Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 176

111

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And whoever commits a sin only earns it against himself. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .

اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ .

وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ

صفحة ١٩٦

ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ.

والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ.

وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ.

والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا.

ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا.

وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا …

An-Nisaa 4:111Listen in Qur'an →
112

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .

اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ .

وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ

صفحة ١٩٦

ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ.

والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ.

وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ.

والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا.

ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا.

وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا …

An-Nisaa 4:112Listen in Qur'an →
113

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا

And if it was not for the favor of Allah upon you, [O Muhammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allah has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allah upon you been great.

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .

اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ .

وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ

صفحة ١٩٦

ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ.

والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ.

وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ.

والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا.

ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا.

وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا …

An-Nisaa 4:113Listen in Qur'an →
114

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

صفحة ١٩٨

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

لَمْ تَخْلُ الحَوادِثُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيُ السّابِقَةُ، ولا الأحْوالُ الَّتِي حَذَّرَتْ مِنها، مِن تَناجٍ وتَحاوُرٍ، سِرًّا وجَهْرًا، لِتَدْبِيرِ الخِياناتِ وإخْفائِها وتَبْيِيتِها، لِذَلِكَ كانَ المَقامُ حَقِيقًا بِتَعْقِيبِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِذِكْرِ النَّجْوى وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، لِأنَّ في ذَلِكَ تَعْلِيمًا وتَرْبِيَةً وتَشْرِيعًا، إذِ النَّجْوى مِن أشْهَرِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلنّاسِ في مُجْتَمَعاتِهِمْ، لا سِيَّما في وقْتِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، فَقَدْ كانَ فِيها المُنافِقُونَ واليَهُودُ وضُعَفاءُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ التَّناجِي فاشِيًا لِمَقاصِدَ مُخْتَلِفَةٍ، فَرُبَّما كانَ يُثِيرُ في نُفُوسِ الرّائِينَ لِتِلْكَ المُناجاةِ شَكًّا، أيْ خَوْفًا، إذْ كانَ المُؤْمِنُونَ في حالِ مُناواةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ النَّهْيُ عَنِ النَّجْوى في القُرْآنِ نَحْوَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] الآياتِ، وقَوْلُهُ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧] وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، فَلِذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ النَّجْوى هُنا أيْضًا، فَقالَ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ . فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِإفادَةِ حُكْمِ النَّجْوى، والمُناسَبَةُ قَدْ تَبَيَّنَتْ.

والنَّجْوى مَصْدَرٌ، هي المُسارَّةُ في الحَدِيثِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّجْوِ، وهو المَكانُ المُسْتَتِرُ الَّذِي المُفْضِي إلَيْهِ يَنْجُو مِن طالِبِهِ، ويُطْلَقُ النَّجْوى عَلى المُناجِينَ، وفي القُرْآنِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧]، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ. والضَّمِيرُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ نَجْوى ضَمِيرُ جَماعَةِ النّاسِ كُلِّهِمْ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ [هود: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] في سُورَةِ هُودٍ، ولَيْسَ عائِدًا إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ الَّتِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى هُنا؛ لِأنَّ المَقامَ مانِعٌ مِن عَوْدِهِ إلى تِلْكَ الجَماعَةِ إذْ لَمْ تَكُنْ نَجْواهم إلّا فِيما يَخْتَصُّ بِقَضِيَّتِهِمْ، فَلا عُمُومَ لَها يَسْتَقِيمُ مَعَهُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ . وعَلى هَذا فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَرْبِيَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ دَعَتْ إلَيْها المُناسَبَةُ، فَإنَّ شَأْنَ المُحادَثاتِ

صفحة ١٩٩

والمُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ جَهْرَةً، لِأنَّ الصَّراحَةَ مِن أفْضَلِ الأخْلاقِ لِدَلالَتِها عَلى ثِقَةِ المُتَكَلِّمِ بِرَأْيِهِ، وعَلى شَجاعَتِهِ في إظْهارِ ما يُرِيدُ إظْهارَهُ مِن تَفْكِيرِهِ، فَلا يَصِيرُ إلى المُناجاةِ إلّا في أحْوالٍ شاذَّةٍ يُناسِبُها إخْفاءُ الحَدِيثِ. فَمَن يُناجِي في غَيْرِ تِلْكَ الأحْوالِ رُمِيَ بِأنَّ شَأْنَهُ ذَمِيمٌ، وحَدِيثَهُ فِيما يَسْتَحْيِي مِن إظْهارِهِ، كَما قالَ صالِحُ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ:

السِّتْرُ دُونَ الفاحِشاتِ ولا يَغْشاكَ دُونَ الخَيْرِ مِن سِتْرِ

وقَدْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنِ النَّجْوى غَيْرَ مَرَّةٍ، لِأنَّ التَّناجِيَ كانَ مِن شَأْنِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ …

An-Nisaa 4:114Listen in Qur'an →
115

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] بِمُناسَبَةِ تَضادِّ الحالَيْنِ. والمُشاقَّةُ: المُخالَفَةُ المَقْصُودَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشِّقِّ لِأنَّ المُخالِفَ كَأنَّهُ يَخْتارُ شِقًّا يَكُونُ فِيهِ غَيْرَ شِقِّ الآخَرِ.

فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ مِن بَعْدِ ما آمَنَ بِالرَّسُولِ فَتَكُونُ الآيَةُ وعِيدًا لِلْمُرْتَدِّ. ومُناسَبَتُها هُنا أنَّ بَشِيرَ بْنَ أُبَيْرِقٍ صاحِبَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ،

صفحة ٢٠١

لَمّا افْتَضَحَ أمْرُهُ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَكِنَّهُ شاقَّهُ عِنادًا ونِواءً لِلْإسْلامِ.

وسَبِيلُ كُلِّ قَوْمٍ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَسْلُكُونَها في وصْفِهِمُ الخاصِّ، فالسَّبِيلُ مُسْتَعارٌ لِلِاعْتِقاداتِ والأفْعالِ والعاداتِ، الَّتِي يُلازِمُها أحَدٌ ولا يَبْتَغِي التَّحَوُّلَ عَنْها، كَما يُلازِمُ قاصِدُ المَكانِ طَرِيقًا يُبَلِّغُهُ إلى قَصْدِهِ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ نَظِيرُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٣٢]، فَمَنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ واتَّبَعَ سَبِيلَ غَيْرِهِمْ في غَيْرِ الكُفْرِ مِثْلَ اتِّباعِ سَبِيلِ يَهُودِ خَيْبَرَ في غِراسَةِ النَّخِيلِ، أوْ بِناءِ الحُصُونِ، لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ فِيهِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ.

وكَأنَّ فائِدَةَ عَطْفِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ عَلى مُشاقَّةِ الرَّسُولِ الحَيْطَةُ لِحِفْظِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ الرَّسُولِ، فَقَدِ ارْتَدَّ بَعْضُ العَرَبِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ .

وقالَ الحُطَيْئَةُ في ذَلِكَ:

أطَعْنا رَسُولَ اللَّهِ إذْ كانَ بَيْنَنا فَيا لِعِبادِ اللَّهِ ما لِأبِي بَكْرِ

فَكانُوا مِمَّنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يُشاقُّوا الرَّسُولَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ الإعْراضُ عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ وشَأْنَهُ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: وأمّا الآخَرُ فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ شاعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ الِاحْتِجاجُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِكَوْنِ إجْماعِ عُلَماءِ الإسْلامِ عَلى حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ حُجَّةً، وأوَّلُ مَنِ احْتَجَّ بِها عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ.

قالَ الفَخْرُ: رُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ.

وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ واجِبًا. بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ بِمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ومُشاقَّةُ الرَّسُولِ وحْدَها مُوجِبَةٌ لِهَذا الوَعِيدِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُوجِبًا لَهُ، لَكانَ ذَلِكَ ضَمًّا لِما لا أثَرَ لَهُ في الوَعِيدِ إلى ما هو مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ …

An-Nisaa 4:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly gone far astray.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، جُعِلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن وصْفِ أحْوالِ شِرْكِهِمْ. وتَعْقِيبُ الآيَةِ السّابِقَةِ بِهَذِهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ المُرادَ بِاتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعُ سَبِيلِ الكُفْرِ مِن شِرْكٍ وغَيْرِهِ، فَعَقَّبَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، وأكَّدَهُ بِأنَّ لِلدَّلالَةِ عَلى رَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ أوِ المَجازِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، غَيْرَ أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ قالَ فِيها ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وقالَ في هَذِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ . وإنَّما قالَ في السّابِقَةِ ﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] لِأنَّ المُخاطَبَ فِيها أهْلُ الكِتابِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الشِّرْكَ مِن قَبِيلِ الِافْتِراءِ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الِافْتِراءِ وتَفْظِيعًا لِجِنْسِهِ.

وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الشِّرْكَ مِنَ الضَّلالِ تَحْذِيرًا لَهم مِن مُشاقَّةِ الرَّسُولِ وأحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّها مِن جِنْسِ الضَّلالِ. وأُكِّدَ الخَبَرُ هُنا بِحَرْفِ ”قَدْ“ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّ المُواجَهَ بِالكَلامِ هُنا المُؤْمِنُونَ، وهم لا يَشُكُّونَ في تَحَقُّقِ ذَلِكَ.

والبَعِيدُ أُرِيدَ بِهِ القَوِيُّ في نَوْعِهِ الَّذِي لا يُرْجى لِصاحِبِهِ اهْتِداءٌ، فاسْتُعِيرَ لَهُ البَعِيدُ لِأنَّ البَعِيدَ يُقْصِي الكائِنَ فِيهِ عَنِ الرُّجُوعِ إلى حَيْثُ صَدَرَ.

An-Nisaa 4:116Listen in Qur'an →
117

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًۭا مَّرِيدًۭا

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan.

صفحة ٢٠٣

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ .

كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ.

ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.

والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ.

وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ

صفحة ٢٠٤

الدُّعاءِ بُعْدًا.

وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ …

An-Nisaa 4:117Listen in Qur'an →
118

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

Whom Allah has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

صفحة ٢٠٣

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ .

كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ.

ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.

والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ.

وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ

صفحة ٢٠٤

الدُّعاءِ بُعْدًا.

وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ …

An-Nisaa 4:118Listen in Qur'an →
119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allah." And whoever takes Satan as an ally instead of Allah has certainly sustained a clear loss.

صفحة ٢٠٣

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ .

كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ.

ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.

والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ.

وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ

صفحة ٢٠٤

الدُّعاءِ بُعْدًا.

وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ …

An-Nisaa 4:119Listen in Qur'an →
120

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا

Satan promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

صفحة ٢٠٣

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ .

كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ.

وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ.

ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ.

والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ.

وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ

صفحة ٢٠٤

الدُّعاءِ بُعْدًا.

وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ …

An-Nisaa 4:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.