Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١١]

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ المَوارِيثِ المُجْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] إلَخْ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والَّتِي بَعْدَها والآيَةُ الَّتِي هي خاتِمَةُ هَذِهِ السُّوَرَةِ - هُنَّ آياتُ عِلْمِ الفَرائِضِ، وهو مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ، ومِنَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ مِمّا هو كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ، انْتَهى.

والمَعْنى: يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَعْهَدُ إلَيْكم في شَأْنِ مِيراثِ أوْلادِكم بَعْدَ مَوْتِكم ﴿لِلذَّكَرِ﴾ أيْ: مِنهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: نَصِيبِهِما اجْتِماعًا وانْفِرادًا.

أمّا الأوَّلُ: فَإنَّهُ يُعَدُّ كُلُّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ، في مِثْلِ ابْنٍ مَعَ بِنْتَيْنِ، وابْنِ ابْنٍ مَعَ بِنْتَيِ ابْنٍ، وهَكَذا في السّافِلِينَ، فَيَضْعَفُ نَصِيبُهُ ويَأْخُذُ سَهْمَيْنِ، كَما أنَّ لَهُما سَهْمَيْنِ.

وأمّا الثّانِي فَإنَّ لَهُ الكُلَّ وهو ضِعْفُ نَصِيبِ البِنْتِ الواحِدَةِ، لِأنَّهُ جُعِلَ لَها في حالِ انْفِرادِها النِّصْفُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ لِلذَّكَرِ - عِنْدَ انْفِرادِهِ - مِثْلَيْ نَصِيبِها عِنْدَ انْفِرادِها، وذَلِكَ الكامِلُ، فالمَذْكُورُ هُنا مِيراثُ الذَّكَرِ مُطْلَقًا، مُجْتَمِعًا مَعَ الإناثِ ومُنْفَرِدًا، كَما حَقَّقَهُ صاحِبُ "الِانْتِصافِ".

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِدُخُولِ أوْلادِ الِابْنِ في لَفْظِ (الأوْلادِ) لِلْإجْماعِ عَلى إرْثِهِمْ، دُونَ أوْلادِ البِنْتِ.

لَطائِفُ:

الأُولى: وجْهُ الحِكْمَةِ في تَضْعِيفِ نَصِيبِ الذَّكَرِ هو احْتِياجُهُ إلى مُؤْنَةِ النَّفَقَةِ ومُعاناةِ التِّجارَةِ والتَّكَسُّبِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَهو إلى المالِ أحْوَجُ، ولِأنَّهُ لَوْ كَمُلَ نَصِيبُها - مَعَ أنَّها قَلِيلَةُ العَقْلِ، كَثِيرَةُ الشَّهْوَةِ - لَأتْلَفَتْهُ في الشَّهَواتِ إسْرافًا، ولِأنَّها قَدْ تُنْفِقُ عَلى نَفْسِها فَقَطْ، وهو عَلى نَفْسِهِ وزَوْجَتِهِ.

الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ: لِلذَّكَرِ ضِعْفُ نَصِيبِ الأُنْثى؛ لِأنَّ الضِّعْفَ يَصْدُقُ عَلى المِثْلَيْنِ فَصاعِدًا، فَلا يَكُونُ نَصًّا، ولَمْ يَقُلْ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ، ولا لِلْأُنْثى نِصْفُ حَظِّ الذَّكَرِ؛ تَقْدِيمًا لِلذَّكَرِ بِإظْهارِ مَزِيَّتِهِ عَلى الأُنْثى، ولَمْ يَقُلْ: لِلذَّكَرِ مِثْلا نَصِيبِ الأُنْثى؛ لِأنَّ المِثْلَ في المِقْدارِ لا يَتَعَدَّدُ إلّا بِتَعَدُّدِ الأشْخاصِ، ولَمْ يُعْتَبَرْ هَهُنا.

الثّالِثَةُ: إيثارُ اسْمَيِ (الذَّكَرِ والأُنْثى) عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبَرِ في ذَلِكَ أصْلًا، كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ، كالنِّساءِ.

الرّابِعَةُ: اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [١٢]

﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى نَحْوِ ما فُصِّلَ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ، والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اسْتِخْراجِ وصِيَّتِهِنَّ وقَضاءِ دَيْنِهِنَّ ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ ذَكَرٌ أوْ أُنْثى، مِنهُنَّ أوْ مِن غَيْرِهِنَّ ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي فُصِّلَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ، وفي تَكْرِيرِ ذِكْرِ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِما ما لا يَخْفى.

لَطِيفَةٌ:

فِي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الرِّجالَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، وحَيْثُ ذَكَرَ النِّساءَ ذَكَرَهُنَّ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، وأيْضًا خاطَبَ اللَّهُ الرِّجالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، وذَكَرَ النِّساءَ فِيها عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، كَما فُضِّلُوا عَلَيْهِنَّ في النَّصِيبِ، كَذا يُسْتَفادُ مِنَ الرّازِيِّ.

﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ﴾ أيْ: تُورَثُ كَذَلِكَ ﴿ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا﴾ أيِ: الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ ﴿أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن واحِدٍ ﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ يَسْتَوِي فِيهِ ذَكَرُهم وأُنْثاهم.

قالَ المَجْدُ فِي: "القامُوسِ": والكَلالَةُ: مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، أوْ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّسَبِ لَحًّا، أوْ مَن تَكَلَّلَ نَسَبُهُ بِنَسَبِكَ، كابْنِ العَمِّ وشِبْهِهِ، أوْ هي الإخْوَةُ لِلْأُمِّ، أوْ بَنُو العَمِّ الأباعِدُ، أوْ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ، أوْ هي مِنَ العَصَبَةِ مَن ورِثَ مِنهُ الإخْوَةُ لِلْأُمِّ، فَهَذِهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ مَحْكِيَّةٍ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ.

وقالَ ابْنُ بِرِّيٍّ: اعْلَمْ أنَّ الكَلالَةَ في الأصْلِ هي مَصْدَرُ (كَلَّ المَيِّتُ يَكِلُّ كَلًّا وكَلالَةً) فَهو كَلٌّ إذا لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًا ولا والِدًا يَرِثانِهِ، هَذا أصْلُها.

قالَ: ثُمَّ قَدْ تَقَعُ الكَلالَةُ عَلى العَيْنِ دُونَ الحَدَثِ، فَتَكُونُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ المَوْرُوثِ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ اسْمًا لِلْحَدَثِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: هَذا خَلْقُ اللَّهِ أيْ: مَخْلُوقُ اللَّهِ.

قالَ: وجازَ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلْوارِثِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ أيْ: عادِلٌ، وماءٌ غَوْرٌ أيْ: غائِرٌ.

قالَ: والأوَّلُ هو اخْتِيارُ البَصْرِيِّينَ مِن أنَّ الكَلالَةَ اسْمٌ لِلْمَوْرُوثِ، قالَ: وعَلَيْهِ جاءَ …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [١٣]

﴿تِلْكَ﴾ الأحْكامُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أحْكامُهُ وفَرائِضُهُ المَحْدُودَةُ الَّتِي لا تَجُوزُ مُجاوَزَتُها ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ وغَيْرِها ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَساكِنِها ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ النَّجاةُ الوافِرَةُ بِالجَنَّةِ.

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [١٤]

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ وغَيْرِها ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ بِتَجاوُزِ أحْكامِهِ وفَرائِضِهِ بِالمَيْلِ والجَوْرِ ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: لِكَوْنِهِ غَيَّرَ ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ، وضادَّ اللَّهَ في حُكْمِهِ، وهَذا إنَّما يَصْدُرُ عَنْ عَدَمِ الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ وحَكَمَ بِهِ، ولِهَذا يُجازِيهِ بِالإهانَةِ في العَذابِ الألِيمِ المُقِيمِ.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في بابِ (الإضْرارِ في الوَصِيَّةِ) مِن (سُنَنِهِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أوِ المَرْأةَ بِطاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُما المَوْتُ فَيُضارّانِ في الوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُما النّارُ» .

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ [النساء: ١٢] حَتّى بَلَغَ: ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ.

ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ بِسِياقٍ أتَمَّ، ولَفْظُهُ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإذا أوْصى حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ» قالَ: ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضًا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بِقَوْلِهِ:

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [١٥]

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الخَصْلَةَ البَلِيغَةَ في القُبْحِ - وهي الزِّنى - حالَ كَوْنِهِنَّ ﴿مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا مِنَ القاذِفِينَ لَهُنَّ ﴿أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِها ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ أيِ: احْبِسُوهُنَّ فِيها، ولا تُمَكِّنُوهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ؛ صَوْنًا لَهُنَّ عَنِ التَّعَرُّضِ بِسَبَبِهِ لِلْفاحِشَةِ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ أيْ: يَسْتَوْفِي أرْواحَهُنَّ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمَوْتِ وإبْرازٌ لَهُ في صُورَةِ مَن يَتَوَلّى قَبَضَ الأرْواحِ وتَوَفِّيَها، أوْ يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: يَشْرَعُ لَهُنَّ حُكْمًا خاصًّا بِهِنَّ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِـ(السَّبِيلِ) لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ طَرِيقًا مَشْكُوكًا، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجَزَ وعْدَهُ، وجَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا، وذَلِكَ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأصْحابُ السُّنَنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُنْزِلَ الوَحْيُ كَرَبَ لَهُ وتَرَبَّدَ وجْهُهُ، وإذا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي - ثَلاثَ مِرارٍ - قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ والبِكْرُ بِالبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ، والبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ» هَذا لَفْظُ الإمامِ أحْمَدَ.

وكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ ولَفْظُهُ عَنْ عُبادَةَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ عُرِفَ ذَلِكَ فِيهِ، فَلَمّا أُنْزِلَتْ: ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النِّساءِ: ١٥] وارْتَفَعَ الوَحْيُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذُوا حِذْرَكم قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» .

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [١٦]

﴿واللَّذانِ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وتَشْدِيدِها ﴿يَأْتِيانِها﴾ أيِ: الفاحِشَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ أيِ: الرِّجالِ ﴿فَآذُوهُما﴾ بِالسَّبِّ والتَّعْيِيرِ؛ لِيَنْدَما عَلى ما فَعَلا ﴿فَإنْ تابا وأصْلَحا﴾ أيْ: أعْمالَهُما ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ بِقِطَعِ الأذِيَّةِ والتَّوْبِيخِ، وبِالإغْماضِ والسَّتْرِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ والصَّلاحَ مِمّا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ أيْ: عَلى مَن تابَ ﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

هَذا الحُكْمُ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ مَنسُوخٌ، بَعْضُهُ بِالكِتابِ وبَعْضُهُ بِالسُّنَّةِ.

قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ في "الرِّسالَةِ" في (أبْوابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ) بَعْدَ ذِكْرِهِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ [٣٧٦]: ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ الحَبْسَ والأذى في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] [النُّورِ: مِنَ الآيَةِ ٢].

[٣٧٧] فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّ جَلْدَ المِائَةِ لِلزّانِيَيْنِ البِكْرَيْنِ (لِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المُتَقَدِّمِ).

ثُمَّ قالَ: [٣٨٠] فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ جَلْدَ المِائَةِ ثابِتٌ عَلى البِكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ، ومَنسُوخٌ عَنِ الثَّيِّبَيْنِ، وأنَّ الرَّجْمَ ثابِتٌ عَلى الثَّيِّبَيْنِ الحُرَّيْنِ، ثُمَّ قالَ: [٣٨١] لِأنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ» - أوَّلُ ما نَزَلَ، فَنُسِخَ بِهِ الحَبْسُ والأذى عَنِ الزّانِيَيْنِ.

[٣٨٢] فَلَمّا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ماعِزًا ولَمْ يَجْلِدْهُ، وأمَرَ أُنَيْسًا أنْ يَغْدُوَ عَلى امْرَأةِ الأسْلَمِيِّ، فَإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها - دَلَّ عَلى نَسْخِ الجَلْدِ عَنِ الزّانِيَيْنِ الحُرَّيْنِ الثَّيِّبَيْنِ، وثَبَتَ الرَّجْمُ عَلَيْهِما؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ - أبَدًا - بَعْدَ أوَّلَ فَهو آخِرُ، انْتَهى.

* *

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآذُوهُما﴾ أمْرٌ بِالأذى مُطْلَقًا، ولَمْ يَذْكُرْ صِفَتَهُ ولا قَدْرَهُ. ولَفْظُ الأذى يُسْتَعْمَلُ في الأقْوالِ كَثِيرًا. كَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] والإعْراضُ هو الإمْساكُ عَنِ الإيذاءِ. فالمُذْنِبُ لا يَزالُ يُؤْذِي ويُنْهى ويُوَبَّخُ إلّا أنْ يَتُوبَ. وأدْنى ذَلِكَ هَجْرُهُ. فَلا يُكَلَّمُ بِالكَلامِ الطَّيِّبِ. وهَذِهِ مَحْكَمَةٌ فَمَن أتى الفاحِشَةَ وجَبَ إيذاؤُهُ بِالكَلامِ الزّاجِرِ إلى أنْ يَتُوبَ. ولَيْسَ ذَلِكَ مَحْدُودًا بِقَدْرٍ ولا صِفَةٍ. إلّا ما يَكُونُ زاجِرًا لَهُ داعِيًا إلى حُصُولِ المَقْصُودِ، وهو تَوْبَتُهُ وصَلاحُهُ. وعَلَّقَهُ تَعالى عَلى التَّوْبَةِ والإصْلاحِ، فَإذا لَمْ يُوجَدا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالإعْراضِ مَوْجُودًا. فَأمّا مَن تابَ بِتَرْكِ الفاحِشَةِ ولَمْ يُصْلِحْ، فَتَنازَعُوا: هَلْ مِن شَرْطِ التَّوْبَةِ صَلاحُ العَمَلِ ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. وهَذِهِ تُشْبِهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَعَلَّقَ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ. مَعَ أنَّهم إذا تَكَلَّمُوا بِالشَّهادَتَيْنِ وجَبَ الكَفُّ عَنْهم. ثُمَّ إنْ صَلُّوا وزَكُّوا، وإلّا عُوقِبُوا عَلى تَرْكِ الفِعْلِ. لِأنَّ الشّارِعَ في التَّوْبَةِ …

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [١٧]

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًا رَحِيمًا، بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما سَيَنْطِقُ بِهِ النَّصُّ الكَرِيمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿التَّوْبَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ خَبَرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، ومَعْنى كَوْنِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ صُدُورُ القَبُولِ عَنْهُ تَعالى، وكَلِمَةُ " عَلى " لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ البَتَّةَ بِحُكْمِ سَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِالسُّوءِ المَعْصِيَةُ، صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً، كَذا في أبِي السُّعُودِ.

﴿بِجَهالَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ " يَعْمَلُونَ " أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِها، أيْ: جاهِلِينَ سُفَهاءَ، أوْ بِـ: " يَعْمَلُونَ " عَلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ: يَعْمَلُونَهُ بِسَبَبِ الجَهالَةِ، والمُرادُ بِالجَهْلِ السَّفَهُ بِارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ لا عَدَمُ العِلْمِ، فَإنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، والجَهْلُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ:

؎فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أيْ: مِن زَمانٍ قَرِيبٍ، وظاهِرُ الآيَةِ اشْتِراطُ وُقُوعِ التَّوْبَةِ عَقِبَ المَعْصِيَةِ بِلا تَراخٍ، وإنَّها بِذَلِكَ تَنالُ دَرَجَةَ قَبُولِها المُحَتَّمِ تَفَضُّلًا، إذْ بِتَأْخِيرِها وتَسْوِيفِها يَدْخُلُ في زُمْرَةِ المُصِرِّينَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إرْشادٌ إلى المُبادَرَةِ بِالتَّوْبَةِ عَقِبَ الذَّنْبِ، والإنابَةِ إلى المَوْلى بَعْدَهُ فَوْرًا، ووُجُوبِ التَّوْبَةِ عَلى الفَوْرِ مِمّا لا يُسْتَرابُ فِيهِ، إذْ مَعْرِفَةُ كَوْنِ المَعاصِي مُهْلِكاتٍ مِن نَفْسِ الإيمانِ وهو واجِبٌ عَلى الفَوْرِ، وتَتِمَتُّهُ في "الإحْياءِ".

إذا عَرَفَتْ هَذا، فَما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ ما قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ بَعِيدٌ مِن لَفْظِ الآيَةِ وسِرِّها الَّتِي أرْشَدَتْ إلَيْهِ، أعْنِي البِدارَ إلى التَّوْبَةِ قَبْلَ أنْ تَعْمَلَ سُمُومُ الذُّنُوبِ بِرُوحِ الإيمانِ، عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى.

(فَإنْ قِيلَ): مِن أيْنَ يُسْتَفادُ قَبُولُ التَّوْبَةِ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ؟

(قُلْنا) يُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، ومِنَ الأحادِيثِ الوافِرَةِ في ذَلِكَ لا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ بِما أوَّلُوهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] صَرِيحَةٌ في أنَّ وقْتَ الِاحْتِضارِ هو الوَقْتُ الَّذِي لا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ، فَبَقِيَ ما وراءَهُ في حَيِّزِ القَبُولِ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» .

ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

ورَوى أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعامٍ …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٨]

﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ عِنْدَ النِّزاعِ ﴿قالَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما هو فِيهِ ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ فَلا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ولا يُقْبَلُ مِنهُ ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَلا يَنْفَعُهم نَدَمُهم ولا تَوْبَتُهُمْ؛ لِأنَّهم بِمُجَرَّدِ المَوْتِ يُعايِنُونَ العَذابَ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ وْيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ ما لَمْ يَقَعِ الحِجابُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما الحِجابِ؟ قالَ: أنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكَةٌ» ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا﴾ أيْ: أعْدَدْنا ﴿لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [١٩]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ نَهْيٌ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ بِالنِّساءِ مِنَ الإيذاءِ والظُّلْمِ.

رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ، إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها، وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.

ورَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، ولَفْظُ أبِي داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَرِثُ امْرَأةَ ذِي قَرابَتِهِ فَيَعْضُلُها حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَرُدَّ إلَيْهِ صَداقَها، فَأحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أيْ: نَهى عَنْهُ.

قالَ السُّيُوطِيُّ: فَفِيهِ أنَّ الحُرَّ لا يُتَصَوَّرُ مِلْكُهُ ولا دُخُولُهُ تَحْتَ اليَدِ، ولا يَجْرِي مَجْرى الأمْوالِ بِوَجْهٍ.

و: ﴿كَرْهًا﴾ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها قِراءَتانِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِنَّ كارِهاتٍ لِذَلِكَ! أوْ مُكْرَهاتٍ عَلَيْهِ، والتَّقْيِيدُ (بِالكُرْهِ) لا يَدُلُّ عَلى الجَوازِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٣١].

﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ، كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ في الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ المَرْأةُ، وهو كارِهٌ لِصُحْبَتِها، ولَها عَلَيْهِ مَهْرٌ، فَيَضُرُّها لِتَفْتَدِيَ بِهِ.

والعَضْلُ الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ.

أيْ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، أيْ: مِنَ الصَّداقِ، بِأنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَهُ اضْطِرارًا فَتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ.

﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: زِنًى، كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، يَعْنِي إذا زَنَتْ فَلَكَ أنْ تَسْتَرْجِعَ مِنها الصَّداقَ الَّذِي أعْطَيْتَها وتُضاجِرَها حَتّى تَتْرُكَهُ لَكَ، وتُخالِعَها، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٩] الآيَةَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: الفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ النُّشُوزُ والعِصْيانُ، واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ: الزِّنى والعِصْيانُ والنُّشُوزُ وبَذاءُ اللِّسانِ وغَيْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي أنَّ هَذا كُلَّهُ يُبِيحُ مُضاجَرَتَها حَتّى تُبَرِّئَهُ مِن حَقِّها أوْ بَعْضِهِ، ويُفارِقَها.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو السُّعُودٍ: (مُبَيِّنَةٍ) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن (بَيَّنَ) بِمَعْنى تُبَيِّنُ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، وعَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن (أبانَ) بِمَعْنى تَبِينُ أيْ: بَيِّنَةُ القُبْحِ مِنَ النُّشُوزِ وشَكاسَةِ الخُلُقِ وإيذاءِ الزَّوْجِ …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [٢٠]

﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ أيْ: تَزَوُّجَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها ﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ أيْ: إحْدى الزَّوْجاتِ، فَإنَّ المُرادَ بِالزَّوْجِ الجِنْسُ ﴿قِنْطارًا﴾ أيْ: مالًا كَثِيرًا مَهْرًا ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: يَسِيرًا، فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا﴾ أيْ: باطِلًا ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ بَيِّنًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.