Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

(قاعِدَة جليلة)

أصل الخَيْر والشَّر من قبل التفكّر فَإن الفِكر مبدأ الإرادَة والطلب في الزّهْد والتّرْك والحب والبغض وأنفع الفِكر الفِكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فَهَذِهِ أرْبَعَة أفكار هي أجلّ الأفكار ويليها أرْبَعَة فكّر في مصالح الدُّنْيا وطرق تَحْصِيلها وفكّر في مفاسد الدُّنْيا وطرق الِاحْتِراز مِنها فعلى هَذِه الأقْسام الثَّمانِية دارت أفكار العُقَلاء ورَأس القسم الأول الفِكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونَهْيه وطرق العلم بِهِ وبأسمائه وصِفاته من كِتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهَذا الفِكر يُثمر لصاحبه المحبَّة والمعرفة فَإذا فكر في الآخِرَة وشرفها ودوامها وفي الدُّنْيا وخستها وفنائها أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة في الآخِرَة والزهد في الدُّنْيا وكلما فكّر في قصر الأمل وضيق الوَقْت أورثه ذَلِك الجدّ والِاجْتِهاد وبذل الوسع في اغتنام الوَقْت وهَذِه الأفكار تعلي همّته وتحييها بعد مَوتها وسفولها وتجعله في واد والنّاس في واد وبإزاء هَذِه الأفكار الأفكار الرَّديئَة الَّتِي تجول في قُلُوب أكثر هَذا الخلق كالفكر فِيما لم يُكَلف الفِكر فِيهِ ولا أعْطى الإحاطَة بِهِ من فضول العلم الَّذِي لا ينفع كالفكر في كَيْفيَّة ذات الرب وصِفاته مِمّا لا سَبِيل للعقول إلى إدْراكه ومِنها الفِكر في الصناعات الدقيقة الَّتِي لا تَنْفَع بل تضر كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومِنها الفِكر في العُلُوم الَّتِي لَو كانَت صَحِيحَة لم يُعْط الفِكر فِيها النَّفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكْثر عُلُوم الفلاسفة الَّتِي لَو بلغ الإنْسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يزك نَفسه ومِنها الفِكر في الشَّهَوات واللَّذّات وطرق تَحْصِيلها وهَذا وإن كانَ لنَفس فِيهِ لَذَّة لَكِن لا عاقِبَة لَهُ ومضرّته في عاقِبَة الدُّنْيا قبل الآخِرَة أضْعاف مسرّته ومِنها الفِكر فِيما لم يكن لَو كانَ كَيفَ كانَ يكون كالفكر فِيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضَيْعَة ماذا يصنع وكَيف يتصرّف ويَأْخُذ ويُعْطِي وينتقم ونَحْو ذَلِك من أفكار السّفل ومِنها الفِكر في جزيئات أحْوال النّاس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذَلِك من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله ورَسُوله والدّار الآخِرَة ومِنها الفِكر في دقائق الحِيَل والمَكْر الَّتِي يتَوَصَّل بها إلى أغراضه وهواه مُباحَة كانَت أو مُحرمَة ومِنها الفِكر في أنْواع الشّعْر وصروفه وأفانينه في المَدْح والهجاء والغزل والمراثي ونَحْوها فَإنَّهُ يشغل الإنْسان عَن الفِكر فِيما فِيهِ سعادته وحياته الدائمة ومِنها الفِكر في المقدرات الذهنية الَّتِي لا وجود لَها في الخارِج ولا بِالنّاسِ حاجَة إلَيْها ألْبَتَّةَ وذَلِكَ مَوْجُود في كل علم حَتّى في علم الفِقْه والأُصُول والطب فَكل هَذِه الأفكار مضرّتها أرجح من مَنفَعَتها ويكتفي في مضرّتها شغلها عَن الفِكر فِيما هو أولى بِهِ وأعود عَلَيْهِ بالنفع عاجلا وآجلا.

(فصل)

عَن بعض السّلف أنه قالَ تفكر ساعَة خير من عبادَة سِتِّينَ سنة

وسأل رجل أم الدَّرْداء بعد مَوته عَن عِبادَته فَقالَت كانَ نَهاره أجمعه في بادية التفكر.

وَقالَ الحسن تفكر ساعَة خير من قيام لَيْلَة.

وَقالَ الفضل التفكر مرْآة تريك حَسَناتك وسيئاتك.

وَقيل لإبراهيم إنَّك تطيل الفكرة؟ فَقالَ الفكرة مخ العقل.

وَكانَ سُفْيان كثيرا ما يتَمَثَّل:

؎إذا المَرْء كانَت لَهُ فكرة ∗∗∗ فَفي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة

وَقالَ الحسن في قوله تَعالى: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون في الأرض بِغَيْر الحق﴾

قالَ أمنعهم التفكر فِيها.

وَقالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب المُتَّقِينَ بفكرها إلى ما قدر في حجب الغَيْب من خير الآخرة لم يَصْف لَهُم في الدُّنْيا عَيْش ولم تقر لَهُم فِيها …

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

Explained together with ayah 191

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

والمعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة.

وقالت طائفة معناه وآتنا ما وعدتنا على الإيمان برسلك.

وليس يسهل حذف الاسم والحرف معا إلا أن يقدر على تصديق رسلك وطاعة رسلك وحينئذ فيتكافأ التقديران ويترجح الأول بأنه قد تقدم قولهم ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمرسل ثم توسلوا إليه بإيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على السنة الرسل فإنهم إنما سمعوا بوعدهم لهم بذلك من الرسل، وذلك أيضا يتضمن التصديق بهم وأنهم بلغوهم وعده فصدقوا به وسألوه أن يؤتيهم إياه وهذا هو الذي ذكره السلف والخلف في الآية.

وقيل المعنى آتنا ما وعدتنا من النصر والظفر على ألسنة الرسل. والأول أعم وأكمل.

وتأمل كيف تضمن إيمانهم به والإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده وأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق وعده والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم تعالى، فبذلك صح لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه.

وقد أشكل على بعض الناس سؤالهم أن ينجز لهم ما وعدهم مع أنه فاعل لذلك ولا بد.

وأجاب بأن هذا تعبد محض كقوله: ﴿رَبِّ احْكم بِالحَق﴾ وقول الملائكة: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ وخفي على هؤلاء أن الوعد معلق بشروط منها الرغبة إليه سبحانه وتعالى وسؤاله أن ينجزه لهم كما أنه معلق بالإيمان وموافاتهم به وأن لا يلحقه ما يحبطه فإذا سألوه سبحانه أن ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده كان هذا الدعاء من أهم الأدعية وأنفعها وهم أحوج إليه من كثير من الأدعية.

وأما قوله ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ فهذا سؤال له سبحانه وتعالى أن ينصرهم على أعدائهم فيحكم لهم عليهم بالنصر والغلبة

وكذلك سؤال الملائكة ربهم أن يغفر للتائبين هو من الأسباب التي يوجب بها لهم المغفرة فهو سبحانه نصب الأسباب التي يفعل بها ما يريده بأوليائه وأعدائه وجعلها أسبابا لإرادته كما جعلها أسبابا لوقوع مراده فمنه السبب والمسبب، وإن أشكل عليك ذلك فانظر إلى خلقه الأسباب التي توجب محبته وغضبه فهو يحب ويرضى ويغضب ويسخط عبر الأسباب التي خلقها وشاءها فالكل منه وبه، فهو مبتدأ من مشيئته وعائد إلى حكمته وحده وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد لا يلجه إلا العالمون بالله.

ونظير هذه الآية في سؤاله ما وعد به قوله تعالى ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾

يسأله إياه عباده المؤمنون ويسأله إياه ملائكته لهم فالجنة تسأل ربها أهلها وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم، ويوم القيامة يقيمهم سبحانه بين يديه يشفعون فيها لعباده المؤمنين، وفي هذا من تمام ملكه وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه وإعطائه ما سئل ما هو من لوازم أسمائه وصفاته واقتضائها لآثارها ومتعلقاتها فلا يجوز تعطيلها عن آثارها وأحكامها، فالرب تعالى جواد له الجود كله يحب أن يسئل ويطلب منه ويرغب إليه فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه فهو خالق السائل وسؤاله ومسئوله وذلك لمحبته سؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو يغضب إذا لم يسئل:

؎الله يغضب إن تركت سؤاله ∗∗∗ وبني آدم حين يسئل يغضب

وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا وهو يحب الملحين في الدعاء وكلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه وأعطاه

وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه "

فلا إله إلا هو أي جناية جنت القواعد الفاسدة على الإيمان وحالت بين القلوب وبين معرفة ربها وأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله و ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾

قال أبو نعيم الفضل …

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

Explained together with ayah 193

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

Explained together with ayah 193

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

Explained together with ayah 193

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

Explained together with ayah 193

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

Explained together with ayah 193

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

Explained together with ayah 193

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

فأمرهم بالصبر، وهو حال الصابر في نفسه.

والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنها مفاعلة، تستدعي وقوفها بين اثنين، كالمشاتمة والمضاربة - فهي حال المؤمن في الصبر مع خصمه.

والمرابطة، وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة.

فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط. وقد يصبر ولا يصابر، ويرابط من غير تعبد بالتقوى.

فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله: التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها.

فقال ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾.

فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان، فيزيله عن مملكته.

وَقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. إنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. فالصَّبْرُ دُونَ المُصابَرَةِ. والمُصابَرَةُ دُونَ المُرابَطَةِ والمُرابَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ. وسُمِّي المُرابِطُ مُرابِطًا لِأنَّ المُرابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهم يَنْتَظِرُونَ الفَزَعَ.

ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطاعَةٍ يَنْتَظِرُها: مُرابِطٌ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ».

وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها».

وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكم عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصابِرُوا بِقُلُوبِكم عَلى البَلْوى في اللَّهِ. ورابِطُوا بِأسْرارِكم عَلى الشَّوْقِ إلى اللَّهِ.

وَقِيلَ: اصْبِرُوا في اللَّهِ. وصابِرُوا بِاللَّهِ. ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ.

وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلى النَّعْماءِ. وصابِرُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ. ورابِطُوا في دارِ الأعْداءِ. واتَّقَوْا إلَهَ الأرْضِ والسَّماءِ. لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ في دارِ البَقاءِ.

فالصَّبْرُ مَعَ نَفْسِكَ، والمُصابَرَةُ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ، والمُرابَطَةُ الثَّباتُ وإعْدادُ العُدَّةِ. وكَما أنَّ الرِّباطَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِئَلّا يَهْجُمَ مِنهُ العَدُوُّ. فَكَذَلِكَ الرِّباطُ أيْضًا لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَيَمْلِكَهُ ويُخَرِّبَهُ أوْ يُشَعِّثَهُ.

وَقِيلَ: تَجَرَّعِ الصَّبْرَ، فَإنْ قَتَلَكَ قَتَلَكَ شَهِيدًا. وإنْ أحْياكَ أحْياكَ عَزِيزًا.

وَقِيلَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ غِناءٌ. وبِاللَّهِ تَعالى بَقاءٌ. وفي اللَّهِ بَلاءٌ. ومَعَ اللَّهِ وفاءٌ. وعَنِ اللَّهِ جَفاءٌ. والصَّبْرُ عَلى الطَّلَبِ عُنْوانُ الظَّفَرِ. وفي المِحَنِ عُنْوانُ الفَرَجِ.

وَقِيلَ: حالُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ رِباطُهُ. وما دُونَ اللَّهِ أعْداؤُهُ.

وَفِي كِتابِ الأدَبِ لِلْبُخارِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ، والسَّماحَةُ». ذَكَرَهُ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ. قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ.

وَهَذا مِن أجْمَعِ الكَلامِ وأعْظَمِهِ بُرْهانًا، وأوْعَبِهِ لِمَقاماتِ الإيمانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.

فَإنَّ النَّفْسَ يُرادُ مِنها شَيْئانِ: بَذْلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وإعْطاؤُهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ:

السَّماحَةُ. وتَرْكُ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والبُعْدُ مِنهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: الصَّبْرُ.

وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كِتابِهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، والصَّفْحِ الجَمِيلِ، والهَجْرِ الجَمِيلِ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ …

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.