Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وهو ما يَتَّصِلُ بِتَقْرِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ ذَكَرَ بَعْدَها ما يَتَّصِلُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأصْنافُ العُبُودِيَّةِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالجَوارِحِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ اللِّسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ القَلْبِ والفِكْرِ والرُّوحِ، والإنْسانُ لَيْسَ إلّا هَذا المَجْمُوعَ، فَإذا كانَ اللِّسانُ مُسْتَغْرِقًا في الذِّكْرِ، والأرْكانُ في الشُّكْرِ، والجِنانُ في الفِكْرِ، كانَ هَذا العَبْدُ مُسْتَغْرِقًا بِجَمِيعِ أجْزائِهِ في العُبُودِيَّةِ، فالآيَةُ الأُولى دالَّةٌ عَلى كَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ، فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ في جَذْبِ الأرْواحِ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وفي نَقْلِ الأسْرارِ مِن جانِبِ عالَمِ الغُرُورِ إلى جَنابِ المَلِكِ الغَفُورِ، ونَقُولُ: في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَ الإنْسانِ دائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ، فَإنَّ الأحْوالَ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةُ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ ذاكِرِينَ فِيها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى الذِّكْرِ غَيْرَ فاتِرِينَ عَنْهُ البَتَّةَ.

صفحة ١١١

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ الصَّلاةُ، والمَعْنى أنَّهم يُصَلُّونَ في حالِ القِيامِ، فَإنْ عَجَزُوا فَفي حالِ القُعُودِ، فَإنْ عَجَزُوا فَفي حالِ الِاضْطِجاعِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ. والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ أوْلى لِأنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ ناطِقَةٌ بِفَضِيلَةِ الذِّكْرِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الذِّكْرِ هو الذِّكْرَ بِاللِّسانِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ، والأكْمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا صَلّى المَرِيضُ مُضْطَجِعًا وجَبَ أنْ يُصَلِّيَ عَلى جَنْبِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلْ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا حَتّى إذا وجَدَ خِفَّةً قَعَدَ. وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَ مَن ذَكَرَهُ عَلى حالِ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ، فَكانَ هَذا الوَضْعُ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ فِيهِ دَقِيقَةً طِبِّيَّةً وهو أنَّهُ ثَبَتَ في المَباحِثِ الطِّبِّيَّةِ أنَّ كَوْنَ الإنْسانِ مُسْتَلْقِيًا عَلى قَفاهُ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِكْمالِ الفِكْرِ والتَّدَبُّرِ، وأمّا كَوْنُهُ مُضْطَجِعًا عَلى الجَنْبِ فَإنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ مِنهُ، وهَذا المَقامُ يُرادُ فِيهِ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ، ولِأنَّ الِاضْطِجاعَ عَلى الجَنْبِ يَمْنَعُ مِنَ النَّوْمِ المُغْرِقِ، فَكانَ هَذا …

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ وهو ما يَتَّصِلُ بِتَقْرِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ ذَكَرَ بَعْدَها ما يَتَّصِلُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأصْنافُ العُبُودِيَّةِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالجَوارِحِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ اللِّسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ القَلْبِ والفِكْرِ والرُّوحِ، والإنْسانُ لَيْسَ إلّا هَذا المَجْمُوعَ، فَإذا كانَ اللِّسانُ مُسْتَغْرِقًا في الذِّكْرِ، والأرْكانُ في الشُّكْرِ، والجِنانُ في الفِكْرِ، كانَ هَذا العَبْدُ مُسْتَغْرِقًا بِجَمِيعِ أجْزائِهِ في العُبُودِيَّةِ، فالآيَةُ الأُولى دالَّةٌ عَلى كَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ، فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ في جَذْبِ الأرْواحِ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وفي نَقْلِ الأسْرارِ مِن جانِبِ عالَمِ الغُرُورِ إلى جَنابِ المَلِكِ الغَفُورِ، ونَقُولُ: في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَ الإنْسانِ دائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ، فَإنَّ الأحْوالَ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةُ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ ذاكِرِينَ فِيها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى الذِّكْرِ غَيْرَ فاتِرِينَ عَنْهُ البَتَّةَ.

صفحة ١١١

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ الصَّلاةُ، والمَعْنى أنَّهم يُصَلُّونَ في حالِ القِيامِ، فَإنْ عَجَزُوا فَفي حالِ القُعُودِ، فَإنْ عَجَزُوا فَفي حالِ الِاضْطِجاعِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ. والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ أوْلى لِأنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ ناطِقَةٌ بِفَضِيلَةِ الذِّكْرِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الذِّكْرِ هو الذِّكْرَ بِاللِّسانِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ، والأكْمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا صَلّى المَرِيضُ مُضْطَجِعًا وجَبَ أنْ يُصَلِّيَ عَلى جَنْبِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلْ يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا حَتّى إذا وجَدَ خِفَّةً قَعَدَ. وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَ مَن ذَكَرَهُ عَلى حالِ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ، فَكانَ هَذا الوَضْعُ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ فِيهِ دَقِيقَةً طِبِّيَّةً وهو أنَّهُ ثَبَتَ في المَباحِثِ الطِّبِّيَّةِ أنَّ كَوْنَ الإنْسانِ مُسْتَلْقِيًا عَلى قَفاهُ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِكْمالِ الفِكْرِ والتَّدَبُّرِ، وأمّا كَوْنُهُ مُضْطَجِعًا عَلى الجَنْبِ فَإنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ مِنهُ، وهَذا المَقامُ يُرادُ فِيهِ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ، ولِأنَّ الِاضْطِجاعَ عَلى الجَنْبِ يَمْنَعُ مِنَ النَّوْمِ المُغْرِقِ، فَكانَ هَذا …

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في المُنادِي قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ،

صفحة ١١٨

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] . ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] . ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] .

والثّانِي: أنَّهُ هو القُرْآنُ، قالُوا إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُؤْمِنِي الإنْسِ ذَلِكَ كَما حَكى عَنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١، ٢] قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ، أمّا القُرْآنُ فَكُلُّ أحَدٍ سَمِعَهُ وفَهِمَهُ، قالُوا: وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، لِأنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الرُّشْدِ، وكانَ كُلُّ مَن تَأمَّلَهُ وصَلَ بِهِ إلى الهُدى إذا وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ، فَصارَ كَأنَّهُ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ ويُنادِي بِما فِيهِ مِن أنْواعِ الدَّلائِلِ، كَما قِيلَ في جَهَنَّمَ ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧] إذْ كانَ مَصِيرُهم إلَيْها، والفُصَحاءُ والشُّعَراءُ يَصِفُونَ الدَّهْرَ بِأنَّهُ يُنادِي ويَعِظُ، ومُرادُهم مِنها دَلالَةُ تَصارِيفِ الزَّمانِ، قالَ الشّاعِرُ:

يا واضِعَ المَيِّتَ في قَبْرِهِ خاطَبَكَ الدَّهْرُ فَلَمْ تَسْمَعْ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى ”إلى“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] . ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] . ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ويُقالُ: دَعاهُ لِكَذا وإلى كَذا، ونَدَبَهُ لَهُ وإلَيْهِ، وناداهُ لَهُ وإلَيْهِ، وهَداهُ لِلطَّرِيقِ وإلَيْهِ، والسَّبَبُ في إقامَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ مَقامَ الأُخْرى: أنَّ مَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ ومَعْنى الِاخْتِصاصِ حاصِلانِ جَمِيعًا.

الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ سَمِعْنا مُنادِيًا لِلْإيمانِ يُنادِي بِأنْ آمِنُوا، كَما يُقالُ: جاءَنا مُنادِي الأمِيرِ يُنادِي بِكَذا وكَذا.

والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ الأجَلِ، والمَعْنى: سَمِعْنا مُنادِيًا كانَ نِداؤُهُ لِيُؤْمِنَ النّاسُ، أيْ كانَ المُنادِي يُنادِي لِهَذا الغَرَضِ، ألا تَراهُ قالَ: ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيْ لِتُؤْمِنَ النّاسُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي﴾ نَظِيرُهُ قَوْلُكَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، فَيُوقَعُ الفِعْلُ عَلى الرَّجُلِ ويُحْذَفُ المَسْمُوعُ، لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ وجَعَلْتَهُ حالًا عَنْهُ فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ، ولِأنَّ الوَصْفَ أوِ الحالَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنهُ، وأنَّهُ يُقالُ سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ أوْ قَوْلَهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: ما الفائِدَةُ في الجَمْعِ بَيْنَ المُنادِي ويُنادِي ؟

وجَوابُهُ: ذُكِرَ النِّداءُ مُطْلَقًا ثَمَّ مُقَيَّدًا بِالإيمانِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي، لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن …

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ فِيهِ حَذْفُ المُضافِ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

وثانِيها: وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ ذِكْرِ المُنادِي لِلْإيمانِ وهو الرَّسُولُ وعَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿فَآمَنّا﴾ وهو التَّصْدِيقُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الخُلْفَ في وعْدِ اللَّهِ مُحالٌ، فَكَيْفَ طَلَبُوا بِالدُّعاءِ ما عَلِمُوا أنَّهُ لا مَحالَةَ واقِعٌ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ طَلَبَ الفِعْلِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ الخُضُوعِ والذِّلَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وقَدْ أمَرَنا بِالدُّعاءِ في أشْياءَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّها تُوجَدُ لا مَحالَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] .

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ وعْدَ اللَّهِ لا يَتَناوَلُ آحادَ الأُمَّةِ بِأعْيانِهِمْ، بَلْ إنَّما يَتَناوَلُهم بِحَسَبِ أوْصافِهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى وعَدَ المُتَّقِينَ بِالثَّوابِ، ووَعَدَ الفُسّاقَ بِالعِقابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ مَعْناهُ: وفِّقْنا لِلْأعْمالِ الَّتِي بِها نَصِيرُ أهْلًا لِوَعْدِكَ، واعْصِمْنا مِنَ الأعْمالِ الَّتِي نَصِيرُ بِها أهْلًا لِلْعِقابِ والخِزْيِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ طَلَبَ التَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ والعِصْمَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَنْصُرَهم في الدُّنْيا ويَقْهَرَ عَدُوَّهم، فَهم طَلَبُوا تَعْجِيلَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم إنَّما طَلَبُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ بِحُكْمِ الوَعْدِ لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ لِأنَّهم قالُوا: رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، وفي آخِرِ الكَلامِ قالُوا: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقْتَضِيَ لِحُصُولِ مَنافِعِ الآخِرَةِ هو الوَعْدُ لا الِاسْتِحْقاقُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ مَتى حَصَلَ الثَّوابُ كانَ انْدِفاعُ العِقابِ لازِمًا لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ طَلَبٌ لِلثَّوابِ، فَبَعْدَ طَلَبِ الثَّوابِ كَيْفَ طُلِبَ تَرْكُ العِقابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَلْ لَوْ طُلِبَ تَرْكُ العِقابِ أوَّلًا ثُمَّ طُلِبَ إيصالُ الثَّوابِ كانَ الكَلامُ مُسْتَقِيمًا ؟ .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الثَّوابَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ والسُّرُورِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنا﴾ المُرادُ مِنهُ التَّعْظِيمُ.

الثّانِي: أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ طَلَبُ التَّوْفِيقِ عَلى الطّاعَةِ والعِصْمَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْسُنُ النَّظْمُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفِّقْنا لِلطّاعاتِ، وإذا وفَّقْتَنا لَها فاعْصِمْنا عَمّا يُبْطِلُها ويُزِيلُها ويُوقِعُنا في الخِزْيِ والهَلاكِ، والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفِّقْنا لِطاعَتِكَ فَإنّا لا نَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ إلّا …

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم عَرَفُوا اللَّهَ بِالدَّلِيلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم مُواظَبَتَهم عَلى الذِّكْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا﴾ وعَلى التَّفَكُّرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم أنَّهم أثْنَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم أنَّهم بَعْدَ الثَّناءِ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ اسْتَجابَ دُعاءَهم فَقالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اسْتِجابَةَ الدُّعاءِ مَشْرُوطَةٌ بِهَذِهِ الأُمُورِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ هَذِهِ الشَّرائِطِ عَزِيزًا، لا جَرَمَ كانَ الشَّخْصُ الَّذِي يَكُونُ مُجابَ الدُّعاءِ عَزِيزًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُقالُ اسْتَجابَهُ واسْتَجابَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .

صفحة ١٢٢

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنِّي لا أُضِيعُ: قُرِئَ بِالفَتْحِ، والتَّقْدِيرُ: بِأنِّي لا أُضِيعُ، وبِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وقُرِئَ ”لا أُضَيِّعُ“ بِالتَّشْدِيدِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذَكَرٍ﴾ قِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقِيلَ: إنَّها مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ بِمَعْنى: عَمَلَ عامِلٍ مِنكم ذِكْرٍ أوْ أُنْثى.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُضِيعُ نَفْسَ العَمَلِ، لِأنَّ العَمَلَ كُلَّما وُجِدَ تَلاشى وفَنِيَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُضِيعُ ثَوابَ العَمَلِ، والإضاعَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿لا أُضِيعُ﴾ نَفْيٌ لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إثْباتًا، فَيَصِيرُ المَعْنى: أنِّي أُوصِلُ ثَوابَ جَمِيعِ أعْمالِكم إلَيْكم، إذا ثَبَتَ ما قُلْنا فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَبْقى في النّارِ مُخَلَّدًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ بِإيمانِهِ اسْتَحَقَّ ثَوابًا، وبِمَعْصِيَتِهِ اسْتَحَقَّ عِقابًا، فَلا بُدَّ مِن وُصُولِهِما إلَيْهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّمَ الثَّوابَ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلى العِقابِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقَدِّمَ العِقابَ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلى الثَّوابِ وهو المَطْلُوبُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِأنَّ مَعْناها أنَّهُ تَعالى قَبِلَ مِنهم أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وطاعاتِهِمْ ويُوصِلُ ثَوابَ تِلْكَ الأعْمالِ إلَيْهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ أوَّلًا طَلَبُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وثانِيًا إعْطاءَ الثَّوابِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ إجابَةٌ لَهم في إعْطاءِ الثَّوابِ، …

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وكانُوا في الدُّنْيا في نِهايَةِ الفَقْرِ والشِّدَّةِ، والكُفّارُ كانُوا في النِّعَمِ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما يُسَلِّيهِمْ ويُصَبِّرُهم عَلى تِلْكَ الشِّدَّةِ، فَقالَ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٢٤

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الغُرُورَ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: غَرَّرْتُ الرَّجُلَ بِما يَسْتَحْسِنُهُ في الظّاهِرِ ثُمَّ يَجِدُهُ عِنْدَ التَّفْتِيشِ عَلى خِلافِ ما يُحِبُّهُ، فَيَقُولُ: غَرَّنِي ظاهِرُهُ أيْ قَبِلْتُهُ عَلى غَفْلَةٍ عَنِ امْتِحانِهِ، وتَقُولُ العَرَبُ في الثَّوابِ إذا نُشِرَ ثُمَّ أُعِيدَ إلى طَيِّهِ: رَدَدْتُهُ عَلى غِرَّةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ في قَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ. قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ ما غَرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ، والخِطابُ وإنْ كانَ لَهُ إلّا أنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: السَّبَبُ لِعَدَمِ إغْرارِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ هو تَواتُرُ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فَسَقَطَ قَوْلُ قَتادَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] .

والثّانِي: وهو أنَّ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكَ أيُّها السّامِعُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ كانُوا يَتْجُرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ اليَهُودُ تَضْرِبُ في الأرْضِ فَتُصِيبُ الأمْوالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِتَقَلُّبِ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ والمَكاسِبِ، أيْ لا يَغُرَّنَّكم أمْنُهم عَلى أنْفُسِهِمْ وتَصَرُّفُهم في البِلادِ كَيْفَ شاءُوا، وأنْتُمْ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ خائِفُونَ مَحْصُورُونَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَبْقى إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ إلى أشَدِّ العَذابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ قِيلَ: أيْ تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الكَسْبُ والرِّبْحُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقِلَّةِ لِأنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا مَشُوبٌ بِالآفاتِ والحَسَراتِ، ثُمَّ إنَّهُ بِالعاقِبَةِ يَنْقَطِعُ ويَنْقَضِي، وكَيْفَ لا يَكُونُ قَلِيلًا وقَدْ كانَ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الآنِ، وسَيَصِيرُ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، فَإذا قابَلْتَ زَمانَ الوُجُودِ بِما مَضى وما يَأْتِي وهو الأزَلُ والأبَدُ، كانَ أقَلَّ مِن أنْ يَجُوزَ وصْفُهُ بِأنَّهُ قَلِيلٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ يُسَبِّبُ الوُقُوعَ في نارِ جَهَنَّمَ أبَدَ الآبادِ، والنِّعْمَةُ القَلِيلَةُ إذا كانَتْ سَبَبًا لِلْمَضَرَّةِ العَظِيمَةِ لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ نِعْمَةً، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم …

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وكانُوا في الدُّنْيا في نِهايَةِ الفَقْرِ والشِّدَّةِ، والكُفّارُ كانُوا في النِّعَمِ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما يُسَلِّيهِمْ ويُصَبِّرُهم عَلى تِلْكَ الشِّدَّةِ، فَقالَ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٢٤

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الغُرُورَ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: غَرَّرْتُ الرَّجُلَ بِما يَسْتَحْسِنُهُ في الظّاهِرِ ثُمَّ يَجِدُهُ عِنْدَ التَّفْتِيشِ عَلى خِلافِ ما يُحِبُّهُ، فَيَقُولُ: غَرَّنِي ظاهِرُهُ أيْ قَبِلْتُهُ عَلى غَفْلَةٍ عَنِ امْتِحانِهِ، وتَقُولُ العَرَبُ في الثَّوابِ إذا نُشِرَ ثُمَّ أُعِيدَ إلى طَيِّهِ: رَدَدْتُهُ عَلى غِرَّةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ في قَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ. قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ ما غَرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ، والخِطابُ وإنْ كانَ لَهُ إلّا أنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: السَّبَبُ لِعَدَمِ إغْرارِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ هو تَواتُرُ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فَسَقَطَ قَوْلُ قَتادَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] .

والثّانِي: وهو أنَّ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكَ أيُّها السّامِعُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ كانُوا يَتْجُرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ اليَهُودُ تَضْرِبُ في الأرْضِ فَتُصِيبُ الأمْوالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِتَقَلُّبِ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ والمَكاسِبِ، أيْ لا يَغُرَّنَّكم أمْنُهم عَلى أنْفُسِهِمْ وتَصَرُّفُهم في البِلادِ كَيْفَ شاءُوا، وأنْتُمْ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ خائِفُونَ مَحْصُورُونَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَبْقى إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ إلى أشَدِّ العَذابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ قِيلَ: أيْ تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الكَسْبُ والرِّبْحُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقِلَّةِ لِأنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا مَشُوبٌ بِالآفاتِ والحَسَراتِ، ثُمَّ إنَّهُ بِالعاقِبَةِ يَنْقَطِعُ ويَنْقَضِي، وكَيْفَ لا يَكُونُ قَلِيلًا وقَدْ كانَ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الآنِ، وسَيَصِيرُ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، فَإذا قابَلْتَ زَمانَ الوُجُودِ بِما مَضى وما يَأْتِي وهو الأزَلُ والأبَدُ، كانَ أقَلَّ مِن أنْ يَجُوزَ وصْفُهُ بِأنَّهُ قَلِيلٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ يُسَبِّبُ الوُقُوعَ في نارِ جَهَنَّمَ أبَدَ الآبادِ، والنِّعْمَةُ القَلِيلَةُ إذا كانَتْ سَبَبًا لِلْمَضَرَّةِ العَظِيمَةِ لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ نِعْمَةً، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم …

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾

صفحة ١٢٥

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ بِالنُّزُلِ، والنُّزُلُ ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطّاعاتِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ في التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَنِ المَنهِيّاتِ، وعَنْ تَرْكِ المَأْمُوراتِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا، فَلا بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ لِتَكُونَ خِلْعَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] وقَوْلُهُ ﴿نُزُلًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”جَنّاتٍ“ لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ اللّامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ، لِأنَّ خُلُودَهم فِيها إنْزالُهم فِيها أوْ نُزُولُهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نُصِبَ عَلى التَّفْسِيرِ كَما تَقُولُ: هو لَكَ هِبَةً وبَيْعًا وصَدَقَةً. ثُمَّ قالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الكَثِيرِ الدّائِمِ ﴿خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ القَلِيلِ الزّائِلِ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ والأعْمَشُ (نُزْلًا) بِسُكُونِ الزّايِ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ”لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا“ بِالتَّشْدِيدِ.

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وكانَ قَدْ ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ مِن قَبْلُ، بِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ بَيِّنٌ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن آمَنَ مِنهم كانَ داخِلًا في صِفَةِ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَقالَ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ واخْتَلَفُوا في نُزُولِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ حِينَ ماتَ وصَلّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّهُ يُصَلِّي عَلى نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأسْلَمُوا. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، وهَذا هو الأوْلى لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ بِأنَّ مَصِيرَهم إلى العِقابِ، بَيَّنَ فِيمَن آمَنَ مِنهم بِأنَّ مَصِيرَهم إلى الثَّوابِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ:

أوَّلُها: الإيمانُ بِاللَّهِ.

وثانِيها: الإيمانُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ .

وثالِثُها: الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ورابِعُها: كَوْنُهم خاشِعِينَ لِلَّهِ وهو حالٌ مِن فاعِلِ ”يُؤْمِنُ“ لِأنَّ ”مَن يُؤْمِنُ“ في مَعْنى الجَمْعِ.

وخامِسُها: أنَّهم لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكِتابِ مِمَّنْ كانَ يَكْتُمُ أمْرَ الرَّسُولِ وصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والفائِدَةُ في كَوْنِهِ

صفحة ١٢٦

سَرِيعَ الحِسابِ كَوْنُهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، أمّا الأُصُولُ فَفِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأمّا الفُرُوعُ فَفِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكالِيفِ والأحْكامِ نَحْوُ الحَجِّ والجِهادِ وغَيْرِهِما، خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى جَمِيعِ الآدابِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، ومِنها ما يَكُونُ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ المُصابَرَةِ.

أمّا الصَّبْرُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أنْواعٌ:

أوَّلُها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وعَلى مَشَقَّةِ اسْتِنْباطِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُخالِفِينَ.

وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ.

وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ.

ورابِعُها: الصَّبْرُ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وآفاتِها مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ والخَوْفِ، فَقَوْلُهُ ﴿اصْبِرُوا﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ هَذِهِ الأقْسامُ، وتَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ أنْواعٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُصابَرَةُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ تَحَمُّلِ المَكارِهِ الواقِعَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَيْرِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَحَمُّلُ الأخْلاقِ الرَّدِيَّةِ مِن أهْلِ البَيْتِ والجِيرانِ والأقارِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الِانْتِقامِ مِمَّنْ أساءَ إلَيْكَ كَما قالَ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ويَدْخُلُ فِيهِ الإيثارُ عَلى الغَيْرِ كَما قالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ويَدْخُلُ فِيهِ العَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويَدْخُلُ فِيهِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ المُقْدِمَ عَلَيْهِ رُبَّما وصَلَ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجِهادُ فَإنَّهُ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُصابَرَةُ مَعَ المُبْطِلِينَ، وحَلُّ شُكُوكِهِمْ والجَوابُ عَنْ شُبَهِهِمْ، والِاحْتِيالُ في إزالَةِ تِلْكَ الأباطِيلِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿اصْبِرُوا﴾ تَناوَلَ كُلَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ وحْدَهُ ﴿وصابِرُوا﴾ تَناوَلَ كُلَّ ما كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.

واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ وإنْ تَكَلَّفَ الصَّبْرَ والمُصابَرَةَ إلّا أنَّ فِيهِ أخْلاقًا ذَمِيمَةً تُحْمَلُ عَلى أضْدادِها وهي الشَّهْوَةُ والغَضَبُ والحِرْصُ، والإنْسانُ ما لَمْ يَكُنْ مُشْتَغِلًا طُولَ عُمُرِهِ بِمُجاهَدَتِها وقَهْرِها لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ، فَلِهَذا قالَ ﴿ورابِطُوا﴾ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُجاهَدَةُ فِعْلًا مِنَ الأفْعالِ ولا بُدَّ لِلْإنْسانِ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ مِن داعِيَةٍ وغَرَضٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ المُجاهَدَةِ غَرَضٌ وباعِثٌ، وذَلِكَ هو تَقْوى اللَّهِ لِنَيْلِ الفَلاحِ والنَّجاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الأفْعالَ مَصْدَرُها هو القُوى، فَهو تَعالى أمَرَ بِالصَّبْرِ …

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.