Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 191–200 of 200

191

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Who remember Allah while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩١ ] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ .

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلا يَخْلُو حالٌ مِن أحْوالِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ المُفِيدِ صَفاءَ الظّاهِرِ المُؤَثِّرِ في تَصْفِيَةِ الباطِنِ. فالمُرادُ: تَعْمِيمُ الذِّكْرِ لِلْأوْقاتِ، وعَدَمُ الغَفْلَةِ عَنْهُ تَعالى. وتَخْصِيصُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ، لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِها، بَلْ لِأنَّها الأحْوالُ المَعْهُودَةُ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ غالِبًا: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: في إنْشائِهِما بِهَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وما فِيهِما مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ، وغَرائِبِ المُبْتَدَعاتِ، لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَعْلَمُوا أنَّ لَهُما خالِقًا قادِرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، لِأنَّ عِظَمَ آثارِهِ وأفْعالِهِ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ خالِقِها تَعالى. كَما قِيلَ:

؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

رَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (كِتابِ التَّوَكُّلِ والِاعْتِبارِ) عَنْ الصُّوفِيِّ الجَلِيلِ الشَّيْخِ أبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأخْرُجُ مِن مَنزِلِي، فَما يَقَعُ بَصَرِي عَلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ نِعْمَةً، ولِي فِيهِ عِبْرَةٌ. وإنَّما خُصِّصَ التَّفَكُّرُ بِالخَلْقِ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّفَكُّرِ في الخالِقِ لِعَدَمِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ.

خَرَّجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: «(لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ، ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ)» . ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ.

قالَ الرّازِيُّ: دَلائِلُ التَّوْحِيدِ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ، ودَلائِلُ الأنْفُسِ، ولا شَكَّ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أجَلُّ وأعْظَمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالفِكْرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ دِلالَتَها أعْجَبُ، وشَواهِدَها أعْظَمُ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ، ولَوْ أنَّ الإنْسانَ نَظَرَ إلى ورَقَةٍ صَغِيرَةٍ مِن أوْراقِ شَجَرَةٍ، رَأى في تِلْكَ الوَرَقَةِ عِرْقًا واحِدًا ًمُمْتَدًّا في وسَطِها، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِن ذَلِكَ العِرْقِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ إلى الجانِبَيْنِ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِنها عُرُوقٌ دَقِيقَةٌ، ولا يَزالُ يَتَشَعَّبُ مِن كُلِّ عِرْقٍ عُرُوقٌ أُخَرُ، حَتّى تَصِيرَ في الدِّقَّةِ بِحَيْثُ لا يَراها البَصَرُ، وعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ أنَّ لِلْخالِقِ في تَدْبِيرِ تِلْكَ الوَرَقَةِ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ حِكَمًا بالِغَةً، وأسْرارًا عَجِيبَةً، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوًى جاذِبَةً لِغِذائِها مِن قَعْرِ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الغِذاءَ يَجْرِي في تِلْكَ العُرُوقِ، حَتّى يَتَوَزَّعَ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الوَرَقَةِ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الغِذاءِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، ولَوْ أرادَ الإنْسانُ أنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ، وكَيْفِيَّةَ التَّدْبِيرِ في إيجادِها، وإيداعِ القُوى الغاذِيَةِ والنّامِيَةِ فِيها، لَعَجَزَ عَنْهُ. فَإذا عَرَفَ أنَّ عَقْلَهُ قاصِرٌ عَنْ الوُقُوفِ عَلى كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ تِلْكَ الوَرَقَةِ الصَّغِيرَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقِيسُ تِلْكَ …

Aal-i-Imraan 3:191Listen in Qur'an →
192

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٢ ] ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ أيْ: أهَنْتَهُ وأظْهَرْتَ فَضِيحَتَهُ لِأهْلِ المَوْقِفِ. وسِرُّ هَذا الإتْباعِ عِظَمُ مَوْقِعِ السُّؤالِ، لِأنَّ مَن سَألَ رَبَّهُ حاجَةً، إذا شَرَحَ عِظَمَها وقُوَّتَها كانَتْ داعِيَتُهُ في ذَلِكَ الدُّعاءِ أكْمَلَ، وإخْلاصُهُ في طَلَبِهِ أشَدَّ، والدُّعاءُ لا يَتَّصِلُ بِالإجابَةِ، إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ، وهَذا أيْضًا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَنًّا آخَرَ مَن آدابِ الدُّعاءِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِإظْهارِ نِهايَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، بِبَيانِ خُلُودِ عَذابِهِمْ، بِفِقْدانِ مَن يَنْصُرُهم، ويَقُومُ بِتَخْلِيصِهِمْ. وغَرَضُهم تَأْكِيدُ الِاسْتِدْعاءِ. ووَضْعُ (الظّالِمِينَ) مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ، لِذَمِّهِمْ، والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمْ النّارَ بِظُلْمِهِمْ، ووَضْعِهِمْ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها. وجَمْعُ (الأنْصارِ) بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِ الظّالِمِينَ، أيْ: ما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ نَصِيرٌ مِنَ الأنْصارِ. والمُرادُ بِهِ مَن يَنْصُرُ بِالمُدافَعَةِ والقَهْرِ. فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هم الكُفّارُ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

وقَوْلُهُ تَعالى:

Aal-i-Imraan 3:192Listen in Qur'an →
193

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ

Our Lord, indeed we have heard a caller calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die with the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٣ ] ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ .

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم، وتَصْدِيرُ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ. والتَّأْكِيدُ لِلْإيذانِ بِصُدُورِ المَقالِ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ، وكَمالِ النَّشاطِ. والمُرادُ بِالمُنادِي: الرَّسُولُ ﷺ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] وفي وصْفِهِ ﷺ بِـ (المُنادِي) دِلالَةٌ عَلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوى وتَبْلِيغِها إلى اَلدّانِي والقاصِي؛ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ: ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ أيْ: لِأجْلِ الإيمانِ بِاَللَّهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ (المُنادِي) و(يُنادِي) ؟ قُلْتُ: ذُكِرَ النِّداءُ مُطْلَقًا ثُمَّ مُقَيَّدًا بِالإيمانِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي؛ لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ. ونَحْوُهُ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِهادٍ يَهْدِي لِلْإسْلامِ، وذَلِكَ أنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ، ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ النّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوْ لِكِفايَةِ بَعْضِ النَّوازِلِ، أوْ لِبَعْضِ المَنافِعِ. وكَذَلِكَ الهادِي قَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن يَهْدِي لِلطَّرِيقِ، ويَهْدِي لِسَدادِ الرَّأْيِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. فَإذا قُلْتَ: يُنادِي لِلْإيمانِ، ويَهْدِي لِلْإسْلامِ، فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي والهادِي، وفَخَّمْتَهُ. ويُقالُ: دَعاهُ لِكَذا وإلى كَذا، ونَدَبَهُ لَهُ وإلَيْهِ، وناداهُ لَهُ وإلَيْهِ، ونَحْوُهُ: هَداهُ لِلطَّرِيقِ وإلَيْهِ. وذَلِكَ أنَّ مَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ، ومَعْنى الِاخْتِصاصِ واقِعانِ جَمِيعًا - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .

﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ أيْ: فامْتَثَلْنا أمْرَهُ، وأجَبْنا نِداءَهُ، و: (أنْ) إمّا تَفْسِيرِيَّةٌ، أيْ: آمِنُوا، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا: ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّضَرُّعِ، وإظْهارٌ لِكَمالِ الخُضُوعِ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ: اسْتُرْ لَنا ذُنُوبَنا ولا تَفْضَحْنا بِها، وأذْهِبْ عَنّا سَيِّئاتِنا بِتَبْدِيلِها حَسَناتٍ: ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ: مَعْدُودِينَ في جُمْلَتِهِمْ حَتّى نَكُونَ في دَرَجَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. والأبْرارُ جَمْعُ بارٍّ أوْ بَرٍّ، وهو كَثِيرُ البِرِّ (بِالكَسْرِ) أيْ: الطّاعَةِ.

Aal-i-Imraan 3:193Listen in Qur'an →
194

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٤ ] ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ والإيمانِ بِهِمْ. أوْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وهو الثَّوابُ، وهَذا حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم، مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ. وتَكْرِيرُ اَلنِّداءِ لِما مَرَّ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَذْكِيرَ وعْدِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] بِإظْهارِ أنَّهم مِمَّنْ آمَنَ مَعَهُ.

Aal-i-Imraan 3:194Listen in Qur'an →
195

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allah, and Allah has with Him the best reward."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٥ ] ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي: ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِـ (عامِلٍ ) وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: الذَّكَرُ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، كُلُّكم بَنُو آدَمَ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ سَبَبَ شَرِكَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ، فِيما وعَدَ اللَّهُ عِبادَهُ العامِلِينَ. ورَوى الحافِظُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةُ -» وقالَتْ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا - ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ في (مُسْتَدْرَكِهِ) وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ. ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ إلى آخِرِها. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ، فَقالَ: خَمْسَ مَرّاتٍ (رَبَّنا) - أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ، وأعْطاهُ ما أرادَ. وقَرَأ الآياتِ.

﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وهو تَفْصِيلٌ لِعَمَلِ العامِلِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قالَ: فاَلَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ السُّنِّيَّةَ وهي المُهاجِرَةُ عَنْ أوْطانِهِمْ فارِّينَ إلى اللَّهِ بِدِينِهِمْ مِن دارِ الفِتْنَةِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي وُلِدُوا فِيها ونَشَأُوا: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، يُرِيدُ سَبِيلَ الإيمانِ بِاَللَّهِ وحْدَهُ، وهو مُتَناوِلٌ لِكُلِّ أذًى نالَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ أيْ: غَزَوْا المُشْرِكِينَ واسْـتُشْهِدُوا: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ بِخُصُوصِهِ، بَعْدَ ما وعَدَ ذَلِكَ عُمُومًا: ﴿ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِها الأنْهارُ، مِن أنْواعِ المَشارِبِ مِن لَبَنٍ وعَسَلٍ وخَمْرٍ وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ: ﴿ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإدْخالَ الجَنَّةِ، في مَعْنى الإثابَةِ. وأضافَهُ إلَيْهِ تَعالى لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ عَظِيمٌ، لِأنَّ العَظِيمَ الكَرِيمَ لا يُعْطِي إلّا جَزِيلًا كَثِيرًا. كَما قِيلَ:

؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ طِـ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي

﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ أيْ: حُسْنُ الجَزاءِ لِمَن عَمِلَ صالِحًا.

Aal-i-Imraan 3:195Listen in Qur'an →
196

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وكَشَفَ عَنْ حَقارَةِ شَأْنِها وسُوءِ مَغَبَّتِها، إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما أُوتِيَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّوابِ، بِقَوْلِهِ:

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٦ ] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ أيْ: تَصَرُّفُهم فِيها بِالمَتاجِرِ والمَكاسِبِ، أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِن سِعَةِ الرِّزْقِ ودَرْكِ العاجِلِ.

Aal-i-Imraan 3:196Listen in Qur'an →
197

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٧ ] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ: هو مَتاعٌ قَلِيلٌ، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وكَوْنِهِ بُلْغَةً فانِيَةً، ونِعْمَةً زائِلَةً، فَلا قَدْرَ لَهُ في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: ««واَللَّهِ ! ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ»» .

﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَصِيرُهم الَّذِي إلَيْهِ يَأْوُونَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: الفَراشُ هي.

Aal-i-Imraan 3:197Listen in Qur'an →
198

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allah. And that which is with Allah is best for the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٨ ] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، غِبُّ بَيانٍ وتَكْرِيرٍ لَهُ، إثْرَ تَقْرِيرٍ، مَعَ زِيادَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنّاتِ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ سُرُورُهُمْ، ويَزْدادَ تَبَجُّحُهُمْ، ويَتَكامَلَ بِهِ سُوءُ حالِ الكَفَرَةِ. والنُّزُلُ (بِضَمَّتَيْنِ، وضَمٍّ فَسُكُونٍ): المَنزِلُ، وما هُيِّئَ لِلنَّزِيلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ أيْ: مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ، كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى.

رَوى الشَّيْخانِ - واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو في مَشْرُبَةٍ، وإنَّهُ لَعَلى حَصِيرٍ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ شَيْءٌ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادَةٌ مَن أدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، وعِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظٌ مَصْبُورٌ، وعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأيْتُ أثَرَ الحَصِيرِ في جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقالَ: «ما يُبْكِيكَ» ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كِسْرى وقَيْصَرَ فِيما هم فِيهِ، وأنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ! فَقالَ: «أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهم الدُّنْيا، ولَنا الآخِرَةُ»» ؟

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ، إلّا المَوْتُ خَيْرٌ لَها، لَئِنْ كانَ بَرًّا، لَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ وقَرَأ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، وما مِن كافِرٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ ويَقُولُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] الآيَةُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ رَزِينٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ.

Aal-i-Imraan 3:198Listen in Qur'an →
199

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allah and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allah. They do not exchange the verses of Allah for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allah is swift in account.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩٩ ] ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ هَناتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ، وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ مِنهم طائِفَةٌ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ حَقَّ الإيمانِ، ويُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ما هم مُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّهم خاشِعُونَ لِلَّهِ، أيْ: مُطِيعُونَ لَهُ، خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أيْ: لا يَكْتُمُونَ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وهَؤُلاءِ هم خِيرَةُ أهْلِ الكِتابِ وصَفْوَتُهُمْ، سَواءٌ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] الآيَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وهَذِهِ الصِّفاتُ تُوجَدُ في اليَهُودِ، ولَكِنْ قَلِيلًا، كَما وُجِدَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ مِمَّنْ آمَنَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، ولَمْ يَبْلُغُوا عَشْرَةَ أنْفُسٍ. وأمّا النَّصارى فَكَثِيرٌ مِنهم يَهْتَدُونَ ويَنْقادُونَ لِلْحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤] ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]

وهَكَذا قالَ هُنا: ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ «أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا قَرَأ سُورَةَ (كهيعص) بِحَضْرَةِ النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، وعِنْدَهُ البَطارِكَةُ والقَساوِسَةُ، بَكى وبَكَوْا مَعَهُ حَتّى أخْضَبُوا لِحاهم».

وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ النَّجاشِيَّ لَمّا ماتَ نَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى أصْحابِهِ وقالَ: «إنَّ أخًا لَكم بِالحَبَشَةِ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ فَصَفَّهم وصَلّى عَلَيْهِ».

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحافِظُ أبُو …

Aal-i-Imraan 3:199Listen in Qur'an →
200

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وما يَمَسُّكم مِنَ المَكارِهِ والشَّدائِدِ: ﴿وصابِرُوا﴾ أيْ: غالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الجِهادِ. لا تَكُونُوا أقَلَّ صَبْرًا مِنهم وثَباتًا. والمُصابَرَةُ: بابٌ مِنَ الصَّبْرِ. ذُكِرَ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، تَخْصِيصًا، لِشِدَّتِهِ وصُعُوبَتِهِ - كَذا في (الكَشّافِ) -: ﴿ورابِطُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا عَلى مُرابَطَةِ الغَزْوِ في نَحْرِ العَدُوِّ بِالتَّرَصُّدِ والِاسْتِعْدادِ لِحَرْبِهِمْ، وارْتِباطِ الخَيْلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والرِّباطُ في الأصْلِ أنْ يَرْبِطَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ خُيُولَهم في ثَغْرِهِ، وكُلٌّ مُعِدٌّ لِصاحِبِهِ، ثُمَّ صارَ لُزُومُ الثَّغْرِ رِباطًا. ورُبَّما سُمِّيَتْ الخَيْلُ أنْفُسُها رِباطًا، وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِالرِّباطِ عَنْ المُلازَمَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الأمْرِ، فَتُسَمّى: رِباطًا ومُرابَطَةً.

قالَ الفارِسِيُّ: هو ثانٍ مِن لُزُومِ الثَّغْرِ، ولُزُومُ الثَّغْرِ ثانٍ مِن رِباطِ الخَيْلِ. وقَدْ ورَدَتْ الأخْبارُ بِالتَّرْغِيبِ في الرِّباطِ، وكَثْرَةِ أجْرِهِ. فَمِنها ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها»» .

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رِباطُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ»، وإنْ ماتَ جَرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفَتّانَ».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ، إلّا الَّذِي ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ»»، وهَكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ أيْضًا. وبَقِيَتْ أحادِيثُ أُخَرُ ساقَها الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.

هَذا ومِنَ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (رابِطُوا) أنْ يَكُونَ مَعْناهُ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكم الرِّباطُ، فَذَلِكم الرِّباطُ، فَذَلِكم الرِّباطُ»»، فَشَبَّهَ ﷺ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الصّالِحَةِ بِالرِّباطِ.

ورَوى الحاكِمُ في (مُسْتَدْرِكِهِ) والحافِظُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: أقْبَلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي، يا ابْنَ أخِي ! فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ ؟ قُلْتُ: لا ؟ قالَ: أما إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ، ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، ويُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها، ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيها، فَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿اصْبِرُوا﴾ …

Aal-i-Imraan 3:200Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.