Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، نَشَأ عَنْ حُكْمِ فَرِيقٍ مِنَ الكُفّارِ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الكُفْرُ حَتّى رَسَخَ فِيهِمْ وصارَ لَهم دَيْدَنًا. وإنْ كانَ المُرادُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْأُولى أُعِيدَتْ لِيُبْنى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ هُنا العُمُومُ مِثْلُ المُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ مُؤْذِنَةٌ بِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ اسْمِ الشَّرْطِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْتَرِنْ خَبَرُ المَوْصُولِ بِالفاءِ في الجُمْلَةِ

صفحة ٣٠٦

الَّتِي قَبْلَها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] لِأنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ولَمْ يَمُوتُوا كافِرِينَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم، بِخِلافِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ فَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم مُصَرَّحٌ بِهِ، وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهُ لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها مُقْتَرِنَةً بِالفاءِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ خَبَرَ إنَّ.

ومَعْنى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لَنْ يُقْبَلَ مِنهم بِشَيْءٍ يَفْتَدُونَ بِهِ في الآخِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ قَبُولِ الِافْتِداءِ في الدُّنْيا. ضَرُورَةً أنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم ماتُوا وهم كُفّارٌ. والمِلْءُ بِكَسْرِ المِيمِ ما يَمْلَأُ وِعاءً، ومِلْءُ الأرْضِ في كَلامِهِمْ كِنايَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ المُتَعَذِّرَةِ، لِأنَّ الأرْضَ لا يَمْلَؤُها شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ المُقَدَّرَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ عَدَدُ رِمالِ الدَّهْناءِ، وعَدَدُ الحَصى، ومُيِّزَ هَذا المِقْدارُ (بِذَهَبًا) لِعِزَّةِ الذَّهَبِ وتَنافُسِ النّاسِ في اقْتِنائِهِ وقَبُولِ حاجَةِ مَن بَذَلَهُ قالَ الحَرِيرِيُّ:

وقارَنَتْ نُجْحَ المَساعِي خَطْرَتُهُ

وقَوْلُهُ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهم ولَوْ في حالِ فَرْضِ الِافْتِداءِ بِهِ، وحَرْفُ (لَوْ) لِلشَّرْطِ وحَذْفُ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولِكَثْرَتِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ لَوْ وإنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ في مِثْلِهِ مُجَرَّدَتانِ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لا يُقْصَدُ بِهِما إلّا المُبالَغَةُ، ولَقَّبُوهُما بِالوَصْلِيَّتَيْنِ: أيْ أنَّهُما لِمُجَرَّدِ الوَصْلِ والرَّبْطِ في مَقامِ التَّأْكِيدِ. وتَرَدَّدُوا أيْضًا في إعْرابِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هَذا المَوْقِعَ، وفي الواوِ المُقْتَرِنَةِ بِها، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها واوُ الحالِ وإلَيْهِ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ …

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

صفحة ٥

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [آل عمران: ٩١] الآيَةَ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] .

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِبَيانِ بَعْضِ وسائِلِ البِرِّ إيذانٌ بِأنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ تَدُورُ عَلى مِحْوَرِ البِرِّ، وأنَّ البِرَّ مَعْنًى نَفْسانِيٌّ عَظِيمٌ لا يَخْرِمُ حَقِيقَتَهُ إلّا ما يُفْضِي إلى نَقْضِ أصْلٍ مِن أُصُولِ الِاسْتِقامَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أمْرانِ: أوَّلُهُما التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ والتَّنْوِيهُ بِأنَّهُ مِنَ البِرِّ، وثانِيهِما التَّنْوِيهُ بِالبِرِّ الَّذِي الإنْفاقُ خَصْلَةٌ مِن خِصالِهِ.

ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ تِلْوَ سابِقَتِها أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ لَمّا بَيَّنَتْ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ أعْظَمُ ما يُنْفِقُهُ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةَ ما يَنْفَعُ أهْلَ الإيمانِ مِن بَذْلِ المالِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ مَرْتَبَةَ البِرِّ، فَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ قَدْ عَلِمَها الفُطَناءُ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن كُلِّ خِطابٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ ما يُعَيِّنُ المَقْصُودَ مِنهُ.

والبِرُّ كَمالُ الخَيْرِ وشُمُولُهُ في نَوْعِهِ: إذِ الخَيْرُ قَدْ يَعْظُمُ بِالكَيْفِيَّةِ، وبِالكَمِّيَّةِ، وبِهِما مَعًا، فَبَذْلُ النَّفْسِ في نَصْرِ الدِّينِ يَعْظُمُ بِالكَيْفِيَّةِ في مُلاقاةِ العَدُوِّ الكَثِيرِ بِالعَدَدِ القَلِيلِ، وكَذَلِكَ إنْقاذُ الغَرِيقِ في حالَةِ هَوْلِ البَحْرِ، ولا يُتَصَوَّرُ في مِثْلِ ذَلِكَ تَعَدُّدٌ، وإطْعامُ الجائِعِ يَعْظُمُ بِالتَّعَدُّدِ، والإنْفاقُ يَعْظُمُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والجَزاءُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ إذا بَلَغَ كَمالَ الجَزاءِ وشُمُولَهُ كانَ بَرًّا أيْضًا.

صفحة ٦

ورَوى النَّوّاسُ بْنُ سِمْعانَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» رَواهُ مُسْلِمٌ.

ومُقابَلَةُ البِرِّ بِالإثْمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ البِرَّ ضِدُّ الإثْمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .

وقَدْ جُعِلَ الإنْفاقُ مِن نَفْسِ المالِ المُحَبِّ غايَةً لِانْتِفاءِ نَوالِ البِرِّ، ومُقْتَضى الغايَةِ أنَّ نَوالَ البِرِّ لا يَحْصُلُ بِدُونِها، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ قَبْلَ الإنْفاقِ مَسافاتٍ مَعْنَوِيَّةً في الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى البِرِّ، وتِلْكَ هي خِصالُ البِرِّ كُلُّها، بَقِيَتْ غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، وأنَّ البِرَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِنِهايَتِها وهو الإنْفاقُ مِنَ المَحْبُوبِ، فَظَهَرَ لِحَتّى هُنا مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يَخْلُفُها فِيهِ غَيْرُها: لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ إلّا أنْ تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ الإنْفاقَ مِنَ المُحَبِّ وحْدَهُ يُوجِبُ نَوالَ البِرَّ، وفاتَتِ الدَّلالَةُ عَلى المَسافاتِ والدَّرَجاتِ الَّتِي أشْعَرَتْ بِها حَتّى الغائِيَّةُ.

وتَنالُوا مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوالِ وهو التَّحْصِيلُ عَلى الشَّيْءِ المُعْطى.

والتَّعْرِيفُ في البِرِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ: لِأنَّ هَذا الجِنْسَ مُرَكَّبٌ مِن أفْعالٍ كَثِيرَةٍ مِنها الإنْفاقُ المَخْصُوصُ، فَبِدُونِهِ لا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ.

والإنْفاقُ: إعْطاءُ المالِ والقُوتِ والكُسْوَةِ.

وماصَدَقَ (ما) في …

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

هَذا يَرْتَبِطُ بِالآيِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ وانْتِقالاتٌ في فُنُونِ الخِطابِ.

وهَذِهِ حُجَّةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْدَ الحُجَجِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ دِينَ اليَهُودِيَّةِ لَيْسَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الحَنِيفِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ بِنَصِّ التَّوْراةِ مُحَرَّمًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْراةِ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ إلّا طَعامًا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ. والحُجَّةُ ظاهِرَةٌ ويَدُلُّ لِهَذا الِارْتِباطِ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنَّ اليَهُودَ مَعَ ذَلِكَ طَعَنُوا في الإسْلامِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، إذْ أباحَ لِلْمُسْلِمِينَ أكْلَ المُحَرَّماتِ عَلى اليَهُودِ، جَهْلًا مِنهم بِتارِيخِ تَشْرِيعِهِمْ، أوْ تَضْلِيلًا مِن أحْبارِهِمْ لِعامَّتِهِمْ، تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ، لِأنَّ الأُمَمَ في سَذاجَتِهِمْ إنَّما يَتَعَلَّقُونَ بِالمَأْلُوفاتِ، فَيَعُدُّونَها كالحَقائِقِ، ويُقِيمُونَها مِيزانًا لِلْقَبُولِ والنَّقْدِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ في بَقِيَّةِ الأدْيانِ، وحَسْبُكم أنَّ دِينًا عَظِيمًا وهو دِينُ إبْراهِيمَ، وزُمْرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِيهِ وحَفَدَتِهِ، لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ.

صفحة ٩

وتَعْرِيفُ الطَّعامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

وكُلُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ أصْرَحُ ما في التَّوْراةِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ النَّسَخِ فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أكْلَ عِرْقِ النَّسا الَّذِي عَلى الفَخِذِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ النُّذُرِ، وقِيلَ: إنَّ الأطِبّاءَ نَهَوْهُ عَنْ أكْلِ ما فِيهِ عِرْقُ النَّسا لِأنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِوَجَعِ نَساهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ في البَدْوِ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عافِيَتُهُ بِأكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي فِيهِ النَّسا. وما حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّعامِ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، بَلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَبَعْضُهُ أرادَ بِهِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن بَعْضِ الطَّيِّباتِ المُشْتَهاةِ، وهَذا مِن جِهادِ النَّفْسِ، وهو مِن مَقاماتِ الزّاهِدِينَ، وكانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ أوْ بِالعَزْمِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ في التَّشْرِيعِ لِأنَّ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ فِيما أُبِيحَ لَهُ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ غَيْرَهُ، ولَعَلَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ تَأسَّوْا بِأبِيهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَحَلِّ الحُجَّةِ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

هَذا يَرْتَبِطُ بِالآيِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ وانْتِقالاتٌ في فُنُونِ الخِطابِ.

وهَذِهِ حُجَّةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْدَ الحُجَجِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ دِينَ اليَهُودِيَّةِ لَيْسَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الحَنِيفِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ بِنَصِّ التَّوْراةِ مُحَرَّمًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْراةِ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ إلّا طَعامًا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ. والحُجَّةُ ظاهِرَةٌ ويَدُلُّ لِهَذا الِارْتِباطِ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنَّ اليَهُودَ مَعَ ذَلِكَ طَعَنُوا في الإسْلامِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، إذْ أباحَ لِلْمُسْلِمِينَ أكْلَ المُحَرَّماتِ عَلى اليَهُودِ، جَهْلًا مِنهم بِتارِيخِ تَشْرِيعِهِمْ، أوْ تَضْلِيلًا مِن أحْبارِهِمْ لِعامَّتِهِمْ، تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ، لِأنَّ الأُمَمَ في سَذاجَتِهِمْ إنَّما يَتَعَلَّقُونَ بِالمَأْلُوفاتِ، فَيَعُدُّونَها كالحَقائِقِ، ويُقِيمُونَها مِيزانًا لِلْقَبُولِ والنَّقْدِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ في بَقِيَّةِ الأدْيانِ، وحَسْبُكم أنَّ دِينًا عَظِيمًا وهو دِينُ إبْراهِيمَ، وزُمْرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِيهِ وحَفَدَتِهِ، لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ.

صفحة ٩

وتَعْرِيفُ الطَّعامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

وكُلُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ أصْرَحُ ما في التَّوْراةِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ النَّسَخِ فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أكْلَ عِرْقِ النَّسا الَّذِي عَلى الفَخِذِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ النُّذُرِ، وقِيلَ: إنَّ الأطِبّاءَ نَهَوْهُ عَنْ أكْلِ ما فِيهِ عِرْقُ النَّسا لِأنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِوَجَعِ نَساهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ في البَدْوِ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عافِيَتُهُ بِأكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي فِيهِ النَّسا. وما حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّعامِ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، بَلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَبَعْضُهُ أرادَ بِهِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن بَعْضِ الطَّيِّباتِ المُشْتَهاةِ، وهَذا مِن جِهادِ النَّفْسِ، وهو مِن مَقاماتِ الزّاهِدِينَ، وكانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ أوْ بِالعَزْمِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ في التَّشْرِيعِ لِأنَّ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ فِيما أُبِيحَ لَهُ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ غَيْرَهُ، ولَعَلَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ تَأسَّوْا بِأبِيهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَحَلِّ الحُجَّةِ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

هَذا يَرْتَبِطُ بِالآيِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ وانْتِقالاتٌ في فُنُونِ الخِطابِ.

وهَذِهِ حُجَّةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْدَ الحُجَجِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ دِينَ اليَهُودِيَّةِ لَيْسَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الحَنِيفِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ بِنَصِّ التَّوْراةِ مُحَرَّمًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْراةِ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ إلّا طَعامًا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ. والحُجَّةُ ظاهِرَةٌ ويَدُلُّ لِهَذا الِارْتِباطِ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنَّ اليَهُودَ مَعَ ذَلِكَ طَعَنُوا في الإسْلامِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، إذْ أباحَ لِلْمُسْلِمِينَ أكْلَ المُحَرَّماتِ عَلى اليَهُودِ، جَهْلًا مِنهم بِتارِيخِ تَشْرِيعِهِمْ، أوْ تَضْلِيلًا مِن أحْبارِهِمْ لِعامَّتِهِمْ، تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ، لِأنَّ الأُمَمَ في سَذاجَتِهِمْ إنَّما يَتَعَلَّقُونَ بِالمَأْلُوفاتِ، فَيَعُدُّونَها كالحَقائِقِ، ويُقِيمُونَها مِيزانًا لِلْقَبُولِ والنَّقْدِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ في بَقِيَّةِ الأدْيانِ، وحَسْبُكم أنَّ دِينًا عَظِيمًا وهو دِينُ إبْراهِيمَ، وزُمْرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِيهِ وحَفَدَتِهِ، لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ.

صفحة ٩

وتَعْرِيفُ الطَّعامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

وكُلُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ أصْرَحُ ما في التَّوْراةِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ النَّسَخِ فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أكْلَ عِرْقِ النَّسا الَّذِي عَلى الفَخِذِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ النُّذُرِ، وقِيلَ: إنَّ الأطِبّاءَ نَهَوْهُ عَنْ أكْلِ ما فِيهِ عِرْقُ النَّسا لِأنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِوَجَعِ نَساهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ في البَدْوِ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عافِيَتُهُ بِأكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي فِيهِ النَّسا. وما حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّعامِ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، بَلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَبَعْضُهُ أرادَ بِهِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن بَعْضِ الطَّيِّباتِ المُشْتَهاةِ، وهَذا مِن جِهادِ النَّفْسِ، وهو مِن مَقاماتِ الزّاهِدِينَ، وكانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ أوْ بِالعَزْمِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ في التَّشْرِيعِ لِأنَّ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ فِيما أُبِيحَ لَهُ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ غَيْرَهُ، ولَعَلَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ تَأسَّوْا بِأبِيهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَحَلِّ الحُجَّةِ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .

هَذا الكَلامُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] لِأنَّ هَذا البَيْتَ المُنَوَّهَ بِشَأْنِهِ كانَ مَقامًا لِإبْراهِيمَ فَفَضائِلُ هَذا البَيْتِ تُحَقِّقُ فَضِيلَةَ شَرْعِ بانِيهِ في مُتَعارَفِ النّاسِ، فَهَذا الِاسْتِدْلالُ خِطابِيٌّ، وهو أيْضًا إخْبارٌ بِفَضِيلَةِ الكَعْبَةِ وحُرْمَتِها - فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ - .

وقَدْ آذَنَ بِكَوْنِ الكَلامِ تَعْلِيلًا مَوْقِعُ إنَّ في أوَّلِهِ فَإنَّ التَّأْكِيدَ بِإنَّ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ ولَيْسَ لِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرٍ، أوْ شَكِّ شاكٍّ.

ومِن خَصائِصِ (إنَّ) إذا ورَدَتْ في الكَلامِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، أنْ تُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، كَما في دَلائِلِ الإعْجازِ.

ولِما في هَذِهِ مِن إفادَةِ الرَّبْطِ اسْتُغْنِيَ عَنِ العَطْفِ لِكَوْنِ إنَّ مُؤْذِنَةً بِالرَّبْطِ. وبَيانُ وجْهِ التَّعْلِيلِ أنَّ هَذا البَيْتَ لَمّا كانَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْهُدى وإعْلانِ تَوْحِيدِ اللَّهِ لِيَكُونَ عَلَمًا مَشْهُودًا بِالحِسِّ عَلى مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الإشْراكِ، فَقَدْ كانَ جامِعًا لِدَلائِلِ الحَنِيفِيَّةِ، فَإذا ثَبَتَ لَهُ شَرَفُ الأوَّلِيَّةِ ودَوامُ الحُرْمَةِ عَلى مَمَرِّ العُصُورِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الهَياكِلِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي نَشَأتْ بَعْدَهُ، وهو ماثِلٌ، كانَ ذَلِكَ دَلالَةً إلَهِيَّةً عَلى أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدِّينَ الَّذِي

صفحة ١٢

قارَنَ إقامَتَهُ هو الدَّيْنُ المُرادُ لِلَّهِ، وهَذا يَئُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .

وهَذا التَّعْلِيلُ خِطابِيٌّ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ.

وقالَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ: تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وأوَّلَ اسْمٌ لِلسّابِقِ في فِعْلٍ ما فَإذا أُضِيفَ إلى اسْمِ جِنْسٍ فَهو السّابِقُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ المُضافِ إلَيْهِ في الشَّأْنِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ.

والبَيْتُ بِناءٌ يُئْوِي واحِدًا أوْ جَماعَةً، فَيَكُونُ بَيْتَ سُكْنى، وبَيْتَ صَلاةٍ، وبَيْتَ نَدْوَةٍ، ويَكُونُ مَبْنِيًّا مِن حَجَرٍ أوْ مِن أثْوابِ نَسِيجِ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ، ويَكُونُ مِن أدَمٍ فَيُسَمّى قُبَّةً قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] .

ومَعْنى وُضِعَ أُسِّسَ وأُثْبِتَ، ومِنهُ سُمِّيَ المَكانُ مَوْضِعًا، وأصْلُ الوَضْعِ أنَّهُ الحَطُّ ضِدُّ الرَّفْعِ، ولَمّا كانَ الشَّيْءُ المَرْفُوعُ بَعِيدًا عَنِ التَّناوُلِ، كانَ المَوْضُوعُ هو قَرِيبَ التَّناوُلِ، فَأُطْلِقَ الوَضْعُ لِمَعْنى الإدْناءِ لِلْمُتَناوَلِ، والتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفاعِ.

والنّاسُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وبَكَّةُ اسْمُ مَكَّةَ. وهو لُغَةٌ بِإبْدالِ المِيمِ باءً في كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ عُدَّتْ مِنَ المُتَرادِفِ: مَثَلُ لازِبٍ في لازِمٍ، وأرْبَدَ وأرْمَدَ أيْ في لَوْنِ الِرَمادِ، وفي سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ بَكَّةَ بِالباءِ اسْمُ مَوْضِعِ …

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ .

حُكْمٌ أعْقَبَ بِهِ الِامْتِنانَ: لِما في هَذا الحُكْمِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُهُ. والتَّقْدِيرُ: مُبارَكًا، وهُدًى، وواجِبًا حَجُّهُ. فَهو عَطْفٌ عَلى الأحْوالِ.

والحَجُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ لُغَتانِ - فَتْحُ الحاءِ وكَسْرُها - ولَمْ يُقْرَأْ في جَمِيعِ مَواقِعِهِ في القُرْآنِ - بِكَسْرِ الحاءِ - إلّا في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ - بِكَسْرِ الحاءِ - .

ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي فُرِضَ بِها الحَجُّ عَلى المُسْلِمِينَ، وقَدِ اسْتَدِلَّ بِها عُلَماؤُنا عَلى فَرْضِيَّةِ الحَجِّ، فَما كانَ يَقَعُ مِن حَجِّ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، قَبْلَ نُزُولِها، فَإنَّما كانَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ، واسْتِصْحابًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَجَّ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ووَقَفَ مَعَ النّاسِ»، فَأمّا إيجابُ الحَجِّ في الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَلا دَلِيلَ عَلى وُقُوعِهِ إلّا هَذِهِ الآيَةَ وقَدْ تَمالَأ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُوبِ الحَجِّ، فَلا يُعَدُّ ما وقَعَ مِنَ الحَجِّ قَبْلَ نُزُولِها، وبَعْدَ البَعْثَةِ إلّا تَحَنُّثًا وتَقَرُّبًا، وقَدْ صَحَّ أنَّها نَزَلَتْ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ الحَجُّ فُرِضَ يَوْمَئِذٍ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ الِاخْتِلافَ في وقْتِ فَرْضِيَّةِ الحَجِّ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ، ولَمْ يَعْزُ الأقْوالَ إلى أصْحابِها، سِوى أنَّهُ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدٍ الواقِدِيِّ أنَّهُ فُرِضَ

صفحة ٢٢

عامَ الخَنْدَقِ، بَعْدَ انْصِرافِ الأحْزابِ، وكانَ انْصِرافُهم آخِرَ سِنَةِ خَمْسٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ووَلِيَ تِلْكَ الحَجَّةَ المُشْرِكُونَ. وفي مُقَدِّماتِ ابْنِ رُشْدٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: إنَّ الحَجَّ وجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ، وأظْهَرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلٌ رابِعٌ تَمالَأ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ وهو أنَّ دَلِيلَ وُجُوبِ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِها عَلى أنَّ وُجُوبَهُ عَلى التَّراخِي، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ عَلى المُسْلِمِينَ قَدْ تَقَرَّرَ سَنَةَ ثَلاثٍ، وأصْبَحَ المُسْلِمُونَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ مُحْصَرِينَ عَنْ أداءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ إلى أنْ فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ ووَقَعَتْ حَجَّةُ سَنَةِ تِسْعٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن صِيَغِ الوُجُوبِ صِيغَتانِ: لامُ الِاسْتِحْقاقِ، وحَرْفُ عَلى الدّالُّ عَلى تَقَرُّرِ حَقٍّ في ذِمَّةِ المَجْرُورِ بِها. وقَدْ تَعَسَّرَ أوْ تَعَذَّرَ قِيامُ المُسْلِمِينَ بِأداءِ الحَجِّ عَقِبَ نُزُولِها، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَسْمَحُونَ لَهم بِذَلِكَ، فَلَعَلَّ حِكْمَةَ إيجابِ الحَجِّ يَوْمَئِذَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ عَلى اسْتِعْدادٍ لِأداءِ الحَجِّ مَهْما تَمَكَّنُوا مِن ذَلِكَ، ولِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَمْنَعُونَ هَذِهِ العِبادَةَ، ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ويَمْنَعُونَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ.

وقَوْلُهُ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ لِتَقْيِيدِ حالِ الوُجُوبِ، وجَوَّزَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .

ابْتِداءُ كَلامٍ رَجَعَ بِهِ إلى مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ ومَوْعِظَتِهِمْ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] الآيَةَ.

أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالصَّدْعِ بِالإنْكارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ أنْ مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ دَلائِلَ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ولِذَلِكَ افْتَتَحَ بِفِعْلِ (قُلْ) اهْتِمامًا بِالمَقُولِ، وافْتَتَحَ المَقُولَ بِنِداءِ يا أهْلَ الكِتابِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: إمّا القُرْآنُ، وإمّا دَلائِلُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . والكُفْرُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ واضِحٌ، وإمّا آياتُ فَضِيلَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى غَيْرِهِ، والكُفْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَجَحْدُهم لِآياتِهِ مَعَ ذَلِكَ اليَقِينِ أشَدُّ إنْكارًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مُجَرَّدَ خَبَرٍ إلّا إذا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ تَوْبِيخٌ ثانٍ وإنْكارٌ عَلى مُجادَلَتِهِمْ لِإضْلالِهِمُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم في نُفُوسِهِمْ، وفُصِلَ بِلا عَطْفٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالقَصْدِ، ولَوْ عُطِفَ لَصَحَّ العَطْفُ.

صفحة ٢٦

والصَّدُّ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا: يُقالُ صَدَّهُ عَنْ كَذا فَصَدَّ عَنْهُ. وقاصِرُهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فَمُتَعَدِّيهِ بِمَعْنى جَعْلِ المَصْدُودِ مُعْرَضًا أيْ صَرْفُهُ، ويُقالُ: أصُدُّهُ عَنْ كَذا، وهو ظاهِرٌ.

وسَبِيلُ اللَّهِ مَجازٌ في الأقْوالِ والأدِلَّةِ المُوصِلَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ. والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إمّا مُحاوَلَةُ إرْجاعِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ بِإلْقاءِ التَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى يُلاقِي مَعْنى الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ عَلى وجْهَيْهِ الرّاجِعَيْنِ لِلْمَعْنى الشَّرْعِيِّ. وإمّا صَدُّ النّاسِ عَنِ الحَجِّ أيْ صَدُّ أتْباعِهِمْ عَنْ حَجِّ الكَعْبَةِ، وتَرْغِيبِهِمْ عَنْ حَجِّ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِتَفْضِيلِهِ عَلى الكَعْبَةِ، وهَذا يُلاقِي الكُفْرَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ المُتَقَدِّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إنْكارِهِمُ القِبْلَةَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ صَدُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.

وقَوْلُهُ تَبْغُونَها عِوَجًا أيْ تَبْغُونَ السَّبِيلَ فَأنَّثَ ضَمِيرَهُ لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والبَغْيُ الطَّلَبُ أيْ تَطْلُبُونَ. والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ - ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ عَوِجَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُهُ العَوَجُ كالفَرَحِ. وقَدْ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ غالِبًا المَصْدَرَ بِالِاعْوِجاجِ في الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، كالحائِطِ والقَناةِ. وخَصَّ إطْلاقَ اسْمِ المَصْدَرِ بِالِاعْوِجاجِ الَّذِي لا يُشاهَدُ كاعْوِجاجِ الأرْضِ والسَّطْحِ، وبِالمَعْنَوِيّاتِ كالدِّينِ.

ومَعْنى …

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .

ابْتِداءُ كَلامٍ رَجَعَ بِهِ إلى مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ ومَوْعِظَتِهِمْ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] الآيَةَ.

أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالصَّدْعِ بِالإنْكارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ أنْ مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ دَلائِلَ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ولِذَلِكَ افْتَتَحَ بِفِعْلِ (قُلْ) اهْتِمامًا بِالمَقُولِ، وافْتَتَحَ المَقُولَ بِنِداءِ يا أهْلَ الكِتابِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: إمّا القُرْآنُ، وإمّا دَلائِلُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . والكُفْرُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ واضِحٌ، وإمّا آياتُ فَضِيلَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى غَيْرِهِ، والكُفْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَجَحْدُهم لِآياتِهِ مَعَ ذَلِكَ اليَقِينِ أشَدُّ إنْكارًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مُجَرَّدَ خَبَرٍ إلّا إذا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ تَوْبِيخٌ ثانٍ وإنْكارٌ عَلى مُجادَلَتِهِمْ لِإضْلالِهِمُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم في نُفُوسِهِمْ، وفُصِلَ بِلا عَطْفٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالقَصْدِ، ولَوْ عُطِفَ لَصَحَّ العَطْفُ.

صفحة ٢٦

والصَّدُّ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا: يُقالُ صَدَّهُ عَنْ كَذا فَصَدَّ عَنْهُ. وقاصِرُهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فَمُتَعَدِّيهِ بِمَعْنى جَعْلِ المَصْدُودِ مُعْرَضًا أيْ صَرْفُهُ، ويُقالُ: أصُدُّهُ عَنْ كَذا، وهو ظاهِرٌ.

وسَبِيلُ اللَّهِ مَجازٌ في الأقْوالِ والأدِلَّةِ المُوصِلَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ. والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إمّا مُحاوَلَةُ إرْجاعِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ بِإلْقاءِ التَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى يُلاقِي مَعْنى الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ عَلى وجْهَيْهِ الرّاجِعَيْنِ لِلْمَعْنى الشَّرْعِيِّ. وإمّا صَدُّ النّاسِ عَنِ الحَجِّ أيْ صَدُّ أتْباعِهِمْ عَنْ حَجِّ الكَعْبَةِ، وتَرْغِيبِهِمْ عَنْ حَجِّ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِتَفْضِيلِهِ عَلى الكَعْبَةِ، وهَذا يُلاقِي الكُفْرَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ المُتَقَدِّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إنْكارِهِمُ القِبْلَةَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ صَدُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.

وقَوْلُهُ تَبْغُونَها عِوَجًا أيْ تَبْغُونَ السَّبِيلَ فَأنَّثَ ضَمِيرَهُ لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والبَغْيُ الطَّلَبُ أيْ تَطْلُبُونَ. والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ - ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ عَوِجَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُهُ العَوَجُ كالفَرَحِ. وقَدْ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ غالِبًا المَصْدَرَ بِالِاعْوِجاجِ في الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، كالحائِطِ والقَناةِ. وخَصَّ إطْلاقَ اسْمِ المَصْدَرِ بِالِاعْوِجاجِ الَّذِي لا يُشاهَدُ كاعْوِجاجِ الأرْضِ والسَّطْحِ، وبِالمَعْنَوِيّاتِ كالدِّينِ.

ومَعْنى …

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ دُعائِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ خاطَبَهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ خِلافَ خِطابِهِ أهْلَ الكِتابِ إذْ قالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٩] ولَمْ يَقُلْ: قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وأشارَ بِهِ هُنا إلى فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ وهم شاسُ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهُ، أوْ أرادَ شاسًا وحْدَهُ، وجَعَلَهُ فَرِيقًا كَما جَعَلَ أبا سُفْيانَ ناسًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وسِياقُ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها جَرَتْ

صفحة ٢٨

عَلى حادِثَةٍ حَدَثَتْ وأنَّ لِنُزُولِها سَبَبًا. وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ تَخاذَلُوا وتَحارَبُوا حَتّى تَفانَوْا، وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ وآخِرُها يَوْمُ بُعاثٍ الَّتِي انْتَهَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا عَلى الإسْلامِ زالَتْ تِلْكَ الأحْقادُ مِن بَيْنِهِمْ وأصْبَحُوا عُدَّةً لِلْإسْلامِ، فَساءَ ذَلِكَ يَهُودَ يَثْرِبَ فَقامَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وهو شَيْخٌ قَدِيمٌ مِنهم، فَجَلَسَ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن جَلَسَ إلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم حُرُوبَ بُعاثٍ، فَكادُوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ونادى كُلُّ فَرِيقٍ: يا لَلْأوْسِ ! ويا لَلْخَزْرَجِ ! وأخَذُوا السِّلاحَ، فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهم وقالَ: «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ وفي رِوايَةٍ: أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ» ؟ أيْ أتَدْعُونَ بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَما فَرَغَ مِنها حَتّى ألْقَوُا السِّلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما كانَ طالِعٌ أكْرَهَ إلَيْنا مِن طُلُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَنا ما كانَ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُ يَوْمًا أقْبَحَ ولا أوْحَشَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ.

وأصْلُ الرَّدِّ الصَّرْفُ والإرْجاعُ قالَ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَغَيُّرِ الحالِ بَعْدَ المُخالَطَةِ فَيُفِيدُ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فِيما أنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ:

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا

وكافِرِينَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَوْلُهُ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ والقَصْدُ مِنَ التَّصْرِيحِ تَوْضِيحُ فَواتِ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كانُوا فِيها لَوْ يَكْفُرُونَ.

وقَوْلُهُ وكَيْفَ تَكْفُرُونَ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْعادِ اسْتِبْعادًا لِكُفْرِهِمْ ونَفْيٌ لَهُ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي

صفحة ٣٩

وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ حالِيَّةٌ، وهي مَحَطُّ الِاسْتِبْعادِ والنَّفْيِ لِأنَّ كُلًّا مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ وإقامَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ وازِعٌ لَهم عَنِ الكُفْرِ، وأيُّ وازِعٍ، فالآياتُ هُنا هي القُرْآنُ ومَواعِظُهُ.

والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ حَقِيقِيَّةٌ …

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.