Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 131–140 of 200

131

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

يقول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ عز وجل سبق الكلام عليها بأن معناها فعل الأوامر وترك النواهي، لكن تَعَبُّدًا لله؛ تفعل الأوامر تَعَبُّدًا لله، وتترك النواهي تَعَبُّدًا لله وتذللًا له.

أما قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ فهي تقوى من نوع آخر؛ وهي أن تتخذ ما يقيك منها كما تتخذ ما يقيك من الحر في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١] فليس تقوانا للنار تقوى عبادة وتذلل كتقوانا لله، فاللفظ واحد والمعنى مختلف، فتقوى النَّارَ معناه أن نتخذ حجابًا دونها حتى لا يصيبنا لفحها، هذا هو تقوى النار، وليست كتقوى الله التي هي تقوى تذلل وعبادة.

﴿اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ هذه النار ورد في الكتاب والسنة من أوصافها وأوصاف عذابها ما تنخلع له القلوب، وبَسْطُ هذا معروف.

﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾ أي: هُيِّئَت لهم، والمعدّ لها هو الله عز وجل. وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أصل الكفر في اللغة الستْر، ومنه: الكُفُرَّى الذي نسميه (الكافور)؛ وهو وعاء طلع النخل، هذا أصله في اللغة، أما في الشرع فإنه جحْد الإنسان لنعمة الله عز وجل، وأعظمه الكُفر الْمُخرج عن الملة، وهناك كفر دونه كما ذُكِر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كُفْرٌ دُونَ كُفرٍ»أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨) والسنن الكبرى للبيهقي (١٥٨٥٤) من حديث ابن عباس. .

وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني الكافرين بما يجب الإيمان به، وأركان الإيمان وأصوله الستة بيَّنها الرسول ﷺ في قوله: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب..

* في هذه الآية من الفوائد: وجوب اتخاذ ما يقي من النار؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ والأصل في الأمر الوجوب.

* ومن فوائدها: أن النار موجودة، موجودة الآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾.

* ومن فوائدها: أن أهل النار هم الكافرون؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أما الفُسَّاق الذين يُعذَّبون بالنار على قدر أعمالهم، ثم يُخرَجون منها فإن النار لم تُعدَّ لهم، حتى إن بعض العلماء قال: إن النار ناران: نار الكافرين، ونار العصاة، ولكن ظاهر النصوص خلاف ذلك، وأن النار واحدة، لكن عذابها يُخفّف ويُثَقَّل بحسب عمل الإنسان.

Aal-i-Imraan 3:131Listen in Qur'an →
132

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And obey Allah and the Messenger that you may obtain mercy.

ثم قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الجملة هنا معطوفة على ما سبق.

قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الطاعة: هي موافقة الأمر، موافقة الأمر فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، فمن ترك مأمورًا به فليس بطائع، ومن فعل منهيًّا عنه فليس بطائع، وأصلها من الطَّوْع وهو الانقياد، ومنه قولهم: هذه ناقة طَوْع أي: منقادة لقائدها لا تستعصي عليه.

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الرسول هنا فيه (أل)، فهل هي للجنس أو للعهد؟

* طالب: للعهد.

* الشيخ: هي للعهد؛ لأن هذا الخطاب موجّه لهذه الأمة، وهذه الأمة رسولها واحد وهو محمد ﷺ، فتكون (أل) هنا للعهد، والأخ يبين لنا أي أنواع العهد؟ إي نعم، أي أنواع العهد في قوله: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؟

* طالب: العهد الذهني.

* الشيخ: العهد الذهني، وذلك أن العهد ثلاثة أنواع: ذِهني، وذِكْري، وحضوري، فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فهو ذكري مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦].

وإن كانت تشير إلى شيء حاضر فهي للعهد الحضوري، مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]. وهكذا كل (أل) تأتي بعد اسم الإشارة، فإن كل (أل) تأتي بعد اسم الإشارة فهي للعهد الحضوري، مثل: هذا الرجل، هذا الإنسان، وما أشبه.

والثالث: العهد الذهني الذي يكون معلومًا بالذهن، فهنا الرسول هو محمد ﷺ وهو معهود ذهنًا.

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل وليست للترجّي، و(لعل) تأتي كما مر علينا كثيرًا تأتي للتعليل وللإشفاق وللترجّي، وتأتي للتمني أحيانًا، والفرق بين التمنّي والترجي: أن الترجي فيما يُرجى حصوله، والتمني فيما لا يُرجى حصوله، إما لعُسره وإما لتعذّره، وهنا للتعليل؛ يعني إذا أطعتم الله والرسول حصلت لكم الرحمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والرحمة يكون بها حصول المطلوب وزوال المكروه، وإذا قُرِنَت بالمغفرة صارت المغفرةُ لزوال المكروه، والرحمةُ لحصول المطلوب، أي: لعلكم تكونون في رحمة الله التي بها النجاة وحصول الثواب والأجر الكثير.

* في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب طاعة الله ورسوله، تؤخذ يا أخ؟

* طالب: من قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.

* الشيخ: ما وجه الأخذ أَخْذِها من ذلك؟

* طالب: قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.

* الشيخ: إي، لكن ما وجه الأخذ؟

* الطالب: الآية تأمر بطاعة الله والرسول.

* الشيخ: والأصل في الأمر؟

* الطالب: الوجوب.

* الشيخ: الأصل في الأمر الوجوب.

* ومن فوائدها: جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركًا بينهما؛ لقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أما الأمر الذي لا يكون مشتركًا بينهما وهو الأمر الكوني القَدَري فهذا لا يُذكَر الرسول مع الله إلا بحرف يدل على الترتيب، وبهذا نعرف الفرق بين إسناد الشيء الشرعي إلى الله ورسوله وبين إسناد الكوني إلى الله ورسوله، فإسناد الشيء الشرعي يجوز بالواو، وأما الكوني فلا يجوز إلا بـ(ثم) الدالة على الترتيب والمهلة.

فإذا قلت في أمر شرعي: الله ورسوله أعلم، فهذا صحيح وجائز، وقد أقره النبي ﷺ نفسه، فإنه في حديث زيد بن خالد الجهني: «أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٣٨)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.. فأقرهم؛ لأن المراد هنا العلم الشرعي، لكن في المسائل الكونية لما قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ، أنكر عليه وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»أخرجه أحمد (٢٥٦١) من حديث ابن عباس، بلفظ: «جعلتني لله عدلًا»..

* من فوائد هذه الآية: أن طاعة …

Aal-i-Imraan 3:132Listen in Qur'an →
133

۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إلى آخره.

﴿سَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].

﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»أخرجه البخاري (٢٤٤١) من حديث ابن عمر. فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.

﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.

وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ مغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.

* الشيخ: حصول المطلوب؟

* الطالب: بالجنة.

* الشيخ: بالجنة، ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾. وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الثانية: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، …

Aal-i-Imraan 3:133Listen in Qur'an →
134

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

Who spend [in the cause of Allah] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allah loves the doers of good;

ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إلى آخره.

﴿سَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].

﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»أخرجه البخاري (٢٤٤١) من حديث ابن عمر. فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.

﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.

وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ مغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.

* الشيخ: حصول المطلوب؟

* الطالب: بالجنة.

* الشيخ: بالجنة، ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾. وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الثانية: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، …

Aal-i-Imraan 3:134Listen in Qur'an →
135

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allah and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allah? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو هذه حرف عطف، والأصل في المعطوف أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه، ولكن المغايرة قد تكون في المعنى، وقد تكون في الصفة، وقد تكون في اللفظ، وقد تكون في الذات، فلا يلزم من المغايرة إذا قلنا: إن العطف يقتضي المغايرة أن يكون المغايرة بالذات، بل قد يكون التغاير في الصفة وفي اللفظ وفي المعنى، فإذا قلنا: قدم زيد وعمرو، فهنا العطف اقتضى المغايرة في الذات؛ لأن هذا غير هذا لا شك، وفي هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ المغايرة بالصفة فهي كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ١ - ٤]، هل الذي قدّر فهدى والذي أخرج المرعى هو الله ولَّا غيره؟ هو الله، لكن هذا عطف صفة على صفة، التغاير في اللفظ مثل قول الشاعر:

فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنا ∗∗∗ ......................

كذبًا ومينًا، المين هو الكذب، ولكنه عطفه عليه من باب عطف المترادفين، ولهذا لا يأتي في اللغة العربية (كذبًا وكذبًا)، إنما يأتي (كذبًا ومينًا)، لا بد من تغاير في اللفظ.

التغاير في المعنى قريب من التغاير في الصفة، فالذي معنا الآن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ من باب تغاير الصفة.

من صفاتهم أنهم ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿فَاحِشَةً﴾ هي ما يُستفحش شرعًا أو عرفًا مثل الزنا، فإن الزنا فاحشة شرعية وفاحشة عرفية، واضح؟ كذلك اللواط فاحشة شرعية وعرفية، قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، كذلك نكاح ما نكح الآباء هو أيضًا فاحشة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء ٢٢] ولهذا نقول: الفاحشة كل ما يستفحش عقلًا أو شرعًا وعادة، ولكن في باب الثواب والعقاب المرجع إلى الشرع، ولهذا قال بعض العلماء: المراد بالفاحشة الكبيرة، المراد الكبيرة.

وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ المراد به ما دون الفاحشة؛ وهي الصغائر، وعلى هذا فالعطف بين قوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ عطف بين متغايرين، وليس من باب عطف العام على الخاص، وإن كانت الفاحشة لا شك أنها داخلة في ظلم النفس، لكن المراد هنا التنويع: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وإذا كان المراد التنويع لزم أن يكون كل نوع سوى النوع الآخر.

وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قد يقول قائل: كيف يتصوّر أن الإنسان يظلم نفسه؟ الإنسان يدفع عن نفسه الظلم، فكيف يظلم نفسه؟!

والجواب على ذلك أن نقول: كل من خالف أمر الله بفعل محرّم أو ترك واجب فقد ظلم نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق ١]، لماذا؟ لأن النفس عندك أمانة تجب عليك رعايتها، وقد أوصاك الله بها فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩].

وقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهى الله عن قتل النفس وعن ظلم النفس؛ لأنها أمانة عندك.

وبالمناسبة قال العلماء: إن الله أرحم بك من أبيك وولدك ونفسك، الدليل؟ أما كونه أرحم بك من أبيك فإن الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، فأوصى الآباء والأمهات بمن؟ بالأولاد، إذن فهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وأما بالعكس أن يكون أرحم بك من أبنائك فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت ٨]، وأما أرحم بك من نفسك فلأن الله …

Aal-i-Imraan 3:135Listen in Qur'an →
136

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

ثم قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أولئك هنا إشارة وخطاب، الإشارة مأخوذة من قوله: (أولاء)، والخطاب من قوله: (أولئك) الكاف، ويجب أن نعلم من حيث اللغة العربية أن اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وأما كاف الخطاب فبحسب من؟ المخاطَب، ثم إذا كانت بحسب المخاطب فهل تبقى مفردة مفتوحة مبنيّة على الفتح؟ أو تكون بحسب المخاطب تذكيرًا وتأنيثًا وتثنية وجمعًا وإفرادًا؟ أو تكون بالفتح للمذكر مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟ وبالكسر للمؤنث مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟

في هذا ثلاث لغات للعرب:

اللغة الأولى: أنها لازمة للفتح باعتبار أن المخاطب اسم جنس، فإذا قلت: (ذلكَ) تخاطب اثنين فالمعنى أنك تخاطبهما باعتبار جنس الذكور، أو باعتبار جنس الشخص.

والثاني: أنها بالفتح للمذكر مطلقًا وبالكسر للمؤنث مطلقًا، ويش معنى الإطلاق؟ حال التثنية والجمع والإفراد.

والثالث؛ وهو الأفصح: أنها بحسب المخاطب مطلقًا، فإن كان مفردًا مذكرًا فهي بالفتح مفردة، إذا كان مثنى فهي بالتثنية، إذا كان جماعة ذكور فهي بالميم تقترن بالميم؛ جماعة إناث تقترن بالنون.

﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ [يوسف ٣٢] لأنها تخاطب جماعة نسوة. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧] يخاطب اثنين. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] يخاطب جماعة ذكور، هذا هو الأفصح، فهنا يقول: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ أولئك الخطاب لمن؟ لواحد؛ يعني أولئك أيها المخاطب، فالخطاب لواحد والإشارة لجمع؛ يعني أولئك المتقون أيها المخاطب ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ أي: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يكون بها النجاة من النار ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ يكون بها حصول المطلوب في جنات النعيم. ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: عفو وتجاوز عن الذنوب وستر عن الخلق ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ جنات جمع؛ لأن الجنة درجات كثيرة، ومنازل متنوعة يختلف الناس فيها بحسب أعمالهم،« وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة يتراءون الغرف كما نتراءى الكوكب الدري الغابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، » قال: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ»متفق عليه؛ البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١ / ١١) من حديث أبي سعيد الخدري.. اللهم اجعلنا منهم، هذه المنازل يختلف الناس فيها، أهل الجنة يتراءونها مثل ما نرى الكوكب الدريّ المضيء الغابر في الأفق بعيد جدًّا ليس فوق مسامة الرؤوس بل هو بعيد، فهي درجات ولهذا تجمع، وأعلى ما فيها الفردوس؛ لأن فوقه عرش الله جل جلاله، وهو وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة.

﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ووصف الله بأنها جنات؛ لأن فيها من أنواع النعيم ما لا يخطر على البال، فهي دار لا يمكن أن يدرك الإنسان كنهها وحقيقتها؛ لأنها أعظم من أن تدركها مخيلتنا، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة..

وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من تحتها قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها لا من تحت أرضها؛ لأنه لو كان من تحت أرضها لكانت في الأسفل في قعر، ولكنها تمشي على سطح أرض الجنة إلا أنها تحت القصور والأشجار ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وقد ورد في الحديث أن هذه الأنهار تجري بلا أخدود وبلا حفر، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:

أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

تجري …

Aal-i-Imraan 3:136Listen in Qur'an →
137

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران ١٣٧ - ١٤١].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ جملة محقّقة بـ(قد)؛ لأن قد إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق، وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل، وقد تفيد التحقيق بالقرائن، فقول القائل: قد يجود البخيل. هذه للتقليل، وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، هذه تفيد التحقيق، أما إذا دخلت على الماضي فإنها تكون للتحقيق، كقول المقيم: قد قامت الصلاة.

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ الخطاب لهذه الأمة، والسنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها سنن الله عز وجل في المكذبين حيث يأخذهم ويدمرهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، قال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني أهلكهم وأبادهم، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ من هذه الأمة، إذن سنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها طريق الله تعالى في المكذبين للرسل حيث تكون عاقبتهم الهلاك والدمار.

وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الفاء) هنا للترتيب وهي عاطفة، عطف جملة على جملة، و(سيروا) فعل أمر من السير وهو المشي، والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكّر، أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة، السابقة عليه زمنًا، وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، فالإنسان يسير بقلبه ويسير بقدمه، أما سيره بقلبه فهو أن يتفكر في عاقبة من مضى زمنًا، وفي عاقبة من مضى مكانًا، فمثلًا ديار ثمود موجودة الآن، يفكر الإنسان فيها زمنًا أو مكانًا؟ يفكر فيها مكانًا وزمانًا، فينظر كيف كان عاقبتهم، السير بالقدم قد يكون أشد وقعًا من السير بالقلب؛ لأن الإنسان يصل به إلى حق اليقين والمشاهدة بالعين، والسير بالقلب أعم وأشمل؛ لأن الإنسان يصل به إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بالسير قدمًا، أليس كذلك؟

وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (في) للظرفية، ولكنها عند المفسرين هنا بمعنى (على)، أي: سيروا على الأرض؛ لأن السير في جوف الأرض غير ممكن وغير مفيد أيضًا، وإنما يفيد السير على ظاهر الأرض. وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض من سبق، فـ(أل) هنا للعهد، للعهد المفهوم من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: سيروا في أرضهم، وانظروا كيف كانت عاقبتهم.

وقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ انظروا بعين البصر أو بعين البصيرة أو بهما؟ بهما جميعًا، فإن وصل إلى مكان هؤلاء الأمم فالنظر يكون بعين البصر وبعين البصيرة، وإن لم يصل، ولكنه فكر في قلبه فالنظر يكون بعين البصيرة؛ لأن البصر لا يمكن أن يصل إليه وهو ينظر في قلبه. …

Aal-i-Imraan 3:137Listen in Qur'an →
138

هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ

This [Qur'an] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allah.

ثم قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٨]، هذا المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٣]؟

في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنه عائد للقرآن؛ لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه، فيكون هذا - أي القرآن- بيانًا للناس.

ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب مذكور، إلى ما ذُكِر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأولى الأول؛ أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا هذا يعود على القرآن كله صارت من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى آخره.

وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿بَيَانٌ﴾ مصدر، بل اسم مصدر (بَيَّن، يُبَيِّن)، المصدر (تبيينًا)، مثل بدّل يبدّل تبديلًا، ولكن البيان اسم مصدر، مثل كلّم يكلّم تكليمًا، واسم المصدر كلام، وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان، وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، حطوا بالكم، إذا عبرنا بالصفة عن الموصوف فهذا من باب المبالغة كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل: فلان عدل، أبلغ من قولهم: فلان ذو عدل، كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة، إذن فالقرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ مَن الناس؟ كل الناس، كل من قرأ القرآن تبين له ما دل عليه القرآن؛ ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ لا، ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هدى بمعنى دلالة يستدل به المتقي، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يُخاف منه، أو ذكر ما يُرغب فيه، فهو ﴿هُدًى﴾ يعني دلالة، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ يعني امتثالًا.

فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف: وصف عام، ووصفان خاصان؛ الوصف العام هو: بيان للناس، والخاصان: هدى وموعظة؛ فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون، أما من ليس كذلك فهو عليهم عمى - والعياذ بالله - عليهم عمى، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥]، فسبحان الله كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة لا تشرب الماء ولكن تحفظ الماء فينتفع به الناس، ومنها أرض سبخة قيعان تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها تكون زلقًا ودحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس لا بماء تحبسه ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن، القرآن بالنسبة للناس منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به بل لا يزداد إلا عمى وضلالة؛ لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩]، (لا) هذه ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا)، وأصله (تهنون)، فحذفت النون من أجل الجزم، ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ الخطاب لهذه الأمة وعلى رأسها نبينا ﷺ وأصحابه، والوهن الضعف، يعني لا تضعفوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] لا تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابكم، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فذكر …

Aal-i-Imraan 3:138Listen in Qur'an →
139

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

ثم قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٨]، هذا المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٣]؟

في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنه عائد للقرآن؛ لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه، فيكون هذا - أي القرآن- بيانًا للناس.

ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب مذكور، إلى ما ذُكِر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأولى الأول؛ أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا هذا يعود على القرآن كله صارت من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى آخره.

وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿بَيَانٌ﴾ مصدر، بل اسم مصدر (بَيَّن، يُبَيِّن)، المصدر (تبيينًا)، مثل بدّل يبدّل تبديلًا، ولكن البيان اسم مصدر، مثل كلّم يكلّم تكليمًا، واسم المصدر كلام، وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان، وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، حطوا بالكم، إذا عبرنا بالصفة عن الموصوف فهذا من باب المبالغة كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل: فلان عدل، أبلغ من قولهم: فلان ذو عدل، كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة، إذن فالقرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ مَن الناس؟ كل الناس، كل من قرأ القرآن تبين له ما دل عليه القرآن؛ ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ لا، ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هدى بمعنى دلالة يستدل به المتقي، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يُخاف منه، أو ذكر ما يُرغب فيه، فهو ﴿هُدًى﴾ يعني دلالة، ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ يعني امتثالًا.

فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف: وصف عام، ووصفان خاصان؛ الوصف العام هو: بيان للناس، والخاصان: هدى وموعظة؛ فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون، أما من ليس كذلك فهو عليهم عمى - والعياذ بالله - عليهم عمى، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥]، فسبحان الله كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة لا تشرب الماء ولكن تحفظ الماء فينتفع به الناس، ومنها أرض سبخة قيعان تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها تكون زلقًا ودحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس لا بماء تحبسه ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن، القرآن بالنسبة للناس منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به بل لا يزداد إلا عمى وضلالة؛ لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩]، (لا) هذه ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا)، وأصله (تهنون)، فحذفت النون من أجل الجزم، ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ الخطاب لهذه الأمة وعلى رأسها نبينا ﷺ وأصحابه، والوهن الضعف، يعني لا تضعفوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] لا تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما أصابكم، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فذكر …

Aal-i-Imraan 3:139Listen in Qur'an →
140

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allah may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allah does not like the wrongdoers -

ثم قال تعالى مسليًا الصحابة رضي الله عنهم بقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران ١٤٠] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ وفيها قراءة: ﴿قُرْحٌ﴾ في الموضعين: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ فقيل: معناهما واحد، وأن القَرح والقُرح هو الجرح، وقيل: إن القُرح الجرح، والقَرح ألم الجرح، والقولان وإن قلنا باختلافهما متلازمان؛ لأن القَرح من لازم الجرح الذي هو القُرح، فالإنسان المقروح لا بد أن يكون متألمًا، يعني إن يمسسكم جراح وألم فقد مس القوم قَرح مثله يعني جراح وألم؛ قال الله تعالى في نفس سياق الآيات: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٥]، فإذا كان أصابتكم مصيبة فقد أصبتم مثليها في أُحُد، قُتِل منكم سبعون، لكن في بدر قُتل من عدوكم سبعون وأُسِر سبعون، ضِعف، هنا يقول: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، وفي هذا تسلية للمؤمنين؛ لأن الإنسان إذا علم أن عدوه أصابه مثل ما أصابه فإنه تهون عليه المصيبة، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَوْلِـــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّــــــــيوإلى هذا أشار الله في القرآن فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، فاشتراككم في العذاب لم ينفعكم ولم يخفف عنكم الألم، لكن الله عز وجل يقول للمؤمنين إن كنتم قد أُصِبْتُم بقَرح فقد أصيب عدوكم بقرح مثله، بل في آية أخرى يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء ١٠٤] شوف التسلية أعظم، ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي في طلبهم، يعني لا تضعفوا في طلبهم، اطلبوهم اقتلوهم، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء ١٠٤] صدق الله، أليس كذلك؟ ويش بعد؟ ﴿وَتَرْجُونَ﴾ هذه نكتة ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤] هذه الفائدة العظيمة، هم لا يرجون شيئًا، إنما يريدون علوًّا واستكبارًا، خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس، وأنتم ترجون أيش؟ ترجون الجنة، ترجون الشهادة، ولهذا قال: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والصحابة ماذا قالوا لأبي سفيان في أُحُد لما قال: «يوم بيوم بدر والحرب سجال»، يعني مرة لنا ومرة علينا، قالوا: «لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار »[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩)، وأحمد (٢٦٠٩)واللفظ له من حديث عبد الله بن عباس.

]] - والعياذ بالله - إذن فالمؤمنون لا يظنون أن عدوهم لا يصيبه ألم، لا يصيبه قرح، يصيبه، لا يهولهم دعايته الكاذبة أنه سيفعل ويفعل ويفعل، لا، لا يهولهم، إذا قُتِل منهم واحد ذاقوا ألم هذا المقتول كما أنه لو قُتِل منا واحد فإنّا ذقنا ألمه، لكن نحن نرجو من الله ما لا يرجون، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ هذه بهذه.ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ﴿تِلْكَ﴾ اسم إشارة، يعني: هذه الأيام نداولها بين الناس، يعني نجعلها دولًا، تارة يُدال هذا على هذا، وتارة يدال هذا على ذاك، وانظر إلى قوله: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ حيث أتت بصيغة نون العظمة إشارة إلى أن الله عز وجل لكمال سلطانه وكبريائه يديل الناس بعضهم على بعض، فتارة تكون الأيام لهؤلاء، وتارة تكون الأيام لهؤلاء، فالله عز وجل هو الذي بيده الأمر، حتى إن الدولة تكون في بعض الأحيان لأعدائه على أوليائه لحكم يريدها، بيّنها بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها.

* طالب: بالنسبة لجهاد الكفار الآن في زماننا …

Aal-i-Imraan 3:140Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.