاتِمٌ تَجُودُ بِمالِكَ وتُؤْثِرُ عَلى نَفْسِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: (أُولاءِ) اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، و(جادَلْتُمْ) صِلَةً، وأمّا الجِدالُ فَهو في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ المُخاصَمَةِ، وجَدْلُ الحَبْلِ: شِدَّةُ فَتْلِهِ، ورَجُلٌ مَجْدُولٌ: كَأنَّهُ فُتِلَ، والأجْدَلُ: الصَّقْرُ؛ لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطُّيُورِ قُوَّةً. هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتِ المُخاصَمَةُ جِدالًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ مَيْلَ صاحِبِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ وصَرْفَهُ عَنْ رَأْيِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كانُوا يَذُبُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، وعَنْ قَوْمِهِ؛ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنْ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَنِ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُ، يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ فَقَوْلُهُ: (أمْ مَن يَكُونُ) عَطْفٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ، والوَكِيلُ: هو الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ في الحِفْظِ والحِمايَةِ، والمَعْنى: مَنِ الَّذِي يَكُونُ مُحافِظًا ومُحامِيًا لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ ؟ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ، وذَكَرَ فِيهِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّرْغِيبِ.

فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ، كَما فَعَلَ طُعْمَةُ مِن سَرِقَةِ الدِّرْعِ، ومِن رَمْيِ اليَهُودِيِّ بِالسَّرِقَةِ، والمُرادُ بِظُلْمِ النَّفْسِ: ما يَخْتَصُّ بِهِ الإنْسانُ كالحَلِفِ الكاذِبِ، وإنَّما خَصَّ ما يَتَعَدّى إلى الغَيْرِ بِاسْمِ السُّوءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في الأكْثَرِ إيصالًا لِلضَّرَرِ إلى الغَيْرِ، والضَّرَرُ سُوءٌ حاضِرٌ، فَأمّا الذَّنْبُ الَّذِي يَخُصُّ الإنْسانَ فَذَلِكَ في الأكْثَرِ لا يَكُونُ ضَرَرًا حاضِرًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُوَصِلُ الضَّرَرَ إلى نَفْسِهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى حُكْمَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سَواءٌ كانَتْ كُفْرًا أوْ قَتْلًا، عَمْدًا أوْ غَصْبًا لِلْأمْوالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ عَمَّ الكُلَّ.

الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِغْفارِ كافٍ، وقالَ بَعْضُهم: أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُ الِاسْتِغْفارُ مَعَ الإصْرارِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مَعْناهُ: غَفُورًا رَحِيمًا لَهُ، وحُذِفَ هَذا القَيْدُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّرْغِيبِ

صفحة ٣١

فِي الِاسْتِغْفارِ إلّا إذا كانَ المُرادُ ذَلِكَ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الكَلِماتِ المُرَغِّبَةِ في التَّوْبَةِ:

An-Nisaa 4:111Listen in Qur'an →
112

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

والكَسْبُ: عِبارَةٌ عَمّا يُفِيدُ جَرَّ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وصْفُ البارِي تَعالى بِذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْغِيبُ العاصِي في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الذَّنْبُ الَّذِي أتَيْتَ بِهِ ما عادَتْ مَضَرَّتُهُ إلَيَّ، فَإنَّنِي مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ولا تَيْأسْ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِما في قَلْبِهِ عِنْدَ إقْدامِهِ عَلى التَّوْبَةِ (حَكِيمًا) تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ ورَحْمَتُهُ أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ التّائِبِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ .

وذَكَرُوا في الخَطِيئَةِ والإثْمِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ الخَطِيئَةَ هي الصَّغِيرَةُ، والإثْمَ هو الكَبِيرَةُ.

وثانِيها: الخَطِيئَةُ هي الذَّنْبُ القاصِرُ عَلى فاعِلِها، والإثْمُ هو الذَّنْبُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ كالظُّلْمِ والقَتْلِ.

وثالِثُها: الخَطِيئَةُ ما لا يَنْبَغِي فِعْلُهُ سَواءٌ كانَ بِالعَمْدِ أوْ بِالخَطَأِ، والإثْمُ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ العَمْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ . فَبَيَّنَ أنَّ الإثْمَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ فالضَّمِيرُ في ”بِهِ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِ هَذَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الإثْمِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الأقْرَبُ، كَما عادَ إلى التِّجارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكَسْبِ، والتَّقْدِيرُ: يَرْمِ بِكَسْبِهِ بَرِيئًا، فَدَلَّ يَكْسِبُ عَلى الكَسْبِ.

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَعْنى الخَطِيئَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومَن يَكْسِبْ ذَنْبًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ فالبُهْتانُ: أنْ تَرْمِيَ أخاكَ بِأمْرٍ مُنْكَرٍ وهو بَرِيءٌ مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ البُهْتانِ مَذْمُومٌ في الدُّنْيا أشَدَّ الذَّمِّ، ومُعاقَبٌ في الآخِرَةِ أشَدَّ العِقابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ إشارَةٌ إلى ما يَلْحَقُهُ مِنَ الذَّمِّ العَظِيمِ في الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: (وإثْمًا مُبِينًا) إشارَةٌ إلى ما يَلْحَقُهُ مِنَ العِقابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ.

An-Nisaa 4:112Listen in Qur'an →
113

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا

And if it was not for the favor of Allah upon you, [O Muhammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allah has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allah upon you been great.

صفحة ٣٢

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ والمَعْنى: ولَوْلا أنَّ اللَّهَ خَصَّكَ بِالفَضْلِ وهو النُّبُوَّةُ، وبِالرَّحْمَةِ. وهي العِصْمَةُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ كانُوا قَدْ عَرَفُوا أنَّهُ سارِقٌ، ثُمَّ سَألُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَدْفَعَ ويُجادِلَ عَنْهُ ويُبَرِّئَهُ عَنِ السَّرِقَةِ، ويَنْسُبَ تِلْكَ السَّرِقَةَ إلى اليَهُودِيِّ، ومَعْنى يُضِلُّوكَ أيْ: يُلْقُوكَ في الحُكْمِ الباطِلِ الخَطَأِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَعاوُنِهِمْ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ، وشَهادَتِهِمْ بِالزُّورِ والبُهْتانِ، فَهم لَمّا أقْدَمُوا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ الضّالِّينَ.

﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ -: وما يَضُرُّونَكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَوَعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإدامَةِ العِصْمَةِ لَهُ مِمّا يُرِيدُونَ مِن إيقاعِهِ في الباطِلِ.

الثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّهم وإنْ سَعَوْا في إلْقائِكَ في الباطِلِ فَأنْتَ ما وقَعْتَ في الباطِلِ؛ لِأنَّكَ بَنَيْتَ الأمْرَ عَلى ظاهِرِ الحالِ، وأنْتَ ما أُمِرْتَ إلّا بِبِناءِ الأحْكامِ عَلى الظَّواهِرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ .

واعْلَمْ أنّا إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ بِأنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ بِالعِصْمَةِ في المُسْتَقْبَلِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ الوَعْدِ، يَعْنِي: لَمّا أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وأمَرَكَ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ إلى الخَلْقِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ لا يَعْصِمَكَ عَنِ الوُقُوعِ في الشُّبُهاتِ والضَّلالاتِ ؟ . وإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَعْذُورًا في بِناءِ الحُكْمِ عَلى الظّاهِرِ كانَ المَعْنى: وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، وأوْجَبَ فِيها بِناءَ أحْكامِ الشَّرْعِ عَلى الظّاهِرِ، فَكَيْفَ يَضُرُّكَ بِناءُ الأمْرِ عَلى الظّاهِرِ ؟ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .

قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، كَما قالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] وعَلى هَذا الوَجْهِ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وأطْلَعَكَ عَلى أسْرارِهِما، وأوْقَفَكَ عَلى حَقائِقِهِما مَعَ أنَّكَ ما كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ عالِمًا بِشَيْءٍ مِنهُما، فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكَ في مُسْتَأْنَفِ أيّامِكَ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى إضْلالِكَ وإزْلالِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، فَكَذَلِكَ يُعَلِّمُكَ مِن حِيَلِ المُنافِقِينَ ووُجُوهِ كَيْدِهِمْ، ما تَقْدِرُ بِهِ عَلى الِاحْتِرازِ عَنْ وُجُوهِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ والمَناقِبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما أعْطى الخَلْقَ مِنَ العِلْمِ إلّا القَلِيلَ، كَما قالَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] ونَصِيبُ الشَّخْصِ …

An-Nisaa 4:113Listen in Qur'an →
114

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى ما كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيهِ حِينَ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: النَّجْوى في اللُّغَةِ: سِرٌّ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يُقالُ: ناجَيْتُ الرَّجُلَ مُناجاةً ونَجاءً، ويُقالُ: نَجَوْتُ الرَّجُلَ أنْجُو نَجْوى بِمَعْنى: ناجَيْتُهُ، والنَّجْوى: قَدْ تَكُونُ مَصْدَرًا بِمَنزِلَةِ المُناجاةِ، قالَ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] . وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى القَوْمِ الَّذِينَ يَتَناجَوْنَ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسْراءِ: ٤٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في مَحَلِّ ”مَن“ وُجُوهًا، وتِلْكَ الوُجُوهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَعْنى النَّجْوى في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ جَعَلْنا مَعْنى النَّجْوى هَهُنا السِّرَّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءُ الشَّيْءِ عَنْ خِلافِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ نَصْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا أذًى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا في لُغَةِ مَن يَرْفَعُ المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ:

إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ

وأبُو عُبَيْدَةَ جَعَلَ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ فَقالَ: التَّقْدِيرُ إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ”مَن“ في مَحَلِّ النَّجْوى؛ لِأنَّهُ أُقِيمَ مَقامَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الخَفْضُ بَدَلٌ مِن نَجْواهم، كَما تَقُولُ: ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زِيدٍ.

والثّانِي: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدًا، وهَذا اسْتِثْناءُ الجِنْسِ مِنَ الجِنْسِ، وأمّا إنْ جَعَلْنا النَّجْوى اسْمًا لِلْقَوْمِ المُتَناجِينَ كانَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءُ الجِنْسِ مِنَ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ في مَحَلِّ الخَفْضِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَجْعَلَهُ تَبَعًا لِكَثِيرٍ، عَلى مَعْنى: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، كَقَوْلِكَ: لا خَيْرَ في القَوْمِ إلّا نَفَرٍ مِنهم.

والثّانِي: أنْ تَجْعَلَهُ تَبَعًا لِلنَّجْوى، كَما تَقُولُ: لا خَيْرَ في جَماعَةٍ مِنَ القَوْمِ إلّا زَيْدٍ، إنْ شِئْتَ أتْبَعْتَ زَيْدًا الجَماعَةَ، وإنْ شِئْتَ أتْبَعْتَهُ القَوْمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مُناجاةِ بَعْضِ قَوْمِ ذَلِكَ السّارِقِ مَعَ بَعْضٍ إلّا أنَّها في المَعْنى عامَّةٌ، والمُرادُ: لا خَيْرَ فِيما يَتَناجى فِيهِ النّاسُ، ويَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ إلّا ما كانَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: الأمْرُ بِالصَّدَقَةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الخَيْرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ بِدَفْعِ المَضَرَّةِ، أمّا إيصالُ الخَيْرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ وهو إعْطاءُ المالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعُلُومِ، أوْ تَكْمِيلِ …

An-Nisaa 4:114Listen in Qur'an →
115

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو ما رُوِيَ أنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ لَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ تَعالى هَتَكَ سِتْرَهُ، وبَرَّأ اليَهُودِيَّ عَنْ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ ارْتَدَّ، وذَهَبَ إلى مَكَّةَ، ونَقَبَ جِدارَ إنْسانٍ لِأجْلِ السَّرِقَةِ، فَتَهَدَّمَ الجِدارُ عَلَيْهِ وماتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

أمّا الشِّقاقُ والمُشاقَقَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في شَقٍّ آخَرَ مِنَ الأمْرِ، أوْ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلًا فِعْلًا يَقْتَضِي لُحُوقَ مَشَقَّةٍ بِصاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهُ بِالدَّلِيلِ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ طُعْمَةَ هَذا كانَ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ بِما أوْحى اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِهِ، وأظْهَرَ مِن سَرِقَتِهِ ما دَلَّهُ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعادى الرَّسُولَ وأظْهَرَ الشِّقاقَ وارْتَدَّ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، فَكانَ ذَلِكَ إظْهارَ الشِّقاقِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى. قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾

صفحة ٣٥

(المُؤْمِنِينَ) يَعْنِي: غَيْرَ دِينِ المُوَحِّدِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طُعْمَةَ تَرَكَ دِينَ الإسْلامِ واتَّبَعَ دِينَ عِبادَةِ الأوْثانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَتْرُكْهُ وما اخْتارَ لِنَفْسِهِ، ونَكِلْهُ إلى ما تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ بَعْضُهم: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، لا سِيَّما في حَقِّ المُرْتَدِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ يَعْنِي: نُلْزِمُهُ جَهَنَّمَ، وأصْلُهُ الصِّلاءُ، وهو لُزُومُ النّارِ وقْتَ الِاسْتِدْفاءِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ انْتَصَبَ (مَصِيرًا) عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ طابَ نَفْسًا، وتَصَبَّبَ عَرَقًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- سُئِلَ عَنْ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ، وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ واجِبًا، بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى أنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ بِمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ، ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ومُشاقَّةُ الرَّسُولِ وحْدَها مُوجِبَةٌ لِهَذا الوَعِيدِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُوجِبًا لَهُ لَكانَ ذَلِكَ ضَمًّا لِما لا أثَرَ لَهُ في الوَعِيدِ إلى ما هو مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الوَعِيدِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا كانَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامًا، وإذا كانَ عَدَمُ اتِّباعِهِمْ حَرامًا كانَ اتِّباعُهم واجِبًا؛ لِأنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ.

فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لا …

An-Nisaa 4:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly gone far astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو ما رُوِيَ أنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ لَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ تَعالى هَتَكَ سِتْرَهُ، وبَرَّأ اليَهُودِيَّ عَنْ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ ارْتَدَّ، وذَهَبَ إلى مَكَّةَ، ونَقَبَ جِدارَ إنْسانٍ لِأجْلِ السَّرِقَةِ، فَتَهَدَّمَ الجِدارُ عَلَيْهِ وماتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

أمّا الشِّقاقُ والمُشاقَقَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في شَقٍّ آخَرَ مِنَ الأمْرِ، أوْ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلًا فِعْلًا يَقْتَضِي لُحُوقَ مَشَقَّةٍ بِصاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهُ بِالدَّلِيلِ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ طُعْمَةَ هَذا كانَ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ بِما أوْحى اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِهِ، وأظْهَرَ مِن سَرِقَتِهِ ما دَلَّهُ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعادى الرَّسُولَ وأظْهَرَ الشِّقاقَ وارْتَدَّ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، فَكانَ ذَلِكَ إظْهارَ الشِّقاقِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى. قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾

صفحة ٣٥

(المُؤْمِنِينَ) يَعْنِي: غَيْرَ دِينِ المُوَحِّدِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طُعْمَةَ تَرَكَ دِينَ الإسْلامِ واتَّبَعَ دِينَ عِبادَةِ الأوْثانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَتْرُكْهُ وما اخْتارَ لِنَفْسِهِ، ونَكِلْهُ إلى ما تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ بَعْضُهم: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، لا سِيَّما في حَقِّ المُرْتَدِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ يَعْنِي: نُلْزِمُهُ جَهَنَّمَ، وأصْلُهُ الصِّلاءُ، وهو لُزُومُ النّارِ وقْتَ الِاسْتِدْفاءِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ انْتَصَبَ (مَصِيرًا) عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ طابَ نَفْسًا، وتَصَبَّبَ عَرَقًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- سُئِلَ عَنْ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ، وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ واجِبًا، بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى أنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ بِمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ، ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ومُشاقَّةُ الرَّسُولِ وحْدَها مُوجِبَةٌ لِهَذا الوَعِيدِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُوجِبًا لَهُ لَكانَ ذَلِكَ ضَمًّا لِما لا أثَرَ لَهُ في الوَعِيدِ إلى ما هو مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الوَعِيدِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا كانَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامًا، وإذا كانَ عَدَمُ اتِّباعِهِمْ حَرامًا كانَ اتِّباعُهم واجِبًا؛ لِأنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ.

فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لا …

An-Nisaa 4:116Listen in Qur'an →
117

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًۭا مَّرِيدًۭا

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُكَرَّرَةٌ في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي تَكْرارِها فائِدَتانِ:

الأُولى: أنَّ عُمُوماتِ الوَعِيدِ وعُمُوماتِ

صفحة ٣٧

الوَعْدِ مُتَعارِضَةٌ في القُرْآنِ، وأنَّهُ تَعالى ما أعادَ آيَةً مِن آياتِ الوَعِيدِ بِلَفْظٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ أعادَ هَذِهِ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ في سُورَةٍ واحِدَةٍ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا فائِدَةَ في التَّكْرِيرِ إلّا التَّأْكِيدُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ جانِبَ الوَعْدِ والرَّحْمَةِ بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ.

والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما نَزَلَتْ في سارِقِ الدِّرْعِ، وقَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، إنَّما نَزَلَتْ في ارْتِدادِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ إنَّما يَحْسُنُ اتِّصالُها بِما قَبْلَها لَوْ كانَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ السّارِقَ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَصِرْ مَحْرُومًا عَنْ رَحْمَتِي، ولَكِنَّهُ لَمّا ارْتَدَّ وأشْرَكَ بِاللَّهِ صارَ مَحْرُومًا قَطْعًا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ شَرَحَ أنَّ أمْرَ الشِّرْكِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ يَعْنِي: ومَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ لَمْ يَكُنْ ضَلالُهُ بَعِيدًا، فَلا جَرَمَ لا يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنْ رَحْمَتِي، وهَذِهِ المُناسَباتُ دالَّةٌ قَطْعًا عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ قَطْعًا، سَواءٌ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ الشِّرْكِ ضَلالًا بَعِيدًا فَقالَ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ”إنْ“ هَهُنا مَعْناهُ: النَّفْيُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٩] . و(يَدْعُونَ) بِمَعْنى يَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا فَإنَّهُ يَدْعُوهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا إناثًا﴾ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الأوْثانُ، وكانُوا يُسَمُّونَها باسْمِ الإناثِ كَقَوْلِهِمْ: اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ الثّالِثَةُ الأُخْرى، واللّاتُ: تَأْنِيثُ اللَّهِ، والعُزّى: تَأْنِيثُ العَزِيزِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ ويُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ عائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْها-: إلّا أوْثانًا، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا أُثْنًا، جَمْعُ وثَنٍ، …

An-Nisaa 4:117Listen in Qur'an →
118

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

Whom Allah has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

صفحة ٣٨

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ.

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ صِفَتانِ بِمَعْنى شَيْطانًا مَرِيدًا، جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْطانَ هَهُنا، قَدِ ادَّعى أشْياءَ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفَرْضُ في اللُّغَةِ: القَطْعُ، والفُرْضَةُ: الثُّلْمَةُ الَّتِي تَكُونُ في طَرَفِ النَّهْرِ، والفَرْضُ: الحَزُّ الَّذِي في الوَتَرِ، والفَرْضُ في القَوْسِ: الحَزُّ الَّذِي يُشَدُّ فِيهِ الوَتَرُ، والفَرِيضَةُ: ما فَرَضَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وجَعَلَهُ حَتْمًا عَلَيْهِمْ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] . أيْ: جَعَلْتُمْ لَهُنَّ قِطْعَةً مِنَ المالِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ لَعَنَهُ اللَّهُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ حَظًّا مُقَدَّرًا مُعَيَّنًا، وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِهِ ويَقْبَلُونَ وساوِسَهُ، وفي التَّفْسِيرِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «”مِن كُلِّ ألْفٍ واحِدٌ لِلَّهِ وسائِرُهُ لِلنّاسِ ولِإبْلِيسَ“» .

فَإنْ قِيلَ: النَّقْلُ والعَقْلُ يَدُلّانِ عَلى أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ أكْثَرُ عَدَدًا مِن حِزْبِ اللَّهِ.

أمّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ البَشَرِ: ﴿تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] . وقالَ حاكِيًا عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٦٢] . وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩، ٤٠ ] . ولا شَكَّ أنَّ المُخْلَصِينَ قَلِيلُونَ.

وأمّا العَقْلُ: فَهو أنَّ الفُسّاقَ والكُفّارَ أكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلَصِينَ، ولا شَكَّ أنَّ الفُسّاقَ والكُفّارَ كُلَّهمْ حِزْبُ إبْلِيسَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ قالَ: ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا﴾ مَعَ أنَّ لَفْظَ النَّصِيبِ لا يَتَناوَلُ القِسْمَ الأكْثَرَ، وإنَّما يَتَناوَلُ الأقَلَّ ؟ .

والجَوابُ: أنَّ هَذا التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ الشَّرِّ، أمّا إذا ضَمَمْتَ زُمْرَةَ المَلائِكَةِ مَعَ غايَةِ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلَصِينَ، وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ إلّا أنَّ مَنصِبَهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، والكُفّارُ والفُسّاقُ وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ في العَدَدِ فَهم كالعَدَمِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ اسْمُ النَّصِيبِ عَلى قَوْمِ إبْلِيسَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يَعْنِي عَنِ الحَقِّ.

An-Nisaa 4:118Listen in Qur'an →
119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allah." And whoever takes Satan as an ally instead of Allah has certainly sustained a clear loss.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أُصُولِنا.

فالأصْلُ الأوَّلُ: المُضِلُّ هو الشَّيْطانُ، ولَيْسَ المُضِلُّ هو اللَّهَ تَعالى. قالُوا: وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ ادَّعى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٦] وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُضِلًّا لِلنّاسِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الإلَهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ.

والأصْلُ الثّانِي: وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الإضْلالُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقُلْنا: لَيْسَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، بِدَلِيلِ أنَّ إبْلِيسَ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مَعَ أنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذا كَلامُ إبْلِيسَ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وأيْضًا أنَّ كَلامَ إبْلِيسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُضْطَرِبٌ

صفحة ٣٩

جِدًّا، فَتارَةً يَمِيلُ إلى القَدَرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩ ] . وأُخْرى إلى الجَبْرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْرِ ٣٩] . وتارَةً يُظْهِرُ التَّرَدُّدَ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القَصَصِ: ٦٣] يَعْنِي: أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ: نَحْنُ أُغْوِينا فَمَنِ الَّذِي أغْوانا عَنِ الدِّينِ ؟ ولا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ الكُلِّ بِالآخِرَةِ إلى اللَّهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِن إلْقاءِ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبُ الأمانِيِّ يُورِثُ شَيْئَيْنِ؛ الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمانِ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ قالَ ﷺ: «”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنانِ الحِرْصُ والأمَلُ“» . والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلى التَّوْبَةِ، ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.

ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ . البَتْكُ: القَطْعُ، وسَيْفٌ باتِكٌ: أيْ قاطِعٌ، والتَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ. قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: التَّبْتِيكُ هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُقَطِّعُونَ آذانَ الأنْعامِ نُسُكًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ، مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كُفْرٌ وفِسْقٌ.

خامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَغْيِيرُ دِينِ …

An-Nisaa 4:119Listen in Qur'an →
120

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا

Satan promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أُصُولِنا.

فالأصْلُ الأوَّلُ: المُضِلُّ هو الشَّيْطانُ، ولَيْسَ المُضِلُّ هو اللَّهَ تَعالى. قالُوا: وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ ادَّعى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٦] وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُضِلًّا لِلنّاسِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الإلَهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ.

والأصْلُ الثّانِي: وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الإضْلالُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقُلْنا: لَيْسَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، بِدَلِيلِ أنَّ إبْلِيسَ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مَعَ أنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذا كَلامُ إبْلِيسَ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وأيْضًا أنَّ كَلامَ إبْلِيسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُضْطَرِبٌ

صفحة ٣٩

جِدًّا، فَتارَةً يَمِيلُ إلى القَدَرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩ ] . وأُخْرى إلى الجَبْرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْرِ ٣٩] . وتارَةً يُظْهِرُ التَّرَدُّدَ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القَصَصِ: ٦٣] يَعْنِي: أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ: نَحْنُ أُغْوِينا فَمَنِ الَّذِي أغْوانا عَنِ الدِّينِ ؟ ولا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ الكُلِّ بِالآخِرَةِ إلى اللَّهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِن إلْقاءِ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبُ الأمانِيِّ يُورِثُ شَيْئَيْنِ؛ الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمانِ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ قالَ ﷺ: «”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنانِ الحِرْصُ والأمَلُ“» . والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلى التَّوْبَةِ، ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.

ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ . البَتْكُ: القَطْعُ، وسَيْفٌ باتِكٌ: أيْ قاطِعٌ، والتَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ. قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: التَّبْتِيكُ هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُقَطِّعُونَ آذانَ الأنْعامِ نُسُكًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ، مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كُفْرٌ وفِسْقٌ.

خامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَغْيِيرُ دِينِ …

An-Nisaa 4:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.