Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 200

61

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."

ولَمّا أتاهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالفَصْلِ في البَيانِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ إلّا العِنادُ، فَبَيَّنَ أوَّلًا ما تَفَضَّلَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أطْوارِ الخَلْقِ المُوجِبَةِ لِلْحاجَةِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ، ثُمَّ فَضَحَ بِتَمْثِيلِهِ بِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شُبْهَتَهُمْ، ألْزَمَهم عَلى تَقْدِيرِهِ بِالفَيْصَلِ الأعْظَمِ لِلْمُعانِدِ المُوجِبِ لِلْعَذابِ المُسْتَأْصِلِ أهْلَ الفَسادِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَمّا آتَيْناكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ في أمْرِهِ أنّا نَقُولُ لَكَ: مَن ﴿حاجَّكَ فِيهِ﴾ أيْ خاصَمَكَ بِإيرادِ حُجَّةٍ، أيْ كَلامٍ يَجْعَلُهُ في عِدادِ ما يَقْصِدُ.

ولَمّا كانَ المَلُومُ إنَّما هو مَن بَلَغَتْهُ هَذِهِ الآياتُ وعَرَفَ مَعْناها دُونَ مَن حاجَّ في الزَّمانِ الَّذِي هو بَعْدَ نُزُولِها دُونَ اطِّلاعِهِ عَلَيْها قالَ: ﴿مِن﴾ أيْ مُبْتَدِئًا المُحاجَّةَ مِن، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمِن لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ المُباهَلَةَ تَخْتَصُّ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ زَمانَ البُعْدِ بِالمُجادَلَةِ ﴿بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧] أيِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ في أمْرِهِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا أيُّها المُجادِلُونَ إلى أمْرٍ نَعْرِفُ فِيهِ عُلُوَّ المُحِقِّ وسُفُولَ المُبْطِلِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعَزُّ ما عِنْدَ الإنْسانِ لِكَوْنِهِمْ بَعْضَهُ ﴿ونِساءَنا ونِساءَكُمْ﴾ أيِ اللّاتِي هُنَّ أُولى ما يُدافِعُ عَنْهُ أُولُو الهِمَمِ العَوالِي ﴿وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ فَقَدَّمَ ما يُدافِعُ عَنْهُ ذَوُو الأحْسابِ ويَفْدُونَهُ بِنُفُوسِهِمْ، وقَدَّمَ مِنهُ الأعَزَّ الألْصَقَ بِالأكْبادِ وخَتَمَ بِالمُدافِعِ، وهَذا التَّرْتِيبُ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إذا اعْتَبَرْتَ أنَّهُ قَدَّمَ الفَرْعَ ثُمَّ الأصْلَ وبَدَأ بِالأدْنى وخَتَمَ بِالأعْلى، وفائِدَةُ الجَمْعِ الإشارَةُ إلى القَطْعِ بِالوُثُوقِ بِالكَوْنِ عَلى الحَقِّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما لَهُ هَذا الجَمْعُ مُشِيرًا بِحَرْفِ التَّراخِي إلى خَطَرِ الأمْرِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ والتَّرَوِّي لَهُ وإمْعانُ النَّظَرِ فِيهِ لِوَخامَةِ العاقِبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ لِلْكاذِبِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَضَرَّعْ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما نَقَلَهُ الإمامُ أبُو حَيّانَ في نَهْرِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الِابْتِهالُ طَلَبُ البَهْلِ، والبَهْلُ أصْلُ مَعْناهُ التَّخَلِّي والضَّراعَةُ في مُهِمٍّ مَقْصُودٍ. انْتَهى.

﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فَهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، أيْ إبْعادَهُ وطَرْدَهُ ﴿عَلى الكاذِبِينَ﴾ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِ: ثُمَّ لَمّا أُتْبِعَتْ قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَعْنِي في البَقَرَةِ - بِذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِوُقُوفِهِمْ مِن تِلْكَ القِصَصِ عَلى ما لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ، وأُنْذِرُوا وحُذِّرُوا؛ أُتْبِعَتْ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَعْنِي هُنا - بِذِكْرِ الحَوارِيِّينَ وأمْرِ النَّصارى إلى آيَةِ المُباهَلَةِ. انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allah. And indeed, Allah is the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا كانَ العِلْمُ الأزَلِيُّ حاصِلًا بِأنَّ المُجادِلِينَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكُفُّونَ عَنِ المُباهَلَةِ بَعْدَ المُجادَلَةِ خَوْفًا مِنَ الاسْتِئْصالِ في العاجِلَةِ مَعَ الخِزْيِ الدّائِمِ في الآجِلَةِ، وكانَ كَفُّهم عَنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بِإبْطالِهِمْ في دَعْواهم لِكُلِّ مَن يُشاهِدُهم أوْ يَتَّصِلُ بِهِ خَبَرُهُمْ، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: - تَنْبِيهًا عَلى ما فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ - ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُضادُّهُ ﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ والقَصَصُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَتَبُّعُ الوَقائِعِ بِالإخْبارِ عَنْها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلى تَرْتِيبِها، في مَعْنى قَصِّ الأثَرِ، وهو اتِّباعُهُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى مَحَلِّ ذِي الأثَرِ. انْتَهى.

ولَمّا بَدَأ سُبْحانَهُ وتَعالى القِصَّةَ أوَّلَ السُّورَةِ بِالإخْبارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ صَرِيحًا خَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ إشارَةً وتَلْوِيحًا فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما أنْتَجَهُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ عِيسى ﷺ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ مُعْرِقًا بِزِيادَةِ الجارِّ في النَّفْيِ: ﴿وما مِن إلَهٍ﴾ أيْ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ، لِأنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو بِحَيْثُ يَضُرُّ ويَنْفَعُ ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، لِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ - كَما مَضى التَّصْرِيحُ بِهِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهُ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا السِّياقِ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا تَفَرُّدَهُ تَرَكُوا المُباهَلَةَ رَهْبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلْمًا مِنهم بِأنَّهم لَهُ عاصُونَ ولِحَقِّهِ مُضَيِّعُونَ وأنَّ ما يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ لا شَيْءَ في يَدِهِ مِنَ الدَّفْعِ عَنْهم ولا مِنَ النَّفْعِ لَهُمْ، فَلا بُرْهانَ أقْطَعُ مِن هَذا.

ولَمّا كانَ في نَفْيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى نَوْعُ خَفاءٍ أتى بِالوَصْفَيْنِ عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّهُ عِلَّةُ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيٍ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وهَذا بِخِلافِ الحَياةِ والقَيُّومِيَّةِ فَإنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِهِما عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ لِظُهُورِهِما، وقَدْ عُلِمَ بِلا شُبْهَةٍ بِما عُلِمَ مِن أنَّهُ لا عَزِيزَ ولا حَكِيمَ إلّا هو أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.

Aal-i-Imraan 3:62Listen in Qur'an →
63

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ

But if they turn away, then indeed - Allah is Knowing of the corrupters.

ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَبَّبَ عَنْهُ تَهْدِيدَهم عَلى الإعْراضِ بِقَوْلِهِ - مُنَبِّهًا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ عَلى أنَّهُ لا يُعْرِضُ عَنْ هَذا المَحَلِّ البَيِّنِ إلّا مَن كانَ عالِمًا بِأنَّهُ مُبْطِلٌ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُظَنُّ بِذِي عَقْلٍ ولا مُرُوءَةٍ، فَمِن حَقِّ ذِكْرِهِ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ فَرْضِ المُحالاتِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنْ إجابَتِكَ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهِمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، فَعَدَلَ عَنْهُ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ تَنْفِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ فَهو يَحْكُمُ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ فَيَنْتَقِمُ مِنهم لِفَسادِهِمْ بِعِزَّتِهِ انْتِقامًا يُتْقِنُهُ بِحِكْمَتِهِ فَيَنْقَلِبُونَ مِنهُ بِصَفْقَةِ خاسِرٍ ولا يَجِدُونَ مِن ناصِرٍ.

Aal-i-Imraan 3:63Listen in Qur'an →
64

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allah and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allah." But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

ولَمّا نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ بَعْدَ أنْ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ الحُجَجِ فانْقَطَعُوا، فَلَمْ تَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ وقَبِلُوا الصَّغارَ والجِزْيَةَ، فَعُلِمَ انْحِلالُهم عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ المُحاجَّةِ ولَمْ يَبْقَ إلّا إظْهارُ النَّتِيجَةِ، اقْتَضى ذَلِكَ عِظَمَ تَشَوُّفِهِ ﷺ إلَيْها لِعِظَمِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى هِدايَةِ الخَلْقِ، فَأمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَها مُكَرِّرًا إرْشادَهم بِطَرِيقٍ أخَفَّ مِمّا مَضى بِأنْ يُؤْنِسَهم فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالمُؤاساةِ، فَيَدْعُو دُعاءً يَشْمَلُ المُحاجِّينَ مِنَ النَّصارى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ كِتابٌ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي قامَتِ البَراهِينُ عَلى حَقِّيَّتِها ونَهَضَتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِها، دُعاءً لا أعْدَلَ مِنهُ، عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ ما قَدْ يُتَخَيَّلُ مِن إرادَةِ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والِاخْتِصاصِ بِأمْرٍ دُونَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ بَدَأ بِمُباشَرَةِ ما دَعاهم إلَيْهِ ورَضِيَ لَهم ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ وما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الكُتُبُ واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ﴾ ولَمّا كانَ قَدِ انْتَقَلَ مِن طَلَبِ الإفْحامِ خاطَبَهم تَلَطُّفًا بِهِمْ بِما يُحِبُّونَ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ إشارَةً إلى ما عِنْدَهم في ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ ﴿تَعالَوْا﴾ أيِ ارْفَعُوا أنْفُسَكم مِن حَضِيضِ الشِّرْكِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٍ﴾ أيْ ذاتِ عَدْلٍ لا شَطَطَ فِيهِ بِوَجْهٍ ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ لِأنَّهُ الحائِزُ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ أيْ لا نَعْتَقِدُ لَهُ شَرِيكًا وإنْ لَمْ نَعْبُدْهُ.

ولَمّا كانَ التَّوَجُّهُ إلى غَيْرِ اللَّهِ خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ فَقالَ: ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا﴾ أيْ كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ والأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ يُحِلُّونَ ويُحَرِّمُونَ. ولَمّا كانَ الرَّبُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُعَلِّمِ والمُرَبِّي بِنَوْعِ تَرْبِيَةٍ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَحْذُورَ إنَّما هو اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ، والِاجْتِراءُ عَلى ما يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِالكَمالِ.

ولَمّا زاحَتِ الشُّكُوكُ وانْتَفَتِ العِلَلُ أمَرَ بِمُصارَحَتِهِمْ بِالخِلافِ في سِياقٍ ظاهِرُهُ المُتارَكَةُ وباطِنُهُ الإنْذارُ الشَّدِيدُ المُعارَكَةِ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ مُشِيرًا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ الإعْراضَ عَنْ هَذا العَدْلِ لا يَكادُ يَكُونُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنِ الإسْلامِ لَهُ في التَّوْحِيدِ ﴿فَقُولُوا﴾ أنْتُمْ تَبَعًا لِأبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وامْتِثالًا لِوَصِيَّتِهِ إذْ قالَ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿اشْهَدُوا بِأنّا﴾ أيْ نَحْنُ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُتَّصِفُونَ بِالإسْلامِ مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ، فَيُوشِكُ أنْ يَأْمُرَنا نَبِيُّهُ ﷺ بِقِتالِكم لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم جَرْيًا عَلى عادَةِ الرُّسُلِ، فَنُجِيبَهُ بِما أجابَ بِهِ الحَوارِيُّونَ المُشْهِدُونَ بِأنَّهم مُسْلِمُونَ، ثُمَّ نُبارِزَكم مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ مُعْتَمِدِينَ عَلَيْهِ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ أيّامَهُ الماضِيَةَ ووَقائِعَهُ السّالِفَةَ.

Aal-i-Imraan 3:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

ولَمّا عَلِمَ أهْلُ الكِتابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ العَرَبُ مِن مَحَبَّةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أتى بِدِينِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى

﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] اجْتَمَعَ مَلَأٌ مِن قَرابَتِهِمْ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وضَلَّلَ كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ وادَّعى كُلٌّ مِنهم قَصْدًا لِاجْتِذابِ المُسْلِمِينَ إلى ضَلالِهِمْ بِكَيْدِهِمْ ومُحالِهِمُ اتِّباعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ ﷺ كانَ عَلى دِينِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في كِتابِهِمْ، مَعَ أنَّ العَقْلَ يَرُدُّهُ بِأدْنى التِفاتٍ، لِأنَّ دِينَ كُلٍّ مِنهم إنَّما قُرِّرَ بِكِتابِهِمْ، وكِتابُهم إنَّما نَزَلَ عَلى نَبِيِّهِمْ، ونَبِيُّهم إنَّما كانَ بَعْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِدُهُورٍ مُتَطاوِلَةٍ، واليَهُودُ يُنْسَبُونَ إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأخْذِهِ البَكُورِيَّةَ عَنْ أخِيهِ بِنْيامِينَ لِأمْرٍ مَذْكُورٍ في كِتابِهِمْ، والنَّصارى يُنْسَبُونَ إلى النّاصِرَةِ مَخْرَجِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَبَلِ الجَلِيلِ، ولا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ عَلى دِينٍ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَهُ وعَلى نِسْبَةٍ مُتَأخِّرَةٍ عَنْهُ، وكانَ دِينُهُ ﷺ إنَّما هو الإسْلامُ، وهو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ كالمُعَلِّلِ لِتَبْكِيتِهِمْ، لِأنَّ الزَّلَّةَ مِنَ العالِمِ أشْنَعُ ﴿لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ فَيَدَّعِيهِ كُلٌّ مِن فَرِيقِكم ”و“ الحالُ أنَّهُ ”ما أنْزَلَتْ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ“ المُقَرِّرُ كُلٌّ مِنهُما لِأصْلِ دِينٍ مُتَجَدِّدٍ مِنكم ﴿إلا﴾ ولَمّا كانَ إنْزالُ كِتابِ كُلٍّ مِنهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الآتِي بَعْدَهُ أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ وأعْظَمُ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُما السَّبْتُ والأحَدُ، ولَمْ يَكُنْ ما يَدَّعُونَهُ فِيهِما في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ في دَعْوى أنَّهُ مُسْلِمٌ لِأنَّ الإسْلامَ الَّذِي هو الإذْعانُ لِلدَّلِيلِ مَعْنىً قَدِيمٌ مَوْجُودٌ مِن حِينِ خَلَقَ اللَّهُ العَقْلَ، والدَّلِيلُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ في الدِّينَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.

ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ واضِحًا في ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ هَبْ أنَّكم لَبَّسْتُمْ وادَّعَيْتُمْ أنَّ ذَلِكَ في كِتابِكم زُورًا وبُهْتانًا، وظَنَنْتُمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى مَن لا إلْمامَ لَهُ بِكِتابِكُمْ، فَكَيْفَ غَفَلْتُمْ عَنِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ!

Aal-i-Imraan 3:65Listen in Qur'an →
66

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allah knows, while you know not.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَبْكِيتًا آخَرَ فَقالَ مُنَبِّهًا لَهم مُكَرِّرًا التَّنْبِيهَ إشارَةً إلى طُولِ رُقادِهِمْ أوْ شِدَّةِ عِنادِهِمْ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الأشْخاصُ الحَمْقى، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿حاجَجْتُمْ﴾ أيْ قَصَدْتُمْ مُغالَبَةَ مَن يَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَيْكم ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ مِن أمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذِكْرِ كُلٍّ مِنهُما في كِتابِكم وإنْ كانَ جِدالُكم فِيهِما عَلى خِلافِ ما تَعْلَمُونَ مِن أحْوالِهِما عِنادًا أوْ طُغْيانًا ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ﴾ أيْ تُغالِبُونَ بِما تَزْعُمُونَ أنَّهُ حُجَّةٌ، وهو لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً ﴿فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أصْلًا، لِكَوْنِهِ لا ذِكْرَ لَهُ في كِتابِكم بِما حاجَجْتُمْ فِيهِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِصَرِيحِ العَقْلِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ مُجادَلَتَكم في الحَقِيقَةِ إنَّما هي مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وتَعْلَمُونَ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ما جادَلْتُمْ فِيهِ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ وتَعْلَمُونَ أنَّكم أنْتُمْ ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم عِلْمٌ أصْلًا إلّا ما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ”ها“ في ”ها أنْتُمْ“ لِلتَّنْبِيهِ، ونَقَلَ شَيْخُنا ابْنُ الجَزَرِيِّ في كِتابِهِ ”النَّشْرُ في القِراءاتِ العَشْرِ“ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ وعَنْ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ أنَّها بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَمْدُونَ عَنِ اليَزِيدِيِّ أنَّ أبا عَمْرٍو قالَ: وإنَّما هي ”أأنْتُمْ“ مَمْدُودَةً، فَجَعَلُوا الهَمْزَةَ هاءً، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اسْتِفْهامًا مَعْناهُ التَّعْجِيبُ مِنهم والتَّوْبِيخُ لَهم.

Aal-i-Imraan 3:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allah]. And he was not of the polytheists.

ولَمّا وبَّخَهم عَلى ذَلِكَ مِن جَهْلِهِمْ نَفى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ادَّعاهُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنهم طِبْقَ ما بَرْهَنَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الأُولى، ونَفى عَنْهُ كُلَّ شِرْكٍ أيْضًا، وأثْبَتَ أنَّهُ كانَ مائِلًا عَنْ كُلِّ باطِلٍ مُنْقادًا مَعَ الدَّلِيلِ إلى كُلِّ حَقٍّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ أيْ كَما ادَّعى اليَهُودُ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَما ادَّعى النَّصارى - لِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ بَيَّنَ مَعْنى الحَنِيفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] بِما يَصْدُقُ عَلى المُسْلِمِ، وقالَ الإمامُ العارِفُ ولِيُّ الدِّينِ المَلْوِيُّ في كِتابِهِ حِصْنُ النُّفُوسِ في السُّؤالِ في القَبْرِ: واليَهُودِيُّ أصْلُهُ مَن آمَنَ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَزَمَ أحْكامَ التَّوْراةِ، والنَّصْرانِيُّ مَن آمَنَ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَزَمَ أحْكامَ الإنْجِيلِ، ثُمَّ صارَ اليَهُودِيُّ مَن كَفَرَ بِما أُنْزِلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والنَّصْرانِيُّ مَن كَفَرَ بِما أُنْزِلَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحَنِيفُ المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ، والمُسْلِمُ المُطِيعُ لِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أيِّ كِتابٍ أُنْزِلَتْ مَعَ أيِّ رَسُولٍ أُورِدَتْ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هو المُنْقادُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحْدَهُ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَمِيعِ جَوارِحِهِ المُخْلِصُ عَمَلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ: قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ ”قُلْ: آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ“» انْتَهى.

ثُمَّ خَصَّ بِالنَّفْيِ مَن عُرِفُوا بِالشِّرْكِ مَعَ الصَّلاحِ لِكُلِّ مَن داخَلَهُ شِرْكٌ مِن غَيْرِهِمْ كَمَن أشْرَكَ بِعُزَيْرٍ والمَسِيحِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفي ذِكْرِ وصْفَيِ الإسْلامِ والحَنَفِ تَعْرِيضٌ لَهم بِأنَّهم في غايَةِ العِنادِ والجَلافَةِ واليُبْسِ في التَّمَسُّكِ بِالمَأْلُوفاتِ وتَرْكِ ما أتاهم مِن واضِحِ الأدِلَّةِ وقاطِعِ الحُجَجِ البَيِّناتِ.

Aal-i-Imraan 3:67Listen in Qur'an →
68

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allah] and this prophet, and those who believe [in his message]. And Allah is the ally of the believers.

ولَمّا نَفى عَنْهُ ﷺ كُلَّ زَيْغٍ بَعْدَ أنْ نَفى عَنْهُ أنْ يَكُونَ عَلى مِلَّةٍ هو مُتَقَدِّمٌ عَنْ حُدُوثِها شَرَعَ في بَيانِ ما يُتِمُّ بِهِ نَتِيجَةَ ما مَضى بِبَيانِ مَن هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُ، فَقَرَّرَ أنَّ الأوْلى بِهِ إنَّما هو مَنِ اتَّبَعَهُ في أصْلِ الدِّينِ، وهو التَّوْحِيدُ والتَّنْزِيهُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ نَبِيّانِ أصْلًا، وفي الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ وتَرْكِ المَأْلُوفِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ حَتّى صارُوا أحِقّاءَ بِالإسْلامِ الَّذِي هو وصْفُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لِمُحاجَّتِهِمْ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ﴾ أيْ أقْرَبَهم وأحَقَّهم ﴿بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ في دِينِهِ مِن أُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، لا الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهُ تابِعٌ لَهُمْ، ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ أيْ هو أوْلى النّاسِ بِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مِن أُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ وإنْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ - ولِيُّهُمْ، هَذا الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ لِيَعُمَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم وأتْباعَهم مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، ويُعْلِمَ أنَّ الوَصْفَ المُوجِبَ لِلتَّقْرِيبِ العَراقَةُ في الإيمانِ تَرْغِيبًا لِمَن لَمْ يَبْلُغْهُ في بُلُوغِهِ.

Aal-i-Imraan 3:68Listen in Qur'an →
69

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

A faction of the people of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

ولَمّا كانَ قَصْدُ بَعْضِهِمْ بِدَعْواهُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى دِينِهِ إنَّما هو إضْلالُ أهْلِ الإسْلامِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالإعْرابِ عَنْ مُرادِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما كانَ مُرادُ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِدَعْواهم فِيهِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِصَرِيحِ العَقْلِ؟ ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ مِن شَأْنِها أنْ تَطُوفَ حَوْلَكم طَوافَ التّابِعِ المُحِبِّ مَكْرًا وخِداعًا ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ حَسَدًا لَكم ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِهِمُ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ قَدْ نُسِخَ ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ما ﴿يُضِلُّونَ﴾ بِذَلِكَ التَّمَنِّي أوِ الإضْلالِ لَوْ وقَعَ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ كُلًّا مِن تَمَنِّيهِمْ وإضْلالِهِمْ ضَلالٌ لَهم مَعَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُضِلُّوا مَن هَداهُ اللَّهُ، فَمَن تابَعَهم عَلى ضَلالِهِمْ فَإنَّما أضَلَّهُ اللَّهُ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ولَيْسَ يَتَجَدَّدُ لَهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ نَوْعُ شُعُورٍ، فَكَيْدُهم لا يَتَعَدّاهم فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والجَهْلِ، إمّا حَقِيقَةً لِبُغْضِهِمْ وإمّا لِأنَّهم لَمّا عَمِلُوا بِغَيْرِ ما يَعْلَمُونَ عُدَّ عِلْمُهم جَهْلًا وعُدُّوا هم بَهائِمَ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى غايَةِ التَّناسُبِ، لِأنَّ أهَمَّ شَيْءٍ في حَقِّ مَن رَمى بِباطِلٍ - إنَّما غَلَبَةُ الرّامِي لِيَتَعاظَمَ بِأنَّهُ شَأْنُهُ - بَيانُ إبْطالِهِ في دَعْواهُ، ثُمَّ تَبْكِيتُهُ المُتَضَمِّنُ لِبَراءَةِ المَقْذُوفِ، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِبَراءَتِهِ، ثُمَّ بَيانُ مَن هو أوْلى بِالكَوْنِ مِن حَرْبِهِ، ثُمَّ بَيانُ المُرادِ مِن تِلْكَ الدَّعْوى الكاذِبَةِ لِيَحْذَرَ غائِلَتَها السّامِعُ.

Aal-i-Imraan 3:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while you witness [to their truth]?

ولَمّا خَتَمَ الكَلامَ فِيهِمْ بِنَفْيِ شُعُورِهِمْ بَيَّنَ تَعالى في مَعْرِضِ التَّبْكِيتِ أنَّ نَفْيَهم عَنْهُ إنَّما هو لِأنَّهم مُعانِدُونَ، لا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، بَلْ يَعْمَلُونَ بِخِلافِهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بِما يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّبْكِيتِ المُؤْذِنَةِ بِشَدِيدِ الغَضَبِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ كُفْرًا تُجَدِّدُونَهُ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ تَسْتُرُونَ ما عِنْدَكم مِنَ العِلْمِ بِسَبَبِ الآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْكم مِنَ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وعِزًّا وعِلْمًا ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا هو عِنْدَكم في غايَةِ الِانْكِشافِ أنَّها آياتُهُ؛

Aal-i-Imraan 3:70Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.