Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 51–60 of 200

51

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ

Indeed, Allah is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path."

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس.

وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم.

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه:

الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت.

ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية.

ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة.

وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟

الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله.

ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.

وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟

فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال..

* طالب: والراجح؟

* الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه.

* طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟

* الشيخ: …

Aal-i-Imraan 3:51Listen in Qur'an →
52

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allah?" The disciples said, "We are supporters for Allah. We have believed in Allah and testify that we are Muslims [submitting to Him].

ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، وفي قراءة: ﴿مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا، فتقول: هذا غلامِي، هذا غلاميَ، هذا غلامْ، لكن تبين أنه مضاف.

يقول هنا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ ﴿أَحَسَّ﴾ بمعنى أدرك بحاسته، وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها لم يؤمنوا -والعياذ بالله-؛ لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧]، كان في الآية التي قبلها: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، لما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكفاء فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾، يعني: إذا كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري.

وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًّا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى من؟

* الطلبة: إلى الله.

* الشيخ: إلى الله عز وجل، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ و(من) هذه مبتدأ، و﴿أَنْصَارِي﴾ خبر، و﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ(أنصار).

قال: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الحواريون جمع حواري -بتشديد الياء-، وهو من الحوَر وهو: البياض، وسموا حواريين؛ لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يطبع على القلب، فالحواريون إذن هم: الذين أخلصوا دينهم ولم يتلطخوا بالمعاصي.

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ يعني: لا غيرنا، ووجه قولنا: لا غيرنا: أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها معرفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر ضعيف، ليس كإفادة (إنما) أو النفي والإثبات.

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿آمَنَّا﴾ الإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار؛ ولهذا عدي بالباء، فيقال: أمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء -أي بمعناه- تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما لا تتعدى به (صدّق)، فيقال: صدّق بالخبر، ولا يقال: صدّق له، ويقال: صدّق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل: آمن به، وآمن له، فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنًى واحد، مع أن كثيرًا من الذين يعرفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة أيش؟ التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق.

أما الإيمان في الشرع فهو: التصديق، وإن شئت فقل: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، تصديق أو الإقرار المستلزم لأيش؟ للقبول والإذعان، لا يكفي التصديق فقط، بل لا بد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله ﷺ ويعلن ذلك على الملأ بأنه مصدق له، فيقول في لاميته المشهورة:

لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِـــــل

شوف: لا مكذب لدينا، وأنه لا يعنى بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول:

وَلَقَدْ …

Aal-i-Imraan 3:52Listen in Qur'an →
53

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger Jesus, so register us among the witnesses [to truth]."

ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، وفي قراءة: ﴿مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا، فتقول: هذا غلامِي، هذا غلاميَ، هذا غلامْ، لكن تبين أنه مضاف.

يقول هنا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ ﴿أَحَسَّ﴾ بمعنى أدرك بحاسته، وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها لم يؤمنوا -والعياذ بالله-؛ لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧]، كان في الآية التي قبلها: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، لما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكفاء فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾، يعني: إذا كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري.

وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًّا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى من؟

* الطلبة: إلى الله.

* الشيخ: إلى الله عز وجل، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ و(من) هذه مبتدأ، و﴿أَنْصَارِي﴾ خبر، و﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ(أنصار).

قال: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الحواريون جمع حواري -بتشديد الياء-، وهو من الحوَر وهو: البياض، وسموا حواريين؛ لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يطبع على القلب، فالحواريون إذن هم: الذين أخلصوا دينهم ولم يتلطخوا بالمعاصي.

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ يعني: لا غيرنا، ووجه قولنا: لا غيرنا: أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها معرفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر ضعيف، ليس كإفادة (إنما) أو النفي والإثبات.

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿آمَنَّا﴾ الإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار؛ ولهذا عدي بالباء، فيقال: أمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء -أي بمعناه- تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما لا تتعدى به (صدّق)، فيقال: صدّق بالخبر، ولا يقال: صدّق له، ويقال: صدّق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل: آمن به، وآمن له، فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنًى واحد، مع أن كثيرًا من الذين يعرفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة أيش؟ التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق.

أما الإيمان في الشرع فهو: التصديق، وإن شئت فقل: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، تصديق أو الإقرار المستلزم لأيش؟ للقبول والإذعان، لا يكفي التصديق فقط، بل لا بد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله ﷺ ويعلن ذلك على الملأ بأنه مصدق له، فيقول في لاميته المشهورة:

لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِـــــل

شوف: لا مكذب لدينا، وأنه لا يعنى بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول:

وَلَقَدْ …

Aal-i-Imraan 3:53Listen in Qur'an →
54

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And the disbelievers planned, but Allah planned. And Allah is the best of planners.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران ٥٤ - ٥٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ﴿مَكَرُوا﴾ الضمير يعود على الذين كفروا بعيسى، والمكر هو أن يتوصل إلى الانتقام من خصمه بأسباب غير متوقعة يعني بأسباب خفية، ينتقم من خصمه والمضادِّ له بأسباب خفية، ويشبهه الخداع، فإن الإنسان يتوصل إلى أن ينتقم من خصمه من حيث لا يشعر بأسباب خفية. وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني أن الله سبحانه وتعالى مكر بهم حينما مكروا بعيسى. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ يعني أقواهم في المكر وأشدهم وأعلمهم بالأسباب التي تحيط بأعدائه.

فإذا قال قائل: ما الذي دلنا على أن الضمير في قوله: ﴿مَكَرُوا﴾ يعود على الذين كفروا بعيسى؟ فالجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يمكن أن يصدر من قوم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٥٢] وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران ٥٣] لا يمكن هذا، بل لا يصدر إلا من قوم كفروا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران ٥٢]. فإن قيل: ما هذا المكر الذي مكروه؟ فالجواب على هذا أنهم مكروا بعيسى حيث تمالؤوا على قتله فأنجاه الله منهم، ومكر بهم فجعل شبهه في رجل إما منهم من الذين جاؤوا لقتله، وإما من أصحاب عيسى، ألقى الله شبهه على واحد منهم فقُتِل، المهم أن هؤلاء تمالؤوا على القتل وجاؤوا إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فدخلوا عليه لم يُشعروه أنهم يريدون قتله؛ لئلَّا يستنجد بأحد أو يدافع عن نفسه وما أشبه هذا، ولكن الله عز وجل ألقى شبهه على واحد منهم، أو على واحد من أصحابه الحواريين، في هذا قولان للمفسرين، منهم من قال: إن الله ألقى شبهه على واحد منهم وهو زعيمهم، جعل الله شبه عيسى في هذا الرجل، فلما أرادوا أن يقتلوه قال: أنا صاحبكم، قالوا: كذبت لست صاحبنا بل أنت عيسى، فقتلوه وصلبوه، وهذا مكر أو غير مكر؟ مكر عظيم أعظم من مكرهم؛ لأن هذا الرجل الذي جاء متزعمًا هؤلاء القوم ليقتل عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا. أما القول الثاني فيقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أحس بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يَقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة؟ فانتدب واحد منهم لذلك وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى، حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ لم يعلموه. هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على من؟

* الطلبة: زعيمهم.

* الشيخ: نعم، على زعيم القوم الذين جاؤوا ليقتلوه فقُتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل أُلقي الشبه على الجميع فاشتبه على الذين دخلوا؟ أو أنه أُلقي على واحد منهم فيه أيضًا قولان، والمسألة ليس فيها نص عن النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام، …

Aal-i-Imraan 3:54Listen in Qur'an →
55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

[Mention] when Allah said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allah alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران ٥٤ - ٥٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ﴿مَكَرُوا﴾ الضمير يعود على الذين كفروا بعيسى، والمكر هو أن يتوصل إلى الانتقام من خصمه بأسباب غير متوقعة يعني بأسباب خفية، ينتقم من خصمه والمضادِّ له بأسباب خفية، ويشبهه الخداع، فإن الإنسان يتوصل إلى أن ينتقم من خصمه من حيث لا يشعر بأسباب خفية. وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني أن الله سبحانه وتعالى مكر بهم حينما مكروا بعيسى. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ يعني أقواهم في المكر وأشدهم وأعلمهم بالأسباب التي تحيط بأعدائه.

فإذا قال قائل: ما الذي دلنا على أن الضمير في قوله: ﴿مَكَرُوا﴾ يعود على الذين كفروا بعيسى؟ فالجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يمكن أن يصدر من قوم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٥٢] وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران ٥٣] لا يمكن هذا، بل لا يصدر إلا من قوم كفروا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران ٥٢]. فإن قيل: ما هذا المكر الذي مكروه؟ فالجواب على هذا أنهم مكروا بعيسى حيث تمالؤوا على قتله فأنجاه الله منهم، ومكر بهم فجعل شبهه في رجل إما منهم من الذين جاؤوا لقتله، وإما من أصحاب عيسى، ألقى الله شبهه على واحد منهم فقُتِل، المهم أن هؤلاء تمالؤوا على القتل وجاؤوا إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فدخلوا عليه لم يُشعروه أنهم يريدون قتله؛ لئلَّا يستنجد بأحد أو يدافع عن نفسه وما أشبه هذا، ولكن الله عز وجل ألقى شبهه على واحد منهم، أو على واحد من أصحابه الحواريين، في هذا قولان للمفسرين، منهم من قال: إن الله ألقى شبهه على واحد منهم وهو زعيمهم، جعل الله شبه عيسى في هذا الرجل، فلما أرادوا أن يقتلوه قال: أنا صاحبكم، قالوا: كذبت لست صاحبنا بل أنت عيسى، فقتلوه وصلبوه، وهذا مكر أو غير مكر؟ مكر عظيم أعظم من مكرهم؛ لأن هذا الرجل الذي جاء متزعمًا هؤلاء القوم ليقتل عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا. أما القول الثاني فيقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أحس بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يَقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة؟ فانتدب واحد منهم لذلك وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى، حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ لم يعلموه. هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على من؟

* الطلبة: زعيمهم.

* الشيخ: نعم، على زعيم القوم الذين جاؤوا ليقتلوه فقُتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل أُلقي الشبه على الجميع فاشتبه على الذين دخلوا؟ أو أنه أُلقي على واحد منهم فيه أيضًا قولان، والمسألة ليس فيها نص عن النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام، …

Aal-i-Imraan 3:55Listen in Qur'an →
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧].

من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

* ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾.

ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.

من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه.

فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام …

Aal-i-Imraan 3:56Listen in Qur'an →
57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allah does not like the wrongdoers.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧].

من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

* ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾.

ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.

من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه.

فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام …

Aal-i-Imraan 3:57Listen in Qur'an →
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

This is what We recite to you, [O Muhammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧].

من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

* ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾.

ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.

من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه.

فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام …

Aal-i-Imraan 3:58Listen in Qur'an →
59

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, the example of Jesus to Allah is like that of Adam. He created Him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧].

من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

* ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾.

ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.

من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه.

فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام …

Aal-i-Imraan 3:59Listen in Qur'an →
60

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

ثم قال الله عز وجل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك الحق، أي هذا الذي قُصّ عليك هو الحق، وعلى هذا فتكون شبه الجملة، وهي: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْحَقُّ﴾، ويحتمل على بُعد أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره، وفائدة هذا التركيب على هذا الإعراب فائدته أنك لا تطلب الحق من غير الله، فكأنه يقول: مصدر الحق من الله فلا تطلبه من غيره، ﴿الْحَقُّ﴾ يوصف به الحُكم ويوصف به الخبر؛ فإن وُصف به الحكم صار معناه العدل، وإن وُصف به الخبر صار معناه الصدق، والصدق والعدل كلاهما ثابت، ولهذا وُصِفَا بالحق، وأصل الحق من حَقَّ الشيءُ إذا ثبت، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣] ﴿حَقَّتْ﴾ يعني؟

* الطلبة: ثبتت.

* الشيخ: ثبتت، إذن في إعرابها وجهان، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ في إعرابها وجهان؟

* طالب: قيل أنه مبتدأ وجملة الجار والمجرور من ربك هي الخبر، وقيل: أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك الحق؟

* الشيخ: خبر مبتدؤه محذوف.

* الطالب: مبتدأ وخبره محذوف.

* الشيخ: مبتدأ وخبره محذوف.

* طالب: خبر لمبتدأ محذوف.

* الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، صح.

* الطالب: ذلك الحق.

* الشيخ: نعم، طيب ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هنا أضاف الربوبية إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتكون ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية كما مرّ علينا كثيرًا عامة وخاصة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وآدمي وبهيم، وحيوان وجماد؛ والخاصة هي التي تختص بالمؤمنين، وتستلزم تربية أخص من التربية العامة، ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (لا) هذه ناهية، ولهذا جُزِم الفعل بعدها، وهل مثلها الآية الأخرى ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]؟ لكن فيه إشكال؛ لأن الآية الأخرى ما جُزِمَت ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

* طالب: جزمت الآية.

* الشيخ: وأين الجزم؟

* الطالب: الجزم (...) الجزم يكون بحذف النون ويكون بالسكون.

* الشيخ: وأين حذف النون؟

* الطالب: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾.

* الشيخ: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ هذه أيش؟

* الطالب: هذا سكون.

* الشيخ: هذا سكون، و﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾؟

* الطالب: النون محذوفة.

* الشيخ: النون محذوفة؟

* طالب: النون ثابتة وحُرِّكَت لأجل التقاء الساكنين.

* الشيخ: في ﴿لَا تَكُونَنَّ﴾؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: خطأ.

* طالب: الفعل هنا مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.

* الشيخ: أحسنت، الفعل هنا ما هو معرب حتى يُجزم، مبني على الفتح؛ لاتصاله بأيش؟ بنون التوكيد ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾، ولهذا بقي الفعل بجميع حروفه.

طيب، قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: فلا تكن من الشاكين، وقد أشكل هذا التعبير على كثير من الناس، وقال: أفَيَشُكّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أفيشك؟ والجواب عن هذا أن نقول: هذه الآية أو هذا التعبير لا يدل على وقوع الشك من الرسول ﷺ، بل ولا على إمكانه، وإنما يراد به التعريض بالممترين، التعريض بالممترين وذمهم، فلو قلت لرجل صالح: لا تكن من الفاسقين، هل معنى ذلك أن الرجل فاسق؟ لا، ولكن معناه التعريض بالفاسقين وأنهم على خُلُق ينبغي أن يفر منهم كل عاقل، فكذلك ﴿لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ليس معناه أن الرسول يمكن أن يكون منهم أو أنه منهم، لكن المعنى التعريض بالممترين الشاكين، ومنهم في هذه المسألة منهم النصارى؛ لأن النصارى يعتقدون بأن عيسى ابن الله، فهم ممترون في خبر الله شاكّون فيه، وإلا فليس في التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ولا غيرها من الكتب المنزلة أن عيسى ابن الله، وليس فيها أيضًا ما يفيد ظاهرًا ولا احتمالًا أن عيسى ابن الله، …

Aal-i-Imraan 3:60Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.