Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الكافِرَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: الَّذِي يَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مَقْبُولَةً، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

وثانِيها: الَّذِي يَتُوبُ عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ تَوْبَةً فاسِدَةً وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ: إنَّهُ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ. وثالِثُها: الَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ البَتَّةَ وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾، قالَ الواحِدِيُّ: مِلْءُ الشَّيْءِ قَدْرُ ما يَمْلَؤُهُ، وانْتَصَبَ ”﴿ذَهَبًا﴾“ عَلى التَّفْسِيرِ، ومَعْنى التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تامًّا إلّا أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، كَقَوْلِهِ: عِنْدِي عِشْرُونَ، فالعَدَدُ مَعْلُومٌ، والمَعْدُودُ مُبْهَمٌ، فَإذا قُلْتَ: دِرْهَمًا فَسَّرْتَ العَدَدَ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: هو أحْسَنُ النّاسِ فَقَدْ أخْبَرْتَ عَنْ حُسْنِهِ، ولَمْ تُبَيِّنْ في ماذا، فَإذا قُلْتَ وجْهًا أوْ فِعْلًا فَقَدْ بَيَّنْتَهُ ونَصَبْتَهُ عَلى التَّفْسِيرِ، وإنَّما نَصَبْتَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما يَخْفِضُهُ ولا ما يَرْفَعُهُ، فَلَمّا خَلا مِن هَذَيْنِ نُصِبَ لِأنَّ النَّصْبَ أخَفُّ الحَرَكاتِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ لا عامِلَ فِيهِ.

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذَهَبٌ“ بِالرَّفْعِ رَدًّا عَلى مِلْءِ، كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ.

وهاهُنا ثَلاثَةُ أسْئِلَةٍ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ”لَنْ تُقْبَلَ“ بِغَيْرِ فاءٍ وفي هَذِهِ الآيَةِ ”فَلَنْ يُقْبَلَ“ بِالفاءِ ؟ .

صفحة ١١٦

الجَوابُ: أنَّ دُخُولَ الفاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وعِنْدَ عَدَمِ الفاءِ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الكَلامِ كَوْنُهُ شَرْطًا وجَزاءً، تَقُولُ: الَّذِي جاءَنِي لَهُ دِرْهَمٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ المَجِيءِ، وإذا قُلْتَ: الَّذِي جاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ المَجِيءِ، فَذِكْرُ الفاءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الفِدْيَةِ مُعَلَّلٌ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ .

الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها لِلْعَطْفِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ، ولَوِ افْتَدى مِنَ العَذابِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: وهَذا أوْكَدُ في التَّغْلِيظِ؛ لِأنَّهُ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ القَبُولِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.

الثّانِي: (الواوُ) دَخَلَتْ لِبَيانِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، فَنَصَّ عَلى نَفْيِ القَبُولِ بِجِهَةِ الفِدْيَةِ.

الثّالِثُ: وهو وجْهٌ خَطَرَ بِبالِي، وهو أنَّ مَن غَضِبَ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، فَإذا أتْحَفَهُ ذَلِكَ العَبْدُ بِتُحْفَةٍ وهَدِيَّةٍ لَمْ يَقْبَلْها …

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ لا يَنْفَعُ الكافِرَ البَتَّةَ عَلَّمَ المُؤْمِنِينَ كَيْفِيَّةَ الإنْفاقِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أنْفَقَ مِمّا أحَبَّ كانَ مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ، ثُمَّ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٦]، وقالَ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فاللَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ثَوابِ الأبْرارِ اكْتَفى هاهُنا بِأنْ ذَكَرَ أنَّ مَن أنْفَقَ ما أحَبَّ نالَ البِرَّ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى:

وهِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أكْثَرَ أعْمالِ الخَيْرِ، وسَمّاهُ البِرَّ ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، والمَعْنى أنَّكم وإنْ أتَيْتُمْ بِكُلِّ تِلْكَ الخَيْراتِ المَذْكُورَةِ في تِلْكَ الآيَةِ فَإنَّكم لا تَفُوزُونَ بِفَضِيلَةِ البِرِّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ إذا أنْفَقَ ما يُحِبُّهُ كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ الطّاعاتِ، وهاهُنا بَحْثٌ وهو: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَلِمَةُ ”حَتّى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مَن أنْفَقَ مِمّا أحَبَّ فَقَدْ نالَ البِرَّ ومَن نالَ البِرَّ دَخَلَ تَحْتَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ الثَّوابِ لِلْأبْرارِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن أنْفَقَ ما أحَبَّ وصَلَ إلى الثَّوابِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَأْتِ بِسائِرِ الطّاعاتِ، وهو باطِلٌ.

وجَوابُ هَذا الإشْكالِ: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْفِقَ مَحْبُوبَهُ إلّا إذا تَوَسَّلَ بِإنْفاقِ ذَلِكَ المَحْبُوبِ إلى وِجْدانِ مَحْبُوبٍ أشْرَفَ مِنَ الأوَّلِ، فَعَلى هَذا الإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْفِقَ الدُّنْيا في الدُّنْيا إلّا إذا تَيَقَّنَ سَعادَةَ الآخِرَةِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَرِفَ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ إلّا إذا أقَرَّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ، وأقَرَّ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْقِيادُ لِتَكالِيفِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ إنْفاقُ الدُّنْيا في الدُّنْيا إلّا إذا كانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الخِصالِ المَحْمُودَةِ في الدُّنْيا، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، فَنَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ السَّلَفُ إذا أحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِي حائِطٌ بِالمَدِينَةِ وهو أحَبُّ أمْوالِي إلَيَّ أفَأتَصَدَّقُ بِهِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ“، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَها في …

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ إلى هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي تَوْجِيهِ الإلْزاماتِ الوارِدَةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ في هَذا البابِ.

وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَهي في بَيانِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ القَوْمِ، فَإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ يَدَّعِي أنَّ كُلَّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا ثُمَّ صارَ البَعْضُ حَرامًا بَعْدَ أنْ كانَ حِلًّا والقَوْمُ نازَعُوهُ في ذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ الَّذِي هو الآنَ حَرامٌ كانَ حَرامًا أبَدًا.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعَوِّلُونَ في إنْكارِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ

صفحة ١٢٠

عَلى إنْكارِ النَّسْخِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾، فَذاكَ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ كانَ حَلالًا ثُمَّ صارَ حَرامًا عَلَيْهِ وعَلى أوْلادِهِ، فَقَدْ حَصَلَ النَّسْخُ، فَبَطَلَ قَوْلُكم: النَّسْخُ غَيْرُ جائِزٍ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ لَمّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالُ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ حُرْمَةُ ذَلِكَ الطَّعامِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، بَلْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ حَرامًا مِن لَدُنْ زَمانِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الزَّمانِ، فَعِنْدَ هَذا طَلَبَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم أنْ يُحْضِرُوا التَّوْراةَ فَإنَّ التَّوْراةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ بَعْضَ أنْواعِ الطَّعامِ إنَّما حُرِّمَ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَخافُوا مِنَ الفَضِيحَةِ وامْتَنَعُوا مِن إحْضارِ التَّوْراةِ، فَحَصَلَ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُقَوِّي دَلائِلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أحَدُها: أنَّ هَذا السُّؤالَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ في إنْكارِ النَّسْخِ، وهو لازِمٌ لا مَحِيصَ عَنْهُ، وثانِيها: أنَّهُ ظَهَرَ لِلنّاسِ كَذِبُهم وأنَّهم يَنْسُبُونَ إلى التَّوْراةِ ما لَيْسَ فِيها تارَةً، ويَمْتَنِعُونَ عَنِ الإقْرارِ بِما هو فِيها أُخْرى، وثالِثُها: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فامْتَنَعَ أنْ يَعْرِفَ هَذِهِ المَسْألَةَ الغامِضَةَ مِن عُلُومِ التَّوْراةِ إلّا بِخَبَرِ السَّماءِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ عِلْمِيٌّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وبَيانِ النَّظْمِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها مَعَ أنَّ ذَلِكَ كانَ حَرامًا في دِينِ إبْراهِيمَ، فَجَعَلُوا هَذا الكَلامَ شُبْهَةً طاعِنَةً في صِحَّةِ دَعَواهُ، فَأجابَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأنْ قالَ: ذَلِكَ كانَ حِلًّا لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلّا أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ وبَقِيَتْ تِلْكَ الحُرْمَةُ في أوْلادِهِ فَأنْكَرَ اليَهُودُ ذَلِكَ، فَأمَرَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإحْضارِ التَّوْراةِ وطالَبَهم بِأنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنها آيَةً تَدُلُّ …

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ فالمَعْنى أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ كُلُّ أنْواعِ المَطْعُوماتِ سِوى ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أمّا بَعْدَ التَّوْراةِ فَلَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْواعًا كَثِيرَةً، رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أتَوْا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِن أنْواعِ الطَّعامِ، أوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لِهَلاكٍ أوْ مَضَرَّةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إمّا لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ كانَ مَوْجُودًا مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، فَكَذَّبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ادَّعى كَوْنَ هَذِهِ المَطْعُوماتِ مُباحَةً في الزَّمانِ القَدِيمِ، وأنَّها إنَّما حُرِّمَتْ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَنازَعُوهُ في ذَلِكَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ إحْضارَ التَّوْراةِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنها المُسْلِمُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ آيَةً مُوافِقَةً لِقَوْلِ الرَّسُولِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالتَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، ولِمُنْكِرِيِ القِياسِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ طالَبَهم فِيما ادَّعَوْهُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ هَذا الحُكْمِ في التَّوْراةِ عَدَمُهُ، لِأنّا نُثْبِتُهُ بِالقِياسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ النِّزاعَ ما وقَعَ في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وإنَّما وقَعَ في أنَّ هَذا الحُكْمَ، هَلْ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْ لا ؟ ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بِالنَّصِّ، فَلِهَذا المَعْنى طالَبَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، بِنَصِّ التَّوْراةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الِافْتِراءُ اخْتِلاقُ الكَذِبِ، والفِرْيَةُ الكَذِبُ والقَذْفُ، وأصْلُهُ مِن فَرْيِ الأدِيمِ، وهو قَطْعُهُ، فَقِيلَ لِلْكَذِبِ افْتِراءٌ، لِأنَّ الكاذِبَ يَقْطَعُ بِهِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ تَحْقِيقٍ في الوُجُودِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ظُهُورِ الحُجَّةِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِن جِهَةِ يَعْقُوبَ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا قَبْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِأنَّ كُفْرَهم ظُلْمٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن أضَلُّوهُ عَنِ الدِّينِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: ﴿قُلْ صَدَقَ﴾ في أنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الطَّعامِ صارَ حَرامًا عَلى إسْرائِيلَ وأوْلادِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَلالًا لَهم فَصَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ، وبَطَلَتْ شُبْهَةُ اليَهُودِ.

وثانِيها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها كانَتْ مُحَلَّلَةً لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا أفْتى بِحِلِّ لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، فَقَدْ أفْتى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.

وثالِثُها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في أنَّ سائِرَ الأطْعِمَةِ …

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ فالمَعْنى أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ كُلُّ أنْواعِ المَطْعُوماتِ سِوى ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أمّا بَعْدَ التَّوْراةِ فَلَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْواعًا كَثِيرَةً، رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أتَوْا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِن أنْواعِ الطَّعامِ، أوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لِهَلاكٍ أوْ مَضَرَّةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إمّا لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ كانَ مَوْجُودًا مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، فَكَذَّبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ادَّعى كَوْنَ هَذِهِ المَطْعُوماتِ مُباحَةً في الزَّمانِ القَدِيمِ، وأنَّها إنَّما حُرِّمَتْ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَنازَعُوهُ في ذَلِكَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ إحْضارَ التَّوْراةِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنها المُسْلِمُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ آيَةً مُوافِقَةً لِقَوْلِ الرَّسُولِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالتَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، ولِمُنْكِرِيِ القِياسِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ طالَبَهم فِيما ادَّعَوْهُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ هَذا الحُكْمِ في التَّوْراةِ عَدَمُهُ، لِأنّا نُثْبِتُهُ بِالقِياسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ النِّزاعَ ما وقَعَ في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وإنَّما وقَعَ في أنَّ هَذا الحُكْمَ، هَلْ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْ لا ؟ ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بِالنَّصِّ، فَلِهَذا المَعْنى طالَبَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، بِنَصِّ التَّوْراةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الِافْتِراءُ اخْتِلاقُ الكَذِبِ، والفِرْيَةُ الكَذِبُ والقَذْفُ، وأصْلُهُ مِن فَرْيِ الأدِيمِ، وهو قَطْعُهُ، فَقِيلَ لِلْكَذِبِ افْتِراءٌ، لِأنَّ الكاذِبَ يَقْطَعُ بِهِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ تَحْقِيقٍ في الوُجُودِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ظُهُورِ الحُجَّةِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِن جِهَةِ يَعْقُوبَ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا قَبْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِأنَّ كُفْرَهم ظُلْمٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن أضَلُّوهُ عَنِ الدِّينِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: ﴿قُلْ صَدَقَ﴾ في أنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الطَّعامِ صارَ حَرامًا عَلى إسْرائِيلَ وأوْلادِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَلالًا لَهم فَصَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ، وبَطَلَتْ شُبْهَةُ اليَهُودِ.

وثانِيها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها كانَتْ مُحَلَّلَةً لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا أفْتى بِحِلِّ لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، فَقَدْ أفْتى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.

وثالِثُها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في أنَّ سائِرَ الأطْعِمَةِ …

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَوابُ عَنْ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبَهِ اليَهُودِ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَوَّلَ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ طَعَنَ اليَهُودُ في نُبُوَّتِهِ، وقالُوا: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أفْضَلُ مِنَ الكَعْبَةِ وأحَقُّ بِالِاسْتِقْبالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وُضِعَ قَبْلَ الكَعْبَةِ، وهو أرْضُ المَحْشَرِ، وقِبْلَةُ جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ مِنهُ إلى الكَعْبَةِ باطِلًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الكَعْبَةَ أفْضَلُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ وأشْرَفُ، فَكانَ جَعْلُها قِبْلَةً أوْلى.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بَيانُ أنَّ النَّسْخَ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَدَلَّ عَلى جَوازِهِ بِأنَّ الأطْعِمَةَ كانَتْ مُباحَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ بَعْضَها، والقَوْمُ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وأعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي أظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ نَسْخَها هو القِبْلَةُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ ما لِأجْلِهِ حُوِّلَتِ الكَعْبَةُ، وهو كَوْنُ الكَعْبَةِ أفْضَلَ مِن غَيْرِها.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] وكانَ مِن أعْظَمِ شِعارِ مِلَّةٍ إبْراهِيمَ الحَجُّ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةَ البَيْتِ، لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ إيجابَ الحَجِّ.

الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى زَعَمَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم أنَّهُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ المُناظَرَةُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَذِبَهم، مِن حَيْثُ إنَّ حَجَّ الكَعْبَةِ كانَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، واليَهُودُ والنَّصارى لا يَحُجُّونَ، فَيَدُلُّ هَذا عَلى كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُحَقِّقُونَ: الأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ، فَإذا قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ أشْتَرِيهِ فَهو حُرٌّ فَلَوِ اشْتَرى عَبْدَيْنِ في المَرَّةِ الأُولى لَمْ يُعْتَقْ أحَدٌ مِنهُما لِأنَّ الأوَّلَ هو الفَرْدُ، ثُمَّ لَوِ اشْتَرى في المَرَّةِ الثّانِيَةِ عَبْدًا واحِدًا لَمْ يُعْتَقْ، لِأنَّ شَرْطَ الأوَّلِ كَوْنُهُ سابِقًا فَثَبَتَ أنَّ الأوَّلَ هو الفَرْدُ السّابِقُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَهُ اللَّهُ

صفحة ١٢٥

تَعالى، ولا أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ في الأرْضِ، بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وكَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِلنّاسِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ النّاسِ، فَأمّا سائِرُ البُيُوتِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصًّا بِواحِدٍ مِنَ النّاسِ فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ البُيُوتِ مَوْضُوعًا لِلنّاسِ، وكَوْنُ البَيْتِ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ كُلِّ النّاسِ، لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ البَيْتُ مَوْضُوعًا لِلطّاعاتِ والعِباداتِ وقِبْلَةً لِلْخَلْقِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ وضَعَهُ اللَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

وقَوْلُهُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فَهو مَقامُ إبْراهِيمَ ومَقَرُّهُ والمَوْضِعُ الَّذِي اخْتارَهُ وعَبَدَ اللَّهَ فِيهِ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الخِلالِ الَّتِي بِها يُشَرَّفُ ويُعَظَّمُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ الآياتِ مَذْكُورٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: هي مَقامُ إبْراهِيمَ.

فَإنْ قِيلَ: الآياتُ جَماعَةٌ ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُها بِشَيْءٍ واحِدٍ، أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّ ما كانَ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وحَياتِهِ وكَوْنِهِ غَنِيًّا مُنَزَّهًا مُقَدَّسًا عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ، فَمَقامُ إبْراهِيمَ وإنْ كانَ شَيْئًا واحِدًا إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ فِيهِ هَذِهِ الوُجُوهُ الكَثِيرَةُ كانَ بِمَنزِلَةِ الدَّلائِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] . الثّانِي: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ اشْتَمَلَ عَلى الآياتِ، لِأنَّ أثَرَ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَّخْرَةِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، لِأنَّهُ لانَ مِنَ الصَّخْرَةِ ما تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَقَطْ، وإبْقاؤُهُ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ آيَةٌ خاصَّةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِفْظُهُ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ والمُلْحِدِينَ أُلُوفَ سِنِينَ، فَثَبَتَ أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ آياتٌ كَثِيرَةٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ مِن بَقِيَّةِ تَفْسِيرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ، ولَفْظُ الجَمْعِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الِاثْنَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الِاثْنانِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ» “ ومِنهم مَن تَمَّمَ الثَّلاثَةَ فَقالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ وأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وأنَّ لِلَّهِ عَلى النّاسِ حَجَّهُ، ثُمَّ حَذَفَ (أنْ) اخْتِصارًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] أيْ أمَرَ رَبِّي بِأنْ تُقْسِطُوا. الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةً عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ، وأمْنُ مَن دَخَلَهَ، وكَثِيرٌ سِواهُما. الخامِسُ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ في رِوايَةِ قُتَيْبَةَ: (آيَةٌ بَيِّنَةٌ) عَلى التَّوْحِيدِ. السّادِسُ: قالَ المُبَرِّدُ: (مَقامُ) مَصْدَرٌ فَلَمْ يُجْمَعْ كَما قالَ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] والمُرادُ مَقاماتُ إبْراهِيمَ، وهي ما أقامَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أُمُورِ الحَجِّ وأعْمالِ المَناسِكِ ولا شَكَّ أنَّها كَثِيرَةٌ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالآياتِ شَعائِرُ الحَجِّ كَما قالَ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] .

صفحة ١٣٢

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ وضَعُفَ إبْراهِيمُ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. والثّانِي: أنَّهُ جاءَ زائِرًا مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، وكانَ قَدْ حَلَفَ لِامْرَأتِهِ أنْ لا يَنْزِلَ بِمَكَّةَ حَتّى يَرْجِعَ، فَلَمّا وصَلَ إلى …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الأوْفَقُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ شُبُهاتِ القَوْمِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِإنْكارِ النَّسْخِ.

صفحة ١٣٧

وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] .

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالكَعْبَةِ ووُجُوبِ اسْتِقْبالِها في الصَّلاةِ ووُجُوبِ حَجِّها.

وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِها، فَعِنْدَ هَذا تَمَّتْ وظِيفَةُ الِاسْتِدْلالِ وكَمُلَ الجَوابُ عَنْ شُبُهاتِ أرْبابِ الضَّلالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ وقالَ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، وهَذا هو الغايَةُ القُصْوى في تَرْتِيبِ الكَلامِ وحُسْنِ نَظْمِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ الكَعْبَةِ ووُجُوبَ الحَجِّ، والقَوْمُ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ هَذا هو الدِّينُ الحَقُّ والمِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قالَ لَهم: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ كَوْنَها حَقَّةً صَحِيحَةً.

واعْلَمْ أنَّ المُبْطِلَ إمّا أنْ يَكُونَ ضالًّا فَقَطْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ ضالًّا يَكُونُ مُضِلًّا، والقَوْمُ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبَدَأ تَعالى بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الصِّفَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ.

* * *

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ، فَقالَ الحَسَنُ: هم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَ.

فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ ؟

قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا تَمَّ ذَلِكَ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَهَذا التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. الثّانِي: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والبِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّوْبِيخُ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَوْبِيخُهم عَلى طَوْلِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ.

والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي. …

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الأوْفَقُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ شُبُهاتِ القَوْمِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِإنْكارِ النَّسْخِ.

صفحة ١٣٧

وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] .

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالكَعْبَةِ ووُجُوبِ اسْتِقْبالِها في الصَّلاةِ ووُجُوبِ حَجِّها.

وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِها، فَعِنْدَ هَذا تَمَّتْ وظِيفَةُ الِاسْتِدْلالِ وكَمُلَ الجَوابُ عَنْ شُبُهاتِ أرْبابِ الضَّلالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ وقالَ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، وهَذا هو الغايَةُ القُصْوى في تَرْتِيبِ الكَلامِ وحُسْنِ نَظْمِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ الكَعْبَةِ ووُجُوبَ الحَجِّ، والقَوْمُ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ هَذا هو الدِّينُ الحَقُّ والمِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قالَ لَهم: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ كَوْنَها حَقَّةً صَحِيحَةً.

واعْلَمْ أنَّ المُبْطِلَ إمّا أنْ يَكُونَ ضالًّا فَقَطْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ ضالًّا يَكُونُ مُضِلًّا، والقَوْمُ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبَدَأ تَعالى بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الصِّفَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ.

* * *

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ، فَقالَ الحَسَنُ: هم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَ.

فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ ؟

قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا تَمَّ ذَلِكَ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَهَذا التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. الثّانِي: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والبِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّوْبِيخُ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَوْبِيخُهم عَلى طَوْلِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ.

والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي. …

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ الفَرِيقَ مِن أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الأُولى عَنِ الإغْواءِ والإضْلالِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنْ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ، رُوِيَ «أنْ شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيَّ كانَ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فَرَآهم في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، وكانَ قَدْ زالَ ما كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداوَةِ بِبَرَكَةِ الإسْلامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِيِّ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ وذَكَّرَهم ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ قَبْلَ ذَلِكَ وقَرَأ عَلَيْهِمْ بَعْضَ ما قِيلَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مِنَ الأشْعارِ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَغاضَبُوا وقالُوا: السِّلاحَ السِّلاحَ، فَوَصَلَ الخَبَرُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقالَ: أتَرْجِعُونَ إلى أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم، وقَدْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ومِن كَيْدِ ذَلِكَ اليَهُودِيِّ، فَألْقَوُا السِّلاحَ وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما كانَ يَوْمٌ أقْبَحَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذِهِ الواقِعَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن أنْواعِ الإضْلالِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لانُوا وقَبِلُوا مِنهم قَوْلَهم أدّى ذَلِكَ حالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَعُودُوا كُفّارًا، والكُفْرُ يُوجِبُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِوُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وهَيَجانِ الفِتْنَةِ وثَوَرانِ المُحارَبَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى سَفْكِ الدِّماءِ، وأمّا في الدِّينِ فَظاهِرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ وكَلِمَةُ (كَيْفَ) تَعَجُّبٌ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَعْلَمُ السَّبَبَ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ المَنعُ والتَّغْلِيظُ وذَلِكَ لِأنَّ تِلاوَةَ آياتِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ فِيهِمُ، الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ ويُقَرِّرُ كُلَّ حُجَّةٍ، كالمانِعِ مِن وُقُوعِهِمْ في الكُفْرِ، فَكانَ صُدُورُ الكُفْرِ عَلى الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ أبْعَدَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأقْصى لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ أنْ يَرُدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ أرْشَدَ المُسْلِمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ كُلِّ شُبْهَةٍ يَسْمَعُونَها مِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى يَكْشِفَ عَنْها ويُزِيلَ وجْهَ الشُّبْهَةِ فِيها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن …

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.