Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ إلى آخره.

﴿سَنُلْقِي﴾ الفاعل هو الله عز وجل، وعبّر عن نفسه تعالى بفعل يقتضي الجمع مُريدًا بذلك التعظيم؛ أي: سنلقي نحن، ولا يمكن أن يُراد به إلا ذلك؛ لأن الله واحد ليس متعددًا، فلا يمكن أن يكون معه أحد، بخلاف غيره فإنك إذا قلت لشخص: سنأتيك، يحتمل أنك أردت التعظيم، ويحتمل أنك أردت الجمع، لكن بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يُراد الجمع الذي هو التعدّد، وإنما يراد به التعظيم، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢] فالله سبحانه وتعالى هو الْمُلقي، لكنه يذكر نفسه تعالى أحيانًا بصيغة الإفراد؛ لأنه واحد، وأحيانًا بصيغة الجمع؛ لأنه عظيم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويحتمل أنه يذكر نفسه بصيغة الجمع لما له من الجنود العظيمة التي لا يعلمها إلا هو، فيكون هذا إشارة إلى أنه ذو عظمة وسلطان وجنود تفعل ما يأمر به جل وعلا.

وقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ السين تدخل على الفعل المضارع وتفيد أمرين:

الأول: القرب، والثاني: التحقق، فهي تفيد التحقيق من وجه، وتفيد القرب من وجه آخر، بخلاف (سوف) فإنها تفيد التحقيق وتفيد الإمهال، ولهذا يكون (سوف) للتسويف، و(السين) للتنفيس؛ أي: القرب.

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فيها قراءتان: ﴿الرُّعُبَ﴾ و﴿الرُّعْبَ﴾ وهذا يوجد في اللغة العربية كثيرًا؛ يعني التسكين للتخفيف، والحركة على الأصل، مثل: النهْر والنهَر، هذه: ﴿الرُّعْبَ﴾ و﴿الرُّعُبَ﴾ والمعنى واحد، والرُّعْب: أشد الخوف، وإنما ذكر الله عز وجل أنه يلقي الرعب في القلب؛ لأن القلب إذا دخله الرعب فإنه لا يُمكن أن يثبت البدن، لو ثبت البدن أو حاول الإنسان الثبات فإن قلبه من الرعب سوف يحمله عن الأرض حملًا ويفرّ، ولا يمكن أن يبقى، ولهذا نجد بني النضير لما ألقى الله في قلوبهم الرعب ماذا صنعوا؟ صار الواحد منهم ينجو بنفسه، حتى إنهم كانوا من شدة خوفهم يحملون يعني الأمتعة ويكسّرون البيوت، يعني ما يقلعون الأبواب على تؤدة وطمأنينة من شدة الرعب الذي أصابهم، والرعب أقوى سلاح يكون على العدو، فإذا ألقى الله الرعب في قلب العدو فإنه لن يبقى.

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾

(الباء) هنا للسببية؛ أي بسبب شركهم بالله، و(ما) يسميها العلماء مصدرية أي: بشركهم، وعلامة ما المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، إذا صح تحويل ما بعدها إلى مصدر فهي مصدرية، وقد ذكروا أن لـ(ما) عدة معانٍ، ذكروا لها معاني عشرة، مجموعة أو مشارًا إليها في بيت من الشعر محفوظ عندكم إلا أن تكونوا قد نسيتموه؟

* طالب:

سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ* الشيخ:

سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ

الأخير هو المثال الذي معنا: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ أي: بشركهم بالله؛ حيث جعلوا لله تعالى شركاء، ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مع الله إنما جعلوهم شركاء في العبادة لا في الربوبية، ولهذا كان شِرك العرب شركًا في الألوهية لا في الربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٤، ٨٥]، فهم يُقرّون بأن الله …

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ إلى آخره.

﴿سَنُلْقِي﴾ الفاعل هو الله عز وجل، وعبّر عن نفسه تعالى بفعل يقتضي الجمع مُريدًا بذلك التعظيم؛ أي: سنلقي نحن، ولا يمكن أن يُراد به إلا ذلك؛ لأن الله واحد ليس متعددًا، فلا يمكن أن يكون معه أحد، بخلاف غيره فإنك إذا قلت لشخص: سنأتيك، يحتمل أنك أردت التعظيم، ويحتمل أنك أردت الجمع، لكن بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يُراد الجمع الذي هو التعدّد، وإنما يراد به التعظيم، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال ١٢] فالله سبحانه وتعالى هو الْمُلقي، لكنه يذكر نفسه تعالى أحيانًا بصيغة الإفراد؛ لأنه واحد، وأحيانًا بصيغة الجمع؛ لأنه عظيم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويحتمل أنه يذكر نفسه بصيغة الجمع لما له من الجنود العظيمة التي لا يعلمها إلا هو، فيكون هذا إشارة إلى أنه ذو عظمة وسلطان وجنود تفعل ما يأمر به جل وعلا.

وقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ السين تدخل على الفعل المضارع وتفيد أمرين:

الأول: القرب، والثاني: التحقق، فهي تفيد التحقيق من وجه، وتفيد القرب من وجه آخر، بخلاف (سوف) فإنها تفيد التحقيق وتفيد الإمهال، ولهذا يكون (سوف) للتسويف، و(السين) للتنفيس؛ أي: القرب.

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فيها قراءتان: ﴿الرُّعُبَ﴾ و﴿الرُّعْبَ﴾ وهذا يوجد في اللغة العربية كثيرًا؛ يعني التسكين للتخفيف، والحركة على الأصل، مثل: النهْر والنهَر، هذه: ﴿الرُّعْبَ﴾ و﴿الرُّعُبَ﴾ والمعنى واحد، والرُّعْب: أشد الخوف، وإنما ذكر الله عز وجل أنه يلقي الرعب في القلب؛ لأن القلب إذا دخله الرعب فإنه لا يُمكن أن يثبت البدن، لو ثبت البدن أو حاول الإنسان الثبات فإن قلبه من الرعب سوف يحمله عن الأرض حملًا ويفرّ، ولا يمكن أن يبقى، ولهذا نجد بني النضير لما ألقى الله في قلوبهم الرعب ماذا صنعوا؟ صار الواحد منهم ينجو بنفسه، حتى إنهم كانوا من شدة خوفهم يحملون يعني الأمتعة ويكسّرون البيوت، يعني ما يقلعون الأبواب على تؤدة وطمأنينة من شدة الرعب الذي أصابهم، والرعب أقوى سلاح يكون على العدو، فإذا ألقى الله الرعب في قلب العدو فإنه لن يبقى.

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾

(الباء) هنا للسببية؛ أي بسبب شركهم بالله، و(ما) يسميها العلماء مصدرية أي: بشركهم، وعلامة ما المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، إذا صح تحويل ما بعدها إلى مصدر فهي مصدرية، وقد ذكروا أن لـ(ما) عدة معانٍ، ذكروا لها معاني عشرة، مجموعة أو مشارًا إليها في بيت من الشعر محفوظ عندكم إلا أن تكونوا قد نسيتموه؟

* طالب:

سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ* الشيخ:

سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ

الأخير هو المثال الذي معنا: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ أي: بشركهم بالله؛ حيث جعلوا لله تعالى شركاء، ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مع الله إنما جعلوهم شركاء في العبادة لا في الربوبية، ولهذا كان شِرك العرب شركًا في الألوهية لا في الربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٤، ٨٥]، فهم يُقرّون بأن الله …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: هذه ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، فما متعلق ﴿إِذْ﴾؟

متعلق ﴿إِذْ﴾ على أرجح الأقوال محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون، هذا أحسن ما قيل فيها، ولَّا بعضهم قال: إنها متعلقة بما قبلها ولقد عفا عنكم حين تصعدون، وبعضهم قال: ثم صرفكم عنهم حين تصعدون، ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم.

وقوله: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء، وهي غير تَصعدون بفتحها، لأن الصعود الرقي إلى أعلى؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠] وأما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية، يقال: أَصْعَدَ أي: ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة رضي الله عنهم، ومنهم من صعد الجبل، لكن المراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: أيش؟ تهربون سراعًا في أرض مستوية، لماذا؟ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد، والصعيد: وجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء ٤٣].

قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تعكُفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: ولم تلتفتوا؛ لأن اللَّيَّ أبلغ، اللَّيُّ: الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا خوفًا من قتل الكفار إياهم، فكانوا لا يلوون أحد هربوا، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبع مئة نفر من خيار المؤمنين يهربون، لا يبقى مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفر قليل.

وانظر أيضًا قال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الرسول ﷺ في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الأخر، يدعوكم؛ يا عباد الله، كروا، ارجعوا. ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة، ولكن الله سبحانه تعالى قد عفا عنهم، قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى.

﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ يعني: الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أُخْرَيَاتِ القوم، ليس كالملوك يأخذ الصدر، بل هو كالراعي يكون في الآخر يتفقد الرعية، إنسان يحتاج، إنسان تتخلف بعيره، يتخلف فرسه فيساعده، كما في قصة جابر رضي الله عنه، جابر لما رجعوا في سيرهم كان على جمل قد أعيا -ويش معنى أعيا؟ تعب ما يمشي- قال: فلحقني النبي عليه الصلاة والسلام، شوف هذا جمل تعبان بيصير في آخر الناس. ويقول: لحقني النبي -معناه أنه وراه أيضًا، وراء هذا الجمل التعبان- فلحقني فدعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًّا ودعا له، فسار سيرًا لم يسر مثله قط، الجمل -سبحان الله- هو بالأول تعبان ما يمشي إلا قليلًا، حتى كان جابر يرده في خطامه يسبق القوم، آية من آيات الله وآيات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «بِعْنِيهِ»، الرسول ﷺ طلب من جابر أن يبيعه عليه، «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ»، الأوقية كم؟ أربعون درهمًا أو خمسون درهمًا، ولكنه أبى، قال: ما أبيعه. شوف بالأول بيسيبه، يتركه والآن يساوم ها النبي عليه الصلاة والسلام (...) يبيع عليه، قال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، باعه على النبي ﷺ، لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة، فأعطاه النبي ﷺ شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي ﷺ عند باب المسجد قال له: «صَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فعل الرسول وأمره عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم، وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي ﷺ:« «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ»متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥ / ١٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.، هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي عليه الصلاة …

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: هذه ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، فما متعلق ﴿إِذْ﴾؟

متعلق ﴿إِذْ﴾ على أرجح الأقوال محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون، هذا أحسن ما قيل فيها، ولَّا بعضهم قال: إنها متعلقة بما قبلها ولقد عفا عنكم حين تصعدون، وبعضهم قال: ثم صرفكم عنهم حين تصعدون، ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم.

وقوله: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء، وهي غير تَصعدون بفتحها، لأن الصعود الرقي إلى أعلى؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠] وأما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية، يقال: أَصْعَدَ أي: ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة رضي الله عنهم، ومنهم من صعد الجبل، لكن المراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: أيش؟ تهربون سراعًا في أرض مستوية، لماذا؟ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد، والصعيد: وجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء ٤٣].

قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تعكُفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: ولم تلتفتوا؛ لأن اللَّيَّ أبلغ، اللَّيُّ: الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا خوفًا من قتل الكفار إياهم، فكانوا لا يلوون أحد هربوا، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبع مئة نفر من خيار المؤمنين يهربون، لا يبقى مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفر قليل.

وانظر أيضًا قال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الرسول ﷺ في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الأخر، يدعوكم؛ يا عباد الله، كروا، ارجعوا. ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة، ولكن الله سبحانه تعالى قد عفا عنهم، قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى.

﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ يعني: الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أُخْرَيَاتِ القوم، ليس كالملوك يأخذ الصدر، بل هو كالراعي يكون في الآخر يتفقد الرعية، إنسان يحتاج، إنسان تتخلف بعيره، يتخلف فرسه فيساعده، كما في قصة جابر رضي الله عنه، جابر لما رجعوا في سيرهم كان على جمل قد أعيا -ويش معنى أعيا؟ تعب ما يمشي- قال: فلحقني النبي عليه الصلاة والسلام، شوف هذا جمل تعبان بيصير في آخر الناس. ويقول: لحقني النبي -معناه أنه وراه أيضًا، وراء هذا الجمل التعبان- فلحقني فدعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًّا ودعا له، فسار سيرًا لم يسر مثله قط، الجمل -سبحان الله- هو بالأول تعبان ما يمشي إلا قليلًا، حتى كان جابر يرده في خطامه يسبق القوم، آية من آيات الله وآيات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «بِعْنِيهِ»، الرسول ﷺ طلب من جابر أن يبيعه عليه، «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ»، الأوقية كم؟ أربعون درهمًا أو خمسون درهمًا، ولكنه أبى، قال: ما أبيعه. شوف بالأول بيسيبه، يتركه والآن يساوم ها النبي عليه الصلاة والسلام (...) يبيع عليه، قال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، باعه على النبي ﷺ، لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة، فأعطاه النبي ﷺ شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي ﷺ عند باب المسجد قال له: «صَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فعل الرسول وأمره عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم، وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي ﷺ:« «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ»متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥ / ١٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.، هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي عليه الصلاة …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾.

أولًا: في الإعراب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ هذه جملة مؤكدة بـ(إن) و﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، اسم (إن). وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ هذه الجملة خبر (إن) ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ﴾.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القَسَم، واللام، وقد.

يقول الله عز وجل مخبرًا عن هؤلاء الذين تولّوا يوم أُحُد وانهزموا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الجمعان مُثنّى (جَمْع)، والمراد بهم جمع الرسول عليه الصلاة والسلام، وجمْع المسلمين بقيادة النبي ﷺ والكفار بقيادة أبي سفيان.

يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ يعني أدبروا وهربوا وهم أكثر الجيش، حتى إنه لم يبقَ مع النبي ﷺ إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم: أبو بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم، هؤلاء الذين تولوا يوم التقى الجمعان؛ أي: تلاقوا وجهًا لوجه: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ استزلّ: في الأصل طلب الزّلَّة؛ يعني إنما صدّهم الشيطان من أجل أن يطلب زلتهم، وقيل: إن استزل بمعنى (أزَلّ) يعني إنما أزلهم، والمراد بأزل أي: أوقعهم في الزلل، والزلل هو الخطأ والانحراف عن الصواب.

وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ اسم جنس، ولكل إنسان شيطان قرين له يأمره بالشر وينهاه عن الخير، والشيطان هنا يقولون: إنه مشتق من (شَطَن) إذا بعُد، لبعده عن رحمة الله، ومن أجل ذلك كان منصرفًا كما قال تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧]، وقال بعضهم: إنه من (شاط)، ولو كان كذلك لكان غير منصرف إذا قُصد به العلم؛ لأنه إذا كان من (شاط) صارت النون والألف زائدتين، وإذا كانت النون والألف زائدتين في علَم أو في وصف امتنع من الصرف.

﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ الباء هنا للسببية؛ أي: ببعض الذي كسبوه، وما هو الذي يكون سببًا لإغواء الشيطان من المكاسب؟ هو المعاصي؛ أي: أن لديهم ذنوبًا كانت سابقة، ثم إن الشيطان استزلهم بها، أي: أوقعهم في الزلل بسبب هذه الذنوب؛ لأن الذنوب تكون سببًا للذنوب الأخرى، ولهذا قال بعض السلف: إن من علامة قبول الحسنةِ الحسنةَ بعدها، ومن علامة ردها السيئة بعدها. فالإنسان إذا أذنب ذنبًا فإنه إن لم يتُب فإن الشيطان يوقعه في ذنب آخر، وهكذا حتى يصبح قد أحاطت به خطيئته والعياذ بالله، ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر؛ يعني تنتقل بالإنسان مرحلة بعد أخرى حتى يصل إلى قمة المعاصي؛ وهو الكفر.

ثم قال الله عز وجل لما بيّن خطأهم وأنهم هم السبب في هذا الخطأ قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وهذه كالتي سبَقت في قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فكرّر الله العفو مرتين. ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عن الذين تولوا، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، ويكون في الغالب في ترك الواجبات؛ يعني أن الله يعفو عمن ترك الواجب، والمغفرة تكون في من فعل المحرّم.

﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الغفور من أسماء الله، والحليم من أسمائه، والغفور معناه ذو المغفرة؛ وهي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن أصلها من (المِغفر)، وهو ما يُلبس على الرأس يُتّقى به السهام، وهو جامع بين الستر والوقاية، أما الحِلم فهو التأني وعدم السرعة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:

وَهوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ

فمعنى الحليم معناه: الممهل للعباد، المتأنّي في عقوبتهم.

* في هذه الآية من الفوائد: …

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٥٦].

فيها أولًا: ما يتعلق باللغة العربية قوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ اللام هل هي للتعدية؟ أي: تعدية القول أو لها معنى آخر؟

نقول: إن لها معنى آخر، وليست لتعدية القول؛ لأن إخوانهم قد ماتوا وقُتلوا فلا يمكن أن يُوجّه القول لهم، لكنها بمعنى (في)؛ أي قالوا: في إخوانهم، أو بمعنى (عن)؛ أي قالوا: عن إخوانهم.

أيضًا يقول: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران ١٥٦] ﴿غُزًّى﴾ جمع (غازي) على وزن (فُعَّل)، قال ابن مالك:

وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ ∗∗∗ وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ

عاذِل يقال: عُذَّل، غازي يقال: غُزّى، ويقال أيضًا: غُزاة كقاضٍ وقُضاة، لكن هنا نجعل غُزًّى جمع (غازي)، فما وزنها الصرفي؟

* طلبة: فاعل.. اسم فاعل..

* الشيخ: وزنها؟

* طالب: فُعَّل.

* طالب آخر: فاعل.

* الشيخ: غُزًّى ما هي غازي، غازي معروف أنها فاعل.

* طلبة: فُعَّل.

* الشيخ: فُعَّل، صح فُعَّل نعم. وكذلك أيضًا قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦] اللام هل هي للتعليل أو للعاقبة؟

* طالب: للعاقبة.

* الشيخ: للعاقبة؛ يعني يقال هذا القول ليجعل الله هذا القول حسرة في قلوبهم.

يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخطاب أو النداء موجّه للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ * وفائدة توجيه النداء إلى المؤمنين بهذا الخطاب:

* أولًا: الحث والإغراء على قبول ما يوجه إليهم وامتثاله؛ لأن وصف الإيمان يزيد الإنسان قوة وشجاعة كما لو قلت لشخص: يا أيها الرجل، افعل كذا وكذا؛ أي: لرجولتك افعل، وهذا سيعطيه قوة واندفاعًا في قبول ما توجه إليه.

* الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان.

* الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان؛ لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان كان مخالفته من نواقص الإيمان، أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبيه والعناية بما يُذكر، ولهذا قال ابن مسعود: «إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمعَك؛ فإما خيرٌ تؤمر به وإما شرٌّ تُنهى عنه»أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد (ص: ١٣٠)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٩٦) من حديث عبد الله بن مسعود.

الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان.

* الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان؛ لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان كان مخالفته من نواقص الإيمان.

أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبيه والعناية بما يُذكر؛ ولهذا قال ابن مسعود: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٨٨٦) (٣ / ٤٠٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿آمَنُوا﴾ الإيمان شرعًا هو الإقرار المتضمِّن للقبول والإذعان، فالإقرار المجرد لا يسمى شرعًا إيمانًا، بل لا بد من قبول وإذعان، قبول ضد الرفض، والإذعان ضد الاستكبار.

يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مثل الذين كفروا.

ثم قال: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ وهذا لا شك أنه من جملة كفرهم؛ لأنه دال على ضعف الإيمان.

وقوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ قال بعض المفسرين: إخوانهم في النسب. وقال بعض المفسرين: إخوانهم في الكفر. والثاني أقرب، أي قالوا في شأن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

* طالب: إذا كان العدو أقوى قوة عدة وليس عددًا فهل يجوز الفرار؟

* الشيخ: أما الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال …

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟

* الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.

* الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟

* الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ .

* الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم.

الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟

* طالب: نعم، القراءة الثانية.

* الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟

* الطالب: الياء.

* الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب.

وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟

* طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾.

* الشيخ: أيهما السابق؟

* الطالب: الواو، واو القسم.

* الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟

* الطالب: القسم.

* الشيخ: القسم؟

* طالب: جواب المتأخر على الشرط.

* الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

(واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم).

هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف.

فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟

الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية.

ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل.

وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ …

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟

* الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.

* الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟

* الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ .

* الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم.

الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟

* طالب: نعم، القراءة الثانية.

* الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟

* الطالب: الياء.

* الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب.

وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟

* طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾.

* الشيخ: أيهما السابق؟

* الطالب: الواو، واو القسم.

* الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟

* الطالب: القسم.

* الشيخ: القسم؟

* طالب: جواب المتأخر على الشرط.

* الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

(واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم).

هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف.

فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟

الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية.

ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل.

وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ …

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟

* الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.

* الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟

* الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ .

* الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم.

الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟

* طالب: نعم، القراءة الثانية.

* الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟

* الطالب: الياء.

* الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب.

وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟

* طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾.

* الشيخ: أيهما السابق؟

* الطالب: الواو، واو القسم.

* الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟

* الطالب: القسم.

* الشيخ: القسم؟

* طالب: جواب المتأخر على الشرط.

* الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

(واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم).

هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف.

فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟

الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية.

ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل.

وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

طالب: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ﴾.﴾

* الشيخ: أعد لأن يأت جواب الشرط لازم تكون متصلة باللي قبلها.

* الطالب: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران ١٦٠ - ١٦٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.

هذه الجملة جملة شرطية، فعل الشرط فيها مضارع مجزوم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾، وجواب الشرط فيها جملة اسمية مصدرة، مصدرة بلا، لماذا اقترنت الفاء فيها؟

* طالب: (لا النافية).

* الشيخ: النفي طيب مصدرة بـ(لا) ولّا بالنفي؟

* طالب: بـ(لا النافية).

* طالب آخر: (...).

﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ يا أخي، وين لن؟ ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ مصدرة بإيش؟

* طالب: بـ(لا النافية).

* الشيخ: بـ(لا النافية)، و(لا النافية) هل إذا كانت صدرًا لجواب الشرط يقترن الجواب بالفاء جوازًا أو وجوبًا؟

* طالب: وجوبًا.

* الشيخ: وجوبًا، هل عندك من دليل من كلام العلماء؟

* الطالب: فيه بيت لكن..

* الشيخ: فما هو البيت؟

* الطالب:

اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

* الشيخ: وبما وقد، وين (لا)؟

* طالب: (...).

* الشيخ: جواب (ما) وهذا لم (...)، الواقع أن: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ جملة اسمية، فهمت؟ ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أيضًا الجملة هذه جملة الشرطية فعل الشرط فيها فعل مضارع، وجواب الشرط فيها جملة استفهامية مرتبطة بالفاء وجوبًا أو جوازًا؟

* طالب: وجوبًا.

* الشيخ: وجوبًا لماذا؟

* الطالب: لأن (...).

* الشيخ: تكملة (...) آية: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي﴾؟ لأن الجملة اسمية، صح؟

وقوله: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فيها: (من) و(ذا) و(الذي)، فهل (ذا) التي بعد (من) اسم موصول أو ملغاة؟

* طالب: ملغاة.

* الشيخ: لماذا؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لأنه أتى بعدها اسم موصول، و(ذا) التي بعد (من) تكون اسمًا موصولًا بشرط أن لا يأتي بعدها اسم موصول، فإن أتى بعدها اسم موصول تعين أن تكون ملغاة، وقال بعض النحويين: لا يتعين أن تكون ملغاة ويكون اسم الموصول الثاني توكيدًا لاسم الموصول الأول، كأن يقال: فمن الذي الذي ينصركم من بعده؟ هذا ما يتعلق بالآية من حيث الإعراب.

أما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقد سبق الكلام على مثلها.

يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ يعني: إذا قدَّر الله نصركم فإنه لن يغلبكم أحد، وإنما قلت: إن يقدر الله نصركم؛ لأنه لو كان المراد النصر بالفعل لم يكن لقوله: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ فائدة، لأن النصر قد حصل، وعلى هذا فيكون المعنى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾ أي: إن يُقَدِّر نصركم، وهذا نظير قول النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ»أخرجه أبو داود (٤٦٩٩) من حديث أبي بن كعب، والحاكم (٦٤٣٧) من حديث ابن عباس واللفظ له. فهذا قال بعض العلماء: أن ما أصابك أي ما قُدِّر أن يصيبك، لأن ما أصابك بالفعل قد حصل، فلا يستقيم قوله: «لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» » ولكن الصحيح أن الحديث على ظاهره، أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، يعني: أن الأمر لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع، فما أصابك لم يكن ليخطئك أبدًا فلا حاجة …

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.