Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 200

51

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ

Indeed, Allah is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path."

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدِيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ”بِآيَةٍ“ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”بِآيَةٍ“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ. أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”جِئْتُكم“ فَيُقَدَّرُ فِعْلُ ”جِئْتُكم“ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُقَدَّرِ مَعَهُ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ”ورَسُولًا“ لِأنَّ ”رَسُولًا“ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، ومُصَدِّقًا مِن كَلامِ عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِما بَيْنَ يَدَيَّ.

صفحة ٢٥٣

والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، وأُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى المَفْعُولِ لِلتَّقْوِيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَصْدِيقٍ مُثْبَتٍ مُحَقَّقٍ، أيْ مُصَدِّقًا تَصْدِيقًا لا يَشُوبُهُ شَكٌّ ولا نِسْبَةٌ إلى خَطَأٍ. وجُعِلَ التَّصْدِيقُ مُتَعَدِّيًا إلى التَّوْراةِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

ومَعْنى ما بَيْنَ يَدَيَّ ما تَقَدَّمَ قَبْلِي، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ السّابِقَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجائِي فَهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالَةِ السَّبْقِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُزُولِ التَّوْراةِ أزْمِنَةٌ طَوِيلَةٌ، لِأنَّها لَمّا اتَّصَلَ العَمَلُ بِها إلى مَجِيئِهِ، فَكَأنَّها لَمْ تَسْبِقْهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. ويُسْتَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ كَذا في مَعْنى المُشاهَدِ الحاضِرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ”ولِأُحِلَّ“ عَلى ”رَسُولًا“ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ: لِأنَّ الحالَ تُشْبِهُ العِلَّةَ؛ إذْ هي قَيْدٌ لِعامِلِها، فَإذا كانَ التَّقْيِيدُ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ شابَهَ المَفْعُولَ لِأجْلِهِ، وشابَهَ المَجْرُورَ بِلامِ التَّعْلِيلِ، فَصَحَّ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْها مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ ”جِئْتُكم“ . وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّسْخَ لا يُنافِي التَّصْدِيقَ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إعْلامٌ بِتَغَيُّرِ الحُكْمِ. وانْحَصَرَتْ شَرِيعَةُ عِيسى في إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ وما تَرَكُوهُ فِيها وهو في هَذا كَغَيْرِهِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي تَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَعْيًا لِحالِهِمْ في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وبِهَذا كانَ رَسُولًا. قِيلَ أحَلَّ لَهُمُ الشُّحُومَ، ولُحُومَ الإبِلِ، وبَعْضَ السَّمَكِ، وبَعْضَ الطَّيْرِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا مِن قَبْلُ، وأحَلَّ لَهُمُ السَّبْتَ، ولَمْ أقِفْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ ما حُلِّلَ لَهم، فَما قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الطَّلاقَ فَهو تَقَوُّلٌ عَلَيْهِ، وإنَّما حَذَّرَهم مِنهُ وبَيَّنَ لَهم سُوءَ عَواقِبِهِ، وحَرَّمَ تَزَوُّجَ المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ما لا تَخْلُو عَنْهُ دَعْوَةٌ: مِن تَذْكِيرٍ، ومَواعِظَ، وتَرْغِيباتٍ.

* * *

﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .

قَوْلُهُ ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ .

تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ الأوَّلِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] . وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ ويَحْصُلُ

صفحة ٢٥٤

التَّأْكِيدُ بِمُجَرَّدِ تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ، فَتَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِبارانِ يَجْعَلانِها بِمَنزِلَةِ …

Aal-i-Imraan 3:51Listen in Qur'an →
52

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allah?" The disciples said, "We are supporters for Allah. We have believed in Allah and testify that we are Muslims [submitting to Him].

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ .

آذَنَ شَرْطُ ”لَمّا“ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُها: فَوُلِدَ عِيسى، وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ بِما أخْبَرَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مَرْيَمَ، وكَلَّمَ النّاسَ بِالرِّسالَةِ. وأراهُمُ الآياتِ المَوْعُودَ بِها، ودَعاهم إلى التَّصْدِيقِ بِهِ وطاعَتِهِ، فَكَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ. إلى آخِرِهِ. أيْ أحَسَّ الكُفْرَ مِن جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ خاطَبَهم بِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ وأطِيعُونِ أيْ

صفحة ٢٥٥

سَمِعَ تَكْذِيبَهم إيّاهُ وأُخْبِرَ بِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ. و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أحَسَّ“ . وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ يُفَسِّرُهُ وصْفُ الكُفْرِ.

وطَلَبُ النَّصْرِ لِإظْهارِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ، مَوْقِفٌ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ، فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقالَ مُوسى: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [طه: ٢٩] وقَدْ عَرَضَ النَّبِيءُ ﷺ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ لِيَنْصُرُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ دَعْوَةَ رَبِّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ قالَهُ في مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ إبْلاغًا لِلدَّعْوَةِ، وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ. والنَّصْرُ يَشْمَلُ إعْلانَ الدِّينِ والدَّعْوَةَ إلَيْهِ. ووَصَلَ وصْفُ أنْصارِي بِـ ”إلى“ إمّا عَلى تَضْمِينِ صِفَةِ أنْصارٍ مَعْنى الضَّمِّ أيْ مَن ضامُّونَ نَصْرَهم إيّايَ إلى نَصْرِ اللَّهِ إيّايَ، الَّذِي وعَدَنِي بِهِ؛ إذْ لابُدَّ لِحُصُولِ النَّصْرِ مِن تَحْصِيلِ سَبَبِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ ضامِّيها فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، وإمّا عَلى جَعْلِهِ حالًا مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى: في حالِ ذَهابِي إلى اللَّهِ، أيْ إلى تَبْلِيغِ شَرِيعَتِهِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالكَوْنُ الَّذِي اقْتَضاهُ المَجْرُورُ هو كَوْنٌ مِن أحْوالِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الحَوارِيُّونَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ . والحَوارِيُّونَ: لَقَبٌ لِأصْحابِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولازَمُوهُ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِنَ النَّبَطِيَّةِ ومُفْرَدُهُ حَوارِيٌّ قالَهُ في الإتْقانِ عَنِ ابْنِ حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ولَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ مَعْناهُ الغَسّالُ أيْ غَسّالُ الثِّيابِ. وفَسَّرَهُ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ مَن يَكُونُ مِن خاصَّةِ مَن يُضافُ هو إلَيْهِ ومِن قَرابَتِهِ.

وغَلَبَ عَلى أصْحابِ عِيسى وفي الحَدِيثِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيءٍ حَوارِيٌّ وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ» . وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ في احْتِمالاتِ اشْتِقاقِهِ واخْتِلافِ مَعْناهُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْصاقٌ بِالكَلِماتِ الَّتِي فِيها حُرُوفُ الحاءِ والواوِ والرّاءِ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ.

صفحة ٢٥٦

والحَوارِيُّونَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وهم: سَمْعانْ بُطْرُسْ، وأخُوهُ أنْدَراوِسُ، ويُوحَنّا بْنُ زَبْدِي، وأخُوهُ يَعْقُوبُ وهَؤُلاءِ كُلُّهم - صَيّادُو سَمَكٍ - ومَتّى العَشّارُ، وتُوما وفِيلِيبْسُ، وبِرْثُولْماوِسُ، ويَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِي، ولَباوِسُ، وسَمْعانُ القانْوِي، ويَهُوذا الأسْخَرْيُوطِيُّ. …

Aal-i-Imraan 3:52Listen in Qur'an →
53

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger Jesus, so register us among the witnesses [to truth]."

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ .

آذَنَ شَرْطُ ”لَمّا“ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُها: فَوُلِدَ عِيسى، وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ بِما أخْبَرَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مَرْيَمَ، وكَلَّمَ النّاسَ بِالرِّسالَةِ. وأراهُمُ الآياتِ المَوْعُودَ بِها، ودَعاهم إلى التَّصْدِيقِ بِهِ وطاعَتِهِ، فَكَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ. إلى آخِرِهِ. أيْ أحَسَّ الكُفْرَ مِن جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ خاطَبَهم بِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ وأطِيعُونِ أيْ

صفحة ٢٥٥

سَمِعَ تَكْذِيبَهم إيّاهُ وأُخْبِرَ بِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ. و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أحَسَّ“ . وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ يُفَسِّرُهُ وصْفُ الكُفْرِ.

وطَلَبُ النَّصْرِ لِإظْهارِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ، مَوْقِفٌ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ، فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقالَ مُوسى: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [طه: ٢٩] وقَدْ عَرَضَ النَّبِيءُ ﷺ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ لِيَنْصُرُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ دَعْوَةَ رَبِّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ قالَهُ في مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ إبْلاغًا لِلدَّعْوَةِ، وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ. والنَّصْرُ يَشْمَلُ إعْلانَ الدِّينِ والدَّعْوَةَ إلَيْهِ. ووَصَلَ وصْفُ أنْصارِي بِـ ”إلى“ إمّا عَلى تَضْمِينِ صِفَةِ أنْصارٍ مَعْنى الضَّمِّ أيْ مَن ضامُّونَ نَصْرَهم إيّايَ إلى نَصْرِ اللَّهِ إيّايَ، الَّذِي وعَدَنِي بِهِ؛ إذْ لابُدَّ لِحُصُولِ النَّصْرِ مِن تَحْصِيلِ سَبَبِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ ضامِّيها فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، وإمّا عَلى جَعْلِهِ حالًا مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى: في حالِ ذَهابِي إلى اللَّهِ، أيْ إلى تَبْلِيغِ شَرِيعَتِهِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالكَوْنُ الَّذِي اقْتَضاهُ المَجْرُورُ هو كَوْنٌ مِن أحْوالِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الحَوارِيُّونَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ . والحَوارِيُّونَ: لَقَبٌ لِأصْحابِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولازَمُوهُ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِنَ النَّبَطِيَّةِ ومُفْرَدُهُ حَوارِيٌّ قالَهُ في الإتْقانِ عَنِ ابْنِ حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ولَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ مَعْناهُ الغَسّالُ أيْ غَسّالُ الثِّيابِ. وفَسَّرَهُ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ مَن يَكُونُ مِن خاصَّةِ مَن يُضافُ هو إلَيْهِ ومِن قَرابَتِهِ.

وغَلَبَ عَلى أصْحابِ عِيسى وفي الحَدِيثِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيءٍ حَوارِيٌّ وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ» . وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ في احْتِمالاتِ اشْتِقاقِهِ واخْتِلافِ مَعْناهُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْصاقٌ بِالكَلِماتِ الَّتِي فِيها حُرُوفُ الحاءِ والواوِ والرّاءِ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ.

صفحة ٢٥٦

والحَوارِيُّونَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وهم: سَمْعانْ بُطْرُسْ، وأخُوهُ أنْدَراوِسُ، ويُوحَنّا بْنُ زَبْدِي، وأخُوهُ يَعْقُوبُ وهَؤُلاءِ كُلُّهم - صَيّادُو سَمَكٍ - ومَتّى العَشّارُ، وتُوما وفِيلِيبْسُ، وبِرْثُولْماوِسُ، ويَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِي، ولَباوِسُ، وسَمْعانُ القانْوِي، ويَهُوذا الأسْخَرْيُوطِيُّ. …

Aal-i-Imraan 3:53Listen in Qur'an →
54

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And the disbelievers planned, but Allah planned. And Allah is the best of planners.

﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] فَإنَّهُ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ وأحَسَّ مِنهم بِالغَدْرِ والمَكْرِ.

وضَمِيرُ مَكَرُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”مِنهم“ وهُمُ اليَهُودُ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] . والمَكْرُ فِعْلٌ يُقْصَدُ بِهِ ضُرُّ أحَدٍ في هَيْئَةٍ تَخْفى عَلَيْهِ، أوْ تَلْبِيسُ فِعْلِ الإضْرارِ بِصُورَةِ النَّفْعِ، والمُرادُ هُنا: تَدْبِيرُ اليَهُودِ لِأخْذِ المَسِيحِ، وسَعْيُهم لَدى وُلاةِ الأُمُورِ لِيُمَكِّنُوهم مِن قَتْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو تَمْثِيلٌ لِإخْفاقِ اللَّهِ تَعالى مَساعِيَهم في حالِ ظَنِّهِمْ أنْ قَدْ نَجَحَتْ مَساعِيهِمْ، وهو هُنا مُشاكَلَةٌ. وجازَ إطْلاقُ المَكْرِ عَلى فِعْلِ

صفحة ٢٥٧

اللَّهِ تَعالى دُونَ مُشاكَلَةٍ كَما في قَوْلِهِ: أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، في سُورَةِ الأعْرافِ. وبَعْضُ أساتِذَتِنا يُسَمِّي مِثْلَ ذَلِكَ مُشاكَلَةً تَقْدِيرِيَّةً.

ومَعْنى ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] أيْ أقْواهم عِنْدَ إرادَةِ مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ بِخِذْلانِهِ إيّاهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى خَيْرُ الماكِرِينَ: أنَّ الإمْلاءَ والِاسْتِدْراجَ الَّذِي يُقَدِّرُهُ لِلْفُجّارِ والجَبابِرَةِ والمُنافِقِينَ، الشَّبِيهَ بِالمَكْرِ في أنَّهُ حَسَنُ الظّاهِرِ سَيِّئُ العاقِبَةِ - هو خَيْرٌ مَحْضٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا الصَّلاحُ العامُّ، وإنْ كانَ يُؤْذِي شَخْصًا أوْ أشْخاصًا، فَهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُجَرَّدٌ عَمّا في المَكْرِ مِنَ القُبْحِ، ولِذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ تَعالى مُنَزَّهَةً عَنِ الوَصْفِ بِالقُبْحِ أوِ الشَّناعَةِ، لِأنَّها لا تُقارِنُها الأحْوالُ الَّتِي بِها تُقَبَّحُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ؛ مِن دَلالَةٍ عَلى سَفاهَةِ رَأْيٍ، أوْ سُوءِ طَوِيَّةٍ، أوْ جُبْنٍ، أوْ ضَعْفٍ، أوْ طَمَعٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. أيْ فَإنْ كانَ في المَكْرِ قُبْحٌ فَمَكْرُ اللَّهِ خَيْرٌ مَحْضٌ، ولَكَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَجْعَلَ ”خَيْرُ“ بِمَعْنى التَّفْضِيلِ وبِدُونِهِ.

Aal-i-Imraan 3:54Listen in Qur'an →
55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

[Mention] when Allah said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allah alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ،

صفحة ٢٥٨

وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» .

وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في …

Aal-i-Imraan 3:55Listen in Qur'an →
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ،

صفحة ٢٥٨

وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» .

وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في …

Aal-i-Imraan 3:56Listen in Qur'an →
57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allah does not like the wrongdoers.

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ،

صفحة ٢٥٨

وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» .

وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في …

Aal-i-Imraan 3:57Listen in Qur'an →
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

This is what We recite to you, [O Muhammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message.

﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ .

تَذْيِيلٌ؛ فَإنَّ ﴿الآياتِ والذِّكْرِ﴾ أعَمُّ مِنَ الَّذِي تُلِيَ هُنا، واسْمُ الإشارَةِ إلى الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالكَلامِ أوِ المَذْكُورِ. وجُمْلَةُ ”نَتْلُوهُ“ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى حَدِّ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ وإنْ خالَفَ في صِحَّةِ مَجِيءِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ بَعْضُ النُّحاةِ.

وقَوْلُهُ مِنَ الآياتِ خَبَرُ ”ذَلِكَ“ أيْ إنَّ تِلاوَةَ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِن آياتِ صِدْقِكَ في دَعْوى الرِّسالَةِ؛ فَإنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ذَلِكَ، وهو ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِلنّاسِ، وهَذا أحْسَنُ مِن جَعْلِ ”نَتْلُوهُ“ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، ومِن وُجُوهٍ أُخْرى. والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكِمِ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ أيِ الحَكِيمُ عالِمُهُ أوْ تالِيهِ.

Aal-i-Imraan 3:58Listen in Qur'an →
59

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, the example of Jesus to Allah is like that of Adam. He created Him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

صفحة ٢٦٣

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ: بَيَّنَ بِهِ ما نَشَأ مِنَ الأوْهامِ عِنْدَ النَّصارى، عَنْ عِيسى بِأنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَضَلُّوا بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ خالِصَ النّاسُوتِ. وهَذا شُرُوعٌ في إبْطالِ عَقِيدَةِ النَّصارى مِن تَأْلِيهِ عِيسى، ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ في الإسْلامِ وهو أقْطَعُ دَلِيلٍ بِطَرِيقِ الإلْزامِ؛ لِأنَّهم قالُوا بِإلَهِيَّةِ عِيسى مِن أجْلِ أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لَهُ أبٌ، فَقالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ، فَأراهُمُ اللَّهُ أنَّ آدَمَ أوْلى بِأنْ يُدَّعى لَهُ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ آدَمُ إلَهًا مَعَ أنَّهُ خُلِقَ بِدُونِ أبَوَيْنِ فَعِيسى أوْلى بِالمَخْلُوقِيَّةِ مِن آدَمَ.

ومَحَلُّ التَّمْثِيلِ كَوْنُ كِلَيْهِما مِن دُونِ أبٍ، ويَزِيدُ آدَمُ بِكَوْنِهِ مِن دُونِ أُمٍّ أيْضًا، ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، الآيَةَ أيْ خَلَقَهُ دُونَ أبٍ ولا أُمٍّ بَلْ بِكَلِمَةِ كُنْ، مَعَ بَيانِ كَوْنِهِ أقْوى في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو الغالِبُ. وإنَّما قالَ عِنْدَ اللَّهِ أيْ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ لا تَزِيدُ عَلى آدَمَ في كَوْنِهِ خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ لَكم لِأنَّهم جَعَلُوا خَلْقَهُ العَجِيبَ مُوجِبًا لِلْمَسِيحِ نِسْبَةً خاصَّةً عِنْدَ اللَّهِ وهي البُنُوَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ - نَفْسَ الأمْرِ الواقِعِ.

والضَّمِيرُ في ”خَلَقَهُ“ لِآدَمَ لا لِعِيسى؛ إذْ قَدْ عَلِمَ الكُلُّ أنَّ عِيسى لَمْ يُخْلَقْ مِن تُرابٍ، فَمَحَلُّ التَّشْبِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

وجُمْلَةُ ”خَلَقَهُ“ وما عُطِفَ عَلَيْها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ كَمَثَلِ آدَمَ.

و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ تَكْوِينَهُ بِأمْرِ ”كُنْ“ أرْفَعُ رُتْبَةً مِن خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، وهو أسْبَقُ في الوُجُودِ والتَّكْوِينُ المُشارُ إلَيْهِ بِـ ”كُنْ“: هو تَكْوِينُهُ عَلى الصِّفَةِ المَقْصُودَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: كَوَّنَهُ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَقُلْ: قالَ لَهُ كُنْ مِن تُرابٍ ثُمَّ أحْياهُ، بَلْ قالَ خَلَقَهُ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ. وقَوْلُ ”كُنْ“ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَكْوِينِهِ حَيًّا ذا رُوحٍ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ بِصَنِيعِ يَدٍ، ولا نَحْتٍ بِآلَةٍ، ولَكِنَّهُ بِإرادَةٍ وتَعَلُّقِ قُدْرَةٍ وتَسْخِيرِ الكائِناتِ الَّتِي لَها أثَرٌ في تَكْوِينِ المُرادِ، حَتّى تَلْتَئِمَ وتَنْدَفِعَ إلى إظْهارِ المُكَوَّنِ، وكُلُّ ذَلِكَ

صفحة ٢٦٤

عَنْ تَوَجُّهِ الإرادَةِ بِالتَّنْجِيزِ، فَبِتِلْكَ الكَلِمَةِ كانَ آدَمُ أيْضًا كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ احْتِياجٌ إلى ذَلِكَ لِفَواتِ زَمانِهِ.

وإنَّما قالَ ”فَيَكُونُ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَكانَ“ لِاسْتِحْضارِهِ صُورَةَ تَكَوُّنِهِ، ولا يُحْمَلُ المُضارِعُ في مِثْلِ هَذا إلّا عَلى هَذا المَعْنى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وحَمْلُهُ عَلى غَيْرِ هَذا هُنا لا وجْهَ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذا الحَقُّ. و”مِن رَبِّكَ“ حالٌ مِنَ الحَقِّ. والخِطابُ في فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، والمُعَرَّضُ بِهِمْ هُنا هُمُ النَّصارى المُمْتَرُونَ الَّذِينَ امْتَرُوا في الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ أنْ لا أبَ …

Aal-i-Imraan 3:59Listen in Qur'an →
60

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

صفحة ٢٦٣

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ: بَيَّنَ بِهِ ما نَشَأ مِنَ الأوْهامِ عِنْدَ النَّصارى، عَنْ عِيسى بِأنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَضَلُّوا بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ خالِصَ النّاسُوتِ. وهَذا شُرُوعٌ في إبْطالِ عَقِيدَةِ النَّصارى مِن تَأْلِيهِ عِيسى، ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ في الإسْلامِ وهو أقْطَعُ دَلِيلٍ بِطَرِيقِ الإلْزامِ؛ لِأنَّهم قالُوا بِإلَهِيَّةِ عِيسى مِن أجْلِ أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لَهُ أبٌ، فَقالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ، فَأراهُمُ اللَّهُ أنَّ آدَمَ أوْلى بِأنْ يُدَّعى لَهُ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ آدَمُ إلَهًا مَعَ أنَّهُ خُلِقَ بِدُونِ أبَوَيْنِ فَعِيسى أوْلى بِالمَخْلُوقِيَّةِ مِن آدَمَ.

ومَحَلُّ التَّمْثِيلِ كَوْنُ كِلَيْهِما مِن دُونِ أبٍ، ويَزِيدُ آدَمُ بِكَوْنِهِ مِن دُونِ أُمٍّ أيْضًا، ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، الآيَةَ أيْ خَلَقَهُ دُونَ أبٍ ولا أُمٍّ بَلْ بِكَلِمَةِ كُنْ، مَعَ بَيانِ كَوْنِهِ أقْوى في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو الغالِبُ. وإنَّما قالَ عِنْدَ اللَّهِ أيْ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ لا تَزِيدُ عَلى آدَمَ في كَوْنِهِ خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ لَكم لِأنَّهم جَعَلُوا خَلْقَهُ العَجِيبَ مُوجِبًا لِلْمَسِيحِ نِسْبَةً خاصَّةً عِنْدَ اللَّهِ وهي البُنُوَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ - نَفْسَ الأمْرِ الواقِعِ.

والضَّمِيرُ في ”خَلَقَهُ“ لِآدَمَ لا لِعِيسى؛ إذْ قَدْ عَلِمَ الكُلُّ أنَّ عِيسى لَمْ يُخْلَقْ مِن تُرابٍ، فَمَحَلُّ التَّشْبِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

وجُمْلَةُ ”خَلَقَهُ“ وما عُطِفَ عَلَيْها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ كَمَثَلِ آدَمَ.

و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ تَكْوِينَهُ بِأمْرِ ”كُنْ“ أرْفَعُ رُتْبَةً مِن خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، وهو أسْبَقُ في الوُجُودِ والتَّكْوِينُ المُشارُ إلَيْهِ بِـ ”كُنْ“: هو تَكْوِينُهُ عَلى الصِّفَةِ المَقْصُودَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: كَوَّنَهُ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَقُلْ: قالَ لَهُ كُنْ مِن تُرابٍ ثُمَّ أحْياهُ، بَلْ قالَ خَلَقَهُ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ. وقَوْلُ ”كُنْ“ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَكْوِينِهِ حَيًّا ذا رُوحٍ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ بِصَنِيعِ يَدٍ، ولا نَحْتٍ بِآلَةٍ، ولَكِنَّهُ بِإرادَةٍ وتَعَلُّقِ قُدْرَةٍ وتَسْخِيرِ الكائِناتِ الَّتِي لَها أثَرٌ في تَكْوِينِ المُرادِ، حَتّى تَلْتَئِمَ وتَنْدَفِعَ إلى إظْهارِ المُكَوَّنِ، وكُلُّ ذَلِكَ

صفحة ٢٦٤

عَنْ تَوَجُّهِ الإرادَةِ بِالتَّنْجِيزِ، فَبِتِلْكَ الكَلِمَةِ كانَ آدَمُ أيْضًا كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ احْتِياجٌ إلى ذَلِكَ لِفَواتِ زَمانِهِ.

وإنَّما قالَ ”فَيَكُونُ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَكانَ“ لِاسْتِحْضارِهِ صُورَةَ تَكَوُّنِهِ، ولا يُحْمَلُ المُضارِعُ في مِثْلِ هَذا إلّا عَلى هَذا المَعْنى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وحَمْلُهُ عَلى غَيْرِ هَذا هُنا لا وجْهَ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذا الحَقُّ. و”مِن رَبِّكَ“ حالٌ مِنَ الحَقِّ. والخِطابُ في فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، والمُعَرَّضُ بِهِمْ هُنا هُمُ النَّصارى المُمْتَرُونَ الَّذِينَ امْتَرُوا في الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ أنْ لا أبَ …

Aal-i-Imraan 3:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.