Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

ولَمّا كانَ كُلُّ مُمَيَّزٍ يَدَّعِي أنَّهُ في الذِّرْوَةِ مِنَ الرَّشادِ؛ نَعَتَهم بِما بَيَّنَ مَن يَعْتَدُّ بِعَقْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَيْسَ في خَلْقِهِ لَهُما؛ ولا لِغَيْرِهِما شَكَّ؛ ولَهُ جَمِيعُ أوْصافِ الكَمالِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الدَّوامَ؛ وكانَ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الأكْثَرِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ لِهَذا التَّفْصِيلِ؛ نَفْيًا لِاحْتِمالِ التَّجَوُّزِ؛ ودَفْعًا لِدَعْوى العُذْرِ؛ فَقالَ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾؛ ولَمّا كانَ أكْثَرُ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ؛ قالَ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: في اشْتِغالِهِمْ بِأشْغالِهِمْ؛ وفي وقْتِ اسْتِراحَتِهِمْ؛ وعِنْدَ مَنامِهِمْ؛ فَهم في غايَةِ المُراقَبَةِ.

ولَمّا بَدَأ مِن أوْصافِهِمْ بِما يَجْلُو أصْداءَ القُلُوبِ؛ ويُسَكِّنُها؛ ويَنْفِي عَنْها الوَساوِسَ؛ حَتّى اسْتَعَدَّتْ لِتَجَلِّياتِ الحَقِّ؛ وقَبُولِ الفَيْضِ بِالفِكْرِ؛ لِانْتِفاءِ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ؛ وسَوْرَةِ الغَضَبِ وقَهْرِهِما؛ وضَعْفِ داعِيَةِ الهَوى؛ فَزالَتْ نَزَغاتُ الشَّيْطانِ؛ ووَساوِسُهُ؛ وخَطَراتُ النَّفْسِ؛ ومُغالَطاتُ الوَهْمِ؛ قالَ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى الأحْوالِ.

ولَمّا كانَتْ آياتُ المَعْرِفَةِ؛ إمّا في الآفاقِ؛ وإمّا في الأنْفُسِ؛ وكانَتْ آياتُ الآفاقِ أعْظَمَ - ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] -؛ قالَ: ﴿فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ عَلى كِبَرِهِما؛ واتِّساعِهِما؛ وقُوَّةِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ؛ لِحَصْرِ الخَلائِقِ؛ فَيَعْلَمُونَ - بِما في ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ؛ مَعَ جَرْيِ ما فِيهِما مِنَ الحَيَوانِ؛ الَّذِي خُلِقا لِأجْلِهِ؛ عَلى غَيْرِ انْتِظامٍ - أنَّ وراءَ هَذِهِ الدّارِ دارًا؛ يُثْبَتُ فِيها الحَقُّ؛ ويُنْفى الباطِلُ ويُظْهَرُ العَدْلُ؛ ويَضْمَحِلُّ الجَوْرُ؛ فَيَقُولُونَ - تَضَرُّعًا إلَيْهِ؛ وإقْبالًا عَلَيْهِ -: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿ما خَلَقْتَ هَذا﴾؛ أيْ: الخَلْقَ العَظِيمَ؛ المُحْكَمَ؛ ﴿باطِلا﴾؛ أيْ: لِأجْلِ هَذِهِ الدّارِ الَّتِي لا تُفْصَلُ فِيها عَلى ما شَرَعْتَ القَضايا؛ ولا تَنْصِفُ فِيها الرُّعاةُ الرَّعايا؛ بَلْ إنَّما خَلَقْتَهُ لِأجْلِ دارٍ أُخْرى؛ يَكُونُ فِيها مَحْضُ العَدْلِ؛ ويَظْهَرُ فِيها الفَصْلُ.

ولَمّا كانَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الدّارِ؛ مَعَ ما يُشاهِدُهُ مِن ظُهُورِ الأشْرارِ؛ نَقْصًا ظاهِرًا؛ وخَلَلًا بَيِّنًا؛ نَزَّهُوهُ عَنْهُ؛ فَقالُوا: ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ وفي ذَلِكَ تَعْلِيمُ العِبادِ أدَبَ الدُّعاءِ؛ بِتَقْدِيمِ الثَّناءِ قَبْلَهُ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ كُلَّما غَزُرَتْ مَعْرِفَتُهُ؛ زادَ خَوْفُهُ؛ فَزادَ تَضَرُّعُهُ؛ فَإنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ مِن تَعْذِيبِ الطّائِعِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لَكانَ الدُّعاءُ بِدَفْعِهِ عَبَثًا؛ وما أحْسَنَ خَتْمَها! حِينَ تَسَبَّبَ عَمّا مَضى تَيَقُّنُهم أنَّ أمامَنا دارًا يَظْهَرُ فِيها العَدْلُ؛ مِمّا هو شَأْنُ كُلِّ أحَدٍ في عَبِيدِهِ؛ فَيُعَذِّبُ فِيها العاصِيَ؛ ويُنَعِّمُ فِيها الطّائِعَ؛ كَما هو دَأْبُ كُلِّ مَلِكٍ في رَعِيَّتِهِ؛ بِقَوْلِهِمْ - رَغْبَةً في الخَلاصِ في تِلْكَ الدّارِ -: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾؛ عَلى وجْهٍ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ العَذابِ المُخْتَتَمِ بِهِ آيَةُ مُحِبِّي المَحْمَدَةِ بِالباطِلِ؛ والنّارِ المُحَذَّرِ مِنها فِي: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

ثُمَّ تَعْقِيبِها بِقَوْلِهِمْ - مُعَظِّمِينَ ما سَألُوا دَفْعَهُ مِنَ العَذابِ؛ لِيَكُونَ مَوْضِعُ السُّؤالِ أعْظَمَ؛ فَيَدُلَّ عَلى أنَّ الدّاعِيَةَ في ذَلِكَ الدُّعاءِ أكْمَلُ؛ وإخْلاصَهُ أتَمُّ؛ مُكَرِّرِينَ الوَصْفَ المُقْتَضِيَ لِلْإحْسانِ؛ مُبالَغَةً في إظْهارِ الرَّغْبَةِ؛ اسْتِمْطارًا لِلْإجابَةِ -: ﴿رَبَّنا﴾؛ وأكَّدُوا؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ المُخاطَبِ؛ إعْلامًا بِأنَّ حالَهم في تَقْصِيرِهِمْ حالُ مَن أمِنَ النّارَ؛ حَثًّا لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاجْتِهادِ في العَمَلِ؛ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾؛ أيْ: لِلْعَذابِ؛ ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾؛ أيْ: أذْلَلْتَهُ؛ وأهَنْتَهُ إهانَةً عَظِيمَةً؛ بِكَوْنِهِ ظالِمًا.

وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾؛ الحاسِمِ لِطَمَعِ مَن يَظُنُّ مِنهم أنَّهُ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ والتَّعْمِيمِ.

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

ولَمّا ابْتَهَلُوا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في الإنْجاءِ مِنَ النّارِ؛ تَوَسَّلُوا بِذِكْرِ مُسارَعَتِهِمْ إلى إجابَةِ الدّاعِي؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾؛ ولَمّا كانَتْ حالُهم - لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ تَقْصِيرٍ؛ وإنْ بالَغُوا في الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ - شَبِيهَةً بِحالِ مَن لَمْ يُؤْمِنِ؛ اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ إشارَةً إلى هَضْمِ أنْفُسِهِمْ؛ بِالِاعْتِرافِ بِذُنُوبِهِمْ؛ فَقالُوا - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ المُخاطَبَ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ -: ﴿إنَّنا﴾؛ فَأظْهَرُوا النُّونَ؛ إبْلاغًا في التَّأْكِيدِ؛ ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا﴾؛ أيْ: مِن قِبَلِكَ؛ وزادَ في تَفْخِيمِهِ بِذِكْرِ ما مِنهُ النِّداءُ؛ مُقَيَّدًا بَعْدَ الإطْلاقِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُنادِي﴾؛ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: ”هُوَ القُرْآنُ؛ لَيْسَ كُلُّهم رَأى النَّبِيَّ ﷺ“.

ولَمّا كانَتِ اللّامُ تَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ؛ ومَعْنى ”إلى“؛ عَبَّرَ بِها؛ فَقِيلَ: ﴿لِلإيمانِ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرُوهُ؛ تَفْخِيمًا لَهُ؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾؛ ثُمَّ أخْبَرَ بِمُسارَعَتِهِمْ إلى الإجابَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَآمَنّا﴾؛ أيْ: عَقِبَ السَّماعِ؛ ثُمَّ أزالُوا ما رُبَّما يُظَنُّ مِن مَيْلِهِمْ إلى رَبْوَةِ الإعْجابِ بِقَوْلِهِمْ؛ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ التَّأْكِيدُ لِمَن عِلْمُهُ مُحِيطٌ: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾؛ أيْ: الَّتِي أسْلَفْناها قَبْلَ الإيمانِ؛ بِأنْ تَقْبَلَ مِنّا الإيمانَ؛ فَلا تُزِيغَ قُلُوبَنا؛ فَيَكُونَ جابًّا لِما قَبْلَهُ عِنْدَكَ؛ كَما كانَ جابًّا لَهُ في ظاهِرِ الشَّرْعِ؛ وكَذا ما فَرَطَ مِنّا بَعْدَ الإيمانِ؛ ولَوْ كانَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ؛ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾؛ أيْ: بِأنْ تُوَفِّقَنا؛ بَعْدَ تَشْرِيفِكَ لَنا بِالإيمانِ؛ لِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؛ بِفِعْلِ الطّاعاتِ المُكَفِّرَةِ لِلصَّغائِرِ؛ ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَنا سَيِّئاتٌ.

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

ولَمّا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هو المالِكُ التّامُّ المُلْكِ؛ فَهو ذُو التَّصَرُّفِ المُطْلَقِ؛ الَّذِي لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُلَقِّنًا لَهُمْ؛ مُكَرِّرًا صِفَةَ الإحْسانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِابْتِهالِ؛ والتَّضَرُّعِ؛ والتَّخَضُّعِ؛ والتَّخَشُّعِ -: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾؛ ثُمَّ أشارَ إلى صِدْقِ هَذا الوَعْدِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ؛ الدّالِّ عَلى الِالتِزامِ؛ والوُجُوبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾؛ أيْ: مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ؛ وحُسْنِ العاقِبَةِ؛ وإيراثِ الجَنَّةِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]؛ وفي الدُّعاءِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - شَيْءٌ؛ ولَوْ تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ الصّادِقُ؛ وإنْ كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: بِالمُؤاخَذَةِ بِالسَّيِّئاتِ؛ ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الإلْهابِ؛ والتَّهْيِيجِ؛ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى ما نَبَّهَ عَلَيْهِ أوَّلًا؛ مِن أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ بِقَوْلِهِ - باسِطًا لَهم بِلَذَّةِ المُنادَمَةِ بِالمُخاطَبَةِ -: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الدُّعاءِ الإجابَةُ؛ لِتَكْمُلَ شُرُوطُهُ؛ وهي اسْتِحْضارُ عَظَمَتِهِ (تَعالى)؛ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ؛ وإدامَةُ ذِكْرِهِ؛ والتَّفَكُّرُ في بَدائِعِ صُنْعِهِ؛ وافْتِتاحُهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - وتَنْزِيهُهُ؛ والإخْلاصُ في سُؤالِهِ؛ قالَ: ﴿فاسْتَجابَ﴾؛ أيْ: فَأوْجَدَ الإجابَةَ حَتْمًا؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ قالَ الأصْفَهانِيُّ: ”وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ؛ فَقالَ - خَمْسَ مَرّاتٍ -“رَبَّنا”؛ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ؛ وأعْطاهُ ما أرادَ؛ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ“؛ وأشارَ إلى أنَّها مِن مَنِّهِ؛ وفَضْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّهُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْهِمُ؛ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾

وقَوْلُهُ - مُعَلِّلًا -: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾؛ التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ النّاظِرِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]؛ المُفْتَتَحِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]؛ المُنادِي بِأنَّ البَشَرَ كُلَّهم في العُبُودِيَّةِ لِلْواحِدِ؛ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ الحَيِّ القَيُّومِ؛ سَواءٌ؛ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في ذَلِكَ أصْلًا؛ والمُرادُ أنَّهم إذا كانُوا مِثْلَهم في النَّسَبِ؛ فَهم مِثْلُهم في الأجْرِ عَلى العَمَلِ.

ولَمّا أقَرَّ أعْيُنَهم بِالإجابَةِ - وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأنْصارِ عُمُومًا؛ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] -؛ خَصَّ المُهاجِرِينَ؛ بَيانًا لِفَضْلِهِمْ؛ وزِيادَةِ شَرَفِهِمْ؛ بِتَحْقِيقِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَعَهُ؛ لَمْ يَأْنَسُوا بِغَيْرِهِ؛ ولَمْ يَرْكَنُوا لِسِواهُ؛ مِن أهْلٍ؛ ولا مالٍ؛ بِقَوْلِهِ - مُسَبِّبًا عَنِ الوَعْدِ المَذْكُورِ؛ ومُفَصِّلًا؛ ومُعَظِّمًا؛ ومُبَجِّلًا -: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أيْ: صَدَّقُوا إيمانَهم بِمُفارَقَةِ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِمْ؛ في الدِّينِ المُؤَدِّي إلى المُقاطَعَةِ؛ وأعَزِّ البِلادِ عَلَيْهِمْ.

ولَمّا كانَ لِلْوَطَنِ مِنَ القَلْبِ مَنزِلٌ؛ لَيْسَ لِغَيْرِهِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾؛ أيْ: وهي آثَرُ المَواطِنِ عِنْدَهُمْ؛ بَعْدَ أنْ باعَدُوا أهْلَهُمْ؛ وهم أقْرَبُ الخَلائِقِ إلَيْهِمْ؛ ولَمّا كانَ الأذى مَكْرُوهًا لِنَفْسِهِ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعَيَّنٍ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وأُوذُوا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأذى؛ ﴿فِي سَبِيلِي﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ دِينِي الَّذِي نَهَجْتُهُ لِيُسْلَكَ إلَيَّ فِيهِ؛ وحَكَمْتُ أنَّهُ لا وُصُولَ إلى رِضائِي بِدُونِهِ؛ ﴿وقاتَلُوا﴾؛ أيْ: في سَبِيلِي؛ ولَمّا كانَ القَتْلُ نَفْسُهُ هو المَكْرُوهَ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعَيَّنٍ؛ كانَ المَدْحُ عَلى اقْتِحامِ مُوجِباتِهِ؛ فَبَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وقُتِلُوا﴾؛ أيْ: فِيهِ؛ فَخَرَجُوا بِذَلِكَ عَنْ مَساكِنِ أرْواحِهِمْ بَعْدَ النُّزُوحِ عَنْ مَنازِلِ أشْباحِهِمْ؛ وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ؛ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أبْلَغُ مَعْنًى؛ لِأنَّها أشَدُّ تَرْغِيبًا في الإقْدامِ عَلى الأخْصامِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَقْتَلَ أقْدَمَ عَلى الغَمَراتِ إقْدامَ الأسَدِ؛ فَقُتِلَ؛ أخَصُّ مِنهُ؛ ولَمْ يَقِفْ أحَدٌ أمامَهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”وأرادُوا القَتْلَ“؛ هَذا بِالنَّظَرِ …

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُواعَدَةُ آجِلَةً؛ وكانَ نَظَرُهم إلى ما فِيهِ الكُفّارُ مِن عاجِلِ السَّعَةِ؛ رُبَّما أثَّرَ في بَعْضِ النُّفُوسِ أثَرًا يَقْدَحُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ؛ الَّذِي هو شَرْطُ قَبُولِ الإيمانِ؛ داواهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَلا تَبْشِيرَ المُجاهِدِينَ بِإنْذارِ الكُفّارِ المُنافِقِينَ؛ والمُصارِحِينَ؛ الَّذِينَ أمْلى لَهم بِخِذْلانِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ بِالرُّجُوعِ عَنْ قِتالِ ”أُحُدٍ“؛ وغَيْرِهِ مِن أسْبابِ الإمْلاءِ؛ عَلى وجْهٍ يُصَدِّقُ ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ؛ وأنَّ أمْوالَهم إنَّما هي صُورَةٌ؛ لا حَقائِقَ لَها؛ عَطْفًا لِآخِرِها عَلى أوَّلِها؛ وتَأْكِيدًا لِاسْتِجابَةِ دُعاءِ أوْلِيائِهِ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها؛ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ عِبادِهِ؛ والمُرادُ مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ عادَةً فِيهِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرَّئِيسِ أمْكَنُ في خِطابِ الأتْباعِ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ﴾؛ أيْ: لا تَغْتَرَّ بِتَصَرُّفِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ تَصَرُّفَ مَن يَقْلِبُ الأُمُورَ؛ بِالنَّظَرِ في عَواقِبِها؛ لِسَلامَتِهِمْ في تَصَرُّفِهِمْ؛ وفَوائِدِهِمْ؛ وجَوْدَةِ ما يَقْصِدُونَهُ في الظّاهِرِ؛ كَجَوْدَةِ القَلْبِ في البَدَنِ؛ ﴿فِي البِلادِ﴾؛ فَإنَّ تَقَلُّبَهُمْ؛ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ ذُو هِمَّةٍ عَلِيَّةٍ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى أنَّ تَمْتِيعَهم - وإنْ فُرِضَ أنَّهُ طالَ زَمانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ - تافِهٌ لِزَوالِهِ؛ ثُمَّ عاقِبَتِهِ؛ وإلى هَوْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ؛ وتَناهِي عَظَمَتِها؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ التَّراخِي؛ إنْ قُدِّرَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: الكَرِيهَةُ المَنظَرِ الشَّدِيدَةُ الأهْوالِ؛ العَظِيمَةُ الأوْجالِ؛ لا مِهادَ لَهم غَيْرُها؛ ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾؛ أيْ: الفِراشُ الَّذِي يُوطَأُ؛ ويُسَهِّلُ لِلرّاحَةِ؛ والهُدُوءِ.

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُواعَدَةُ آجِلَةً؛ وكانَ نَظَرُهم إلى ما فِيهِ الكُفّارُ مِن عاجِلِ السَّعَةِ؛ رُبَّما أثَّرَ في بَعْضِ النُّفُوسِ أثَرًا يَقْدَحُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ؛ الَّذِي هو شَرْطُ قَبُولِ الإيمانِ؛ داواهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَلا تَبْشِيرَ المُجاهِدِينَ بِإنْذارِ الكُفّارِ المُنافِقِينَ؛ والمُصارِحِينَ؛ الَّذِينَ أمْلى لَهم بِخِذْلانِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ بِالرُّجُوعِ عَنْ قِتالِ ”أُحُدٍ“؛ وغَيْرِهِ مِن أسْبابِ الإمْلاءِ؛ عَلى وجْهٍ يُصَدِّقُ ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ؛ وأنَّ أمْوالَهم إنَّما هي صُورَةٌ؛ لا حَقائِقَ لَها؛ عَطْفًا لِآخِرِها عَلى أوَّلِها؛ وتَأْكِيدًا لِاسْتِجابَةِ دُعاءِ أوْلِيائِهِ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها؛ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ عِبادِهِ؛ والمُرادُ مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ عادَةً فِيهِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرَّئِيسِ أمْكَنُ في خِطابِ الأتْباعِ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ﴾؛ أيْ: لا تَغْتَرَّ بِتَصَرُّفِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ تَصَرُّفَ مَن يَقْلِبُ الأُمُورَ؛ بِالنَّظَرِ في عَواقِبِها؛ لِسَلامَتِهِمْ في تَصَرُّفِهِمْ؛ وفَوائِدِهِمْ؛ وجَوْدَةِ ما يَقْصِدُونَهُ في الظّاهِرِ؛ كَجَوْدَةِ القَلْبِ في البَدَنِ؛ ﴿فِي البِلادِ﴾؛ فَإنَّ تَقَلُّبَهُمْ؛ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ ذُو هِمَّةٍ عَلِيَّةٍ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى أنَّ تَمْتِيعَهم - وإنْ فُرِضَ أنَّهُ طالَ زَمانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ - تافِهٌ لِزَوالِهِ؛ ثُمَّ عاقِبَتِهِ؛ وإلى هَوْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ؛ وتَناهِي عَظَمَتِها؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ التَّراخِي؛ إنْ قُدِّرَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: الكَرِيهَةُ المَنظَرِ الشَّدِيدَةُ الأهْوالِ؛ العَظِيمَةُ الأوْجالِ؛ لا مِهادَ لَهم غَيْرُها؛ ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾؛ أيْ: الفِراشُ الَّذِي يُوطَأُ؛ ويُسَهِّلُ لِلرّاحَةِ؛ والهُدُوءِ.

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

ولَمّا بَيَّنَ بِآيَةِ المُهاجِرِينَ أنَّ النّافِعَ مِنَ الإيمانِ هو المُوجِبُ لِلثَّباتِ عِنْدَ الِامْتِحانِ؛ وكانَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ قَدْ لا تُوجَدُ؛ ذَكَرَ وصْفَ التَّقْوى العامِّ لِلْأفْرادِ؛ المُوجِبِ لِلْإسْعادِ؛ فَعَقَّبَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ بِما لِأضْدادِهِمُ المُتَّقِينَ؛ الفائِزِينَ بِما تَقَدَّمَ الدُّعاءُ إلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الِاتِّصافَ بِالتَّقْوى؛ بِالِائْتِمارِ بِما أمَرَهم بِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نَهاهُمْ؛ شُكْرًا لِإحْسانِهِ؛ وخَوْفًا مِن عِظَمِ شَأْنِهِ؛ ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾؛ وأيُّ جَنّاتٍ؛ ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ تَعْرِيفًا بِدَوامِ تَنَوُّعِها؛ وزَهْرَتِها؛ وعَظِيمِ بَهْجَتِها.

ولَمّا وصَفَها بِضِدِّ ما عَلَيْهِ النّارُ؛ وصَفَ تَقَلُّبَهم فِيها بِضِدِّ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ مِن كَوْنِهِمْ في ضِيافَةِ الكَرِيمِ الغَفّارِ؛ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ النُّزُلُ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ عِنْدَ نُزُولِهِ؛ قالَ - مُعَظِّمًا ما لِمَن يُرْضِيهِ -: ﴿نُـزُلا﴾؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَن هو مِن عِنْدِهِ؛ نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ مُضِيفًا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ وأشارَ بِجَعْلِ الجَنّاتِ كُلِّها نُزُلًا؛ إلى التَّعْرِيفِ بِعَظِيمِ ما لَهم بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الآدَمِيِّينَ وجْهُ الِاطِّلاعِ عَلى حَقِيقَةِ وصْفِهِ؛ ولِهَذا قالَ - مُعَظِّمًا - لِأنَّهُ لَوْ أضْمَرَ لَظُنَّ الِاخْتِصاصُ بِالنُّزُلِ -: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ مِنَ النُّزُلِ وغَيْرِهِ؛ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾؛ مِمّا فِيهِ الكُفّارُ؛ ومِن كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ مِنَ النَّعِيمِ.

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

ولَمّا كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ - مَعَ التَّشَرُّفِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ؛ الَّذِي أصْلُهُ حَقٌّ - حَظٌّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ فَكانُوا قِسْمًا ثانِيًا مِنَ المُهاجِرِينَ؛ وكانَ إنْزالُ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ في مُقاوَلَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُجادَلَتِهِمْ؛ والتَّحْذِيرِ مِن مُخاتَلَتِهِمْ؛ ومُخادَعَتِهِمْ.

والإخْبارُ بِأنَّهم يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ - مَعَ مَحَبَّتِهِمْ لَهُمْ؛ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ؛ وأنَّهم سَيَسْمَعُونَ مِنهم أذًى كَثِيرًا؛ إلى أنْ وقَعَ الخَتْمُ في أوْصافِهِمْ؛ بِأنَّهُمُ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا - رُبَّما أيْأسَ مِن إيمانِهِمْ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ مَدْحَ مُؤْمِنِيهِمْ؛ وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ عَنْ أنْ يُقالَ - مَثَلًا -: ”والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ“ - إطْماعًا في مُوالاتِهِمْ بَعْدَ التَّدْرِيبِ بِالتَّحْذِيرِ مِنهُمْ؛ عَلى مُناوَأتِهِمْ ومُلاوَأتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي حازَ صِفاتِ الكَمالِ؛ وأشارَ إلى الشَّرْطِ المُصَحِّحِ لِهَذا الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: مِن هَذا القُرْآنِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِ؛ فَيُذْعِنُ لِما يَأْمُرُ مِنهُ بِاتِّباعِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ؛ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - جامِعًا لِلنَّظَرِ إلى مَعْنى ”مَن“ تَعْظِيمًا لِوَصْفِ الخُشُوعِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى مُطْلَقِ الإيمانِ -: ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ عَنْ نَزْلِ المَأْلُوفِ؛ ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّتِي مَتى تَأمَّلُوها عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا مَن أحاطَ بِالجَلالِ؛ والجَمالِ؛ الآمِرَةِ لَهم بِذَلِكَ؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّئاسَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ - كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا في وصْفِ مُعْظَمِهِمْ؛ فَهم يُبَيِّنُونَها؛ ويُرْشِدُونَ إلَيْها؛ ولا يُحَرِّفُونَها. ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ حُسْنِ تَرَحُّمِهِمْ إلَيْهِ؛ أخْبَرَ عَنْ جَزائِهِمْ عِنْدَهُ؛ بِما يَسُرُّ النُّفُوسَ؛ ويَبْعَثُ الهِمَمَ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العَظِيمُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُؤَمِّلُونَهُ؛ ثُمَّ زادَهم فِيهِ؛ رَغْبَةَ تَشْرِيفِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي رَبّاهُمْ؛ ولَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ لَحْظَةً عَنْهُمْ؛ كُلُّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّ لَهُمُ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ.

ولَمّا اقْتَضَتْ هَذِهِ التَّأْكِيداتُ المُبَشِّراتُ إنْجازَ الأجْرِ؛ وإتْمامَهُ؛ وإحْسانَهُ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ (تَعالى) يُؤْتِي كُلَّ أحَدٍ؛ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى؛ أجْرَهُ؛ ولا يُضِيعُ شَيْئًا؛ ويُجازِي المُسِيءَ؛ والمُحْسِنَ؛ وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ كَثْرَةَ الخَلْقِ سَبَبٌ لِطُولِ زَمَنِ الحِسابِ؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِطُولِ الِانْتِظارِ؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِتَعْطِيلِ الإنْسانِ عَنْ مُهِمّاتِهِ؛ ولِضِيقِ صَدْرِهِ بِتَفَرُّقِ عَزْمِهِ؛ وشَتاتِهِ؛ كانَ ذَلِكَ مَحَلَّ عَجَبٍ يُورِثُ تَوَهُّمَ ما لا يَنْبَغِي؛ فَأزالَ هَذا التَّوَهُّمُ بِأنْ أمْرَهُ (تَعالى) عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ والعَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

ولَمّا كَثُرَ في هَذِهِ الآياتِ الأمْرُ بِمُقاساةِ الشَّدائِدِ؛ وتَجَرُّعِ مَراراتِ الأذى؛ واقْتِحامِ الحُرُوبِ؛ واسْتِهانَةِ عَظائِمِ الكُرُوبِ؛ والحَثِّ عَلى المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ؛ والآدابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ انْخِلاعًا مِنَ المَأْلُوفاتِ؛ إلى ما يَأْمُرُ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الطّاعاتِ؛ وخَتَمَ بِتَجَرُّعِ فِرْقَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ لِتِلْكَ المَراراتِ؛ كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ - لا مَحالَةَ - قَوْلَهُ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَةِ ما يَدْعُو إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ شامِلٌ لِجَمِيعِ الآدابِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ ما ذَكَرْنا في هَذِهِ السُّورَةِ؛ ﴿اصْبِرُوا﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا الصَّبْرَ؛ تَصْدِيقًا لِإيمانِكم عَلى كُلِّ ما يَنْبَغِي الصَّبْرُ عَلَيْهِ؛ مِمّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ؛ مِمّا دَعَتْكم إلَيْهِ الزَّهْراوانِ؛ ﴿وصابِرُوا﴾؛ أيْ: أوْجِدُوا المُصابَرَةَ لِلْأعْداءِ مِنَ الكُفّارِ؛ والمُنافِقِينَ؛ وسائِرِ العُصاةِ؛ فَلا يَكُونُنَّ عَلى باطِلِهِمْ أصْبَرَ مِنكم عَلى حَقِّكُمْ؛ ﴿ورابِطُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تَرْبِطُوا في الثُّغُورِ خَيْلًا بِإزاءِ ما لَهم مِنَ الخُيُولِ؛ إرْهابًا لَهُمْ؛ وحَذَرًا مِنهم - هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ صارَ الرِّباطُ يُطْلَقُ عَلى المُكْثِ في الثُّغُورِ؛ لِأجْلِ الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ؛ ولَوْ لَمْ تَكُنْ خُيُولٌ؛ بَلْ وتُطْلَقُ عَلى المُحافَظَةِ عَلى الطّاعاتِ -؛ ثُمَّ أمَرَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ بِأنْ تَكُونُوا مُراقِبِينَ لَهُ؛ مُسْتَحْضِرِينَ لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُكم أنْ تَعْلَمُوهُ؛ مِن عَظَمَتِهِ؛ بِنِعْمَتِهِ؛ ونِقْمَتِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى فَلاحُهُ؛ وظَفَرُهُ؛ بِما يُرِيدُ مِنَ النَّصْرِ عَلى الأعْداءِ؛ والفَوْزِ بِعَيْشِ الشُّهَداءِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ - كَما تَرى - مُعْلِمَةٌ بِشَرْطِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ بِالنُّصْرَةِ عَلى الكافِرِينَ؛ المُخْتَتَمِ بِهِ ”البَقَرَةُ“: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ داعِيَةٌ إلى تَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ بِالمُراقَبَةِ لِلْواحِدِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ؛ ولا في السَّماءِ؛ في اتِّباعِ آياتِهِ؛ ومُعاداةِ أعْدائِهِ؛ كَما أنَّ الَّتِي قَبْلَها فِيمَن آمَنَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ؛ هَذا القُرْآنِ المُصَدِّقِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛ والتَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ كُلِّ ذَلِكَ لِلْفَوْزِ بِالفُرْقانِ بِالنَّصْرِ؛ وتَعْذِيبِ أهْلِ الكُفْرِ بِأيْدِيهِمْ؛ تَمْكِينًا مِنَ اللَّهِ؛ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ؛ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ - واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ؛ وعِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ.

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.