Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ

هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ

التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ

هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ

التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ

هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ

التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ

هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الم﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ

التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ. وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ. والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ.

و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ. و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ.

و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا …

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ. وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ. والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ.

و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ. و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ.

و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا …

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ. وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ. والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ.

و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ. و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ.

و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

قوله عزّ وجلّ:

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾

يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ أنَّهم يَقُولُونَ هَذا مَعَ قَوْلِهِمْ "آمَنّا بِهِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الزَيْغِ وذَكَرَ نَقِيضَهم وظَهَرَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ عِبادَهُ الدُعاءَ إلَيْهِ في أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطائِفَةِ الذَمِيمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي أهْلُ الزَيْغِ. وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يُضِلُّ العِبادَ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ الإزاغَةُ مِن قِبَلِهِ لَما جازَ أنْ يُدْعى في دَفْعِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.

وتُزِغْ مَعْناهُ: تُمِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدى والحَقِّ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ والجَرّاحُ: "لا تَزِغْ قُلُوبُنا" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القُلُوبِ، وهَذِهِ أيْضًا رَغْبَةٌ إلى اللهِ تَعالى. وقالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذا ونَحْوِهِ الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ وإنَّما المَسْؤُولُ اللهُ تَعالى، [وَقَوْلُهُ: "الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ" غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ]. ومَعْنى الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ أيْ لا يَكُنْ مِثْلَ خَلْقِ الزَيْغِ فَتَزِيغُ هِيَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: لا تُكَلِّفْنا عِبادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ مِنها قُلُوبُنا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ التَحَفُّظُ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى الزَيْغَ والضَلالَةَ في قَلْبِ أحَدٍ مِنَ العِبادِ.

و"مِن لَدُنْكَ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِكَ ومِن قِبَلِكَ، أيْ يَكُونُ تَفَضُّلًا لا عن سَبَبٍ مِنًّا ولا عن عَمَلٍ. وفي هَذا اسْتِسْلامٌ وتَطارُحٌ. والمُرادُ: هَبْ لَنا نَعِيمًا صادِرًا عَنِ الرَحْمَةِ، لِأنَّ الرَحْمَةَ راجِعَةٌ إلى صِفاتِ الذاتِ، فَلا تُتَصَوَّرُ فِيها الهِبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. قالَ الزَجّاجُ: هَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي عَلِمَهُ الراسِخُونَ فَأقَرُّوا بِهِ، وخالَفَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ حِينَ أنْكَرُوهُ. والرَيْبُ: الشَكُّ، والمَعْنى: أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ وقَعَ فِيهِ رَيْبٌ عِنْدَ المُكَذِّبِينَ بِهِ فَذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ هو خَطَأٌ مِنهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً مِن قَوْلِ الداعِينَ، فَفي ذَلِكَ إقْرارٌ بِصِفَةِ ذاتِ اللهِ تَعالى. والمِيعادُ: مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ.

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

قوله عزّ وجلّ:

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾

يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ أنَّهم يَقُولُونَ هَذا مَعَ قَوْلِهِمْ "آمَنّا بِهِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الزَيْغِ وذَكَرَ نَقِيضَهم وظَهَرَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ عِبادَهُ الدُعاءَ إلَيْهِ في أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطائِفَةِ الذَمِيمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي أهْلُ الزَيْغِ. وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يُضِلُّ العِبادَ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ الإزاغَةُ مِن قِبَلِهِ لَما جازَ أنْ يُدْعى في دَفْعِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.

وتُزِغْ مَعْناهُ: تُمِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدى والحَقِّ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ والجَرّاحُ: "لا تَزِغْ قُلُوبُنا" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القُلُوبِ، وهَذِهِ أيْضًا رَغْبَةٌ إلى اللهِ تَعالى. وقالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذا ونَحْوِهِ الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ وإنَّما المَسْؤُولُ اللهُ تَعالى، [وَقَوْلُهُ: "الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ" غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ]. ومَعْنى الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ أيْ لا يَكُنْ مِثْلَ خَلْقِ الزَيْغِ فَتَزِيغُ هِيَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: لا تُكَلِّفْنا عِبادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ مِنها قُلُوبُنا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ التَحَفُّظُ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى الزَيْغَ والضَلالَةَ في قَلْبِ أحَدٍ مِنَ العِبادِ.

و"مِن لَدُنْكَ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِكَ ومِن قِبَلِكَ، أيْ يَكُونُ تَفَضُّلًا لا عن سَبَبٍ مِنًّا ولا عن عَمَلٍ. وفي هَذا اسْتِسْلامٌ وتَطارُحٌ. والمُرادُ: هَبْ لَنا نَعِيمًا صادِرًا عَنِ الرَحْمَةِ، لِأنَّ الرَحْمَةَ راجِعَةٌ إلى صِفاتِ الذاتِ، فَلا تُتَصَوَّرُ فِيها الهِبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. قالَ الزَجّاجُ: هَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي عَلِمَهُ الراسِخُونَ فَأقَرُّوا بِهِ، وخالَفَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ حِينَ أنْكَرُوهُ. والرَيْبُ: الشَكُّ، والمَعْنى: أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ وقَعَ فِيهِ رَيْبٌ عِنْدَ المُكَذِّبِينَ بِهِ فَذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ هو خَطَأٌ مِنهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً مِن قَوْلِ الداعِينَ، فَفي ذَلِكَ إقْرارٌ بِصِفَةِ ذاتِ اللهِ تَعالى. والمِيعادُ: مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ.

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾

هِمَمُ الكُفّارِ الَّذِينَ لا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ إنَّما هي عَلى وجْهِ الدَهْرِ وإلى يَوْمِ القِيامَةِ - في زِينَةِ الدُنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ المُتَهَمَّمَ فِيهِ لا يُغْنِي عن صاحِبِهِ شَيْئًا، ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللهِ وعِقابِهِ. و"مِنَ" في قَوْلِهِ: "مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، والإشارَةُ بِالآيَةِ إلى مُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهِيَ- بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَنْ يُغْنِيَ" بِالياءِ، عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ.

والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ: ما يَحْتَرِقُ في النارِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ هي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهُما: "وُقُودُ" بِضَمِّ الواوِ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "حَطَبُ وُقُودِ النارِ" والوُقُودُ بِضَمِّ الواوِ: المَصْدَرُ، وقَدَتِ النارُ تَقِدُ إذا اشْتَعَلَتْ. والدَأْبُ والدَأبُ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ "دَأْبٌ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: تَشْبِيهُ هَؤُلاءِ في لُزُومِهِمُ الكُفْرَ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، وآخِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ بِأنْ يُصِيبَ هَؤُلاءِ مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ.

والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، فالعامِلُ فِيهِ "كَفَرُوا"، ورَدَّ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ بِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِلَةِ فَلا يُعْمَلُ فِيهِ ما في الصِلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ ويَكُونَ التَشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والهاءُ في "قَبْلِهِمْ" عائِدَةٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ.

وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ: المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: العَلاماتِ المَنصُوبَةَ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الدَأْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ راجِعٌ إلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.