كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
اسْتِئْنافُ كَلامٍ ناشِئٌ عَنْ حِكايَةِ ما دَعا بِهِ المُؤْمِنُونَ: مِن دَوامِ الهِدايَةِ، وسُؤالِ الرَّحْمَةِ، وانْتِظارِ الفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ، بِذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ. وتَعْقِيبُ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، بِذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ،
صفحة ١٧٢
إيماءٌ إلى أنَّ دَعْوَتَهُمُ اسْتُجِيبَتْ. والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المُشْرِكُونَ، وهَذا وصْفٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ. وقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا بِنُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أُرِيدَ هُنا قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وأهْلُ نَجْرانَ ويُرَجَّحُ هَذا بِأنَّهم ذُكِّرُوا بِحالِ فِرْعَوْنَ دُونَ حالِ عادٍ وثَمُودَ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أعْلَقُ بِأخْبارِ فِرْعَوْنَ. كَما أنَّ العَرَبَ أعْلَقُ بِأخْبارِ عادٍ وثَمُودَ، وأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الكافِرِينَ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابَيْنِ، ويَكُونَ التَّذْكِيرُ بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ وعِيدَ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ أهَمُّ.
ومَعْنى ”تُغْنِي“ تَجْزِي وتَكْفِي وتَدْفَعُ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ ”عْنَ“ نَحْوَ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .
ولِدَلالَةِ هَذا الفِعْلِ عَلى الإجْزاءِ والدَّفْعِ، كانَ مُؤْذِنًا بِأنَّ هُنالِكَ شَيْئًا يُدْفَعُ ضُرُّهُ، وتُكْفى كُلْفَتُهُ، فَلِذَلِكَ قَدْ يَذْكُرُونَ مَعَ هَذا الفِعْلِ مُتَعَلِّقًا ثانِيًا ويُعَدُّونَ الفِعْلَ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”مِن“ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَكُونُ ”مِن“ لِلْبَدَلِ والعِوَضِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ.
وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن أمْرٍ يُضافُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ تَعْلِيقًا ثانِيًا، بِاسْمِ ذاتٍ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا أخَصُّ حالٍ اشْتُهِرَتْ بِهِ، أوْ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ فَيُقَدَّرُ مَعْنى اسْمٍ مُضافٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ. والتَّقْدِيرُ هُنا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَتِهِ، إذا كانَتْ ”مِن“ لِلْبَدَلِ وكَذا قَدَّرَهُ في الكَشّافِ، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وعَلى جَعْلِ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تُقَدَّرُ مِن غَضَبِ اللَّهِ، أوْ مِن عَذابِهِ، أيْ غَناءً مُبْتَدِئًا مِن ذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: نَجّاهُ مِن كَذا أيْ فَصَلَهُ مِنهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مَعَ هَذا الفِعْلِ إذا عُدِّيَ بِـ ”عْنَ“ مُماثِلَةً لِـ ”مِنِ“ الواقِعَةِ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ بِـ ”عْنَ“ لِإمْكانِ اخْتِلافِ مَعْنى التَّعَلُّقِ بِاخْتِلافِ مَساقِ الكَلامِ. والغالِبُ أنْ يَأْتُوا بَعْدَ فِعْلِ أغْنى بِلَفْظِ ”شَيْءٍ“ مَعَ ذِكْرِ المُتَعَلِّقَيْنِ كَما في الآيَةِ، وبِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقَيْنِ، كَما في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ، يَوْمَ أسْلَمَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا.
صفحة ١٧٣
وانْتَصَبَ قَوْلُهُ شَيْئًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ غَناءً ضَعِيفًا، بَلْهَ الغَناءَ لَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا …