Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 101–110 of 176

101

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer, [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you. Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ في الهِجْرَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ مِن تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ ما يُؤَكِّدُ العَزِيمَةَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ أيَّ سَفَرٍ كانَ، ولِذا لَمْ يُقَيَّدْ بِما قُيِّدَ بِهِ المُهاجِرَةُ، والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَخُصُّ السَّفَرَ بِالمُباحِ كَسَفَرِ التِّجارَةِ، والطّاعَةِ كَسَفَرِ الحَجِّ، ويُخْرِجُ سَفَرَ المَعْصِيَةِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ والإباقِ، فَلا يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ الآتِي؛ لِأنَّهُ رُخْصَةٌ، وهي إنَّما تَثْبُتُ تَخْفِيفًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِما يُوجِبُ التَّغْلِيظَ؛ لِأنَّ إضافَةَ الحُكْمِ إلى وصْفٍ يَقْتَضِي خِلافُهُ فَسادٌ في الوَضْعِ، ولَنا إطْلاقُ النُّصُوصِ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ في بَعْضِها تُشْعِرُ بِإرادَةِ المُطْلَقِ، وزِيادَةُ قَيْدِ عَدَمِ المَعْصِيَةِ نُسِخَ عَلى ما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ، ولِأنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ خُرُوجٍ مَدِيدٍ ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، وإنَّما المَعْصِيَةُ ما يَكُونُ بَعْدَهُ كَما في السَّرِقَةِ، أوْ مُجاوِرَهُ كَما في الإباقِ فَيَصْلُحُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُتَعَلِّقُ الرُّخْصَةِ لا مَكانُ الِانْفِكاكِ عَمّا يُجاوِرُهُ، كَما إذا غَصِبَ خُفًّا ولَبِسَهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُوجَبَ سَتْرُ قَدَمِهِ ولا مَحْظُورَ فِيهِ، وإنَّما هو في مُجاوَرِهِ وهو صِفَةُ كَوْنِهِ مَغْضُوبًا، وتَمامُهُ في الأُصُولِ.

والمُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ، والمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ، أيْ: إذا سافَرْتُمْ في أيِّ مَكانٍ يُسافَرُ فِيهِ مِن بَرٍّ أوْ بَحْرٍ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ: حَرَجٌ وإثْمٌ ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ أيْ: في أنْ تَقْصُرُوا، والقَصْرُ خِلافُ المَدِّ، يُقالُ: قَصَّرْتُ الشَّيْءَ إذا جَعَلْتَهُ قَصِيرًا بِحَذْفِ بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ أوْصافِهِ، فَمُتَعَلِّقُ القَصْرِ إنَّما هو ذَلِكَ الشَّيْءُ لا بَعْضُهُ فَإنَّهُ مُتَعَلِّقُ الحَذْفِ دُونَ القَصْرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الصَّلاةِ﴾ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لـ(تَقْصُرُوا) و(مِن) زائِدَةٌ حَسْبَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ، عَنِ الأخْفَشِ القائِلِ بِزِيادَتِها في الإثْباتِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً ويَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - عَلى ما نَقَلَهُ الفاضِلُ المَذْكُورُ عَنْ سِيبَوَيْهِ - أيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُصارَ إلى وصْفِ الجُزْءِ بِوَصْفِ الكُلِّ، أوْ يُرادَ بِالقَصْرِ الحَبْسُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أوْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الجِنْسُ؛ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بَعْضًا مِنها، وهي الرُّباعِيَّةُ أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَقْصُرُوا بَعْضَ الصَّلاةِ بِتَنْصِيفِها، وقُرِئَ (تُقْصِرُوا) مِن أقْصَرَ، ومَصْدَرُهُ الإقْصارُ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُقَصِّرُوا) بِالتَّشْدِيدِ، ومَصْدَرُهُ التَّقْصِيرُ، والكُلُّ بِمَعْنًى.

وأدْنى مُدَّةِ السَّفَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْرُ في المَشْهُورِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامِ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ، ومَشْيِ الأقْدامِ بِالِاقْتِصادِ في البَرِّ، وجَرْيِ السَّفِينَةِ - والرِّيحُ مُعْتَدِلَةٌ - في البَحْرِ، ويُعْتَبَرُ في الجَبَلِ كَوْنُ هَذِهِ المَسافَةِ مِن طَرِيقِ الجَبَلِ بِالسَّيْرِ الوَسَطِ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ …

An-Nisaa 4:101Listen in Qur'an →
102

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًۭى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

And when you are among them and lead them in prayer, let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allah has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّصِّ المُجْمَلِ في مَشْرُوعِيَّةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ، وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ التّامَّةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَن خَصَّ صَلاةَ الخَوْفِ بِحَضْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كالحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، ونُسِبَ ذَلِكَ أيْضًا لَأبِي يُوسُفَ، ونَقَلَهُ عَنِ الجَصّاصِ في كِتابِ الأحْكامِ، والنَّوَوِيِّ في المُهَذَّبِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُوّابُهُ، وقُوّامٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ فَيَتَناوَلُهم حُكْمُ الخِطابِ الوارِدِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ .

وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا، ثُمَّ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ، فَصَلُّوا كَما وصَفَ، ولَمْ يَقْضُوا، وكانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ» وهَذا يَحِلُّ مَحَلَّ الإجْماعِ، ويَرُدُّ ما زَعَمَهُ المُزَنِيُّ مِن دَعْوى النَّسْخِ أيْضًا.

﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: أرَدْتَ أنْ تُقِيمَ بِهِمُ الصَّلاةَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ مَعَكَ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَهم طائِفَتَيْنِ، ولْتَقِفِ الطّائِفَةُ الأُخْرى تُجاهَ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ،

صفحة 135

ولِظُهُورِ ذَلِكَ تُرِكَ ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾ أيِ: الطّائِفَةُ المَذْكُورَةُ القائِمَةُ مَعَكَ أسْلِحَتَهم مِمّا لا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ كالسَّيْفِ والخِنْجَرِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآخِذَةَ هي الطّائِفَةُ الحارِسَةُ، فَلا يُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّقْيِيدِ، إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ الأخْذِ عَدَمُ الوَضْعِ، وإنَّما عُبِّرَ بِذَلِكَ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِاسْتِصْحابِ الأسْلِحَةِ، حَتّى كَأنَّهم يَأْخُذُونَها ابْتِداءً ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ أيِ: القائِمُونَ مَعَكَ، أيْ: إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ وأتَمُّوا الرَّكْعَةَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا لِلْحِراسَةِ مِنَ العَدُوِّ.

﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ بَعْدُ، وهي الَّتِي كانَتْ تَحْرُسُ، ونَكَّرَها لِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ مِن قَبْلُ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ مِن صَلاتِكَ، والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ مُراعاةً لِلَّفْظِ والمَعْنى، ولَمْ يُبَيَّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالُ الرَّكْعَةِ الباقِيَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هي صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ …

An-Nisaa 4:102Listen in Qur'an →
103

فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰبًۭا مَّوْقُوتًۭا

And when you have completed the prayer, remember Allah standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: فَإذا أدَّيْتُمْ صَلاةَ الخَوْفِ عَلى الوَجْهِ المُبَيَّنِ وفَرَغْتُمْ مِنها ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَداوِمُوا عَلى ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، حَتّى في حالِ المُسابَقَةِ والمُقارَعَةِ والمُراماةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ عَقِبَ تَفْسِيرِها: لَمْ يُعْذِرِ اللَّهُ تَعالى أحَدًا في تَرْكِ ذِكْرِهِ إلّا المَغْلُوبَ عَلى عَقْلِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ واشْتَدَّ الخَوْفُ أوِ التَحَمَ القِتالُ فَصَلُّوا كَيْفَما كانَ، وهو المُوافِقُ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُحارِبَةِ وعَدَمِ جَوازِ تَأْخِيرِها عَنِ الوَقْتِ، ويُعْذَرُ المُصَلِّي حِينَئِذٍ في تَرْكِ القِبْلَةِ لِحاجَةِ القِتالِ لا لِنَحْوِ جِماحِ دابَّةٍ وطالَ الفَصْلُ، وكَذا الأعْمالُ الكَثِيرَةُ لِحاجَةٍ في الأصَحِّ لا الصِّياحُ أوِ النُّطْقُ بِدُونِهِ، ولَوْ دَعَتِ الحاجَّةُ إلَيْهِ كَتَنْبِيهِ مَن خُشِيَ وُقُوعُ مَهْلَكٍ بِهِ، أوْ زَجْرُ الخَيْلِ، أوِ الإعْلامُ بِأنَّهُ فُلانٌ المَشْهُورُ بِالشَّجاعَةِ لِنُدْرَةِ الحاجَةِ، ولا قَضاءَ بَعْدَ الأمْنِ فِيهِ، نَعَمْ، لَوْ صَلُّوا كَذَلِكَ لِسَوادٍ ظَنُّوهُ ولَوْ بِإخْبارِ عَدْلٍ عَدُوًّا فَبانَ أنْ لا عَدُوَّ وأنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما يَمْنَعُ وُصُولَهُ إلَيْهِمْ كَخَنْدَقٍ، أوْ أنَّ بِقُرْبِهِمْ عُرْفًا حِصْنًا يُمْكِنُهُمُ التَّحَصُّنُ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحاصِرَهم فِيهِ قَضَوْا في الأظْهَرِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ.

﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أيْ: أقَمْتُمْ، كَما قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 138

﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ الضَّرْبُ اضْطِرابًا وكُنِّيَ بِهِ عَنِ السَّفَرِ ناسَبَ أنْ يُكَنّى بِالِاطْمِئْنانِ عَنِ الإقامَةِ، وأصْلُهُ السُّكُونُ والِاسْتِقْرارُ، أيْ: إذا اسْتَقْرَرْتُمْ مِنَ السَّيْرِ والسَّفَرِ في أمْصارِكم ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أدُّوا الصَّلاةَ الَّتِي دَخَلَ وقْتُها، وأتِمُّوها، وعَدِّلُوا أرْكانَها، وراعُوا شُرُوطَها، وحافِظُوا عَلى حُدُودِها.

وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا أمِنتُمْ فَأتِمُّوا الصَّلاةَ، أيْ: جِنْسَها، مُعَدَّلَةَ الأرْكانِ، ولا تُصَلُّوها ماشِينَ أوْ راكِبِينَ أوْ قاعِدِينَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ في الجُمْلَةِ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي حالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ، ونُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ لِما عَلِمْتَ مِن مَذْهَبِهِ (ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).

﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا﴾ أيْ: مَكْتُوبًا مَفْرُوضًا ﴿مَوْقُوتًا﴾ مَحْدُودَ الأوْقاتِ، لا يَجُوزُ إخْراجُها عَنْ أوْقاتِها في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ، فَلا بُدَّ مِن إقامَتِها سَفَرًا أيْضًا، وقِيلَ: المَعْنى: كانَتْ عَلَيْهِمْ أمْرًا مَفْرُوضًا مُقَدَّرًا في الحَضَرِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ وفي السَّفَرِ بِرَكْعَتَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ تُؤَدّى في كُلِّ وقْتٍ حَسْبَما قُدِّرَ فِيهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن حَمَلَ الذِّكْرَ فِيما تَقَدَّمَ عَلى الصَّلاةِ، وأوْجَبَها في حالِ القِتالِ، عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

An-Nisaa 4:103Listen in Qur'an →
104

وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allah that which they expect not. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا ولا تَتَوانَوْا في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ.

﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وتَشْجِيعٌ لَهم أيْ: لَيْسَ ما يَنالُكم مِنَ الآلامِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلِ الأمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَما لَكم أنْتُمْ لا تَصْبِرُونَ؟! مَعَ أنَّكم أوْلى بِالصَّبْرِ مِنهُمْ، حَيْثُ إنَّكم تَرْجِعُونَ وتَطْمَعُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ مِن ظُهُورِ دِينِكُمُ الحَقِّ عَلى سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، ومِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخِرَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ الرَّجاءُ عَلى الخَوْفِ، فالمَعْنى إنَّ الألَمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكُمْ؛ لِأنَّ لَكم خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ فَوْقَ الِاحْتِرازِ عَنِ الألَمِ، ولَيْسَ لَهم خَوْفٌ يُلْجِئُهم إلى الألَمِ، وهم يَخْتارُونَهُ لِإعْلاءِ دِينِهِمُ الباطِلِ فَما لكم ولِلْوَهَنِ؟! ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّ الألَمَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وأنَّكم تَعْبُدُونَ الإلَهَ العالِمَ القادِرَ السَّمِيعَ البَصِيرَ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُرْجى مِنهُ، وأنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ الَّتِي لا خَيْرُهُنَّ يُرْجى ولاشَرُّهُنَّ يُخْشى.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ (أنْ تَكُونُوا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: لا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَهْنِ لِأجْلِهِ، وقُرِئَ (تَئْلِمُونَ كَما يَئْلِمُونَ) بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، والآيَةُ – قِيلَ -: نَزَلَتْ في الذَّهابِ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ في الذَّهابِ خَلْفَ أبِي سُفْيانَ وعَسْكَرِهِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ، فَيَعْلَمُ مَصالِحَكم وأعْمالَكُمْ، ما تُظْهِرُونَ مِنها وما تُسِرُّونَ ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى، فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ لِذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِ عَواقِبَ حَمِيدَةٌ، وفَوْزًا بِالمَطْلُوبِ.

An-Nisaa 4:104Listen in Qur'an →
105

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا

Indeed, We have revealed to you, [O Muhammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allah has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهُمْ: بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ، يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ويَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ النَّبِيِّ -ﷺ - ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا

صفحة 139

الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ، فَقالَ:

أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها

وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ طَعامُ النّاسِ بِالمَدِينَةِ التَّمْرَ والشَّعِيرَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ مِنهُ فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ فَنَقَبَ المَشْرَبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، فَقالَ بَنُو أُبَيْرِقٍ: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لُبَيْدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لُبَيْدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقالَ: أنا أسْرِقُ فَواللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها.

فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلُ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانَ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنّى خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ.

فَأتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلَخْ، فَلَمّا نَزَلَ أتى رَسُولُ …

An-Nisaa 4:105Listen in Qur'an →
106

وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And seek forgiveness of Allah. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، أوْ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ في أمْرِ طُعْمَةَ وبَراءَتِهِ لِظاهِرِ الحالِ، وما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَتادَةَ، وكَذا الهَمُّ بِالشَّيْءِ خُصُوصًا إذْ يُظَنُّ أنَّهُ الحَقُّ لَيْسَ بِذَنْبٍ حَتّى يُسْتَغْفَرَ مِنهُ، لَكِنْ لِعَظَمِ النَّبِيِّ ﷺ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوهِمُ النَّقْصَ - وحاشاهُ - أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ؛ لِزِيادَةِ الثَّوابِ، وإرْشادِهِ إلى التَّثَبُّتِ، وأنَّ ما لَيْسَ بِذَنْبٍ مِمّا يَكادُ يُعَدُّ حَسَنَةً مِن غَيْرِهِ إذا صَدَرَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالنِّسْبَةِ لِعَظْمَتِهِ ومَقامِهِ المَحْمُودِ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، فَلا مُتَمَسَّكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ في عَدَمِ العِصْمَةِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ (واسْتَغْفِرْ) لِأُولَئِكَ الَّذِينَ بَرَّءُوا ذَلِكَ الخائِنَ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، وقِيلَ: لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ

An-Nisaa 4:106Listen in Qur'an →
107

وَلَا تُجَٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًۭا

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allah loves not one who is a habitually sinful deceiver.

﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: يَخُونُونَها، وجُعِلَتْ خِيانَةُ الغَيْرِ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ وبالَها وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جُعِلَتِ المَعْصِيَةُ خِيانَةً فَمَعْنى (يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ)

صفحة 141

يَظْلِمُونَها بِاكْتِسابِ المَعاصِي وارْتِكابِ الآثامِ، وقِيلَ: الخِيانَةُ مَجازٌ عَنِ المَضَرَّةِ، ولا بُعْدَ فِيهِ.

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا السّارِقُ أوَ المُودِعُ المُكافِرُ وأمْثالُهُ، وإمّا مَن عاوَنَهُ، فَإنَّهُ شَرِيكٌ في الإثْمِ والخِيانَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ مُرْتَكِبًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُجادِلْ أيُّها الإنْسانُ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾ كَثِيرَ الخِيانَةِ، مُفْرِطًا فِيها ﴿أثِيمًا﴾ مُنْهَمِكًا في الإثْمِ، وتَعْلِيقُ عَدَمِ المَحَبَّةِ المُرادُ مِنهُ البُغْضُ والسُّخْطُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بَلْ لِبَيانِ إفْراطِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وقَوْمِهِمْ في الخِيانَةِ والإثْمِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِما؛ لِيَخْرُجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ الإثْمُ والخِيانَةُ مَرَّةً، ومَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وإرْدافُ الخَوّانِ بِالأثِيمِ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ السَّرِقَةِ أوْ إنْكارِ الوَدِيعَةِ، والثّانِيَ بِاعْتِبارِ تُهْمَةِ البَرِئِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقُدِّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ الإثْمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لَهُ، أوْ لِأنَّ وُقُوعَهُما كانَ كَذَلِكَ، أوْ لِتَواخِي الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ.

An-Nisaa 4:107Listen in Qur'an →
108

يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allah, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allah, of what they do, encompassing.

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم حَياءً وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ، وأصْلُ ذَلِكَ طَلَبُ الخَفاءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ عَلى الأظْهَرِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مِن) و﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: ولا يَسْتَحْيَوْنَ مِنهُ سُبْحانَهُ، وهو أحَقُّ بِأنْ يُسْتَحى مِنهُ، ويُخافَ مِن عِقابِهِ، وإنَّما فُسِّرَ الِاسْتِخْفاءُ مِن تَعالى بِالِاسْتِحْياءِ لِأنَّ الِاسْتِتارَ مِنهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - مُحالٌ لا فائِدَةَ في نَفْيِهِ، ولا مَعْنى لِلذَّمِّ في عَدَمِهِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ فَلا طَرِيقَ إلى الِاسْتِخْفاءِ مِنهُ تَعالى سِوى تَرْكِ ما يُؤاخِذُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَخِفُّونَ).

﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ التَّدْبِيرِ مِمّا يُبَيَّتُ عُبِّرَ بِهِ عَنْهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَخِفُّونَ).

﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ مِن رَمْيِ البَرِئِ وشَهادَةِ الزُّورِ، قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وتَسْمِيَةُ التَّدْبِيرِ - وهو مَعْنًى في النَّفْسِ - قَوْلًا لا إشْكالَ فِيها عِنْدَ القائِلِينَ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، وأمّا عِنْدُ غَيْرِهِمْ فَمَجازٌ، أوْ لَعَلَّهُمُ اجْتَمَعُوا في اللَّيْلِ ورَتَّبُوا كَيْفِيَّةَ المَكْرِ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ المُبَيَّتِ الَّذِي لا يَرْضاهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ ها هُنا، فَتَذَكَّرْ.

﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخافِيَةِ ﴿مُحِيطًا﴾ أيْ: حَفِيظًا، كَما قالَ الحَسَنُ، أوْ عالِمًا لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا يَفُوتُ كَما قالَ غَيْرُهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ الإحاطَةُ هُنا مَجازٌ، ونَظَمَها البَعْضُ في سِلْكِ المُتَشابَهِ.

An-Nisaa 4:108Listen in Qur'an →
109

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allah for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ خِطابٌ لِلذّابِّينَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ تَعْدِيدَ جِناياتِهِمْ يُوجِبُ مُشافَهَتَهم بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ جُمْلَةٌ مَبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ (أُولاءِ) خَبَرًا، فَهو بِمَعْنى المُجادِلِينَ، وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُولاءِ) اسْمًا مَوْصُولًا كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ في كُلِّ اسْمٍ إشارَةٍ، و(جادَلْتُمْ) صِلَتُهُ، فالحَمْلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، والمُجادَلَةُ أشَدُّ المُخاصَمَةِ، وأصْلُها مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ القَتْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم بَذَلْتُمُ الجُهْدَ في المُخاصَمَةِ عَمَّنْ أشارَتْ إلَيْهِ الأخْبارُ في الدُّنْيا.

صفحة 142

﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: فَمَن يُخاصِمُهُ سُبْحانَهُ عَنْهم يَوْمَ لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا، ولا يُغْنِي عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿وكِيلا﴾ أيْ: حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ، وأصْلُ مَعْنى الوَكِيلِ الشَّخْصُ الَّذِي تُوكَلُ الأُمُورُ لَهُ وتُسْنَدُ إلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالحافِظِ المُحامِي مَجازٌ مِن بابِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في لازِمِ مَعْناهُ.

و(أمْ) هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ كَما قالَ السَّمِينُ، وقِيلَ: عاطِفَةٌ كَما نَقَلَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، والِاسْتِفْهامُ - كَما قالَ الكَرْخِيُّ -: في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يُجادِلُ عَنْهُمْ، ولا أحَدَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا.

An-Nisaa 4:109Listen in Qur'an →
110

وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allah will find Allah Forgiving and Merciful.

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أيْ: شَيْئًا يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ كَما فَعَلَ بُشَيْرٌ بِرِفاعَةَ أوْ طُعْمَةُ بِاليَهُودِيِّ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالإنْكارِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما دُونَ الشِّرْكِ، والظُّلْمُ الشِّرْكُ، وقِيلَ: السُّوءُ الصَّغِيرَةُ، والظُّلْمُ الكَبِيرَةُ.

﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِيَسِيرٍ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لِما اسْتَغْفَرَهُ مِنهُ كائِنًا ما كانَ ﴿رَحِيمًا﴾ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن فِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ مِنَ المُذْنِبِينَ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، قِيلَ: وتَخْوِيفٌ لِمَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ ولَمْ يَتُبْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ حُرِمَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وابْتُلِيَ بِغَضَبِهِ

An-Nisaa 4:110Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.