Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 200

41

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

He said, "My Lord, make for me a sign." He Said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾

واعْلَمْ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفَرْطِ سُرُورِهِ بِما بُشِّرِ بِهِ وثِقَتِهِ بِكَرَمِ رَبِّهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِ أحَبَّ أنْ يَجْعَلَ لَهُ

صفحة ٣٦

عَلامَةً تَدُلُّ عَلى حُصُولِ العُلُوقِ، وذَلِكَ لِأنَّ العُلُوقَ لا يَظْهَرُ في أوَّلِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هاهُنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، وذَكَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ثَلاثَ لَيالٍ فَدَلَّ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الأيّامِ الثَّلاثَةِ مَعَ لَيالِيها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ إلّا رَمْزًا، وفِيهِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ آيَةً عَلى عُلُوقِ الوَلَدِ.

والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيا، وأقْدَرَهُ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، لِيَكُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ الشَّيْءُ الواحِدُ عَلامَةً عَلى المَقْصُودِ، وأداءً لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَكُونُ جامِعًا لِكُلِّ المَقاصِدِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ، وعَجْزَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِأُمُورِ الدُّنْيا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.

وثانِيها: أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ المُعْجِزِ في تِلْكَ الأيّامِ المَقْدُورَةِ مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ واعْتِدالِ المِزاجِ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ.

وثالِثُها: أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ فَقَدْ حَصَلَ الوَلَدُ، ثُمَّ إنَّ الأمْرَ خَرَجَ عَلى وفْقِ هَذا الخَبَرِ يَكُونُ أيْضًا مِنَ المُعْجِزاتِ.

القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المَعْنى أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى آيَةً تَدُلُّهُ عَلى حُصُولِ العُلُوقِ، قالَ آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ، أيْ تَصِيرُ مَأْمُورًا بِأنْ لا تَتَكَلَّمَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها مَعَ الخَلْقِ، أيْ تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ مُعْرِضًا عَنِ الخَلْقِ والدُّنْيا شاكِرًا اللَّهَ تَعالى عَلى إعْطاءِ مِثْلِ هَذِهِ المَوْهِبَةِ، فَإنْ كانَتْ لَكَ حاجَةٌ دُلَّ عَلَيْها بِالرَّمْزِ فَإذا أُمِرْتَ بِهَذِهِ الطّاعَةِ فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي حَسَنٌ مَعْقُولٌ، وأبُو مُسْلِمٍ حَسَنُ الكَلامِ في التَّفْسِيرِ، كَثِيرُ الغَوْصِ عَلى الدَّقائِقِ واللَّطائِفِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عُوقِبَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ سَألَ الآيَةَ بَعْدَ بِشارَةِ المَلائِكَةِ فَأُخِذَ لِسانُهُ وصُيِّرَ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا رَمْزًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ الرَّمْزِ الحَرَكَةُ، يُقالُ: ارْتَمَزَ إذا تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: الرّامُوزُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرَّمْزِ هاهُنا عَلى أقْوالٍ: …

Aal-i-Imraan 3:41Listen in Qur'an →
42

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

القِصَّةُ الثّالِثَةُ

وصْفُهُ طَهارَةَ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْها

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٣٨

المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ هاهُنا في ”إذْ“ هو ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] مِن قَوْلِهِ: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا المُرادُ بِالمَلائِكَةِ هاهُنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ، وهَذا وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ سُورَةَ مَرْيَمَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - هو جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - ما كانَتْ مِنَ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْها إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لَها، وهو مَذْهَبُ مَن يُجَوِّزُ كَراماتِ الأوْلِياءِ، أوْ إرْهاصًا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، أوْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّاءُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ النَّفْثِ في الرُّوعِ والإلْهامِ والإلْقاءِ في القَلْبِ، كَما كانَ في حَقِّ أُمِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا: هو الِاصْطِفاءُ، وثانِيًا: التَّطْهِيرُ، وثالِثًا: الِاصْطِفاءُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفاءُ أوَّلًا مِن الِاصْطِفاءِ الثّانِي، لَمّا أنَّ التَّصْرِيحَ بِالتَّكْرِيرِ غَيْرُ لائِقٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ إلى ما اتَّفَقَ لَها مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أوَّلِ عُمُرِها، والِاصْطِفاءُ الثّانِي إلى ما اتَّفَقَ لَها في آخِرِ عُمُرِها.

النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الِاصْطِفاءِ: فَهو أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَبِلَ تَحْرِيرَها مَعَ أنَّها كانَتْ أُنْثى ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا المَعْنى لِغَيْرِها مِنَ الإناثِ.

وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أُمَّها لَمّا وضَعَتْها ما غَذَّتْها طَرْفَةَ عَيْنٍ، بَلْ ألْقَتْها إلى زَكَرِيّا، وكانَ رِزْقُها يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى فَرَّغَها لِعِبادَتِهِ، وخَصَّها في هَذا المَعْنى بِأنْواعِ اللُّطْفِ والهِدايَةِ والعِصْمَةِ.

ورابِعُها: أنَّهُ كَفاها أمْرَ مَعِيشَتِها، فَكانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أسْمَعَها كَلامَ المَلائِكَةِ شِفاهًا، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ …

Aal-i-Imraan 3:42Listen in Qur'an →
43

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

القِصَّةُ الثّالِثَةُ

وصْفُهُ طَهارَةَ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْها

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٣٨

المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ هاهُنا في ”إذْ“ هو ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] مِن قَوْلِهِ: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا المُرادُ بِالمَلائِكَةِ هاهُنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ، وهَذا وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ سُورَةَ مَرْيَمَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - هو جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - ما كانَتْ مِنَ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْها إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لَها، وهو مَذْهَبُ مَن يُجَوِّزُ كَراماتِ الأوْلِياءِ، أوْ إرْهاصًا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، أوْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّاءُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ النَّفْثِ في الرُّوعِ والإلْهامِ والإلْقاءِ في القَلْبِ، كَما كانَ في حَقِّ أُمِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا: هو الِاصْطِفاءُ، وثانِيًا: التَّطْهِيرُ، وثالِثًا: الِاصْطِفاءُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفاءُ أوَّلًا مِن الِاصْطِفاءِ الثّانِي، لَمّا أنَّ التَّصْرِيحَ بِالتَّكْرِيرِ غَيْرُ لائِقٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ إلى ما اتَّفَقَ لَها مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أوَّلِ عُمُرِها، والِاصْطِفاءُ الثّانِي إلى ما اتَّفَقَ لَها في آخِرِ عُمُرِها.

النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الِاصْطِفاءِ: فَهو أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَبِلَ تَحْرِيرَها مَعَ أنَّها كانَتْ أُنْثى ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا المَعْنى لِغَيْرِها مِنَ الإناثِ.

وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أُمَّها لَمّا وضَعَتْها ما غَذَّتْها طَرْفَةَ عَيْنٍ، بَلْ ألْقَتْها إلى زَكَرِيّا، وكانَ رِزْقُها يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى فَرَّغَها لِعِبادَتِهِ، وخَصَّها في هَذا المَعْنى بِأنْواعِ اللُّطْفِ والهِدايَةِ والعِصْمَةِ.

ورابِعُها: أنَّهُ كَفاها أمْرَ مَعِيشَتِها، فَكانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أسْمَعَها كَلامَ المَلائِكَةِ شِفاهًا، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ …

Aal-i-Imraan 3:43Listen in Qur'an →
44

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. And you were not with them when they cast their pens as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”ذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ مِن حَدِيثِ حَنَّةَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى بْنِ مَرْيَمَ، إنَّما هو مِن إخْبارِ الغَيْبِ فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْلَمَهُ إلّا بِالوَحْيِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ نُفِيَتْ هَذِهِ المُشاهَدَةُ، وانْتِفاؤُها مَعْلُومٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وتُرِكَ نَفْيُ اسْتِماعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن حُفّاظِها وهو مَوْهُومٌ ؟ .

قُلْنا: كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم عِلْمًا يَقِينِيًّا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماعِ والقِراءَةِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةُ، وهي وإنْ كانَتْ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ إلّا أنَّها نُفِيَتْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا سَماعٌ ولا قِراءَةٌ، ونَظِيرُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإنْباءُ: الإخْبارُ عَمّا غابَ عَنْكَ، وأمّا الإيحاءُ فَقَدْ ورَدَ الكِتابُ بِهِ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَجْمَعُها تَعْرِيفُ المُوحى إلَيْهِ بِأمْرٍ خَفِيٍّ مِن إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ غَيْرِهِما، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يُعَدُّ الإلْهامُ وحْيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقالَ في الشَّياطِينِ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ، وقالَ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] فَلَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْقى هَذِهِ الأشْياءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَيْثُ يَخْفى ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ سَمّاهُ وحْيًا.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تِلْكَ الأقْلامِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالأقْلامِ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ وسائِرَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ القِراعُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جَرى قَلَمُهُ عَلى عَكْسِ جَرْيِ الماءِ فالحَقُّ مَعَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ صارَ قَلَمُ زَكَرِيّا كَذَلِكَ فَسَلَّمُوا الأمْرَ لَهُ وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا ألْقَوْا عِصِيَّهم في الماءِ الجارِي جَرَتْ عَصا زَكَرِيّا عَلى ضِدِّ جَرْيَةِ الماءِ فَغَلَبَهم، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ أقْلامَهم: مِمّا كانَتِ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ

صفحة ٤١

بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ، وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقَلَّمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا.

قالَ القاضِي: وُقُوعُ لَفْظِ القَلَمِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى أصْلِ الِاشْتِقاقِ، إلّا أنَّ العُرْفَ أوْجَبَ اخْتِصاصَ القَلَمِ بِهَذا الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ …

Aal-i-Imraan 3:44Listen in Qur'an →
45

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allah gives you good tidings of a word from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allah].

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

صفحة ٤٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، في أوَّلِ أمْرِها وفي آخِرِ أمْرِها، وشَرَحَ كَيْفِيَّةَ وِلادَتِها لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في العامِلِ في ”إذْ“ قِيلَ: العامِلُ فِيهِ. وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: يَخْتَصِمُونَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”إذْ“ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٥ ] وقِيلَ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما وصَفْتُهُ مِن أُمُورِ زَكَرِيّا، وهِبَةِ اللَّهِ لَهُ يَحْيى كانَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ، وأمّا أبُو عُبَيْدَةَ: فَإنَّهُ يَجْرِي في هَذا البابِ عَلى مَذْهَبٍ لَهُ مَعْرُوفٍ، وهو أنَّ ”إذْ“ صِلَةٌ في الكَلامِ وزِيادَةٌ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فِيهِما بَعْضُ الضَّعْفِ وذَلِكَ لِأنَّ مَرْيَمَ حالَ ما كانُوا يُلْقُونَ الأقْلامَ وحالَ ما كانُوا يَخْتَصِمُونَ ما بَلَغَتِ الجِدَّ الَّذِي تُبَشَّرُ فِيهِ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إلّا قَوْلَ الحَسَنِ: فَإنَّهُ يَقُولُ إنَّها كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن كَراماتِها، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ جازَ في تِلْكَ الحالِ أنْ يَرِدَ عَلَيْها البُشْرى مِنَ المَلائِكَةِ، وإلّا فَلا بُدَّ مِن تَأخُّرِ هَذِهِ البُشْرى إلى حِينِ العَقْلِ، ومِنهم مَن تَكَلَّفَ الجَوابَ، فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الِاخْتِصامُ والبُشْرى وقَعا في زَمانٍ واسِعٍ، كَما تَقُولُ لَقِيتُهُ في سَنَةِ كَذا، وهَذا الجَوابُ بَعِيدٌ والأصْوَبُ هو الوَجْهُ الثّالِثُ، والرّابِعُ، أمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: فَقَدْ عَرَفْتَ ضَعْفَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ إلّا أنَّ المَشْهُورَ أنَّ ذَلِكَ المُنادِي كانَ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ، وأمّا البِشارَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الكَلِمَةِ مِن وُجُوهٍ، وألْيَقُها بِهَذا المَوْضِعِ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ عُلُوقٍ وإنْ كانَ مَخْلُوقًا بِواسِطَةِ الكَلِمَةِ وهي قَوْلُهُ: (كُنْ) إلّا أنَّ ما هو السَّبَبُ المُتَعارَفُ كانَ مَفْقُودًا في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الأبُ، فَلا جَرَمَ كانَ إضافَةُ حُدُوثِهِ إلى الكَلِمَةِ أكْمَلَ وأتَمَّ فَجُعِلَ بِهَذا التَّأْوِيلِ كَأنَّهُ نَفْسُ الكَلِمَةِ كَما أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ والكَرَمُ والإقْبالُ يُقالُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ إنَّهُ نَفْسُ الجُودِ، ومَحْضُ الكَرَمِ، وصَرِيحُ الإقْبالِ، فَكَذا هاهُنا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ العادِلَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ ظِلُّ اللَّهِ في أرْضِهِ، وبِأنَّهُ نُورُ اللَّهِ لِما أنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ ظِلِّ العَدْلِ، ونُورِ الإحْسانِ، فَكَذَلِكَ كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبًا لِظُهُورِ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ بَياناتِهِ وإزالَةِ الشُّبَهاتِ والتَّحْرِيفاتِ عَنْهُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى …

Aal-i-Imraan 3:45Listen in Qur'an →
46

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ”وجِيهًا“ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وجِيهًا ومُكَلِّمًا لِلنّاسِ وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ إلّا لِلضَّرُورَةِ أوِ الفائِدَةِ، والأوْلى أنْ يُقالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥]: الوَجِيهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ المَعْدُودُ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وهَذا المَجْمُوعُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَهْدِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ حِجْرُ أُمِّهِ.

والثّانِي: هو هَذا الشَّيْءُ المَعْرُوفُ الَّذِي هو مَضْجَعُ الصَّبِيِّ وقْتَ الرَّضاعِ، وكَيْفَ كانَ فالمُرادُ مِنهُ: فَإنَّهُ يُكَلِّمُ النّاسَ في الحالَةِ الَّتِي يَحْتاجُ الصَّبِيُّ فِيها إلى المَهْدِ، ولا يَخْتَلِفُ هَذا المَقْصُودُ سَواءٌ كانَ في حِجْرِ أُمِّهِ أوْ كانَ في المَهْدِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (وكَهْلًا) عُطِفَ عَلى الظَّرْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُكَلِّمُ النّاسَ صَغِيرًا وكَهْلًا وهاهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الكَهْلُ ؟ .

صفحة ٤٦

الجَوابُ: الكَهْلُ في اللُّغَةِ ما اجْتَمَعَ قُوَّتُهُ وكَمُلَ شَبابُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اكْتَهَلَ النَّباتُ إذا قَوِيَ وتَمَّ قالَ الأعْشى:

يُضاحِكُ الشَّمْسَ مِنها كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ

أرادَ بِالمُكْتَهِلِ المُتَناهِي في الحُسْنِ والكَمالِ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ تَكَلُّمَهُ حالَ كَوْنِهِ في المَهْدِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَأمّا تَكَلُّمُهُ حالَ الكُهُولَةِ فَلَيْسَ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ ؟ .

والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ كَوْنِهِ مُتَقَلِّبًا في الأحْوالِ مِنَ الصِّبا إلى الكُهُولَةِ، والتَّغَيُّرُ عَلى الإلَهِ تَعالى مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى وفْدِ نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى كانَ إلَهًا.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ مَرَّةً واحِدَةً في المَهْدِ لِإظْهارِ طَهارَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ عِنْدَ الكُهُولَةِ يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُكَلِّمُ حالَ كَوْنِهِ في المَهْدِ، وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا عَلى حَدٍّ واحِدٍ وصِفَةٍ واحِدَةٍ وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ غايَةٌ في المُعْجِزِ. الرّابِعُ: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَبْلُغُ حالَ الكُهُولَةِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: نُقِلَ أنَّ عُمُرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ رُفِعَ كانَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً وسِتَّةَ أشْهُرٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَهو ما بَلَغَ الكُهُولَةَ.

والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: بَيَّنّا أنَّ الكَهْلَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الكامِلِ التّامِّ، وأكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ إذا كانَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَصَحَّ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كَهْلًا في هَذا الوَقْتِ.

والثّانِي: هو قَوْلُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ البَجَلِيِّ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (وكَهْلًا) أنْ يَكُونَ كَهْلًا بَعْدَ أنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ، ويُكَلِّمَ النّاسَ، ويَقْتُلَ الدَّجّالَ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ نَصٌّ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَنْزِلُ إلى …

Aal-i-Imraan 3:46Listen in Qur'an →
47

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allah; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِأنَّ التَّبْشِيرَ بِهِ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِمّا وقَعَ عَلى خِلافِ العادَةِ، وقَدْ قَرَّرْنا مِثْلَهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ ”ويُعَلِّمُهُ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ، أمّا الياءُ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَشاءُ) وقالَ المُبَرِّدُ: عُطِفَ عَلى يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ، وكَذا وكَذا ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ قالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّها: قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ فَقالَ لَها اللَّهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهَذا وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى وجْهِ المُغايَبَةِ، فَقالَ ”ونُعَلِّمُهُ“؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مَعْناهُ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَخْلُقُ ما نَشاءُ ”ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ“ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ تَعْلِيمُ الخَطِّ والكِتابَةِ، ثُمَّ المُرادُ بِالحِكْمَةِ تَعْلِيمُ العُلُومِ وتَهْذِيبُ الأخْلاقِ؛ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ومَجْمُوعُهُما هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ صارَ

صفحة ٤٨

عالِمًا بِالخَطِّ والكِتابَةِ، ومُحِيطًا بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، يُعَلِّمُهُ التَّوْراةَ، وإنَّما أُخِّرَ تَعْلِيمُ التَّوْراةِ عَنْ تَعْلِيمِ الخَطِّ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ إلَهِيٌّ، وفِيهِ أسْرارٌ عَظِيمَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ الكَثِيرَةَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخُوضَ في البَحْثِ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ ”والإنْجِيلَ“ وإنَّما أُخِّرَ ذِكْرُ الإنْجِيلِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ مَن تَعَلَّمَ الخَطَّ، ثُمَّ تَعَلَّمَ عُلُومَ الحَقِّ، ثُمَّ أحاطَ بِأسْرارِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ عَظُمَتْ دَرَجَتُهُ في العِلْمِ فَإذا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ كِتابًا آخَرَ وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِهِ فَذَلِكَ هو الغايَةُ القُصْوى، والمَرْتَبَةُ العُلْيا في العِلْمِ والفَهْمِ والإحاطَةِ بِالأسْرارِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، والِاطْلاعِ عَلى الحِكَمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، فَهَذا ما عِنْدِي في تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ الأرْبَعَةِ.

Aal-i-Imraan 3:47Listen in Qur'an →
48

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

And He will teach him writing and wisdom and the Torah and the Gospel

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِأنَّ التَّبْشِيرَ بِهِ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِمّا وقَعَ عَلى خِلافِ العادَةِ، وقَدْ قَرَّرْنا مِثْلَهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ ”ويُعَلِّمُهُ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ، أمّا الياءُ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَشاءُ) وقالَ المُبَرِّدُ: عُطِفَ عَلى يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ، وكَذا وكَذا ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ قالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّها: قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ فَقالَ لَها اللَّهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهَذا وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى وجْهِ المُغايَبَةِ، فَقالَ ”ونُعَلِّمُهُ“؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مَعْناهُ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَخْلُقُ ما نَشاءُ ”ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ“ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ تَعْلِيمُ الخَطِّ والكِتابَةِ، ثُمَّ المُرادُ بِالحِكْمَةِ تَعْلِيمُ العُلُومِ وتَهْذِيبُ الأخْلاقِ؛ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ومَجْمُوعُهُما هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ صارَ

صفحة ٤٨

عالِمًا بِالخَطِّ والكِتابَةِ، ومُحِيطًا بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، يُعَلِّمُهُ التَّوْراةَ، وإنَّما أُخِّرَ تَعْلِيمُ التَّوْراةِ عَنْ تَعْلِيمِ الخَطِّ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ إلَهِيٌّ، وفِيهِ أسْرارٌ عَظِيمَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ الكَثِيرَةَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخُوضَ في البَحْثِ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ ”والإنْجِيلَ“ وإنَّما أُخِّرَ ذِكْرُ الإنْجِيلِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ مَن تَعَلَّمَ الخَطَّ، ثُمَّ تَعَلَّمَ عُلُومَ الحَقِّ، ثُمَّ أحاطَ بِأسْرارِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ عَظُمَتْ دَرَجَتُهُ في العِلْمِ فَإذا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ كِتابًا آخَرَ وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِهِ فَذَلِكَ هو الغايَةُ القُصْوى، والمَرْتَبَةُ العُلْيا في العِلْمِ والفَهْمِ والإحاطَةِ بِالأسْرارِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، والِاطْلاعِ عَلى الحِكَمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، فَهَذا ما عِنْدِي في تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ الأرْبَعَةِ.

Aal-i-Imraan 3:48Listen in Qur'an →
49

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allah. And I cure the blind and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allah. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ ونَبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قائِلًا: أنّى قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، والحَذْفُ حَسَنٌ إذا لَمْ يُفْضِ إلى الِاشْتِباهِ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدِي أنَّ تَقْدِيرَهُ: ويُكَلِّمُ النّاسَ رَسُولًا، وإنَّما أضْمَرْنا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ والمَعْنى: ويُكَلِّمُهم رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم، الثّالِثُ: قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قائِلًا: أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ رَسُولًا إلى كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ بِخِلافِ قَوْلِ بَعْضِ اليَهُودِ إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ الجِنْسُ لا الفَرْدُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَدَّدَ هاهُنا أنْواعًا مِنَ الآياتِ، وهي إحْياءُ المَوْتى، وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الجِنْسَ لا الفَرْدَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِن مُعْجِزاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -:

النَّوْعُ الأوَّلُ

ما ذَكَرَهُ هاهُنا في هَذِهِ الآيَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَمَن فَتَحَ ”أنِّي“ فَقَدْ جَعَلَها بَدَلًا

صفحة ٤٩

مِن ”آيَةٍ“ كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ، ومَن كَسَرَ فَلَهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الِاسْتِئْنافُ وقَطْعُ الكَلامِ مِمّا قَبْلَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُفَسِّرَ الجُمْلَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِما يَكُونُ عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ المائِدَة: ٩ ] ثُمَّ فَسَّرَ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ [ المائِدَة: ٩ ] وقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] ثُمَّ فَسَّرَ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن فَتَحَ ”أنِّي“ عَلى جَعْلِهِ بَدَلًا مِن ”آيَةٍ“ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ أيْ أُقَدِّرُ وأُصَوِّرُ وقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَهُ هاهُنا أيْضًا فَنَقُولُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والشِّعْرُ والِاسْتِشْهادُ: أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أيِ المُقَدِّرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ خالِقًا بِمَعْنى التَّكْوِينِ والإبْداعِ فَوَجَبَ تَفْسِيرُ كَوْنِهِ خالِقًا بِالتَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ.

وثانِيها: أنَّ لَفْظَ الخَلْقِ يُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ قالَ تَعالى في سُورَةِ …

Aal-i-Imraan 3:49Listen in Qur'an →
50

وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allah and obey me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ بِماذا أُرْسِلَ وهو أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ .

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ أنَّ تَقْدِيرَهُ وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ فَقَوْلُهُ: (ومُصَدِّقًا) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ”أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ“، وإنِّي بُعِثْتُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ هَذِهِ الألْفاظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ هو المُعْجِزَةُ، فَكُلُّ مَن حَصَلَ لَهُ المُعْجِزُ، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: بِأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِمُوسى بِالتَّوْراةِ، ولَعَلَّ مِن جُمْلَةِ الأغْراضِ في بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ تَقْرِيرُ التَّوْراةِ وإزالَةُ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ وتَحْرِيفاتِ الجاهِلِينَ.

وأمّا المَقْصُودُ الثّانِي: مِن بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ يُقالُ: هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ مُناقِضَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ جاءَ لِيُحِلَّ بَعْضَ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِخِلافِ حُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ .

والجَوابُ: إنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالتَّوْراةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا اعْتِقادُ أنَّ كُلَّ ما فِيها فَهو حَقٌّ وصَوابٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي مَذْكُورًا في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ عِيسى بِتَحْلِيلِ ما كانَ مُحَرَّمًا فِيها

صفحة ٥٣

مُناقِضًا لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وأيْضًا إذا كانَتِ البِشارَةُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَرْعِهِ مُناقِضًا لِلتَّوْراةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما غَيَّرَ شَيْئًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ السَّبْتَ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأحْبارَ كانُوا قَدْ وضَعُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ شَرائِعَ باطِلَةً ونَسَبُوها إلى مُوسى، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَها وأبْطَلَها وأعادَ الأمْرَ إلى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ حَرَّمَ بَعْضَ الأشْياءِ …

Aal-i-Imraan 3:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.