Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِساءَ والصِغارَ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم. وقالَ أكْثَرُ الناسِ: نَزَلَتْ في الأوصِياءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ما لَمْ يُبَحْ لَهم مِن مالِ اليَتِيمِ. وهي تَتَناوَلُ كُلَّ آكِلٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصِيًّا. وسُمِّيَ آخِذُ المالِ عَلى كُلِّ وُجُوهِهِ آكِلًا، لَمّا كانَ المَقْصُودُ هو الأكْلَ، وبِهِ أكْثَرُ الإتْلافِ لِلْأشْياءِ. وفي نَصِّهِ عَلى البُطُونِ مِنَ الفَصاحَةِ تَبْيِينُ نَقْصِهِمْ، والتَشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِضِدِّ مَكارِمِ الأخْلاقِ، مِنَ التَهافُتِ بِسَبَبِ البَطْنِ، وهو أنْقَصُ الأسْبابِ وألْأمُها حَتّى يَدْخُلُوا تَحْتَ الوَعِيدِ بِالنارِ.

و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: ما جاوَزَ المَعْرُوفَ مَعَ فَقْرِ الوَصِيِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّهُ لَمّا يَؤُولُ أكْلُهم لِلْأمْوالِ إلى دُخُولِهِمُ النارَ قِيلَ: يَأْكُلُونَ النارَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هي حَقِيقَةٌ أنَّهم يُطْعَمُونَ النارَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثُ، مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا النَبِيُّ ﷺ عن لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قالَ: « "رَأيْتُ أقْوامًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ، وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا.»

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَسَيَصْلَوْنَ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، "وَسَيُصَلُّونَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، بِضَمِّ الياءِ واللامِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَسَيُصْلُونَ" بِضَمِّ الياءِ واللامِ، وهي ضَعِيفَةٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّهُ كَذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] وفي قَوْلِهِ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"،﴾ [الصافات: ١٦٣] والصَلا هو التَسَخُّنُ بِقُرْبِ النارِ أو بِمُباشَرَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ:

؎ لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَـ ـهُ، وإنِّي بِحَرِّها اليَوْمَ صالِ

والمُحْتَرِقُ الَّذِي يُذْهِبُهُ الحَرْقُ لَيْسَ بِصالٍ إلّا في بَدْءِ أمْرِهِ، وأهْلُ جَهَنَّمَ لا تُذْهِبُهم فَهم فِيها صالُونَ؛ والسَعِيرُ: الجَمْرُ المُشْتَعِلُ.

وهَذِهِ آيَةٌ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والَّذِي يَعْتَقِدُهُ أهْلُ السُنَّةِ أنَّ ذَلِكَ نافِذٌ عَلى بَعْضِ العُصاةِ، لِئَلّا يَقَعَ الخَبَرُ بِخِلافِ مُخْبِرِهِ، ساقِطٌ بِالمَشِيئَةِ عن بَعْضِهِمْ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ في المَسْألَةِ: أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في الشَرِّ، هَذا عُرْفُهُما إذا أُطْلِقا، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوَعْدُ في الشَرِّ مُقَيَّدًا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها في التائِبِينَ والطائِعِينَ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ والعُصاةِ بِالكَبائِرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: وبِالصَغائِرِ، وقالَتِ المُرْجِئَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها فِيمَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الَّذِي هو التَصْدِيقُ، كانَ مَن كانَ مِن عاصٍ أو طائِعٍ. وقُلْنا أهْلَ السُنَّةِ والجَماعَةِ: آياتُ الوَعْدِ في …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إنَّ اللهِ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] ﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أو دَيْنٍ﴾

"آباؤُكم وأبْناؤُكُمْ" رَفْعُ الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ. تَقْدِيرُهُ: هُمُ المَقْسُومُ عَلَيْهِمْ وهُمُ المُعْطَوْنَ، وهَذا عَرْضٌ لِلْحِكْمَةِ في ذَلِكَ، وتَأْنِيسٌ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُوَرِّثُونَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ، و"لا تَدْرُونَ" عامِلٌ في الجُمْلَةِ بِالمَعْنى ومُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في اللَفْظِ بِحَسَبِ المَعْمُولِ فِيهِ، إذِ الاسْتِفْهامُ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، و"نَفْعًا" قالَ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ وابْنُ سِيرِينَ: مَعْناهُ: في الدُنْيا، أيْ: إذا اضْطُرَّ إلى إنْفاقِهِمْ لِلْحاجَةِ، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ، وقَدْ يُنْفِقُونَ دُونَ اضْطِرارٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: في الآخِرَةِ، أيْ بِشَفاعَةِ الفاضِلِ لِلْمَفْضُولِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِيهِما: واللَفْظُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، و"فَرِيضَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، إذْ مَعْنى "يُوصِيكُمُ":يَفْرِضُ عَلَيْكم. وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ذَلِكَ ضَعِيفٌ. والعامِلُ "يُوصِيكُمُ"، و"كانَ" هي الناقِصَةُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمّا رَأوا عِلْمًا وحِكْمَةً قِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ هَكَذا، وصِيغَةُ "كانَ" لا تُعْطِي إلّا المُضِيَّ، ومِنَ المَعْنى بُعْدٌ يُعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى كانَ كَذَلِكَ، وهو يَكُونُ، لا مِن لَفْظِ الآيَةِ، وقالَ قَوْمٌ: "كانَ" بِمَعْنى وجَدَ ووَقَعَ، و"عَلِيمًا" حالٌ، وفي هَذا ضَعْفٌ، ومَن قالَ: "كانَ" زائِدَةٌ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾...الآيَةُ،. الخِطابُ لِلرِّجالِ، والوَلَدُ هاهُنا بَنُو الصُلْبِ وبَنُو ذُكُورِهِمْ وإنْ سَفُلُوا، ذُكْرانًا وإناثًا، واحِدًا فَما زادَ، هَذا بِإجْماعٍ مِنَ العُلَماءِ.

**

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَهُنَّ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أو دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أو امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أو أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُلُثِ﴾.

والوَلَدُ في هَذِهِ الآيَةِ كَما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، و"الثُمُنُ" لِلزَّوْجَةِ أو لِلزَّوْجاتِ هُنَّ فِيهِ مُشْتَرِكاتٌ بِإجْماعٍ، ويَلْحَقُ العَوْلُ فَرْضَ الزَوْجِ والزَوْجَةِ، كَما يَلْحَقُ سائِرَ الفَرائِضِ المُسَمّاةِ، إلّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: يُعْطَيانِ فَرْضَهُما بِغَيْرِ عَوْلٍ. والكَلالَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن تَكَلَّلَ النَسَبُ: أيْ: أحاطَ، لِأنَّ الرَجُلَ إذا لَمْ يَتْرُكْ والِدًا ولا ولَدًا فَقَدِ انْقَطَعَ طَرَفاهُ، وبَقِيَ أنْ يَرِثَهُ مَن يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أيْ: يُحِيطُ بِهِ مِن نَواحِيهِ كالإكْلِيلِ، وكالنَباتِ إذا أحاطَ بِالشَيْءِ، ومِنهُ: رَوْضٌ مُكَلَّلٌ بِالزَهْرِ، والإكْلِيلُ: مَنزِلُ القَمَرِ يُحِيطُ بِهِ فِيهِ كَواكِبُ، ومِنَ الكَلالَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَإنَّ أبا المَرْءِ أحْمى لَهُ ومَوْلى الكَلالَةِ لا يَغْضَبُ

فالأبُ والِابْنُ هُما عَمُودا النَسَبِ، وسائِرُ القَرابَةِ يُكَلِّلُونَ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وسَلِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ وقَتادَةُ والحَكَمُ وابْنُ زَيْدٍ …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أو دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةٍ مِن اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ومَن يُطِعِ اللهِ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾.

"غَيْرَ مُضارٍّ" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ "يُوصى"، و"وَصِيَّةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "يُوصِيكُمُ"، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الخُرُوجِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ﴾ [النساء: ١٢] أو مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ "مُضارٍّ" في "وَصِيَّةً"، والمَعْنى أنْ يَقَعَ الضَرَرُ بِها وبِسَبَبِها فَأُوقِعَ عَلَيْها تَجَوُّزًا. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "غَيْرَ مُضارِّ وصِيَّةٍ" بِالإضافَةِ، كَما تَقُولُ: شُجاعُ حَرْبٍ، ومِدْرَهُ حَرْبٍ، وبَضَّةُ المُتَجَرِّدِ، في قَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ، والمَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَجَوُّزِ في اللَفْظِ لِصِحَّةِ المَعْنى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «الضِرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ،» رَواهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن ضارَّ في وصِيَّةٍ ألْقاهُ اللهُ تَعالى في وادٍ في جَهَنَّمَ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ووُجُوهُ المُضارَّةِ كَثِيرَةٌ لا تَنْحَصِرُ، وكُلُّها مَمْنُوعَةٌ: يُقِرُّ بِحَقٍّ لَيْسَ عَلَيْهِ، ويُوصِي بِأكْثَرَ مِن ثُلُثِهِ، أو لِوارِثِهِ، أو بِالثُلُثِ فِرارًا عن وارِثٍ مُحْتاجٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ وابْنِ القاسِمِ أنَّ المُوصِيَ لا يُعَدُّ فِعْلُهُ مُضارَّةً ما دامَ في الثُلُثِ، فَإنْ ضارَّ الوَرَثَةَ في ثُلُثِهِ مَضى ذَلِكَ، وفي المَذْهَبِ قَوْلُهُ: إنَّ المُضارَّةَ تُرَدُّ وإنْ كانَتْ في الثُلُثِ، إذا عُلِمَتْ بِإقْرارٍ أو قَرِينَةٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢]...الآيَةُ.

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾... الآيَةُ. "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَوارِيثِ، والحَدُّ: الحَجْزُ المانِعُ لِأمْرٍ ما أنْ يَدْخُلَ عَلى غَيْرِهِ أو يَدْخُلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ومِن هَذا قَوْلُهم لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، ومِنهُ إحْدادُ المَرْأةِ وهو امْتِناعُها عَنِ الزِينَةِ، هَذا هو الحَدُّ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ مِن تَحْتِ بِنائِها وأشْجارِها الَّذِي مِن أجْلِهِ سُمِّيَتْ جَنَّةً، لِأنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ إنَّما هي عَلى وجْهِ أرْضِها في غَيْرِ أخادِيدَ.

وحَكى الطَبَرِيُّ: إنَّ الحُدُودَ عِنْدَ السُدِّيِّ هُنا شُرُوطُ اللهِ، وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: طاعَةُ اللهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ: سُنَّةُ اللهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ: فَرائِضُ اللهِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنىً واحِدٌ وعِبارَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. و"خالِدِينَ" قالَ الزَجّاجُ: هي حالَةٌ عَلى التَقْدِيرِ، أيْ: مُقَدَّرِينَ خالِدِينَ فِيها، وجُمِعَ "خالِدِينَ" عَلى مَعْنى "مَن" بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ الإفْرادُ مُراعاةً لِلَفْظِ "مَن"، وعَكْسُ هَذا لا يَجُوزُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾... الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ فِيهِما جَمِيعًا، وهَذِهِ آيَتا وعْدٍ ووَعِيدٍ، وتَقَدَّمَ الإيجازُ في ذَلِكَ، ورَجّى اللهُ تَعالى عَلى التِزامِ هَذِهِ الحُدُودِ في قِسْمَةِ المِيراثِ، وتَوَعَّدَ …

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أو دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةٍ مِن اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ومَن يُطِعِ اللهِ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾.

"غَيْرَ مُضارٍّ" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ "يُوصى"، و"وَصِيَّةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "يُوصِيكُمُ"، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الخُرُوجِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ﴾ [النساء: ١٢] أو مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ "مُضارٍّ" في "وَصِيَّةً"، والمَعْنى أنْ يَقَعَ الضَرَرُ بِها وبِسَبَبِها فَأُوقِعَ عَلَيْها تَجَوُّزًا. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "غَيْرَ مُضارِّ وصِيَّةٍ" بِالإضافَةِ، كَما تَقُولُ: شُجاعُ حَرْبٍ، ومِدْرَهُ حَرْبٍ، وبَضَّةُ المُتَجَرِّدِ، في قَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ، والمَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَجَوُّزِ في اللَفْظِ لِصِحَّةِ المَعْنى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «الضِرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ،» رَواهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن ضارَّ في وصِيَّةٍ ألْقاهُ اللهُ تَعالى في وادٍ في جَهَنَّمَ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ووُجُوهُ المُضارَّةِ كَثِيرَةٌ لا تَنْحَصِرُ، وكُلُّها مَمْنُوعَةٌ: يُقِرُّ بِحَقٍّ لَيْسَ عَلَيْهِ، ويُوصِي بِأكْثَرَ مِن ثُلُثِهِ، أو لِوارِثِهِ، أو بِالثُلُثِ فِرارًا عن وارِثٍ مُحْتاجٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ وابْنِ القاسِمِ أنَّ المُوصِيَ لا يُعَدُّ فِعْلُهُ مُضارَّةً ما دامَ في الثُلُثِ، فَإنْ ضارَّ الوَرَثَةَ في ثُلُثِهِ مَضى ذَلِكَ، وفي المَذْهَبِ قَوْلُهُ: إنَّ المُضارَّةَ تُرَدُّ وإنْ كانَتْ في الثُلُثِ، إذا عُلِمَتْ بِإقْرارٍ أو قَرِينَةٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢]...الآيَةُ.

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾... الآيَةُ. "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَوارِيثِ، والحَدُّ: الحَجْزُ المانِعُ لِأمْرٍ ما أنْ يَدْخُلَ عَلى غَيْرِهِ أو يَدْخُلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ومِن هَذا قَوْلُهم لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، ومِنهُ إحْدادُ المَرْأةِ وهو امْتِناعُها عَنِ الزِينَةِ، هَذا هو الحَدُّ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ مِن تَحْتِ بِنائِها وأشْجارِها الَّذِي مِن أجْلِهِ سُمِّيَتْ جَنَّةً، لِأنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ إنَّما هي عَلى وجْهِ أرْضِها في غَيْرِ أخادِيدَ.

وحَكى الطَبَرِيُّ: إنَّ الحُدُودَ عِنْدَ السُدِّيِّ هُنا شُرُوطُ اللهِ، وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: طاعَةُ اللهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ: سُنَّةُ اللهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ: فَرائِضُ اللهِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنىً واحِدٌ وعِبارَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. و"خالِدِينَ" قالَ الزَجّاجُ: هي حالَةٌ عَلى التَقْدِيرِ، أيْ: مُقَدَّرِينَ خالِدِينَ فِيها، وجُمِعَ "خالِدِينَ" عَلى مَعْنى "مَن" بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ الإفْرادُ مُراعاةً لِلَفْظِ "مَن"، وعَكْسُ هَذا لا يَجُوزُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾... الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ فِيهِما جَمِيعًا، وهَذِهِ آيَتا وعْدٍ ووَعِيدٍ، وتَقَدَّمَ الإيجازُ في ذَلِكَ، ورَجّى اللهُ تَعالى عَلى التِزامِ هَذِهِ الحُدُودِ في قِسْمَةِ المِيراثِ، وتَوَعَّدَ …

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ﴿واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عنهُما إنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ: "واللاتِي": اسْمُ جَمْعِ "الَّتِي"، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى اللَواتِي، ويُقالُ: اللائِي بِالياءِ، و"الفاحِشَةَ" في هَذا المَوْضِعِ: الزِنى وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فاحِشَةٍ، لَكِنَّ الألِفَ واللامَ هُنا لِلْعَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِالفاحِشَةِ" بِبِناءِ الجَرِّ وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ إضافَةٌ في مَعْنى الإسْلامِ، لِأنَّ الكافِرَةَ قَدْ تَكُونُ مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ بِنَسَبٍ، ولا يَلْحَقُها هَذا الحُكْمُ، وجَعَلَ اللهُ الشَهادَةَ عَلى الزِنى خاصَّةً لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ شاهِدانِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزانِيَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ. وكانَتْ هَذِهِ أوَّلَ عُقُوباتِ الزُناةِ: الإمْساكُ في البُيُوتِ. قالَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: حَتّى نُسِخَ بِالأذى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ النُورِ وبِالرَجْمِ في الثَيِّبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ الأذى هو الأوَّلَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالإمْساكِ، ولَكِنَّ التِلاوَةَ أخَّرَتْ وقَدَّمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ. و"سَبِيلًا" مَعْناهُ: مَخْرَجًا بِأمْرٍ مِن أوامِرِ الشَرْعِ، ورَوى حِطّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيُّ عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أقْلَعَ عنهُ ووَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقالَ: "قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ".»

"واللَذانِ" تَثْنِيَةُ "الَّذِي"، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: اللَذَيانِ كَرَحَيانِ قالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وبَيْنَ الأسْماءِ المُبْهَماتِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا إذْ قَدْ أُمِنَ مِنَ اللَبْسِ في "اللَذانِ"؛ لِأنَّ النُونَ لا تَنْحَذِفُ ونُونُ التَثْنِيَةِ في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ قَدْ تَنْحَذِفُ مَعَ الإضافَةِ في رَحَياكَ ومُصْطَفَيا القَوْمِ، فَلَوْ حُذِفَتِ الياءُ لاشْتَبَهَ المُفْرَدُ بِالِاثْنَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اللَذانِّ" بِشَدِّ النُونِ، وتِلْكَ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَحْذُوفَةِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "هَذانِّ"، و"فَذانِّكَ"، و"هاتَيَنِّ"، بِالتَشْدِيدِ في جَمِيعِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِتَخْفِيفِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو "فَذانِّكَ" وحْدَها ولَمْ يُشَدِّدْ غَيْرَها.

"واللَذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقِيلَ عَلى مَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللَذانِ. واخْتُلِفَ في الأذى، فَقالَ عُبادَةُ والسُدِّيُّ: هو التَعْيِيرُ والتَوْبِيخُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السَبُّ والجَفاءُ دُونَ تَعْيِيرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَيْلُ بِاللِسانِ واليَدِ وضَرْبِ النِعالِ وما أشْبَهَهُ.

قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ عامَّةٌ لَهُنَّ، مُحْصَناتٍ وغَيْرِ مُحْصَناتٍ، والآيَةُ الثانِيَةُ في الرِجالِ، وبَيَّنَ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ صِنْفَيِ الرِجالِ مِمَّنْ أُحْصِنَ ومِمَّنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَعُقُوبَةُ النِساءِ الحَبْسُ، وعُقُوبَةُ الرِجالِ الأذى، وهَذا قَوْلٌ …

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ﴿واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عنهُما إنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ: "واللاتِي": اسْمُ جَمْعِ "الَّتِي"، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى اللَواتِي، ويُقالُ: اللائِي بِالياءِ، و"الفاحِشَةَ" في هَذا المَوْضِعِ: الزِنى وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فاحِشَةٍ، لَكِنَّ الألِفَ واللامَ هُنا لِلْعَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِالفاحِشَةِ" بِبِناءِ الجَرِّ وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ إضافَةٌ في مَعْنى الإسْلامِ، لِأنَّ الكافِرَةَ قَدْ تَكُونُ مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ بِنَسَبٍ، ولا يَلْحَقُها هَذا الحُكْمُ، وجَعَلَ اللهُ الشَهادَةَ عَلى الزِنى خاصَّةً لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ شاهِدانِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزانِيَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ. وكانَتْ هَذِهِ أوَّلَ عُقُوباتِ الزُناةِ: الإمْساكُ في البُيُوتِ. قالَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: حَتّى نُسِخَ بِالأذى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ النُورِ وبِالرَجْمِ في الثَيِّبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ الأذى هو الأوَّلَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالإمْساكِ، ولَكِنَّ التِلاوَةَ أخَّرَتْ وقَدَّمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ. و"سَبِيلًا" مَعْناهُ: مَخْرَجًا بِأمْرٍ مِن أوامِرِ الشَرْعِ، ورَوى حِطّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيُّ عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أقْلَعَ عنهُ ووَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقالَ: "قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ".»

"واللَذانِ" تَثْنِيَةُ "الَّذِي"، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: اللَذَيانِ كَرَحَيانِ قالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وبَيْنَ الأسْماءِ المُبْهَماتِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا إذْ قَدْ أُمِنَ مِنَ اللَبْسِ في "اللَذانِ"؛ لِأنَّ النُونَ لا تَنْحَذِفُ ونُونُ التَثْنِيَةِ في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ قَدْ تَنْحَذِفُ مَعَ الإضافَةِ في رَحَياكَ ومُصْطَفَيا القَوْمِ، فَلَوْ حُذِفَتِ الياءُ لاشْتَبَهَ المُفْرَدُ بِالِاثْنَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اللَذانِّ" بِشَدِّ النُونِ، وتِلْكَ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَحْذُوفَةِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "هَذانِّ"، و"فَذانِّكَ"، و"هاتَيَنِّ"، بِالتَشْدِيدِ في جَمِيعِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِتَخْفِيفِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو "فَذانِّكَ" وحْدَها ولَمْ يُشَدِّدْ غَيْرَها.

"واللَذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقِيلَ عَلى مَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللَذانِ. واخْتُلِفَ في الأذى، فَقالَ عُبادَةُ والسُدِّيُّ: هو التَعْيِيرُ والتَوْبِيخُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السَبُّ والجَفاءُ دُونَ تَعْيِيرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَيْلُ بِاللِسانِ واليَدِ وضَرْبِ النِعالِ وما أشْبَهَهُ.

قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ عامَّةٌ لَهُنَّ، مُحْصَناتٍ وغَيْرِ مُحْصَناتٍ، والآيَةُ الثانِيَةُ في الرِجالِ، وبَيَّنَ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ صِنْفَيِ الرِجالِ مِمَّنْ أُحْصِنَ ومِمَّنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَعُقُوبَةُ النِساءِ الحَبْسُ، وعُقُوبَةُ الرِجالِ الأذى، وهَذا قَوْلٌ …

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما التَوْبَةُ عَلى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهِ عَلَيْهِمْ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾

إنَّما حاصِرَةٌ، وهو مَقْصِدُ المُتَكَلِّمِ بِها أبَدًا، فَقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما لا يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ: فَيَبْقى الحَصْرُ في مَقْصِدِ المادِحِ، ويَتَحَصَّلُ مِن ذَلِكَ لِكُلِّ سامِعٍ تَحْقِيقُ هَذِهِ الصِفَةِ لِلْمَوْصُوفِ بِمُبالَغَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا يُوجِبُ النَظَرُ فِيها أنَّها حاصِرَةٌ لِلتَّوْبَةِ، وهي في عُرْفِ الشَرْعِ: الرُجُوعُ مِن شَرٍّ إلى خَيْرٍ، وحَدُّ التَوْبَةِ: النَدَمُ عَلى فارِطِ فِعْلٍ، مِن حَيْثُ هو مَعْصِيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانَ النَدَمُ مِن حَيْثُ أضَرَّ ذَلِكَ الفِعْلُ في بَدَنٍ أو مِلْكٍ فَلَيْسَ بِتَوْبَةٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِمّا يُمْكِنُ هَذا النادِمُ فِعْلَهُ في المُسْتَأْنَفِ فَمِن شُرُوطِ التَوْبَةِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ في المُسْتَأْنَفِ، وإلّا فَثَمَّ إصْرارٌ لا تَوْبَةَ مَعَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ لا يُمْكِنُهُ، مِثْلُ أنْ يَتُوبَ مِنَ الزِنا فَيُجَبَّ بِأثَرِ ذَلِكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى شَرْطِ العَزْمِ عَلى التَرْكِ. والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والإجْماعُ هي القَرِينَةُ الَّتِي حُمِلَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] عَلى الوُجُوبِ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَكُونُ تائِبًا مَن أقامَ عَلى ذَنْبٍ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ وإنْ نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حالٍ بِمُعاوَدَةِ الذَنْبِ، فَإنَّ التَوْبَةَ الأُولى طاعَةٌ قَدِ انْقَضَتْ وصَحَّتْ، وهو مُحْتاجٌ بَعْدَ مُواقَعَةِ الذَنْبِ إلى تَوْبَةٍ أُخْرى مُسْتَأْنِفَةٍ، والإيمانُ لِلْكافِرِ لَيْسَ نَفْسَ تَوْبَتِهِ، وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى اللهِ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: « "يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ اللهِ عَلى العِبادِ؟ قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ: يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللهِ؟ قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ"» فَهَذا كُلُّهُ إنَّما مَعْناهُ: ما حَقُّهم عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ، والعَقِيدَةُ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ عَقْلًا، لَكِنَّ إخْبارَهُ تَعالى عن أشْياءَ أوجَبَها عَلى نَفْسِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تِلْكَ الأشْياءِ سَمْعًا، فَمِن ذَلِكَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ في النارِ، ومِن ذَلِكَ قَبُولُ إيمانِ الكافِرِ، والتَوْبَةُ لا يَجِبُ قَبُولُها عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، فَأمّا السَمْعُ فَظاهِرُهُ قَبُولُ تَوْبَةِ التائِبِ؛ قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: فَهَذِهِ الظَواهِرُ إنَّما تُعْطِي غَلَبَةَ ظَنٍّ لا قَطْعًا عَلى اللهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما التَوْبَةُ عَلى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهِ عَلَيْهِمْ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾

إنَّما حاصِرَةٌ، وهو مَقْصِدُ المُتَكَلِّمِ بِها أبَدًا، فَقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما لا يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ: فَيَبْقى الحَصْرُ في مَقْصِدِ المادِحِ، ويَتَحَصَّلُ مِن ذَلِكَ لِكُلِّ سامِعٍ تَحْقِيقُ هَذِهِ الصِفَةِ لِلْمَوْصُوفِ بِمُبالَغَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا يُوجِبُ النَظَرُ فِيها أنَّها حاصِرَةٌ لِلتَّوْبَةِ، وهي في عُرْفِ الشَرْعِ: الرُجُوعُ مِن شَرٍّ إلى خَيْرٍ، وحَدُّ التَوْبَةِ: النَدَمُ عَلى فارِطِ فِعْلٍ، مِن حَيْثُ هو مَعْصِيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانَ النَدَمُ مِن حَيْثُ أضَرَّ ذَلِكَ الفِعْلُ في بَدَنٍ أو مِلْكٍ فَلَيْسَ بِتَوْبَةٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِمّا يُمْكِنُ هَذا النادِمُ فِعْلَهُ في المُسْتَأْنَفِ فَمِن شُرُوطِ التَوْبَةِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ في المُسْتَأْنَفِ، وإلّا فَثَمَّ إصْرارٌ لا تَوْبَةَ مَعَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ لا يُمْكِنُهُ، مِثْلُ أنْ يَتُوبَ مِنَ الزِنا فَيُجَبَّ بِأثَرِ ذَلِكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى شَرْطِ العَزْمِ عَلى التَرْكِ. والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والإجْماعُ هي القَرِينَةُ الَّتِي حُمِلَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] عَلى الوُجُوبِ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَكُونُ تائِبًا مَن أقامَ عَلى ذَنْبٍ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ وإنْ نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حالٍ بِمُعاوَدَةِ الذَنْبِ، فَإنَّ التَوْبَةَ الأُولى طاعَةٌ قَدِ انْقَضَتْ وصَحَّتْ، وهو مُحْتاجٌ بَعْدَ مُواقَعَةِ الذَنْبِ إلى تَوْبَةٍ أُخْرى مُسْتَأْنِفَةٍ، والإيمانُ لِلْكافِرِ لَيْسَ نَفْسَ تَوْبَتِهِ، وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى اللهِ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: « "يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ اللهِ عَلى العِبادِ؟ قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ: يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللهِ؟ قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ"» فَهَذا كُلُّهُ إنَّما مَعْناهُ: ما حَقُّهم عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ، والعَقِيدَةُ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ عَقْلًا، لَكِنَّ إخْبارَهُ تَعالى عن أشْياءَ أوجَبَها عَلى نَفْسِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تِلْكَ الأشْياءِ سَمْعًا، فَمِن ذَلِكَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ في النارِ، ومِن ذَلِكَ قَبُولُ إيمانِ الكافِرِ، والتَوْبَةُ لا يَجِبُ قَبُولُها عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، فَأمّا السَمْعُ فَظاهِرُهُ قَبُولُ تَوْبَةِ التائِبِ؛ قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: فَهَذِهِ الظَواهِرُ إنَّما تُعْطِي غَلَبَةَ ظَنٍّ لا قَطْعًا عَلى اللهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ …

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا ماتَ الرَجُلُ كانَ أولِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ مِن أهْلِها، إنْ شاؤُوا تَزَوَّجَها أحَدُهُمْ، وإنْ شاؤُوا زَوَّجُوها مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ شاؤُوا مَنَعُوها الزَواجَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ: لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ، أرادَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ، وكانَ لَهم ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ ولَدِ أبِي قَيْسٍ مِحْصَنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

كانَتْ هَذِهِ السِيرَةُ في الأنْصارِ لازِمَةً، وكانَتْ في قُرَيْشٍ مُباحَةً مَعَ التَراضِي، ألا تَرى أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ أُمَيَّةَ، خَلَفَ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَوَلَدَتْ مِن أبِي عَمْرٍو مُسافِرًا وأبا مُعَيْطٍ وكانَ لَها مِن أُمَيَّةَ أبُو العِيصِ وغَيْرُهُ، فَكانَ بَنُو أُمَيَّةَ إخْوَةَ مُسافِرٍ وأبِي مُعَيْطٍ وأعْمامَهُما. وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ الَّذِي حَكَيْتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِكْرِمَةُ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو مِجْلَزٍ، قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْنٍ الأنْصارِيَّةِ، تُوُفِّيَ عنها أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الِابْنُ الأكْبَرُ أحَقَّ بِامْرَأةِ أبِيهِ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدَها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ ولِيُّ المَيِّتِ إذا سَبَقَ فَألْقى عَلى امْرَأةِ المَيِّتِ ثَوْبَهُ، فَهو أحَقُّ بِها، وإنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها كانَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ السِيَرِ الجاهِلِيَّةِ، ولا مَنفَعَةَ في ذِكْرِ جَمِيعِ ذَلِكَ، إذْ قَدْ أذْهَبَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَجْعَلُوا النِساءَ كالمالِ، يُورَثْنَ عَنِ الرِجالِ المَوْتى كَما يُورَثُ المالُ، والمُتَلَبِّسُ بِالخِطابِ أولِياءُ المَوْتى، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَحِلُّ لَكم عَضْلُ النِساءِ اللَواتِي أنْتُمْ أولِياءُ لَهُنَّ وإمْساكُهُنَّ دُونَ تَزْوِيجٍ حَتّى يَمُتْنَ فَتُورَثُ أمْوالُهُنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَوْرُوثُ مالُها لا هِيَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. والمُتَلَبِّسُ بِالخِطابِ أولِياءُ النِساءِ وأزْواجُهُنَّ إذا حَبَسُوهُنَّ مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ طَماعِيَةَ أنْ يَرِثُوهُنَّ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ حَيْثُ وقَعَ في النِساءِ وسُورَةِ التَوْبَةِ وفي الأحْقافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في النِساءِ والتَوْبَةِ بِفَتْحِ الكافِ، وفي الأحْقافِ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّها، والكَرْهُ والكُرْهُ لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ، والفَقْرِ والفُقْرِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: هو بِضَمِّ الكافِ: المَشَقَّةُ وبِفَتْحِها: إكْراهُ غَيْرٍ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾

لَمّا مَضى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حُكْمُ الفِراقِ الَّذِي سَبَبُهُ المَرْأةُ، وأنَّ لِلزَّوْجِ أخْذَ المالِ مِنها، عَقِبَ ذَلِكَ ذَكَرَ الفِراقَ الَّذِي سَبَبُهُ الزَوْجُ، والمَنعَ مِن أخْذِ مالِها مَعَ ذَلِكَ، فَهَذا الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي يَخْتَصُّ الزَوْجُ بِإرادَتِهِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: إذا كانَ الزَوْجانِ يُرِيدانِ الفِراقَ، وكانَ مِنهُما نُشُوزٌ وسُوءُ عِشْرَةٍ، فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنها إذا سَبَّبَتِ الفِراقَ، ولا يُراعى تَسْبِيبُهُ هُوَ، وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ المالِ إلّا أنْ تَنْفَرِدَ هي بِالنُشُوزِ وبِظُلْمِهِ في ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ المُغالاةِ بِالمُهُورِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ مَثَّلَ بِقِنْطارٍ، ولا يُمَثِّلُ تَعالى إلّا بِمُباحٍ.

وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: ألا لا تُغالُوا بِمُهُورِ نِسائِكُمْ، فَإنَّ الرَجُلَ يُغالِي حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ عَداوَةً لِلْمَرْأةِ، يَقُولُ: تَجَشَّمْتُ إلَيْكِ عَلَقَ القِرْبَةِ أو عَرَقَ القِرْبَةِ، فَيُرْوى أنَّ امْرَأةً كَلَّمَتْهُ مِن وراءِ الناسِ فَقالَتْ: كَيْفَ هَذا؟ واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ قالَ: فَأطْرَقَ عُمَرُ ثُمَّ قالَ: "كُلُّ الناسِ أفْقَهُ مِنكَ يا عُمَرُ". ويُرْوى أنَّهُ قالَ: "امْرَأةٌ أصابَتْ ورَجُلٌ أخْطَأ"، واللهُ المُسْتَعانُ، وتَرَكَ الإنْكارَ.

وقالَ قَوْمٌ: لا تُعْطِي الآيَةُ جَوازَ المُغالاةِ بِالمُهُورِ لِأنَّ التَمْثِيلَ جاءَ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وآتَيْتُمْ هَذا القَدْرَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُؤْتِيهِ أحَدٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ "لِبَيْضِها" بَنى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ"» فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَكُونُ مَسْجِدٌ كَمَفْحَصٍ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِابْنِ أبِي حَدْرَدٍ -وَقَدْ جاءَ يَسْتَعِينُهُ في مَهْرِهِ- فَسَألَهُ عَنِ المَهْرِ، فَقالَ: مِائَتَيْنِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: "كَأنَّكم تَقْطَعُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ مِن عَرْضِ الحَرَّةِ أو جَبَلٍ"...» الحَدِيثُ فاسْتَقْرَأ بَعْضُ الناسِ مِن هَذا مَنعَ المُغالاةِ بِالمُهُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يَلْزَمُ، لِأنَّ هَذا أحْوَجَ نَفْسَهُ إلى الِاسْتِعانَةِ والسُؤالِ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِاتِّفاقٍ، وإنَّما المُغالاةُ المُخْتَلَفُ فِيها مَعَ الغِنى وسَعَةِ المالِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِوَصْلِ ألِفِ "احْداهُنَّ" وهي لُغَةٌ تُحْذَفُ عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ................... وتَسْمَعُ مِن تَحْتِ العَجاجِ لَها ازْمِلا

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَدْرِ القِنْطارِ في سُورَةِ [آلِ عِمْرانَ]، وقَرَأ أبُو السَمّالِ "مِنهُ شَيَئًا" بِفَتْحِ الياءِ والتَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ. والبُهْتانُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: مُبْهَتًا مُحَيَّرًا لِشُنْعَتِهِ وقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ والفَعْلَةِ فِيهِ.

ثُمَّ وعَظَ تَعالى عِبادَهُ مُذَكِّرًا لَهم بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الزَوْجَيْنِ المُوجِبَةِ لِحِياطَةِ مالِ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.