Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

صفحة ١٣٢

[ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ]

مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ٢٠٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الأنْفالِ

﷽

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .

﷽

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .

أمّا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (الم اللَّهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، ونَصْبِ هَمْزَةِ: أللَّهُ، والباقُونَ مَوْصُولًا بِفَتْحِ المِيمِ، أمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: نِيَّةُ الوَقْفِ ثُمَّ إظْهارُ الهَمْزَةِ لِأجْلِ الِابْتِداءِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَقْطَعُ ألِفَ الوَصْلِ، فَمَن فَصَلَ وأظْهَرَ الهَمْزَةَ فَلِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا مَن نَصَبَ المِيمَ فَفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ واخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّ أسْماءَ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، يَقُولُ: ألِفْ، لامْ، مِيمْ، كَما تَقُولُ: واحِدْ، اثْنانْ، ثَلاثَةْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: أللَّهُ، فَإذا ابْتَدَأْنا بِهِ نُثْبِتُ الهَمْزَةَ مُتَحَرِّكَةً، إلّا أنَّهم أسْقَطُوا الهَمْزَةَ لِلتَّخْفِيفِ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ حَرَكَتُها عَلى أنَّها في حُكْمِ المُبْقاةِ بِسَبَبِ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُبْتَدَأً بِها.

فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ التَّقْدِيرُ فَصْلَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى امْتَنَعَ إسْقاطُ الهَمْزَةِ، وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ هو

صفحة ١٣٣

الوَصْلَ امْتَنَعَ بَقاءُ الهَمْزَةِ مَعَ حَرَكَتِها، وإذا امْتَنَعَ بَقاؤُها امْتَنَعَتْ حَرَكَتُها، وامْتَنَعَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.

قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساقِطًا بِصُورَتِهِ باقِيًا بِمَعْناهُ فَأُبْقِيَتْ حَرَكَتُها لِتَدُلَّ عَلى بَقائِها في المَعْنى. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ قَوْلِ الفَرّاءِ.

والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّ السَّبَبَ في حَرَكَةِ المِيمِ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، وهَذا القَوْلُ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وفِيهِ دِقَّةٌ ولُطْفٌ، والكَلامُ في تَلْخِيصِهِ طَوِيلٌ.

وأقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ أحَدُهُما: سَبَبُ أصْلِ الحَرَكَةِ. والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ الحَرَكَةِ فَتْحَةً.

أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهو بِناءٌ عَلى مُقَدِّماتٍ:

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ السّاكِنَيْنِ إذا اجْتَمَعا فَإنْ كانَ السّابِقُ مِنهُما حَرْفًا مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ لَمْ يَجِبِ التَّحْرِيكُ، لِأنَّهُ يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ، كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمْ وإسْحاقْ ويَعْقُوبْ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وجَبَ التَّحْرِيكُ لِأنَّهُ لا يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ إلّا بِالحَرَكَةِ.

المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ هي اللّامُ، وهي ساكِنَةٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ فَقَدَّمُوا عَلَيْها هَمْزَةَ الوَصْلِ وحَرَّكُوها لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَعَلى هَذا إنْ وجَدُوا قَبْلَ لامِ التَّعْرِيفَ حَرْفًا آخَرَ فَإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا تَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ السّاكِنَةِ وإنْ كانَ ساكِنًا حَرَّكُوهُ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْها أنْ يُتَوَصَّلَ بِحَرَكَتِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَإذا حَصَلَ حَرْفٌ آخَرُ تَوَصَّلُوا بِحَرَكَتِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ …

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

صفحة ١٣٢

[ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ]

مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ٢٠٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الأنْفالِ

﷽

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .

﷽

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .

أمّا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (الم اللَّهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، ونَصْبِ هَمْزَةِ: أللَّهُ، والباقُونَ مَوْصُولًا بِفَتْحِ المِيمِ، أمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: نِيَّةُ الوَقْفِ ثُمَّ إظْهارُ الهَمْزَةِ لِأجْلِ الِابْتِداءِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَقْطَعُ ألِفَ الوَصْلِ، فَمَن فَصَلَ وأظْهَرَ الهَمْزَةَ فَلِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا مَن نَصَبَ المِيمَ فَفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ واخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّ أسْماءَ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، يَقُولُ: ألِفْ، لامْ، مِيمْ، كَما تَقُولُ: واحِدْ، اثْنانْ، ثَلاثَةْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: أللَّهُ، فَإذا ابْتَدَأْنا بِهِ نُثْبِتُ الهَمْزَةَ مُتَحَرِّكَةً، إلّا أنَّهم أسْقَطُوا الهَمْزَةَ لِلتَّخْفِيفِ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ حَرَكَتُها عَلى أنَّها في حُكْمِ المُبْقاةِ بِسَبَبِ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُبْتَدَأً بِها.

فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ التَّقْدِيرُ فَصْلَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى امْتَنَعَ إسْقاطُ الهَمْزَةِ، وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ هو

صفحة ١٣٣

الوَصْلَ امْتَنَعَ بَقاءُ الهَمْزَةِ مَعَ حَرَكَتِها، وإذا امْتَنَعَ بَقاؤُها امْتَنَعَتْ حَرَكَتُها، وامْتَنَعَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.

قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساقِطًا بِصُورَتِهِ باقِيًا بِمَعْناهُ فَأُبْقِيَتْ حَرَكَتُها لِتَدُلَّ عَلى بَقائِها في المَعْنى. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ قَوْلِ الفَرّاءِ.

والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّ السَّبَبَ في حَرَكَةِ المِيمِ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، وهَذا القَوْلُ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وفِيهِ دِقَّةٌ ولُطْفٌ، والكَلامُ في تَلْخِيصِهِ طَوِيلٌ.

وأقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ أحَدُهُما: سَبَبُ أصْلِ الحَرَكَةِ. والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ الحَرَكَةِ فَتْحَةً.

أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهو بِناءٌ عَلى مُقَدِّماتٍ:

المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ السّاكِنَيْنِ إذا اجْتَمَعا فَإنْ كانَ السّابِقُ مِنهُما حَرْفًا مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ لَمْ يَجِبِ التَّحْرِيكُ، لِأنَّهُ يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ، كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمْ وإسْحاقْ ويَعْقُوبْ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وجَبَ التَّحْرِيكُ لِأنَّهُ لا يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ إلّا بِالحَرَكَةِ.

المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ هي اللّامُ، وهي ساكِنَةٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ فَقَدَّمُوا عَلَيْها هَمْزَةَ الوَصْلِ وحَرَّكُوها لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَعَلى هَذا إنْ وجَدُوا قَبْلَ لامِ التَّعْرِيفَ حَرْفًا آخَرَ فَإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا تَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ السّاكِنَةِ وإنْ كانَ ساكِنًا حَرَّكُوهُ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْها أنْ يُتَوَصَّلَ بِحَرَكَتِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَإذا حَصَلَ حَرْفٌ آخَرُ تَوَصَّلُوا بِحَرَكَتِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّ الكِتابَ هاهُنا هو القُرْآنُ، وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقَهُ، وإنَّما خُصَّ القُرْآنُ بِالتَّنْزِيلِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِالإنْزالِ، لِأنَّ التَّنْزِيلَ لِلتَّكْثِيرِ، واللَّهُ تَعالى نَزَّلَ القُرْآنَ نَجْمًا نَجْمًا، فَكانَ مَعْنى التَّكْثِيرِ حاصِلًا فِيهِ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَإنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُما دَفْعَةً واحِدَةً، فَلِهَذا خَصَّهُما بِالإنْزالِ، ولِقائِلٍ أنْ

صفحة ١٣٧

يَقُولَ: هَذا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] وبِقَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ بِوَصْفَيْنِ:

الوَصْفُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ (بِالحَقِّ) قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ صَدَقَ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

وثانِيها: أنَّ ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ يَحْمِلُ المُكَلَّفَ عَلى مُلازَمَةِ الطَّرِيقِ الحَقِّ في العَقائِدِ والأعْمالِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الباطِلِ.

وثالِثُها: أنَّهُ حَقٌّ بِمَعْنى أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، ولَيْسَ بِالهَزْلِ.

ورابِعُها: قالَ الأصَمُّ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ بِالحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وشُكْرِ النِّعْمَةِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وما يَجِبُ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ في المُعامَلاتِ.

وخامِسُها: أنْزَلَهُ بِالحَقِّ لا بِالمَعانِي الفاسِدَةِ المُتَناقِضَةِ، كَما قالَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] وقالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .

والوَصْفُ الثّانِي لِهَذا الكِتابِ: قَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِما أُخْبِرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ في الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُوافِقًا لِسائِرِ الكُتُبِ، لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ، ولا تَتَلْمَذَ لِأحَدٍ، ولا قَرَأ عَلى أحَدٍ شَيْئًا، والمُفْتَرِي إذا كانَ هَكَذا امْتَنَعَ أنْ يَسْلَمَ عَنِ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ إنَّما عَرَفَ هَذِهِ القَصَصَ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وبِالشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ سَمّى ما مَضى بِأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؟

والجَوابُ: أنَّ تِلْكَ الأخْبارَ لِغايَةِ ظُهُورِها سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، مَعَ أنَّ القُرْآنَ ناسِخٌ لِأكْثَرِ تِلْكَ الأحْكامِ ؟

والجَوابُ: إذا كانَتِ الكُتُبُ مُبَشِّرَةً بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةً عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بَعْثِهِ، وأنَّها تَصِيرُ …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ قَبْلَ أنْ أنْزَلَ القُرْآنَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُما هُدًى لِلنّاسِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ القُرْآنَ عَمًى عَلى الكافِرِينَ ولَيْسَ بِهُدًى لَهم، ويَدُلُّ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] أنَّ عِنْدَ نُزُولِهِ اخْتارُوا العَمى عَلى وجْهِ المَجازِ، كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] لَمّا فَرُّوا عِنْدَهُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عائِدًا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدْ وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ حَقٌّ، ووَصَفَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ بِأنَّهُما هَدًى والوَصْفانِ مُتَقارِبانِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِأنَّهُ هَدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَلِمَ لَمْ يَصِفْهُ هاهُنا بِهِ ؟

قُلْنا: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَصارَ مِنَ الوَجْهِ هُدًى لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، أمّا هاهُنا فالمُناظَرَةُ كانَتْ مَعَ النَّصارى، وهم لا يَهْتَدُونَ بِالقُرْآنِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَقُلْ هاهُنا في القُرْآنِ إنَّهُ هَدًى بَلْ قالَ: إنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ سَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَهم يَعْتَقِدُونَ في صِحَّتِهِما ويَدَّعُونَ بِأنّا إنَّما نَتَقَوَّلُ في دِينِنا عَلَيْهِما فَلا جَرَمَ وصَفَهُما اللَّهُ تَعالى لِأجْلِ هَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّهُما هَدًى، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٤٠

القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُتُبَ الثَّلاثَةَ بِأنَّها هُدًى، فَهَذا الوَصْفُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ .

ولِجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الزَّبُورُ، كَما قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ، وإنَّما أعادَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ومَدْحًا بِكَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أعادَ ذِكْرَهُ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بَعْدَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِيَجْعَلَهُ فَرْقًا بَيْنَ ما اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ والنَّصارى مِنَ الحَقِّ والباطِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا تَكْرارَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى كَما جَعَلَ الكُتُبَ الثَّلاثَةَ هُدًى ودَلالَةً، فَقَدْ جَعَلَها فارِقَةً بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ وسائِرِ الشَّرائِعِ، فَصارَ هَذا الكَلامُ دالًّا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الكُتُبِ ما يَلْزَمُ عَقْلًا وسَمْعًا، هَذا جُمْلَةُ ما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ وهي عِنْدِي مُشْكِلَةٌ، أمّا حَمْلُهُ عَلى الزَّبُورِ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الزَّبُورَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا المَواعِظُ، ووَصْفُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مَعَ اشْتِمالِهِما عَلى الدَّلائِلِ وبَيانِ الأحْكامِ بِالفُرْقانِ أوْلى مِن وصْفِ الزَّبُورِ بِذَلِكَ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو حَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ فَبَعِيدٌ مِن حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ …

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ قَيُّومٌ، والقَيُّومُ هو القائِمُ بِإصْلاحِ مَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِحاجاتِهِمْ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ مَتى عَلِمَ جِهاتِ حاجاتِهِمْ قَدَرَ عَلى دَفْعِها.

والأوَّلُ: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والثّانِي: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عالِمًا لا مَحالَةَ مَقادِيرَ الحاجاتِ ومَراتِبَ الضَّرُوراتِ، لا يَشْغَلُهُ سُؤالٌ عَنْ سُؤالٍ، ولا يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أسْئِلَةِ السّائِلِينَ ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ جَمِيعِ الخَلْقِ ومَنافِعِهِمْ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَظْهَرُ كَوْنُهُ قائِمًا بِالقِسْطِ قَيُّومًا بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ كَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، والطَّرِيقُ إلى إثْباتِ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو السَّمْعَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ صِحَّةِ السَّمْعِ مَوْقُوفَةٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، بَلِ الطَّرِيقُ إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، وذَلِكَ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ، والفِعْلُ المُحْكَمُ المُتْقَنُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ فاعِلِهِ عالِمًا، فَلَمّا كانَ دَلِيلُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا هو ما ذَكَرْنا، فَحِينَ ادَّعى كَوْنَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أتْبَعَهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ، وهو أنَّهُ هو الَّذِي صَوَّرَ في ظُلُماتِ الأرْحامِ هَذِهِ البِنْيَةَ العَجِيبَةَ، والتَّرْكِيبَ الغَرِيبَ، ورَكَّبَهُ مِن أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّكْلِ والطَّبْعِ والصِّفَةِ، فَبَعْضُها عِظامٌ، وبَعْضُها غَضارِيفُ، وبَعْضُها

صفحة ١٤٢

شَرايِينُ، وبَعْضُها أوْرِدَةٌ، وبَعْضُها عَضَلاتٌ، ثُمَّ إنَّهُ ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ عَلى التَّرْكِيبِ الأحْسَنِ، والتَّأْلِيفِ الأكْمَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ حَيْثُ قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ هَذِهِ الأعْضاءَ المُخْتَلِفَةَ في الطَّبائِعِ والشَّكْلِ واللَّوْنِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ العالِمِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ دالًّا عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، ودالًّا عَلى صِحَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقادِرٌ …

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ قَيُّومٌ، والقَيُّومُ هو القائِمُ بِإصْلاحِ مَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِحاجاتِهِمْ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ مَتى عَلِمَ جِهاتِ حاجاتِهِمْ قَدَرَ عَلى دَفْعِها.

والأوَّلُ: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والثّانِي: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عالِمًا لا مَحالَةَ مَقادِيرَ الحاجاتِ ومَراتِبَ الضَّرُوراتِ، لا يَشْغَلُهُ سُؤالٌ عَنْ سُؤالٍ، ولا يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أسْئِلَةِ السّائِلِينَ ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ جَمِيعِ الخَلْقِ ومَنافِعِهِمْ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَظْهَرُ كَوْنُهُ قائِمًا بِالقِسْطِ قَيُّومًا بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ كَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، والطَّرِيقُ إلى إثْباتِ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو السَّمْعَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ صِحَّةِ السَّمْعِ مَوْقُوفَةٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، بَلِ الطَّرِيقُ إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، وذَلِكَ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ، والفِعْلُ المُحْكَمُ المُتْقَنُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ فاعِلِهِ عالِمًا، فَلَمّا كانَ دَلِيلُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا هو ما ذَكَرْنا، فَحِينَ ادَّعى كَوْنَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أتْبَعَهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ، وهو أنَّهُ هو الَّذِي صَوَّرَ في ظُلُماتِ الأرْحامِ هَذِهِ البِنْيَةَ العَجِيبَةَ، والتَّرْكِيبَ الغَرِيبَ، ورَكَّبَهُ مِن أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّكْلِ والطَّبْعِ والصِّفَةِ، فَبَعْضُها عِظامٌ، وبَعْضُها غَضارِيفُ، وبَعْضُها

صفحة ١٤٢

شَرايِينُ، وبَعْضُها أوْرِدَةٌ، وبَعْضُها عَضَلاتٌ، ثُمَّ إنَّهُ ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ عَلى التَّرْكِيبِ الأحْسَنِ، والتَّأْلِيفِ الأكْمَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ حَيْثُ قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ هَذِهِ الأعْضاءَ المُخْتَلِفَةَ في الطَّبائِعِ والشَّكْلِ واللَّوْنِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ العالِمِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ دالًّا عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، ودالًّا عَلى صِحَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقادِرٌ …

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في اتِّصالِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ بِما قَبْلَهُ احْتِمالَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كالتَّقْرِيرِ لِكَوْنِهِ قَيُّومًا. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الجَوابُ عَنْ شُبَهِ النَّصارى، فَأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ قَيُّومٌ وقائِمٌ بِمَصالِحِ الخَلْقِ، ومَصالِحُ الخَلْقِ قِسْمانِ: جُسْمانِيَّةٌ ورُوحانِيَّةٌ، أمّا الجُسْمانِيَّةُ فَأشْرَفُها تَعْدِيلُ البِنْيَةِ، وتَسْوِيَةُ المِزاجِ عَلى أحْسَنِ الصُّوَرِ وأكْمَلِ الأشْكالِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيَّةُ فَأشْرَفُها العِلْمُ الَّذِي تَصِيرُ الرُّوحُ مَعَهُ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ الَّتِي تَجَلَّتْ صُوَرُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ فِيها وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِن جُمْلَةِ شُبَهِ النَّصارى تَمَسُّكُهم بِما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى

صفحة ١٤٥

مُحْكَمٍ وعَلى مُتَشابِهٍ، والتَّمَسُّكُ بِالمُتَشابِهاتِ غَيْرُ جائِزٍ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، هو في غايَةِ الحُسْنِ والِاسْتِقامَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُحْكَمٌ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُتَشابِهٌ، ودَلَّ عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ، وبَعْضَهُ مُتَشابِهٌ.

أمّا ما دَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُحْكَمٌ، فَهو قَوْلُهُ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] فَذَكَرَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ جَمِيعَهُ مُحْكَمٌ، والمُرادُ مِنَ المُحْكَمِ بِهَذا المَعْنى كَوْنُهُ كَلامًا حَقًّا فَصِيحَ الألْفاظِ صَحِيحَ المَعانِي وكُلُّ قَوْلٍ وكَلامٍ يُوجَدُ كانَ القُرْآنُ أفْضَلَ مِنهُ في فَصاحَةِ اللَّفْظِ وقُوَّةِ المَعْنى ولا يَتْمَكَّنُ أحَدٌ مِن إتْيانِ كَلامٍ يُساوِي القُرْآنَ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، والعَرَبُ تَقُولُ في البِناءِ الوَثِيقِ والعَقْدِ الوَثِيقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حَلُّهُ: مُحْكَمٌ، فَهَذا مَعْنى وصْفِ جَمِيعِهِ بِأنَّهُ مُحْكَمٌ.

وأمّا ما دَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُتَشابِهٌ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والمَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ ويُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] أيْ لَكانَ بَعْضُهُ وارِدًا عَلى نَقِيضِ الآخَرِ، ولَتَفاوَتَ نَسَقُ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والرَّكاكَةِ.

وأمّا ما دَلَّ عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ وبَعْضَهُ مُتَشابِهٌ، فَهو هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، ولا بُدَّ لَنا مِن تَفْسِيرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِحَسَبِ أصْلِ …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما حَكى عَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا﴾ وحَذْفُ (يَقُولُونَ) لِدَلالَةَ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وكَما في قَوْلِهِ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وفي هَذِهِ الآيَةِ اخْتَلَفَ كَلامُ أهْلِ السُّنَّةِ وكَلامُ المُعْتَزِلَةِ.

أمّا كَلامُ أهْلِ السُّنَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ صالِحٌ لِأنْ يَمِيلَ إلى الإيمانِ، وصالِحٌ لِأنْ يَمِيلَ إلى الكُفْرِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَمِيلَ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِ داعِيَةٍ وإرادَةٍ يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ داعِيَةَ الكُفْرِ، فَهي الخِذْلانُ، والإزاغَةُ، والصَّدُّ، والخَتْمُ، والطَّبْعُ، والرَّيْنُ، والقَسْوَةُ، والوَقْرُ، والكِنانُ، وغَيْرُها مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ داعِيَةَ الإيمانِ فَهي: التَّوْفِيقُ،

صفحة ١٥٦

والرَّشادُ، والهِدايَةُ، والتَّسْدِيدُ، والتَّثْبِيتُ، والعِصْمَةُ، وغَيْرُها مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ والمُرادُ مِن هَذَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ الدّاعِيَتانِ، فَكَما أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الإنْسانِ يَتَقَلَّبُ كَما يُقَلِّبُهُ الإنْسانُ بِواسِطَةِ ذَيْنِكَ الأُصْبُعَيْنِ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ الدّاعِيَتَيْنِ يَتَقَلَّبُ كَما يُقَلِّبُهُ الحَقُّ بِواسِطَةِ تَيْنِكَ الدّاعِيَتَيْنِ، ومَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ، وجَرَّبَ نَفْسَهُ وجَدَ هَذا المَعْنى كالشَّيْءِ المَحْسُوسِ، ولَوْ جَوَّزَ حُدُوثَ إحْدى الدّاعِيَتَيْنِ مِن غَيْرِ مُحْدِثٍ ومُؤَثِّرٍ لَزِمَهُ نَفْيُ الصّانِعِ، وكانَ ﷺ يَقُولُ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» “ ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا فَلَمّا آمَنَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ بِكُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ لا يَجْعَلَ قُلُوبَهم مائِلَةً إلى الباطِلِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها مائِلَةً إلى الحَقِّ، فَهَذا كَلامٌ بُرْهانِيٌّ مُتَأكَّدٌ بِتَحْقِيقٍ قُرْآنِيٍّ.

ومِمّا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهاتِ، بَلْ يُؤْمِنُونَ بِها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وتَرْكِ الخَوْضِ فِيها فَيَبْعُدُ مِنهم في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِالمُتَشابِهِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِهَذا الدُّعاءِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ مِنَ المُحْكَماتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى المُحْكَماتِ، وهَذا كَلامٌ مَتِينٌ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ قالُوا: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الزَّيْغَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ صَرْفُ هَذِهِ الآيَةِ إلى التَّأْوِيلِ، فَأمّا دَلائِلُهم فَقَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .

ومِمّا احْتَجُّوا بِهِ في هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً قَوْلُهُ تَعالى: …

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصُونَهم عَنِ الزَّيْغِ، وأنْ يَخُصَّهم بِالهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا فَإنَّها مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، وإنَّما الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّكَ يا إلَهَنا جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ونَعْلَمُ أنَّ وعْدَكَ لا يَكُونُ خُلْفًا وكَلامَكَ لا يَكُونُ كَذِبًا، فَمَن زاغَ قَلْبُهُ بَقِيَ هُناكَ في العَذابِ أبَدَ الآبادِ، ومَن أعْطَيْتَهُ التَّوْفِيقَ والهِدايَةَ والرَّحْمَةَ وجَعَلْتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، بَقِيَ هُناكَ في السَّعادَةِ والكَرامَةِ أبَدَ الآبادِ، فالغَرَضُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَقْدِيرُهُ: جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، فَحُذِفَ لِكَوْنِ المُرادِ ظاهِرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ كَلامَ المُؤْمِنِينَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَأمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَهو كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صَدَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ وأيَّدَ كَلامَهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ كَما قالَ حِكايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَبْعُدُ وُرُودُ هَذا عَلى طَرِيقَةِ العُدُولِ في الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] .

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالُوا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وقالُوا في تِلْكَ الآيَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] .

صفحة ١٥٩

قُلْتُ: الفَرْقُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَقامِ الهَيْبَةِ، يَعْنِي أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الحَشْرَ والنَّشْرَ لِيَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، فَكانَ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ أوْلى في هَذا المَقامِ، أمّا قَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَذاكَ المَقامُ مَقامُ طَلَبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ أنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ، وأنْ يَتَجاوَزَ عَنْ سَيِّئاتِهِ فَلَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامَ الهَيْبَةِ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الوَعْدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] والوَعْدُ والمَوْعِدُ والمِيعادُ واحِدٌ، وقَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُخْلِفُ في الوَعِيدِ.

والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُوعِدُ الفُسّاقَ مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ الوَعِيدُ …

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ دُعاءَهم وتَضَرُّعَهم، حَكى كَيْفِيَّةَ حالِ الكافِرِينَ وشَدِيدَ عِقابِهِمْ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: المُرادُ بِهِمْ وفْدُ نَجْرانَ، وذَلِكَ لِأنّا رُوِّينا في بَعْضِ قِصَّتِهِمْ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا ولَكِنَّنِي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ والجاهِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَمالَ العَذابِ هو أنْ يَزُولَ عَنْهُ كُلُّ ما كانَ مُنْتَفِعًا بِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الأسْبابِ المُؤْلِمَةِ.

أمّا الأوَّلُ: فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المَرْءَ عِنْدَ الخُطُوبِ والنَّوائِبِ في الدُّنْيا يَفْزَعُ إلى المالِ والوَلَدِ، فَهُما أقْرَبُ الأُمُورِ الَّتِي يَفْزَعُ المَرْءُ إلَيْها في دَفْعِ الخُطُوبِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ صِفَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ مُخالِفَةٌ لِصِفَةِ الدُّنْيا لِأنَّ أقْرَبَ الطُّرُقِ إلى دَفْعِ المَضارِّ إذا لَمْ يَتَأتَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَما عَداهُ بِالتَّعَذُّرِ أوْلى، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلُهُ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] وقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِن أسْبابِ كَمالِ العَذابِ، فَهو أنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الأسْبابُ المُؤْلِمَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وهَذا هو النِّهايَةُ في شَرْحِ العَذابِ فَإنَّهُ لا عَذابَ أزْيَدُ مِن أنْ تَشْتَعِلَ النّارُ

صفحة ١٦١

فِيهِمْ كاشْتِعالِها في الحَطَبِ اليابِسِ، والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ الحَطَبُ الَّذِي تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وبِالضَّمِّ هو مَصْدَرُ وقَدَتِ النّارُ وُقُودًا كَقَوْلِهِ: ورَدَتْ وُرُودًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ (مِنَ اللَّهِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَحَذَفَ المُضافَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”مِن“ بِمَعْنى عِنْدَ، والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا.

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.