Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ، «والوَصِيَّةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يُقَدَّمَ إلى الغَيْرِ ما يَعْمَلُ فِيهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: «أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ» وهي في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لَهُ بِعَمَلِ ما عُهِدَ إلَيْهِ، فالمُرادُ يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَفْرِضُ عَلَيْكم، وبِالثّانِي: فَسَّرَهُ في «القامُوسِ» وعَدَلَ عَنِ الأمْرِ إلى الإيصاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى الِاهْتِمامِ وطَلَبِ الحُصُولِ بِسُرْعَةٍ.

﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾ أيْ في تَوْرِيثِ أوْلادِكم، أوْ في شَأْنِهِمْ وقَدَّرَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: في بِمَعْنى اللّامِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ يُوصِيكم في أوْلادِ مَوْتاكم لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ الحَيُّ بِقِسْمَةِ المِيراثِ في أوْلادِهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِذَوِي الأوْلادِ عَلى مَعْنى يُوصِيكم في تَوْرِيثِهِمْ إذا مُتُّمْ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ كَما لَوْ فُسِّرَ يُوصِيكم بِيُبَيِّنُ لَكم، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالأوْلادِ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُودُنِي وأنا مَرِيضٌ فَقُلْتُ كَيْفَ أُقَسِّمُ مالِي بَيْنَ ولَدِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا فَنَزَلَتْ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾» في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ والبَيانِ لِلْوَصِيَّةِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ؛ وجَعَلَها أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِيُوصِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى القَوْلِ أوِ الفَرْضِ أوِ الشَّرْعِ وفِيهِ تَكَلُّفٌ، والمُرادُ أنَّهُ يُعِدُّ كُلَّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ حَيْثُ اجْتَمَعَ الصِّنْفانِ مِنَ الذُّكُورِ

صفحة 217

والإناثِ واتَّحَدَتْ جِهَةُ إرْثِهِما فَيُضَعِّفُ لِلذَّكَرِ نَصِيبَهُ كَذا قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَيانُ حُكْمِ اجْتِماعِ الِابْنِ والبِنْتِ عَلى الإطْلاقِ. ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، والتَّقْدِيرُ هُنا لِلذَّكَرِ مِنهم فَتَدَبَّرْ، وتَخْصِيصُ الذَّكَرِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى حَظِّهِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى كَوْنِ الآيَةِ نَزَلَتْ في المَشْهُورِ لِبَيانِ المَوارِيثِ رَدًّا لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَوْرِيثِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ الِاهْتِمامُ بِالإناثِ، وأنْ يُقالَ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ لِأنَّ الذَّكَرَ أفْضَلُ، ولِأنَّ ذِكْرَ المَحاسِنِ ألْيَقُ بِالحَكِيمِ مِن غَيْرِهِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الإحْسانِ وكَرَّرَهُ دُونَ الإساءَةِ، ولِأنَّ في ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّضْعِيفَ كافٍ في التَّفْضِيلِ فَكَأنَّهُ حَيْثُ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ قِيلَ لَهم: كَفى الذُّكُورَ أنْ ضُوعِفَ لَهم نَصِيبُ الإناثِ فَلا يُحْرَمْنَ عَنِ المِيراثِ بِالكُلِّيَّةِ مَعَ تَساوِيهِما في جِهَةِ الإرْثِ. وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ إنْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أوَّلًا ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًا مِنكم كانَ أوْ مِن غَيْرِكم، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ( لَهُنَّ ) ولَمْ يَقُلْ لَكم، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن بَطْنِ الزَّوْجَةِ وأنْ يَكُونَ مِن صُلْبِ بَنِيها أوْ بَنِي بَنِيها إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ولَدَ الوَلَدِ لا يَحْجِبُ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ تَقْدِيرِ عَدَمِ الوَلَدِ وبَيانَ حُكْمِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَقْدِيرِ وجُودِهِ وبَيانِ حُكْمِهِ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ والباقِي في الصُّورَتَيْنِ لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ، أوْ ذَوِي الأرْحامِ، أوْ لِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ وارِثٌ آخَرُ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتا الصُّورَتَيْنِ لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ، والكَلامُ عَلى فائِدَةِ الوَصْفِ وكَذا عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ ذِكْرًا قَدْ مَرَّ آنِفًا فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ ﴿ولَهُنَّ﴾ أيِ الأزْواجِ تَعَدَّدْنَ أوْ لا ﴿الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى التَّفْصِيلِ المُتَقَدِّمِ ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها﴾ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما فَرَضَ لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ لِمَزِيَّةٍ عَلَيْها ولِذا اخْتُصَّ بِتَشْرِيفِ الخِطابِ، وتَقْدِيمِ ذِكْرِ حُكْمِ مِيراثِهِ وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ والقُرْبِ، ولا يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعَتَقُ والمُعْتَقَةُ لِاسْتِواءِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنهم.

﴿دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ﴾ المُرادُ بِالرَّجُلِ المَيِّتُ وهو اسْمُ كانَ ﴿يُورَثُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن ورِثَ الثُّلاثِيِّ خَبَرُ كانَ، والمُرادُ يُورَثُ مِنهُ فَإنَّ ورِثَ تَتَعَدّى بِمِن وكَثِيرًا ما تُحْذَفُ ﴿كَلالَةً﴾ هي في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ وهو الإعْياءُ قالَ الأعْشى:

فَآلَيْتُ لا أرْثِي لَها مِن ”كَلالَةٍ“ ولا مِن حَفِيٍّ حَتّى أُلاقِيَ مُحَمَّدًا

ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ واسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الحَقائِقِ لِلْقَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ لِضَعْفِها بِالنِّسْبَةِ إلى قَرابَتِهِما، وتُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخْلِفْ والِدًا ولا ولَدًا، وعَلى مَن لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَما تُطْلَقُ القَرابَةُ عَلى ذَوِي القَرابَةِ

صفحة 230

وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وآخَرُونَ جَوَّزُوا كَوْنَها صِفَةً كالهَجاجَةِ لِلْأحْمَقِ قالَ الشّاعِرُ:

”

هَجاجَةُ“ مُنْتَخَبُ الفُؤادِ ∗∗∗ كَأنَّهُ نَعامَةٌ في وادٍ

وتُسْتَعْمَلُ في المالِ المَوْرُوثِ مِمّا لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ إلّا أنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ شائِعٍ وهي في جَمِيعِ ذَلِكَ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، واخْتارَ كَثِيرٌ كَوْنَ أصْلِها مِن تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ إذْ أحاطَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ الإكْلِيلُ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ والكُلِّ لِإحاطَتِهِ بِالعَدَدِ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ: أصًلُ الكَلالَةِ عِنْدِي ما تَرَكَهُ الإنْسانُ وراءَ ظَهْرِهِ أخْذًا مِنَ الكَلِّ وهو الظَّهْرُ والقَفا، ونَصَبَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُورَثُ مِنهُ لِأجْلِ القَرابَةِ المَذْكُورَةِ، أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يُورَثُ﴾ أيْ حالَ …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ في شُؤُونِ اليَتامى والمَوارِيثِ وغَيْرِها، واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى المَوارِيثِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ شَرائِعُهُ أوْ طاعَتُهُ أوْ تَفْصِيلاتُهُ أوْ شُرُوطُهُ، وأُطْلِقَتْ عَلَيْها الحُدُودُ لِشَبَهِها بِها مِن حَيْثُ إنَّ المُكَلَّفَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَجاوَزَها إلى غَيْرِها.

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ فِيما فَرَضَ مِنَ الفَرائِضِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وأبْنِيَتِها، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿الأنْهارُ﴾ أيْ ماؤُها ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ ( يُدْخِلْهُ ) لِأنَّ الخُلُودَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ يَصِيدُ بِهِ غَدًا، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ مَعْنى ( مِن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ لِمُراعاةِ لَفْظِها ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ دُخُولُ الجَنّاتِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿الفَوْزُ﴾ أيِ الفَلاحُ والظَّفَرُ بِالخَيْرِ ﴿العَظِيمُ﴾ في نَفْسِهِ أوْ بِالإضافَةِ إلى حِيازَةِ التَّرِكَةِ عَلى ما قِيلَ؛ والجُمْلَةُ اعْتُرِضَ.

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ فِيما فَرَضَ مِنَ الفَرائِضِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَن لا يُؤْمِنُ بِما فَصَّلَ سُبْحانَهُ مِنَ المَوارِيثِ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الَّتِي جاءَ بِها رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن جُمْلَتِها ما قَصَّ لَنا قَبْلُ، أوْ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ في القِسْمَةِ المَذْكُورَةِ اسْتِحْلالًا كَما حُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ في المَوْضِعَيْنِ ﴿نارًا﴾ أيْ عَظِيمَةً هائِلَةً ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ كَما سَبَقَ، وأُفْرِدَ هُنا وجُمِعَ هُناكَ لِأنَّ أهْلَ الطّاعَةِ أهْلُ الشَّفاعَةِ وإذا شَفَعَ أحَدُهم في غَيْرِهِ دَخَلَها مَعَهُ، وأهْلُ المَعاصِي لا يَشْفَعُونَ فَلا يَدْخُلُ بِهِمْ غَيْرُهم فَيَبْقَوْنَ فُرادى، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الخُلُودَ في دارِ الثَّوابِ بِصِيغَةِ الِاجْتِماعِ الَّذِي هو أجْلَبُ لِلْأُنْسِ، والخُلُودَ في دارِ العِقابِ بِصِيغَةِ الِانْفِرادِ الَّذِي هو أشَدُّ في اسْتِجْلابِ الوَحْشَةِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ والتَّبْرِيزِيُّ كَوْنَ ( خالِدِينَ ) هُناكَ و( خالِدًا ) هُنا صِفَتَيْنِ لِجَنّاتٍ

صفحة 234

أوْ نارٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ إبْرازُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُما جَرَيا عَلى غَيْرِ مَن هُما لَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الوَصْفِيَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى إبْرازِ الضَّمِيرِ إذْ لا لَبْسَ ﴿ولَهُ عَذابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ ﴿مُهِينٌ﴾ أيْ مُذِلٌّ لَهُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمُرادُ جَمْعُ أمْرَيْنِ لِلْعُصاةِ المُعْتَدِينَ عَذابٍ جُسْمانِيٍّ وعَذابٍ رُوحانِيٍّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ مُخَلَّدٌ في النّارِ، والجَوابُ أنَّها لا تَصْدُقُ عَلَيْهِ إمّا لِأنَّها في الكافِرِ عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الكَلْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ وإمّا لِأنَّ المُرادَ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى جَمِيعُ حُدُودِهِ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ، والمُؤْمِنُ العاصِي واقِفٌ عِنْدَ حَدِّ التَّوْحِيدِ، وإمّا لِأنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ كَما أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ عِنْدَ الزّاعِمِ، وفي خَتْمِ آياتِ المَوارِيثِ بِهَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ أمْرِ المِيراثِ ولُزُومِ الِاحْتِياطِ والتَّحَرِّي وعَدَمِ الظُّلْمِ فِيهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن قَطَعَ مِيراثًا فَرَضَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ قَطَعَ اللَّهُ مِيراثَهُ مِنَ الجَنَّةِ»».

وأخْرَجَ أبُو مَنصُورٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ السّاعَةَ لا تَقُومُ حَتّى لا يُقَسَّمَ مِيراثٌ ولا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةِ عَدُوٍّ، وكَأنَّ عَدَمَ القِسْمَةِ إمّا لِلتَّهاوُنِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ وكَثْرَةِ الظُّلْمِ بَيْنَ النّاسِ، وإمّا لِفُشُوِّ الجَهْلِ وعَدَمِ مَن يَعْرِفُ الفَرائِضَ، فَقَدْ ورَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««إنَّ عِلْمَ الفَرائِضِ أوَّلُ ما يُنْزَعُ مِنَ الأُمَّةِ»»، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ وعَلِّمُوهُ النّاسَ فَإنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وإنَّ العِلْمَ سَيُقْبَضُ وتَظْهَرُ الفِتَنُ حَتّى يَخْتَلِفَ الِاثْنانِ في الفَرِيضَةِ لا يَجِدانِ مَن يَقْضِي بِها»» …

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّجالِ والنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، و( اللّاتِي ) جَمْعُ الَّتِي عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِيلَ: هي صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والفاحِشَةُ ما اشْتَدَّ قُبْحُهُ، واسْتُعْمِلَتْ كَثِيرًا في الزِّنا لِأنَّهُ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ، وهو المُرادُ هُنا عَلى الصَّحِيحِ، والإتْيانُ في الأصْلِ المَجِيءُ، وفي «الصَّحّاحِ» يُقالُ: أتَيْتُهُ أتْيًا قالَ الشّاعِرُ:

فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أتْيِ العَسْكَرِ

وأتَوْتُهُ أتْوَةً لُغَةٌ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

كُنْتُ إذا أتَوْتُهُ مِن غَيْبِ

وفِي «القامُوسِ» أتَوْتُهُ أتْوَةً وأتَيْتُهُ أتْيًا وإتْيانًا وإتْيانَةً بِكَسْرِهِما، ومَأْتاةً وإتِيًّا كَعِتِيٍّ، ويُكْسَرُ جِئْتُهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ كالمَجِيءِ والرَّهَقِ والغِشِيِّ عَنِ الفِعْلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وهو المُرادُ هُنا فالمَعْنى يَفْعَلْنَ الزِّنا أيْ يَزْنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّهْجِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( يَأْتِينَ ) بِالفاحِشَةِ - فالإتْيانُ عَلى أصْلِهِ المَشْهُورِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( يَأْتِينَ ) والمُرادُ مِنَ النِّساءِ كَما قالَ السُّدِّيُّ وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ - النِّساءَ اللّاتِي قَدْ أُنْكِحْنَ وأُحْصِنَّ ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ﴿فاسْتَشْهِدُوا﴾ أيْ فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ بِإتْيانِهِنَّ الفاحِشَةَ ﴿أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ أيْ أرْبَعَةً مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ قالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ أنْ لا تُقْبَلَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ»، واشْتَرَطَ الأرْبَعَةُ في الزِّنا تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقِيلَ: لِيَقُومَ نِصابُ الشَّهادَةِ كامِلًا عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الزّانِيَيْنِ كَسائِرِ الحُقُوقِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ مَزِيدَةٌ فِيهِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجازَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِأنَّ

صفحة 235

الكَلامَ صارَ في حُكْمِ الشَّرْطِ حَيْثُ وصَلَتِ اللّاتِي بِالفِعْلِ قالَهُ أبُو البَقاءِ وذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ النَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ لِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ، وتَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصِّلَةِ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ غَيْرِ فاسْتَشْهِدُوا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ النَّصْبُ في اللّاتِي، وذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الِابْتِداءِ وأجازَ قَوْمٌ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اقْصِدُوا اللّاتِي أوْ تَعَمَّدُوا، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ اللّاتِي، فالجارُّ والمَجْرُورُ هو الخَبَرُ وحُكْمٌ هو المُبْتَدَأُ فَحُذِفا لِدَلالَةِ فاسْتَشْهَدُوا لِأنَّهُ الحُكْمُ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْحُكّامِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ.

﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِالإتْيانِ.

﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ فاحْبِسُوهُنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ ﴿فِي البُيُوتِ﴾ واجْعَلُوها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ المُرادُ بِالتَّوَفِّي أصْلُ مَعْناهُ أيِ الِاسْتِيفاءُ وهو القَبْضُ تَقُولُ: تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ واسْتَوْفَيْتُهُ إذا قَبَضْتَهُ. وإسْنادُهُ إلى المَوْتِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى …

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، أرادَ بِهِما البِكْرانِ اللَّذانِ لَمْ يُحَصَّنا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُ

صفحة 236

عُقُوبَتِهِما أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ لَكِنْ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ غَيْرِ ظاهِرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿واللَّذانِ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالألِفِ كَما قِيلَ بَلْ يَكُونُ مَعَ الياءِ أيْضًا وهو عِوَضٌ عَنْ ياءِ الَّذِي المَحْذُوفِ إذْ قِياسُهُ اللَّذِيانِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ هُنا عَلى حَدِّهِ كَما في دابَّةٍ وشابَّةٍ ﴿فَآذُوهُما﴾ أيْ بَعْدَ اسْتِشْهادِ أرْبَعَةِ شُهُودٍ عَلَيْهِما بِالإتْيانِ، وتَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًا، واخْتُلِفَ في الإيذاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والضَّرْبِ بِالنِّعالِ، وعَنِ السُّدِّيِّ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ فَقَطْ ﴿فَإنْ تابا﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ الإيذاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿وأصْلَحا﴾ أيِ العَمَلَ.

﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ أيِ اصْفَحُوا عَنْهُما وكُفُّوا عَنْ أذاهُما ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ مُبالِغًا في قَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ والجُمْلَةُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ، والخِطابُ هُنا لِلْحُكّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى فِعْلَتِهِما، ويُرادُ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى القُضاةِ والجَرِّ إلى الوُلاةِ وفَتْحِ بابِ الشَّرِّ عَلَيْهِما، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِذَلِكَ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والحُكْمُ عَلَيْهِ مَنسُوخٌ بِالحَدِّ المَفْرُوضِ في سُورَةِ النُّورِ أيْضًا عِنْدَ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ والطَّبَرِيُّ وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وهَذا مِمّا لا يَتَمَشّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ البِكْرانِ كَما لا يَخْفى، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ لِحُكْمِ الآيَتَيْنِ بَلِ الآيَةُ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهُنَّ النِّساءُ اللّاتِي يَسْتَمْتِعُ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ وحَدُّهُنَّ الحَبْسُ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في اللّائِطَيْنِ وحْدَهُما الإيذاءُ، وأمّا حُكْمُ الزُّناةِ فَسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ، وزُيِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وبِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ اللُّوطِيِّ ولَمْ يَتَمَسَّكْ أحَدٌ مِنهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وعَدَمُ تَمَسُّكِهِمْ بِها مَعَ شِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَصٍّ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في ذَلِكَ، وأيْضًا جَعَلَ الحَبْسَ في البَيْتِ عُقُوبَةَ السِّحاقِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى الخُرُوجِ كالزِّنا، فَلَوْ كانَ المُرادُ السَّحّاقاتِ لَكانَتِ العُقُوبَةُ لَهُنَّ عَدَمَ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ لا الحَبْسُ والمَنعُ مِنَ الخُرُوجِ، فَحَيْثُ جُعِلَ هو عُقُوبَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ الزّانِياتُ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وهو مِن أكابِرِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ عَلى أنَّهُ تَبَيَّنَ في الأُصُولِ أنَّ …

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِالتَّوّابِ الرَّحِيمِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانَ شَرْطِ قَبُولِ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ، وعَلى وإنِ اسْتُعْمِلَتْ لِلْوُجُوبِ حَتّى اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ الواجِبَةِ عَلَيْهِ، فالمُرادُ أنَّهُ لازِمٌ مُتَحَقِّقُ الثُّبُوتِ البَتَّةَ بِحُكْمِ سَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ كَما يُقالُ: واجِبُ الوُجُودِ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عِنْدَ، وعَلَيْهِ الطَّبَرَسِيُّ أيْ إنَّما التَّوْبَةُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ أيِ المَعْصِيَةَ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، والتَّوْبَةُ مُبْتَدَأٌ، ولِلَّذِينِ خَبَرُهُ، وعَلى اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ المُسْتَكِنِّ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها المَعْنَوِيِّ عِنْدَ كَوْنِها ظَرْفًا وجَعْلِهِ بَعْضَهم عَلى حَدِّ هَذا بُسْرًا أطْيَبُ مِنهُ رُطَبًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلتَّوْبَةِ أيْ إنَّما التَّوْبَةُ الكائِنَةُ عَلى اللَّهِ و( لِلَّذِينَ ) هو الخَبَرُ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ هو الخَبَرُ، ولِلَّذِينِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنَّ في مُتَعَلِّقِ الخَبَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما تُعُلِّقَ بِهِ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّ سَوْقَ الآيَةِ يُؤَيِّدُ جَعْلَ لِلَّذِينِ خَبَرًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَمْ يَتَعَسَّفْ.

﴿بِجَهالَةٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْمَلُونَ أيْ يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُتَلَبِّسِينَ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَعْمَلُونَ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الجَهالَةِ الجَهْلُ والسَّفَهُ بِارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ لا عَدَمُ العِلْمِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ فَإنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، والجَهْلُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:

ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

ومِن هُنا قالَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ»، وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن عَصى رَبَّهُ فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُصِيَ بِهِ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كُلُّ ذَنْبِ عَمِلَهِ العَبْدُ وإنْ كانَ عالِمًا فَهو جاهِلٌ فِيهِ حِينَ خاطَرَ بِنَفْسِهِ في مَعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فَنَسَبَهم إلى الجَهْلِ لِمُخاطَرَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كُنْهَ ما في المَعْصِيَةِ مِنَ العُقُوبَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ذَلِكَ اخْتِيارُهُمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ.

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أيْ مِن زَمانٍ قَرِيبٍ وهو ما …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ عَلى اللَّهِ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المَعاصِيَ وجُمِعَتْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها في الزَّمانِ المَدِيدِ لا لِأنَّ المُرادَ بِها جَمِيعُ أنْواعِها وبِما مَرَّ مِنَ السُّوءِ نَوْعٌ مِنها ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ بِأنْ شاهَدَ الأحْوالَ الَّتِي لا يُمْكِنُ مَعَها الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا بِحالٍ وعايَنَ مَلَكَ المَوْتِ وانْقَطَعَ حَبْلُ الرَّجاءِ ﴿قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ أيْ هَذا الوَقْتَ الحاضِرَ، وذُكِرَ لِمَزِيدِ تَعْيِينِ الوَقْتِ، وإيثارِ قالَ عَلى تابَ لِإسْقاطِ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ والتَّحاشِي عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَوْبَةً، ولَوْ أكَّدَهُ ورَغِبَ فِيهِ، ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ كَوْنُ تِلْكَ الحالَةِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالآخِرَةِ بَلْ هي أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِها، والدُّنْيا دارُ عَمَلٍ ولا جَزاءَ، والآخِرَةُ دارُ جَزاءٍ ولا عَمَلَ، وحَتّى حَرْفُ ابْتِداءٍ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها أيْ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِقَوْمٍ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إلى حُضُورِ مَوْتِهِمْ وقَوْلِهِمْ: كَيْتَ وكَيْتَ.

﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَهُ أيْ لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ

صفحة 240

لِهَؤُلاءِ ولا لِهَؤُلاءِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهم رَأْسًا المُبالَغَةُ في عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ المُسَوِّفِينَ والإيذانِ بِأنَّ وُجُودَها كالعَدَمِ بَلْ في تَكْرِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ كَما قِيلَ إشْعارٌ خَفِيٌّ بِكَوْنِ حالِ المُسَوِّفِينَ في عَدَمِ اسْتِتْباعِ الجَدْوى أقْوى مِن حالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، والكَثِيرُ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ما يَشْمَلُ الفَسَقَةَ والكَفَرَةَ، ومِنَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ إلَخْ الكَفّارُ فَقَطْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولَيْنِ الكَفّارُ خاصَّةً، وأنْ يُرادَ بِهِما الفَسَقَةُ وحْدَهم، وتَسْمِيَتُهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ كَفّارًا لِلتَّغْلِيظِ، وأنْ يُرادَ بِهِما ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا فالتَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ لِلتَّغْلِيبِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ الآيَةَ الأُولى: نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ والثّانِيَةَ: في المُنافِقِينَ، والثّالِثَةَ: في المُشْرِكِينَ، وفي جَعْلِ الوُسْطى في المُنافِقِينَ مَزِيدُ ذَمٍّ لَهم حَيْثُ جَعَلَ عَمَلَ السَّيِّئاتِ مِن غَيْرِهِمْ في جَنْبِ عَمَلِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَكَأنَّهم عَمِلُوها دُونَ غَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا لا يَخْفى لُطْفُ التَّعْبِيرِ بِالجَمْعِ في أعْمالِهِمْ، وبِالمُفْرِدِ في المُؤْمِنِينَ لَكِنْ ضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ إنْ كانَ المُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ فَلا تَوْبَةَ لَهم يَحْتاجُ إلى نَفْيِها، وإلّا فَهم وغَيْرُهم سَواءٌ.

هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ تَوْبَةَ اليائِسِ كَإيمانِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ تَوْبَةَ اليائِسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إيمانِهِ لِأنَّ الرَّجاءَ باقٍ ويَصِحُّ مَعَهُ النَّدَمُ، والعَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وأيْضًا التَّوْبَةُ تَجْدِيدُ عَهْدٍ مَعَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، والإيمانُ إنْشاءُ عَهْدٍ لَمْ يَكُنْ وفَرْقٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وفِيِ «البَزّازِيَّةِ» أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها تُقْبَلُ بِخِلافِ إيمانِ اليائِسِ، وإذا قُبِلَتِ الشَّفاعَةُ في القِيامَةِ وهي حالَةُ يائِسٍ فَهَذا أوْلى، وصَرَّحَ القاضِي عَبْدُ الصَّمَدِ الحَنَفِيُّ في «تَفْسِيرِهِ» إنَّ مَذْهَبَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ …

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ لَمّا نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ عَنْ عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرِ اليَتامى والأمْوالِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِنانِ بِنَوْعٍ مِن سُنَنِهِمْ في النِّساءِ أنْفُسِهِنَّ أوْ أمْوالِهِنَّ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ وتَرَكَ جارِيَةً ألْقى عَلَيْها حَمِيمُهُ ثَوْبَهُ فَمَنَعَها مِنَ النّاسِ فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَها وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَها حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وأبِي داوُدَ «كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كُبَيْشَةَ ابْنَةِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ مِنَ الأوْسِ كانَتْ عِنْدَ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ فَتُوُفِّيَ عَنْها فَجَنَحَ عَلَيْها ابْنُهُ فَجاءَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: لا أنا ورِثْتُ زَوْجِي ولا أنا تُرِكْتِ فَأُنْكَحُ فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ أهْلُ يَثْرِبَ إذا ماتَ الرَّجُلُ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ ورِثَ امْرَأتَهُ مَن يَرِثُ مالَهُ، فَكانَ يَعْضُلُها حَتّى يَتَزَوَّجَها أوْ يُزَوِّجَها مَن أرادَ فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَحْبِسُ المَرْأةَ عِنْدَهُ لا حاجَةَ لَهُ بِها ويَنْتَظِرُ مَوْتَها حَتّى يَرِثَها فالنِّساءُ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرِثُوا عَلى أنْ يَكُنَّ هُنَّ المَوْرُوثاتِ، وكَرْهًا مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النِّساءِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ ﴿تَرِثُوا﴾ والمَعْنى لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا نِساءَ مَوْتاكم بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما حَلَّ لَكم أخْذُ الأمْوالِ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ، أوْ أنْتُمْ مُكْرِهُونَ لَهُنَّ، وإمّا مَفْعُولٌ أوَّلُ لَهُ، والمَعْنى: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِنَ النِّساءِ المالَ بِطَرِيقِ الإرْثِ كَرْهًا والمُرادُ مِن ذَلِكَ أمْرُ الزَّوْجِ أنْ يُطَلِّقَ مَن كَرِهَ صُحْبَتَها ولا يُمْسِكَها كَرْهًا حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَ مِنها مالَها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( كُرْهًا ) بِالضَّمِّ في مَواضِعِهِ، ووافَقَهُما عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ في الأحْقافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ ذَلِكَ وهُما بِمَعْنًى كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقِيلَ: الكُرْهُ بِالضَّمِّ الإكْراهُ وبِالفَتْحِ الكَراهِيَةُ، وقُرِئَ لا تَحِلُّ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِأنَّ أنْ تَرِثُوا بِمَعْنى الوِراثَةِ كَما قُرِئَ ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَقالَةِ، وهَذا عَكْسُ تَذْكِيرٍ المَصْدَرِ المُؤَنَّثِ لِتَأْوِيلِهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَكُلٌّ مِنهُما جارٍ في اللِّسانِ الفَصِيحِ.

﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أصْلُ العَضْلِ التَّضْيِيقُ والحَبْسُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها عَسُرَ عَلَيْها كَأعْضَلَتْ فَهي مُعْضِلٌ ومُعَضِّلٌ، ويُقالُ: عَضَلَ المَرْأةَ يَعْضُلُها مُثَلَّثَةً عَضْلًا وعِضْلًا وعِضْلانًا بِكَسْرِهِما، وعَضَّلَها مَنَعَها الزَّوْجُ ظُلْمًا، وعَضَلَتِ الأرْضُ بِأهْلِها غَصَّتْ قالَ أوْسٌ:

تَرى الأرْضَ مِنّا …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

﴿وإنْ أرَدْتُمُ﴾ أيُّها الأزْواجُ ﴿اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ إقامَةَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها ﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾ أيِ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها ﴿وآتَيْتُمْ﴾ أيْ أعْطى أحَدُكم ﴿إحْداهُنَّ﴾ أيْ إحْدى الزَّوْجاتِ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ الزَّوْجِ هو الجِنْسُ الصّادِقُ مَعَ المُتَعَدِّدِ المُناسِبِ لِخِطابِ الجَمْعِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ كَما قالَ الكَرْخِيُّ: الِالتِزامُ والضَّمانُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ﴾ أيْ ما التَزَمْتُمْ وضَمِنتُمْ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وإنَّما ذُكِرَ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيها الأخْذُ فَنَبِّهُوا عَلى حُكْمِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ أيْ وقَدْ آتَيْتُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تُطَلِّقُوها وتَجْعَلُوا مَكانَها غَيْرَها ﴿قِنْطارًا﴾ أيْ مالًا كَثِيرًا وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ فِيهِ ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القِنْطارِ المُؤْتى ﴿شَيْئًا﴾

صفحة 244

يَسِيرًا أيْ فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ.

﴿أتَأْخُذُونَهُ﴾ أيِ الشَّيْءَ ﴿بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والمَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الوَصْفِ أيْ أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى العِلَّةِ ولا فَرْقَ في هَذا البابِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً وأنْ تَكُونَ عِلَّةً باعِثَةً وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي نَحْوَ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا لِأنَّ الأخْذَ بِسَبَبِ بُهْتانِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المَآثِمَ فَقَدْ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ جَدِيدَةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الباطِلُ الَّذِي يَتَحَيَّرُ مِن بُطْلانِهِ، وفُسِّرَ هُنا بِالظُّلْمِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الإثْمُ فَعُطِفَ الإثْمُ عَلَيْهِ لِلتَّفْسِيرِ كَما في قَوْلِهِ:

وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا إنْكارُ التَّمْلِيكِ والمُبِينُ البَيْنُ الظّاهِرُ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.