Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، دَخَلَ مَن كانَ مِن أصْحابِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ حَيّا في الإسْلامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيمَن ماتَ مِنهم كافِرًا.» قالَ الزَّجّاجُ: ومِلْءُ الشَّيْءِ: مِقْدارُ ما يَمْلَؤُهُ. قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: والمَلْءُ بِفَتْحِ المِيمِ: الفِعْلُ تَقُولُ مَلَأْتُ الشَّيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْأ، المَصْدَرُ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ. والمَلاءَةُ: الَّتِي تُلْبَسُ مَمْدُودَةً. والمِلاوَةُ مِنَ الدَّهْرِ: القِطْعَةُ الطَّوِيلَةُ مِنهُ، يَقُولُونَ: أبِلْ جَدِيدًا، وتَمَلَّ حَبِيبًا، أيْ: عِشْ مَعَهُ دَهْرًا طَوِيلًا. و(ذَهَبًا) مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: رُبَّما أنَّثَ الذَّهَبَ، فَقِيلَ: ذَهَبَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى الأذْهابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الواوُ هاهُنا قَدْ يُسْتَغْنى عَنْها، ولَوْ حُذِفَتْ كانَ صَوابًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [ الأنْعامِ: ٧٥ ] قالَ الزَّجّاجُ: هَذا غَلَطٌ، لِأنَّ فائِدَةَ الواوِ بَيِّنَةٌ، فَلَيْسَتْ مِمّا يُلْقى. قالَ النُّحاسُ: قالَ أهْلُ النَّظَرِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ في هَذِهِ الآَيَةِ: الواوُ لَيْسَتْ مُقْحَمَةً، وتَقْدِيرُهُ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَبَرُّعًا ولِوِ افْتَدى.

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ في البِرِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ بِكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ بِطاعَتِكم. والثّانِي: التَّقْوى، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الطّاعَةُ، قالَهُ عَطِيَّةُ. والرّابِعُ: الخَيْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الأجْرَ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الأصْلِ، وإنَّما نَفْيُ وُجُودِ الكَمالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَنْ تَنالُوا البَرَّ الكامِلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ «نَفَقَةُ العَبْدِ مِن مالِهِ، وهو صَحِيحٌ شَحِيحٌ،» رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ الإنْفاقُ مِن مَحْبُوبِ المالِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وفي المُرادِ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّها جَمِيعُ الصَّدَقاتِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. والثّالِثُ: أنَّها جَمِيعُ النَّفَقاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهَ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَتْ صَدَقَةً، أوْ لَمْ تَكُنْ، نُقِلَ عَنِ الحُسْنِ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى ورَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِي بِالمَدِينَةِ مالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بِيَرْحاءَ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ. قالَ أنَسٌ: فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قامَ أبُو طَلْحَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بِيَرْحاءَ. وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَعْها حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ ﷺ: "بِخْ بِخْ ذاكَ مالَ رابِحٌ أوْ رائِحٌ [شَكَّ الرّاوِي ] وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتُ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ" فَقَسَّمَها أبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ، وبَنِي عَمِّهِ.» ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ فَقالَ: لا أجِدُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيَّ مِن جارِيَتِي رَمِيثَةَ، فَهي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ، لَنَكَحْتُها، فَأنْكَحَها نافِعًا، فَهي أمُّ ولَدِهِ. وسُئِلَ أبُو ذَرٍّ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: الصَّلاةُ: عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ: سَنامُ العَمَلِ، والصَّدَقَةُ: شَيْءٌ عَجِبٌ. ثُمَّ قالَ السّائِلُ: يا أبا ذَرٍّ لَقَدْ تَرَكْتَ شَيْئًا هو أوْثَقُ عَمَلٍ في نَفْسِي لا أراكَ ذَكَرْتَهُ قالَ: ما هُوَ؟ قالَ: الصِّيامُ. فَقالَ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُجازِي عَلَيْهِ.

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالَتِ اليَهُودَ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ، وتَشْرَبُ ألْبانَها؟ فَقالَ: "كانَ ذَلِكَ حِلًّا لِإبْراهِيمَ" فَقالُوا: كُلُّ شَيْءٍ نُحَرِّمُهُ نَحْنُ، فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ تَكْذِيبًا لَهم.» قالَهُ أبُو رَوْقٍ، وابْنُ السّائِبِ و"الطَّعامِ" اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والحِلُّ: الحَلالُ، ومِثْلُهُ الحُرْمُ والحَرامُ، واللُّبْسُ واللِّباسُ. وفي الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءِ ابْنِ أبِي رَباحٍ، وَأبِي العالِيَةِ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ العُرُوقُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ. والثّالِثُ: أنَّهُ زائِدَتا الكَبِدِ، والكُلْيَتانِ، والشَّحْمُ إلّا ما عَلى الظَّهْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وفي سَبَبِ تَحْرِيمِهِ لِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّهُ طالَ بِهِ مَرَضٌ شَدِيدٌ، فَنَذَرَ: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ، لِيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ،» رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ اشْتَكى عِرْقَ النَّسا فَحَرَّمَ العُرُوقَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ. والثّالِثُ: أنَّ الأطِبّاءَ وصَفُوا لَهُ حِينَ أصابَهُ النَّسا اجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ، فَحَرَّمَهُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ إذا أكَلَ ذَلِكَ الطَّعامَ، أصابَهُ عِرْقَ النَّسا، فَيَبِيتُ وقِيدًا فَحَرَّمَهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. واخْتَلَفُوا: هَلْ حَرَّمَ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ، أوْ بِاجْتِهادِهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. واخْتَلَفُوا: بِماذا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الطَّعامِ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى اليَهُودِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا في التَّوْراةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ يَعْقُوبُ: لَئِنْ عافانِي اللَّهُ لا يَأْكُلُهُ لِي ولَدٌ. والثّانِي: أنَّهم وافَقُوا أباهم يَعْقُوبُ في تَحْرِيمِهِ، لا أنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ، ثُمَّ أضافُوا تَحْرِيمَهُ إلى اللَّهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:( ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)﴾ هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْراةِ لا فِيها. وكانُوا إذا أصابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا، حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، أوْ صُبَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ هَلْ تَجِدُونَ فِيها تَحْرِيمَ لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها!

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى﴾ يَقُولُ: اخْتَلَقَ ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ البَيانِ في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ مَجِيئِكم بِالتَّوْراةِ وتِلاوَتِكم إيّاها.

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ الصِّدْقُ: الإخْبارُ بِالشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ، وضِدُّهُ الكَذِبُ. واخْتَلَفُوا أيَّ خَبَرٍ عَنى بِهَذِهِ الآَيَةِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ عَنى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا﴾ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: افْتَخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودَ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضُلْ مِنَ الكَعْبَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: الكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وفي مَعْنى كَوْنِهِ "أوَّلَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ كانَ في الأرْضِ، واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ، كَيْفَ كانَ أوَّلَ بَيْتٍ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ، فَخَلَقَهُ قَبْلَها بِألْفَيْ عامٍ، ودَحاها مِن تَحْتِهِ، فَرَوى سَعِيدٌ المُقْبِرِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَتِ الكَعْبَةُ حَشَفَةً عَلى وجْهِ الماءِ، عَلَيْها مَلَكانِ يُسَبِّحانِ اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وضَعَ البَيْتَ في الماءِ عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنْيا بِألْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِ البَيْتِ، وبِهَذا القَوْلِ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَمْرٍو، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّ آَدَمَ اسْتَوْحَشَ حِينَ أُهْبِطَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، أنِ ابْنِ لِي بَيْتًا في الأرْضِ، فاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ ما رَأيْتَ مَلائِكَتِي تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَبَناهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ أُهْبِطَ مَعَ آَدَمَ، فَلَمّا كانَ الطُّوفانُ، رُفِعَ فَصارَ مَعْمُورًا في السَّماءِ، وبَنى إبْراهِيمُ عَلى أثَرِهِ، رَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والحَسَنِ، وعَطاءِ بْنِ السّائِبِ في آَخَرِينَ. فَأمّا بَكَّةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ هَذا الِاسْمُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ البَكِّ. يُقالُ: بِكَّ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا، أيْ: دَفَعَ. واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِها بَكَّةً عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: لِازْدِحامِ النّاسِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، أيْ: تَدُقُّها، فَلَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وذَكَرُهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: لِأنَّها تَضَعُ مِن نَخْوَةِ المُتَجَبِّرِينَ، يُقالُ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ، أيْ: وضَعْتُ مِنهُ، ورَدَدْتُ نَخْوَتَهُ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اليَزِيدِيُّ، وقُطْرُبٌ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَكَّةَ اسْمٌ لِجَمِيعِ البَلْدَةِ. واخْتَلَفُوا في بَكَّةَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيها الكَعْبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وإبْراهِيمُ. وعَطِيَّةُ. والثّانِي: أنَّها ما حَوْلَ البَيْتِ، ومَكَّةُ ما وراءَ ذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أنَّها المَسْجِدُ، والبَيْتُ. ومَكَّةُ اسْمٌ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ. والرّابِعُ: أنَّ بَكَّةَ هي مَكَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأنَّ الباءَ تُبْدَلُ مِنَ المِيمِ؛ يُقالُ: سَمَدَ رَأْسَهُ وسَبَدَ رَأْسَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. وشَرٌّ لازِمٌ، ولازِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُبارَكًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. المَعْنى: الَّذِي اسْتَقَرَّ بِمَكَّةَ في حالِ بَرَكَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى﴾ أيْ: وذا هُدًى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "هُدًى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، …

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾، الجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: آَياتٌ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (فِيهِ آَيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامَ إبْراهِيمَ)، وبِها قَرَأ مُجاهِدٌ. والآَيَةُ: مَقامُ إبْراهِيمَ. فَأمّا مَن قَرَأ: "آَياتٌ" فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الآَياتُ: مَقامُ إبْراهِيمَ، وآَمِنٌ مَن دَخَلَهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ الجَمْعُ مُعَبِّرًا عَنِ التَّثْنِيَةِ، وذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٧٨ ] . وقالَ أبُو رَجاءٍ: كانَ الحَسَنُ يَعُدُّهُنَّ، وأنا أنْظُرُ إلى أصابِعِهِ: مَقامَ إبْراهِيمَ، ومَن دَخَلَهُ كانَ آَمِنًا، ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: مِنهم مَقامُ إبْراهِيمَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: الآَياتُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، ومِنها: آَمِنٌ مَن دَخَلَهُ، ومِنها: امْتِناعُ الطَّيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، واسْتِشْفاءُ المَرِيضِ مِنها بِهِ، وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ، وإهْلاكُ أصْحابِ الفِيلِ لَمّا قَصَدُوا إخْرابَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والمُرادُ بِالبَيْتِ هاهُنا: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ هَذِهِ الآَياتِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، ومَقامُ إبْراهِيمَ لَيْسَ في البَيْتِ، والآَيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قامَ عَلى حَجَرٍ، فَأثَّرْثَ قَدَماهُ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وصِدْقِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ، وتَقْدِيرُهُ: ومَن دَخَلَهُ، فَأمِّنُوهُ، وهو عامٌّ فِيمَن جَنى جِنايَةً قَبْلَ دُخُولِهِ، وفِيمَن جَنى فِيهِ بَعْدَ دُخُولِهِ، إلّا أنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ عَلى أنَّ مَن جَنى فِيهِ لا يُؤَمَّنُ، لِأنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ ورَدَّ الأمانَ، فَبَقِيَ حُكْمُ الآَيَةِ فِيمَن جَنى خارِجًا مِنهُ، ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أحْمَدُ في رِوايَةٍ المَرْوَذِيِّ: إذا قَتَلَ، أوْ قَطَعَ يَدًا، أوْ أتى حَدًّا في غَيْرِ الحَرَمِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ، ولَمْ يُقْتَصَّ مِنهُ، ولَكِنْ لا يُبايَعُ، ولا يُشارى، ولا يُؤاكَلُ حَتّى يَخْرُجَ، فَإنْ فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في الحَرَمِ، اسْتَوْفى مِنهُ وقالَ أحْمَدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قَتَلَ خارِجَ الحَرَمِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقْتَلْ. وإنْ كانَتِ الجِنايَةُ دُونَ النَّفْسِ، فَإنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُقامُ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ في النَّفْسِ، وفِيما دُونَ النَّفْسِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾، الأكْثَرُونَ عَلى فَتْحِ حاءِ "الحَجِّ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِها. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أُنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ٨٥ ] قالَ أهْلُ المِلَلِ كُلِّهِمْ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَحَجَّهُ المُسْلِمُونَ، وتَرَكَهُ المُشْرِكُونَ، وقالَتِ اليَهُودَ: لا نَحُجُّهُ أبَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ قالَ …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَأمّا آَياتُ اللَّهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي القُرْآَنُ ومُحَمَّدٌ ﷺ . وأمّا الشَّهِيدُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو بِمَعْنى الشّاهِدِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: هو الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، كَأنَّهُ الحاضِرُ الشّاهِدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: دَعَتِ اليَهُودُ حُذَيْفَةَ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وفي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: اليَهُودُ. قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: الإسْلامُ، والحَجُّ. وقالَ قَتادَةُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، وعَنِ الإسْلامِ. قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا سُئِلُوا: هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكُمْ؟ قالُوا: لا. فَصَدُّوا عَنْهُ النّاسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها﴾، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ السَّبِيلِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وأنْشَدُوا:

؎ فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتٍى أُناسٍ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلا

وَمَعْنى "تَبْغُونَها": تَبْغُونَ لَها، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي خادِمًا، يُرِيدُونَ: ابْتَغِهِ لِي، فَإذا أرادُوا: ابْتَغِ مَعِي، وأعِنِّي عَلى طَلَبِهِ، قالُوا: ابْغِنِي، فَفَتَحُوا الألِفَ، ويَقُولُونَ: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا، كَما يَقُولُونَ: وهْبْتُ لَكَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى ∗∗∗ أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا

أرادَ: أصِيدُ لَكم ومَعْنى الآَيَةِ: يَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، ويُرِيدُونَ رَدَّ الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ إلى الكُفْرِ والِاعْوِجاجِ. ويَطْلُبُونَ العُدُولَ عَنِ القَصْدِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، واللُّغَوِيِّينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى لِأهْلِهِ، كَأنَّ المَعْنى: تَبْغُونَ لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ، ولِمَن هو عَلى سَبِيلِ الحَقِّ عِوَجًا. أيْ: ضَلالًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ، في الدِّينِ، والكَلامِ، والعَمَلِ، والعَوَجِ بِفَتْحِها، في الحائِطِ والجِذْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: فِيما لا تَرى لَهُ شَخْصًا، وما كانَ لَهُ شَخْصٌ قُلْتَ: عَوَجٌ بِفَتْحِها، تَقُولُ: في أمْرِهِ ودِينِهِ عَوَجٌ، وفي العَصا عَوَجٌ. ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ: العِوَجُ عِنْدَ العَرَبِ بِكَسْرِ العَيْنِ: في كُلِّ ما لا يُحاطُ بِهِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ في كُلِّ ما لا يَحْصُلُ، فَيُقالُ: في الأرْضِ عِوَجٌ، وفي الدِّينِ عِوَجٌ، لِأنَّ هَذَيْنَ يَتَّسِعانِ، ولا يُدْرَكانِ. وفي العَصا عِوَجٌ، وفي السِّنِّ عِوَجٌ. لِأنَّهُما يُحاطُ بِهِما، ويَبْلُغُ كُنْهُهُما. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: العَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ: في كُلِّ مُنْتَصِبٍ، كالحائِطِ. والعَوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ أوْ أرْضٍ، أوْ دِينٍ، أوْ مَعاشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ، وأنْتُمْ شاهِدُونَ بِصِحَّةِ ما صَدَدْتُمْ عَنْهُ، وبُطْلانِ ما أنْتُمْ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى الشُّهَداءِ هاهُنا: العُقَلاءُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى في آَخَرِينَ.

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَأمّا آَياتُ اللَّهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي القُرْآَنُ ومُحَمَّدٌ ﷺ . وأمّا الشَّهِيدُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو بِمَعْنى الشّاهِدِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: هو الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، كَأنَّهُ الحاضِرُ الشّاهِدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: دَعَتِ اليَهُودُ حُذَيْفَةَ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وفي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: اليَهُودُ. قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: الإسْلامُ، والحَجُّ. وقالَ قَتادَةُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، وعَنِ الإسْلامِ. قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا سُئِلُوا: هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكُمْ؟ قالُوا: لا. فَصَدُّوا عَنْهُ النّاسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها﴾، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ السَّبِيلِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وأنْشَدُوا:

؎ فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتٍى أُناسٍ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلا

وَمَعْنى "تَبْغُونَها": تَبْغُونَ لَها، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي خادِمًا، يُرِيدُونَ: ابْتَغِهِ لِي، فَإذا أرادُوا: ابْتَغِ مَعِي، وأعِنِّي عَلى طَلَبِهِ، قالُوا: ابْغِنِي، فَفَتَحُوا الألِفَ، ويَقُولُونَ: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا، كَما يَقُولُونَ: وهْبْتُ لَكَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى ∗∗∗ أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا

أرادَ: أصِيدُ لَكم ومَعْنى الآَيَةِ: يَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، ويُرِيدُونَ رَدَّ الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ إلى الكُفْرِ والِاعْوِجاجِ. ويَطْلُبُونَ العُدُولَ عَنِ القَصْدِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، واللُّغَوِيِّينَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى لِأهْلِهِ، كَأنَّ المَعْنى: تَبْغُونَ لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ، ولِمَن هو عَلى سَبِيلِ الحَقِّ عِوَجًا. أيْ: ضَلالًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ، في الدِّينِ، والكَلامِ، والعَمَلِ، والعَوَجِ بِفَتْحِها، في الحائِطِ والجِذْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ: العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: فِيما لا تَرى لَهُ شَخْصًا، وما كانَ لَهُ شَخْصٌ قُلْتَ: عَوَجٌ بِفَتْحِها، تَقُولُ: في أمْرِهِ ودِينِهِ عَوَجٌ، وفي العَصا عَوَجٌ. ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ: العِوَجُ عِنْدَ العَرَبِ بِكَسْرِ العَيْنِ: في كُلِّ ما لا يُحاطُ بِهِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ في كُلِّ ما لا يَحْصُلُ، فَيُقالُ: في الأرْضِ عِوَجٌ، وفي الدِّينِ عِوَجٌ، لِأنَّ هَذَيْنَ يَتَّسِعانِ، ولا يُدْرَكانِ. وفي العَصا عِوَجٌ، وفي السِّنِّ عِوَجٌ. لِأنَّهُما يُحاطُ بِهِما، ويَبْلُغُ كُنْهُهُما. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: العَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ: في كُلِّ مُنْتَصِبٍ، كالحائِطِ. والعَوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ أوْ أرْضٍ، أوْ دِينٍ، أوْ مَعاشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ، وأنْتُمْ شاهِدُونَ بِصِحَّةِ ما صَدَدْتُمْ عَنْهُ، وبُطْلانِ ما أنْتُمْ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّ مَعْنى الشُّهَداءِ هاهُنا: العُقَلاءُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى في آَخَرِينَ.

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانَ بَيْنَهُما حَرْبٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ أطْفَأ تِلْكَ الحَرْبَ بِالإسْلامِ، فَبَيْنَما رَجُلانِ أوْسِيٌّ وخَزْرَجِيٌّ يَتَحَدَّثانِ ومَعَهُما يَهُودِيٌّ، جَعَلَ اليَهُودِيُّ يُذَكِّرُهُما أيّامَهُما، والعَداوَةَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُما حَتّى اقْتَتَلا، فَنادى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِقَوْمِهِ، فَخَرَجُوا بِالسِّلاحِ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأصْلَحَ بَيْنَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والجَماعَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: وعَنى بِذَلِكَ الفَرِيقِ: شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيِّ وأصْحابَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى طاعَتِهِمْ: تَقْلِيدُهم.

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.