Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 121–130 of 200

121

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، وخِلافُ ذَلِكَ فِيهِمْ إذا لَمْ

صفحة ١٧٩

يَصْبِرُوا فَقالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا كَثِيرِينَ لِلْقِتالِ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ انْهَزَمُوا، ويَوْمَ بَدْرٍ كانُوا قَلِيلِينَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتالِ فَلَمّا أطاعُوا أمْرَ الرَّسُولِ غَلَبُوا واسْتَوْلَوْا عَلى خُصُومِهِمْ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَنا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الِانْكِسارَ يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ المُنافِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِطانَةً وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ الأوَّلُ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا كَلامٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في نَصْرِ اللَّهِ تِلْكَ الطّائِفَةَ القَلِيلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الطّائِفَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكافِرِينَ مَوْضِعُ اعْتِبارٍ لِتَعْرِفُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ لَهم مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ إذْ غَدا الرَّسُولُ ﷺ يُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ. والثّالِثُ: العامِلُ فِيهِ مُحِيطٌ: تَقْدِيرُهُ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ إذْ غَدَوْتَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا اليَوْمَ أيُّ يَوْمٍ هو ؟ فالأكْثَرُونَ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ والرَّبِيعِ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقِيلَ إنَّهُ يَوْمُ الأحْزابِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، حُجَّةُ مَن قالَ هَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ أُحُدٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ بِالمَغازِي زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا يَوْمُ الأحْزابِ، فالقَوْمُ إنَّما خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ لا يَوْمَ الأحْزابِ، فَكانَتْ قِصَّةُ أُحُدٍ ألْيَقَ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ فَثَبَتَ أنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ أُحُدٍ. الثّالِثُ: أنَّ الِانْكِسارَ واسْتِيلاءَ العَدُوِّ كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ الأحْزابِ لِأنَّ في يَوْمِ أُحُدٍ قَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ يَوْمَ الأحْزابِ فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ …

Aal-i-Imraan 3:121Listen in Qur'an →
122

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

When two parties among you were about to lose courage, but Allah was their ally; and upon Allah the believers should rely.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ التَّبْوِئَةُ، والمَعْنى كانَتِ التَّبْوِئَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. الثّانِي: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (إذْ غَدَوْتَ) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطّائِفَتانِ حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ لَمّا انْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هَمَّتِ الطّائِفَتانِ بِاتِّباعِهِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أبْهَمَ ذِكْرَهُما وسَتَرَ عَلَيْهِما، فَلا يَجُوزُ لَنا أنْ نَهْتِكَ ذَلِكَ السِّتْرَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَشَلُ الجُبْنُ والخَوَرُ، فَإنْ قِيلَ: الهَمُّ بِالشَّيْءِ هو العَزْمُ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطّائِفَتَيْنِ عَزَمَتا عَلى الفَشَلِ والتَّرْكِ وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ بِهِما أنْ يُقالَ واللَّهُ ولِيُّهُما ؟

والجَوابُ: الهَمُّ قَدْ يُرادُ بِهِ العَزْمُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الفِكْرُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما يَظْهَرُ مِنَ القَوْلِ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَةِ عَدَدِهِ ووُفُورِ عُدَدِهِ، لِأنَّ أيَّ شَيْءٍ ظَهَرَ مِن هَذا الجِنْسِ صَحَّ أنْ يُوصَفَ مَن ظَهَرَ ذَلِكَ مِنهُ بِأنَّهُ هَمَّ بِأنْ يَفْشَلَ مِن حَيْثُ ظَهَرَ مِنهُ ما يُوجِبُ ضَعْفَ القَلْبِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْصِيَةً وقَعَتْ مِنهُما، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لَكِنَّها مِن بابِ الصَّغائِرِ لا مِن بابِ الكَبائِرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ فَإنَّ ذَلِكَ الهَمَّ لَوْ كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ لَما بَقِيَتْ وِلايَةُ اللَّهِ لَهُما.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (واللَّهُ ولِيُّهم) كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَعْنى وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الهَمَّ ما أخْرَجَهُما عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى ناصِرُهُما ومُتَوَلِّي أمْرِهِما فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِما هَذا الفَشَلُ وتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ الثّالِثُ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفَشَلَ إنَّما لَمْ يَدْخُلْ في الوُجُودِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّهُما فَأمَدَّهُما بِالتَّوْفِيقِ والعِصْمَةِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ سُبْحانَهُ وتَسْدِيدُهُ لَما تَخَلَّصَ أحَدٌ عَنْ ظُلُماتِ المَعاصِي، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَسُرُّنا أنّا لَمْ نَهُمَّ بِما هَمَّتِ الطّائِفَتانِ بِهِ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ولِيُّهُما ؟

صفحة ١٨٢

قُلْنا: مَعْنى ذَلِكَ فَرْطُ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ تَعالى وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ، وأنَّ تِلْكَ الهَمَّةَ ما أخْرَجَتْهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ …

Aal-i-Imraan 3:122Listen in Qur'an →
123

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And already had Allah given you victory at [the battle of] Badr while you were few in number. Then fear Allah; perhaps you will be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أُحُدٍ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ بَدْرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا في غايَةِ الفَقْرِ والعَجْزِ، والكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلَّطَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ فَصارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ لا يَتَوَسَّلَ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِ ومَطْلُوبِهِ إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَأْكِيدُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وتَأْكِيدُ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّهُما هَمَّتا بِالفَشَلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي مَن كانَ اللَّهُ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا لَهُ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الفَشَلُ والجُبْنُ والضَّعْفُ ؟ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ بَدْرٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ ولَكِنْ لَمّا كانَ اللَّهُ ناصِرًا لَهم فازُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وقَهَرُوا خُصُومَهم فَكَذا هاهُنا، فَهَذا تَقْرِيرُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في بَدْرٍ أقْوالٌ. الأوَّلُ: بَدْرٌ اسْمُ بِئْرٍ لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتِ البِئْرُ بِاسْمِ صاحِبِها هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلْبِئْرِ كَما يُسَمّى البَلَدُ بِاسْمٍ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ اسْمُ صاحِبِهِ وهَذا قَوْلُ الواقِدِيِّ وشُيُوخِهِ، وأنْكَرُوا قَوْلَ الشَّعْبِيِّ، وهو ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أذِلَّةٌ) جَمْعُ ذَلِيلٍ قالَ الواحِدِيُّ: الأصْلُ في الفَعِيلِ إذا كانَ صِفَةً أنْ يُجْمَعَ عَلى فُعَلاءَ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ وكَثِيرٍ وكُثَراءَ وشَرِيكٍ وشُرَكاءَ إلّا أنَّ لَفْظَ فُعَلاءَ اجْتَنَبُوهُ في التَّضْعِيفِ لِأنَّهم لَوْ قالُوا: قَلِيلٌ وقُلَلاءُ وخَلِيلٌ وخُلَلاءُ لاجْتَمَعَ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ فَعُدِلَ إلى أفْعِلَةٍ لِأنَّ مِن جُمُوعِ الفَعِيلِ: الأفْعِلَةَ، كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، وقَفِيزٍ وأقْفِزَةٍ فَجَعَلُوهُ جَمْعَ ذَلِيلٍ أذِلَّةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأذِلَّةُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وإنَّما ذَكَرَ جَمْعَ القِلَّةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم مَعَ ذُلِّهِمْ كانُوا قَلِيلِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وإنَّما كانُوا أذِلَّةً لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذا الذُّلِّ بِمَعْنًى لا يُنافِي مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ هو تَفْسِيرُهُ بِقِلَّةِ العَدَدِ وضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ وعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ، ومَعْنى الذُّلِّ الضَّعْفُ عَنِ المُقاوَمَةِ ونَقِيضُهُ العِزُّ وهو القُوَّةُ والغَلَبَةُ، رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، وما كانَ

صفحة ١٨٣

فِيهِمْ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، وأكْثَرُهم كانُوا رَجّالَةً، ورُبَّما كانَ الجَمْعُ مِنهم يَرْكَبُ جَمَلًا واحِدًا، والكُفّارُ قَرِيبِينَ مِن ألْفِ مُقاتِلٍ ومَعَهم مِائَةُ فَرَسٍ مَعَ الأسْلِحَةِ الكَثِيرَةِ والعُدَّةِ الكامِلَةِ. الثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ أنَّهم كانُوا أذِلَّةً في زَعْمِ …

Aal-i-Imraan 3:123Listen in Qur'an →
124

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الوَعْدَ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ يَوْمَ أُحُدٍ ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بَيانُ العامِلِ في (إذْ) فَإنْ قُلْنا هَذا الوَعْدُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ العامِلُ في (إذْ) قَوْلَهُ: ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ ذَلِكَ بَدَلًا ثانِيًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ والواقِدِيِّ ومُقاتِلٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّما أُمِدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] فَكَيْفَ يَلِيقُ ما ذُكِرَ فِيهِ ثَلاثَةُ آلافٍ وخَمْسَةُ آلافٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ ؟

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، والمُسْلِمُونَ كانُوا عَلى الثُّلُثِ مِنهم لِأنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَصارَ عَدَدُ الكُفّارِ مُقابَلًا بِعَدَدِ المَلائِكَةِ مَعَ زِيادَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ فَلا جَرَمَ وقَعَتِ الهَزِيمَةُ عَلى الكُفّارِ فَكَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ألْفًا، وعَدَدُ الكُفّارِ ثَلاثَةَ آلافٍ، فَكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ عَلى الثُّلُثِ مِن عَدَدِ الكُفّارِ في هَذا اليَوْمِ، كَما في يَوْمِ بَدْرٍ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ في هَذا اليَوْمِ أنْ يُنَزِّلَ ثَلاثَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَصِيرَ عَدَدُ الكُفّارِ مُقابَلًا بِعَدَدِ المَلائِكَةِ مَعَ زِيادَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ يَهْزِمُونَهم في هَذا اليَوْمِ كَما هَزَمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ جَعَلَ الثَّلاثَةَ

صفحة ١٨٤

آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ لِتَزْدادَ قُوَّةُ قُلُوبِ المُسْلِمِينَ في هَذا اليَوْمِ ويَزُولَ الخَوْفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ إذا قُلْنا إنَّ هَذا الوَعْدَ إنَّما حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والمُرادُ ويَأْتُوكم أعْداؤُكم مِن فَوْرِهِمْ، ويَوْمُ أُحُدٍ هو اليَوْمُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِمُ الأعْداءُ، فَأمّا يَوْمُ بَدْرٍ فالأعْداءُ ما أتَوْهم، بَلْ هم ذَهَبُوا إلى الأعْداءِ.

فَإنْ قِيلَ: لَوْ جَرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ إنَّهُ ما حَصَلَ هَذا الإمْدادُ لَزِمَ الكَذِبُ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَهُ خَمْسَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ أنْ يَصْبِرُوا ويَتَّقُوا في المَغانِمِ ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا ولَمْ يَتَّقُوا في المَغانِمِ، بَلْ خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا فاتَ الشَّرْطُ لا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ، وأمّا إنْزالُ ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّما وعَدَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ …

Aal-i-Imraan 3:124Listen in Qur'an →
125

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Yes, if you remain patient and conscious of Allah and the enemy come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: بَلى: إيجابٌ لِما بَعْدَ (لَنْ) يَعْنِي بَلْ يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ فَأوْجَبَ الكِفايَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ يَعْنِي والمُشْرِكُونَ يَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ العَدَدِ وهو خَمْسَةُ آلافٍ، فَجَعَلَ مَجِيءَ خَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَشْرُوطَةً بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الصَّبْرُ والتَّقْوى ومَجِيءُ الكُفّارِ عَلى الفَوْرِ، فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشَّرائِطُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَوْرُ مَصْدَرٌ مِن: فارَتِ القِدْرُ إذا غَلَتْ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] قِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ ارْتِفاعِ الماءِ مِنهُ ثُمَّ جَعَلُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْتِعارَةً في السُّرْعَةِ، يُقالُ جاءَ فُلانٌ ورَجَعَ مِن فَوْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ الأمْرُ لِلْفَوْرِ أوِ التَّراخِي، والمَعْنى حِدَّةُ مَجِيءِ العَدُوِّ وحَرارَتُهُ وسُرْعَتُهُ.

صفحة ١٨٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ (مُسَوِّمِينَ) بِكَسْرِ الواوِ أيْ مُعَلِّمِينَ عَلَّمُوا أنْفُسَهم بِعَلاماتٍ مَخْصُوصَةٍ، وأكْثَرُ الأخْبارِ أنَّهم سَوَّمُوا خُيُولَهم بِعَلاماتٍ جَعَلُوها عَلَيْها، والباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ سَوَّمَهُمُ اللَّهُ أوْ بِمَعْنى أنَّهم سَوَّمُوا أنْفُسَهم، فَكانَ في المُرادِ مِنَ التَّسْوِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَوْلانِ. الأوَّلُ: السُّومَةُ العَلامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِها الشَّيْءُ مِن غَيْرِهِ، ومَضى شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وهَذِهِ العَلامَةُ يُعَلَّمُها الفارِسُ يَوْمَ اللِّقاءِ لِيُعْرَفَ بِها، وفي الخَبَرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ”«سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ سَوَّمُوا أنْفُسَهم بِالعَمائِمِ الصُّفْرِ وخُيُولَهم، وكانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، بِأنْ عَلَّقُوا الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِيها وأذْنابِها، ورُوِيَ أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ كانَ يُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعامَةٍ، وأنَّ عَلِيًّا كانَ يُعَلَّمُ بِصُوفَةٍ بَيْضاءَ وأنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يَتَعَصَّبُ بِعِصابَةٍ صَفْراءَ وأنَّ أبا دُجانَةَ كانَ يُعَلَّمُ بِعِصابَةٍ حَمْراءَ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المُسَوَّمِينَ أنَّهُ بِمَعْنى المُرْسَلِينَ مَأْخُوذًا مِنَ الإبِلِ السّائِمَةِ المُرْسَلَةِ في الرَّعْيِ، تَقُولُ: أسَمْتُ الإبِلَ إذا أرْسَلْتَها، ويُقالُ في التَّكْثِيرِ سَوَّمْتُ كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ وكَرَّمْتُ، فَمَن قَرَأ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِكَسْرِ الواوِ فالمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ أرْسَلَتْ خَيْلَها عَلى الكُفّارِ لِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهم عَلى المُشْرِكِينَ لِيُهْلِكُوهم كَما تُهْلِكُ الماشِيَةُ النَّباتَ والحَشِيشَ.

Aal-i-Imraan 3:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ

And Allah made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allah, the Exalted in Might, the Wise -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾

الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وما جَعَلَ اللَّهُ المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ عَلى الإمْدادِ فَكَنّى عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] مَعْناهُ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ عَلى الأكْلِ فَكَنّى عَنْهُ وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ ذِكْرَ المَدَدِ ﴿إلّا بُشْرى﴾ والبُشْرى اسْمٌ مِنَ الإبْشارِ ومَضى الكَلامُ في مَعْنى التَّبْشِيرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ:

وهُوَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ مُسْتَنْكَرٌ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ إلّا بُشْرى لَكم واطْمِئْنانًا، أوْ يُقالُ إلّا لِيُبَشِّرَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَلِمَ تَرَكَ ذَلِكَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، وأحَدُهُما أقْوى في المَطْلُوبِيَّةِ مِنَ الآخَرِ،

صفحة ١٨٩

فَأحَدُهُما إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ . والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ عَلى أنَّ إعانَةَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَهم فَلا يَجْبُنُوا عَنِ المُحارَبَةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في المَطْلُوبِيَّةِ فَكَوْنُهُ بُشْرى مَطْلُوبٌ ولَكِنَّ المَطْلُوبَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذا أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ هو الرُّكُوبُ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَيْها، فَكَذا هاهُنا الثّانِي؛ قالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: الواوُ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى المَلائِكَةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إيمانَ العَبْدِ لا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الأسْبابِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حاجاتُ العِبادِ ولا يَعْجِزُ عَنْ إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُتَوَقَّعِ النَّصْرُ إلّا مِن رَحْمَتِهِ ولا الإعانَةُ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واللّامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ والمَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن نَصْرِكم بِواسِطَةِ إمْدادِ المَلائِكَةِ هو أنْ يَقْطَعُوا طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ يُهْلِكُوا طائِفَةً مِنهم ويَقْتُلُوا قِطْعَةً مِنهم، قِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ …

Aal-i-Imraan 3:126Listen in Qur'an →
127

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾

الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وما جَعَلَ اللَّهُ المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ عَلى الإمْدادِ فَكَنّى عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] مَعْناهُ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ عَلى الأكْلِ فَكَنّى عَنْهُ وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ ذِكْرَ المَدَدِ ﴿إلّا بُشْرى﴾ والبُشْرى اسْمٌ مِنَ الإبْشارِ ومَضى الكَلامُ في مَعْنى التَّبْشِيرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ:

وهُوَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ مُسْتَنْكَرٌ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ إلّا بُشْرى لَكم واطْمِئْنانًا، أوْ يُقالُ إلّا لِيُبَشِّرَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَلِمَ تَرَكَ ذَلِكَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، وأحَدُهُما أقْوى في المَطْلُوبِيَّةِ مِنَ الآخَرِ،

صفحة ١٨٩

فَأحَدُهُما إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ . والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ عَلى أنَّ إعانَةَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَهم فَلا يَجْبُنُوا عَنِ المُحارَبَةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في المَطْلُوبِيَّةِ فَكَوْنُهُ بُشْرى مَطْلُوبٌ ولَكِنَّ المَطْلُوبَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذا أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ هو الرُّكُوبُ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَيْها، فَكَذا هاهُنا الثّانِي؛ قالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: الواوُ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى المَلائِكَةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إيمانَ العَبْدِ لا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الأسْبابِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حاجاتُ العِبادِ ولا يَعْجِزُ عَنْ إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُتَوَقَّعِ النَّصْرُ إلّا مِن رَحْمَتِهِ ولا الإعانَةُ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واللّامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ والمَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن نَصْرِكم بِواسِطَةِ إمْدادِ المَلائِكَةِ هو أنْ يَقْطَعُوا طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ يُهْلِكُوا طائِفَةً مِنهم ويَقْتُلُوا قِطْعَةً مِنهم، قِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ …

Aal-i-Imraan 3:127Listen in Qur'an →
128

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ

Not for you, [O Muhammad, but for Allah], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُحُدٍ، ثُمَّ

صفحة ١٩٠

القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والقائِلُونَ بِهَذا ذَكَرُوا احْتِمالاتٍ. أحَدُها: رُوِيَ أنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي وقّاصٍ شَجَّهُ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ يَغْسِلُ عَنْ وجْهِهِ الدَّمَ وهو يَقُولُ: ”«كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ» “ ثُمَّ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وثانِيها: ما رَوى سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ أقْوامًا فَقالَ: ”«اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَرْثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَتابَ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ وحَسُنَ إسْلامُهم. وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا رَآهُ ورَأى ما فَعَلُوا بِهِ مِنَ المُثْلَةِ قالَ: ”«لَأُمَثِّلَنَّ مِنهم بِثَلاثِينَ» “، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ حَصَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ الكُلِّ فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُها عَلى كُلِّ الِاحْتِمالاتِ. الثّانِي: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَلْعَنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ والَّذِينَ انْهَزَمُوا فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وخالَفُوا أمْرَهُ ويَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَهَذِهِ الِاحْتِمالاتُ والوُجُوهُ كُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى قَوْلِنا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُحُدٍ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَةٍ أُخْرى وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَمْعًا مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ لِيُعَلِّمُوهُمُ القُرْآنَ فَذَهَبَ إلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَعَ عَسْكَرِهِ وأخَذَهم وقَتَلَهم فَجَزِعَ مِن ذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ جَزَعًا شَدِيدًا ودَعا عَلى الكُفّارِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ وهو بَعِيدٌ لِأنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قِصَّةِ أُحُدٍ، وسِياقُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وإلْقاءُ قِصَّةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْ أوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ غَيْرُ لائِقٍ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها ورَدَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ فِيهِ فِعْلًا، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالمَنعِ مِنهُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ إنْ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] وأيْضًا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالأمْرُ المَمْنُوعُ عَنْهُ في هَذِهِ …

Aal-i-Imraan 3:128Listen in Qur'an →
129

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا تَأْكِيدُ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الأمْرَ إنَّما يَكُونُ لِمَن لَهُ المُلْكُ، ومُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى فالأمْرُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ (مَن) لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى الحَقائِقِ والماهِيّاتِ، فَدَخَلَ فِيهِ الكُلُّ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ جَمِيعَ الكُفّارِ والمَرَدَةِ، ولَهُ أنْ يُدْخِلَ النّارَ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ جَمِيعَ المُقَرَّبِينَ والصِّدِّيقِينَ وأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى ظاهِرَةٌ والبُرْهانُ العَقْلِيُّ

صفحة ١٩٣

يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى الإرادَةِ وتِلْكَ الإرادَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإذا خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الإرادَةَ أطاعَ، وإذا خَلَقَ النَّوْعَ الآخَرَ مِنَ الإرادَةِ عَصى، فَطاعَةُ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ ومَعْصِيَتُهُ أيْضًا مِنَ اللَّهِ، وفِعْلُ اللَّهِ لا يُوجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ، فَلا الطّاعَةُ تُوجِبُ الثَّوابَ، ولا المَعْصِيَةُ تُوجِبُ العِقابَ، بَلِ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَصَحَّ ما ادَّعَيْناهُ أنَّهُ لَوْ شاءَ [أنْ] يُعَذِّبَ جَمِيعَ المُقَرَّبِينَ حَسُنَ مِنهُ، ولَوْ شاءَ [أنْ] يَرْحَمَ جَمِيعَ الفَراعِنَةِ حَسُنَ مِنهُ ذَلِكَ، وهَذا البُرْهانُ هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْكُفّارِ ولا يُعَذِّبُ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ ؟

قُلْنا: مَدْلُولُ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ أرادَ لَفَعَلَ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ أوْ لا يَفْعَلُ، وهَذا الكَلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ.

ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ وإنْ حَسُنَ كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ إلّا أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ غالِبٌ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ بَلْ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ.

Aal-i-Imraan 3:129Listen in Qur'an →
130

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًۭا مُّضَٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allah that you may be successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.

وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ

صفحة ٤

تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .

والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.

الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ …

Aal-i-Imraan 3:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.