Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ﴾ الفاءُ في ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ يُؤْذِنَ بِأنَّ الكَلامَ بُنِيَ عَلى الشَرْطِ والجَزاءِ، وأنَّ سَبَبَ امْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ هو المَوْتُ عَلى الكُفْرِ، وتَرْكُ الفاءِ فِيما تَقَدَّمَ يُشْعِرُ بِأنَّ الكَلامَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ولا دَلِيلَ فِيهِ عَلى التَسْبِيبِ ﴿ذَهَبًا﴾ تَمْيِيزٌ ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ أيْ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ فَدِيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ ﷺ: « "يُقالُ لِلْكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ: لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: لَقَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ". » قِيلَ: الواوُ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ.

﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ مُعِينِينَ، دافِعِينَ لِلْعَذابِ.

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ، أوْ لَنْ تَكُونُوا أبْرارًا، أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ، وهو ثَوابُهُ.

﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ حَتّى تَكُونَ نَفَقَتُكم مِن أمْوالِكُمُ الَّتِي تُحِبُّونَها وتُؤْثِرُونَها، وعَنِ الحَسَنِ: كُلُّ مَن تَصَدَّقَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ بِما يُحِبُّهُ ولَوْ ثَمَرَةً فَهو داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الواسِطِيُّ: الوُصُولُ إلى البَرِّ بِإنْفاقِ بَعْضِ المَحابِّ، وإلى الرَبِّ بِالتَخَلِّي عَنِ الكَوْنَيْنِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لَنْ تَنالُوا بِرِّي بِكم إلّا بِبِرِّكم بِإخْوانِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ لا وُصُولَ إلى المَطْلُوبِ إلّا بِإخْراجِ المَحْبُوبِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كانَ يَشْتَرِي أعْدالَ السُكَّرِ ويَتَصَدَّقُ بِها، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لا تَتَصَدَّقُ بِثَمَنِها؟ قالَ: لِأنَّ السُكَّرَ أحَبُّ إلَيَّ، فَأرَدْتُ أنْ أُنْفِقَ مِمّا أُحِبَّ ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: هو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ. و"مِن" الأُولى لِلتَّبْعِيضِ لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ (حَتّى تُنْفِقُوا بَعْضَ ما تُحِبُّونَ) والثانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ الإنْفاقُ، طَيِّبٌ تُحِبُّونَهُ، أوْ خَبِيثٌ تَكْرَهُونَهُ.

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

وَلَمّا «قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقالَ ﷺ: "كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ" فَقالَتِ اليَهُودُ: إنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً في مِلَّةِ إبْراهِيمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ، نَزَلَ تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿كُلُّ الطَعامِ﴾ » أيِ: المَطْعُوماتِ الَّتِي فِيها النِزاعُ، فَإنَّ مِنها ما هو حَرامٌ قَبْلَ ذَلِكَ، كالمَيْتَةِ، والدَمِ،

﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: حَلالًا، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: حَلَّ الشَيْءُ حِلًّا، ولِذا اسْتَوى في صِفَةِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المُمْتَحِنَةُ: ١٠] ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾ أيْ: يَعْقُوبُ،

﴿عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَوْراةُ﴾ وبِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ، وهو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، وكانا أحَبَّ الطَعامِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ المَطاعِمَ كُلَّها لَمْ تَزَلْ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبْلِ إنْزالِ التَوْراةِ سِوى ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا نَزَلَتِ التَوْراةُ عَلى مُوسى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيها لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، لِتَحْرِيمِ إسْرائِيلَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أُمِرَ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمْ ويُبَكِّتَهم بِما هو ناطِقٌ بِهِ مِن أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمٌ حادِثٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، لا تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ كَما يَدَّعُونَهُ، فَلَمْ يَجْرُؤُوا عَلى إخْراجِ التَوْراةِ وبُهِتُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى صِدْقِ النَبِيِّ ﷺ، وعَلى جَوازِ النَسْخِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ.

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ بِزَعْمِهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا في مِلَّةِ إبْراهِيمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَهم مِنَ الحُجَّةِ القاطِعَةِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ المُكابِرُونَ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى البَيِّناتِ.

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ في إخْبارِهِ أنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ: ثَبَتَ أنَّ اللهَ تَعالى صادِقٌ فِيما أنْزَلَ، وأنْتُمُ الكاذِبُونَ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن آمَنَ مَعَهُ، حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي ورَّطَتْكم في فَسادِ دِينِكم ودُنْياكُمْ، حَيْثُ اضْطَرَّتْكم إلى تَحْرِيفِ كِتابِ اللهِ لِتَسْوِيَةِ أغْراضِكُمْ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ الطَيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللهُ لِإبْراهِيمَ ولِمَن تَبِعَهُ،

﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ، أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ،

﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

وَلَمّا قالَتِ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: قِبْلَتُنا قَبْلَ قِبْلَتِكم نَزَلَ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ والواضِعُ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَعْنى وضْعِ اللهِ بَيْتًا لِلنّاسِ: أنَّهُ جَعَلَهُ مُتَعَبَّدًا لَهُمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ أوَّلَ مُتَعَبَّدٍ لِلنّاسِ الكَعْبَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ وُضِعَ قَبْلَ بَيْتِ المَقْدِسِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً". » قِيلَ: أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ، وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ حُجَّ بَعْدَ الطُوفانِ، وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ في الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِبَيْتٍ، والخَبَرُ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أيْ: لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، وهي عَلَمٌ لِلْبَلَدِ الحَرامِ، ومَكَّةُ وبَكَّةُ لُغَتانِ فِيهِ، وقِيلَ: مَكَّةُ البَلَدُ، وبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن بَكَّهُ: إذا زَحَمَهُ، لِازْدِحامِ الناسِ فِيها، أوْ لِأنَّها تَبَكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، أيْ: تَدُقُّها، لَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللهُ.

﴿مُبارَكًا﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ لِما يَحْصُلُ لِلْحُجّاجِ والمُعْتَمِرِينَ مِنَ الثَوابِ، وتَكْفِيرِ السَيِّئاتِ ﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهم و"مُبارَكًا" و"هُدًى" حالانِ مِنَ الضَمِيرِ في "وُضِعَ".

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ عَلاماتٌ واضِحاتٌ، لا تَلْتَبِسُ عَلى أحَدٍ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ وصَحَّ بَيانُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، لِأنَّهُ وحْدَهُ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ، وقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَأْثِيرِ قَدَمِهِ في حَجَرٍ صَلْدٍ، أوْ لِاشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ، لِأنَّ أثَرَ القَدَمِ في الصَخْرَةِ الصَمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَخْرَةِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وإبْقاءَهُ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ آيَةٌ لِإبْراهِيمَ خاصَّةً، عَلى أنَّ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآياتٍ -وَإنْ كانَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً، أوْ شَرْطِيَّةً- مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أمْنِ داخِلِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ: مَقامٌ لِإبْراهِيمَ، وأمْنُ داخِلِهِ، والِاثْنانِ في مَعْنى الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ تُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةً عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، وكَثِيرٍ سِواهُما، نَحْوُ: انْمِحاقِ الأحْجارِ مَعَ كَثْرَةِ الرُماةِ، وامْتِناعِ الطَيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ في طَيِّ الذِكْرِ قَوْلُهُ ﷺ: « "حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِيبُ، والنِساءُ، وقُرَّةُ عَيْنِي في الصَلاةِ". » فَقُرَّةُ عَيْنِي لَيْسَ مِنَ الثَلاثِ، بَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ، لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الدُنْيا، والثالِثُ مُطْوًى، وكَأنَّهُ ﷺ تَرْكُ ذِكْرِ الثالِثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنَ الدُنْيا، فَذَكَرَ شَيْئًا هو مِنَ الدِينِ، وقِيلَ: في سَبَبِ هَذا الأثَرِ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ، وضَعُفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ، فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. وقِيلَ: إنَّهُ جاءَ زائِرًا مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ: انْزِلْ حَتّى تَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ، فَجاءَتْهُ بِهَذا الحَجَرِ، فَوَضَعَتْهُ عَلى شِقِّهِ الأيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى شِقِّهِ الأيْسَرِ حَتّى غَسَلَتِ الشِقَّ الآخَرَ، فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وأمانُ مَن دَخَلَهُ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبْراهِيمُ: ٣٥] وكانَ الرَجُلُ لَوْ جَنى كُلَّ جِنايَةٍ، ثُمَّ التَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُطْلَبْ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَوْ ظَفِرْتُ فِيهِ بِقاتِلِ الخَطّابِ ما مَسَسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، ومَن لَزِمَهُ القَتْلُ في الحِلِّ بِقَوَدٍ، أوْ رِدَّةٍ، أوْ زِنًا، فالتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، إلّا أنَّهُ لا يُؤْوى، ولا يُطْعَمُ، ولا يُسْقى، ولا يُبايَعُ حَتّى يُضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: آمِنًا مِنَ النارِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًا مِنَ النارِ". » وعَنْهُ ﷺ: « "الحَجُونُ والبَقِيعُ يُؤْخَذُ بِأطْرافِهِما ويُنْثَرانِ في الجَنَّةِ، وهُما مَقْبَرَتا مَكَّةَ والمَدِينَةِ". » وعَنْهُ ﷺ: « "مَن صَبَرَ عَلى حَرِّ مَكَّةَ ساعَةً مِن نَهارٍ تَباعَدَتْ مِنهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عامٍ". »﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّ لَهُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الحَجِّ. (حَجُّ البَيْتِ): كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وهو اسْمٌ، وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هُما …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ الدالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والحالُ أنَّ اللهَ شَهِيدٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها.

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ الصَدُّ: المَنعُ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ﴾ عَنْ دِينِ حَقِّ عُلِمَ أنَّهُ سَبِيلُ اللهِ الَّتِي أمَرَ بِسُلُوكِها، وهو الإسْلامُ، وكانُوا يَمْنَعُونَ مَن أرادَ الدُخُولَ فِيهِ بِجُهْدِهِمْ، ومَحَلُّ ﴿تَبْغُونَها﴾ تَطْلُبُونَ لَها، نَصْبٌ عَلى الحالِ ﴿عِوَجًا﴾ اعْوِجاجًا ومَيْلًا عَنِ القَصْدِ والِاسْتِقامَةِ، بِتَغْيِيرِكم صِفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ وجْهِها، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ أنَّها سَبِيلُ اللهِ الَّتِي لا يَصُدُّ عَنْها إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ ﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الصَدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ.

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

ثُمَّ نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّباعِ هَؤُلاءِ الصادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ قِيلَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ تَحَدُّثُهم وتَألُّفُهُمْ، فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثٍ لَعَلَّهم يَغْضَبُونَ، وكانَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظَفَرُ فِيهِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ، فَتَنازَعَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: السِلاحَ، السِلاحَ، فَبَلَغَ النَبِيَّ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَقالَ: "أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ أكْرَمَكُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، وألَّفَ بَيْنَكُمْ؟!" فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْعَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا باكِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. »

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.