وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في الحَثِّ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أحْكامِ الجِهادِ. ومِن جُمْلَتِها المَنعُ مِنَ الغُلُولِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذا المَعْنى وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغُلُولُ هو الخِيانَةُ، وأصْلُهُ أخْذُ الشَّيْءِ في الخُفْيَةِ، يُقالُ أغَلَّ الجازِرُ والسّالِخُ إذا أبْقى في الجِلْدِ شَيْئًا مِنَ اللَّحْمِ عَلى طَرِيقِ الخِيانَةِ، والغِلُّ الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ. والغِلالَةُ الثَّوْبُ الَّذِي يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيابِ، والغَلَلُ الماءُ الَّذِي يَجْرِي في أُصُولِ الشَّجَرَةِ لِأنَّهُ مُسْتَتِرٌ بِالأشْجارِ وتَغَلَّلَ الشَّيْءُ إذا تَخَلَّلَ وخَفِيَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن بَعَثْناهُ عَلى عَمَلٍ فَغَلَّ شَيْئًا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ» “ وقالَ: ”«هَدايا الوُلاةِ غُلُولٌ» “ وقالَ: ”«لَيْسَ عَلى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمانٌ» “ وقالَ: ”«لا إغْلالَ ولا إسْلالَ» “ وأيْضًا يُقالُ: أغَلَّهُ إذا وجَدَهُ غالًّا، كَقَوْلِكَ: أبْخَلْتُهُ وأفْحَمْتُهُ. أيْ وجَدْتُهُ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿يَغُلَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، أيْ ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَخُونَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿يَغُلَّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، أيْ ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يُخانَ.
واخْتَلَفُوا في أسْبابِ النُّزُولِ، فَبَعْضُها يُوافِقُ القِراءَةَ الأُولى. وبَعْضُها يُوافِقُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَفِيهِ رِواياتٌ:
الأُولى: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَنِمَ في بَعْضِ الغَزَواتِ وجَمَعَ الغَنائِمَ، وتَأخَّرَتِ القِسْمَةُ لِبَعْضِ المَوانِعِ، فَجاءَ قَوْمٌ وقالُوا: ألا تُقَسِّمُ غَنائِمَنا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَوْ كانَ لَكم مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ما حَبَسْتُ عَنْكم مِنهُ دِرْهَمًا أتَحْسَبُونَ أنِّي أغُلُّكم مَغْنَمَكم» ؟“ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ، كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِمْ، فَسَألُوهُ أنْ يَتْرَكَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّالِثُ: رَوى عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ الجُهّالِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّ أشْرافَ النّاسِ طَمِعُوا أنْ يَخُصَّهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَنائِمِ بِشَيْءٍ زائِدٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الخامِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ طَلائِعَ فَغَنِمُوا غَنائِمَ فَقَسَّمَها ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
السّادِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ تَرَكَ الرُّماةُ المَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ وقالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ وأنْ لا يُقَسِّمُ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسِّمْها يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ فَلا نَقْسِمُ لَكم» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى المُرادُ مِنَ الآيَةِ …