Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ الخُصُوصِيَّةَ بِذَلِكَ لائِنًا لَهم فِيهِ إلى حَدٍّ أُيِسَ مَعَهُ مِن رُجُوعِهِمْ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى حالِهِمْ في الآخِرَةِ فَقالَ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ تَفْوِيتُ مَحَلِّها بِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ هَذا الكُفْرَ أوْ غَيْرَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ثَلاثَةُ أقْسامٍ: التّائِبُونَ تَوْبَةً صَحِيحَةً وهُمُ الَّذِينَ أصْلَحُوا، والتّائِبُونَ تَوْبَةً فاسِدَةً، والواصِلُونَ كُفْرَهم بِالمَوْتِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ ولَمّا كانَ المَوْتُ كَذَلِكَ سَبَبًا لِلْخُلُودِ في النّارِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْكُفْرِ والمَوْتِ عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِنَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ كائِنًا مَن كانَ، ورَبَطَهُ بِالفاءِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ أيْ بِسَبَبِ شَناعَةِ فِعْلِهِمُ الَّذِي هو الِاجْتِراءُ عَلى الكُفْرِ ثُمَّ المَوْتُ عَلَيْهِ ﴿مِن أحَدِهِمْ﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ أيْ مِنَ الذَّهَبِ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ قَبُولُ ذَلِكَ لَوْ بَذَلَهُ هِبَةً أوَ هَدِيَّةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ لَوْ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ تَجِيءُ مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ ﷺ «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ» فَكَوْنُهُ جاءَ عَلى فَرَسٍ يُؤْذِنُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُعْطى فَنَصَّ عَلَيْهِ؛ وأمّا هُنا فَلَمّا كانَ قَبُولُ الفِدْيَةِ واجِبًا عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ - كَما مَرَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى

﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] كانَ بِحَيْثُ رُبَّما ظُنَّ أنَّ بَذْلَهُ - عَلى طَرِيقِ الِافْتِداءِ يُخالِفُ بَذْلَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ حَتّى يَجِبَ قَبُولُهُ، فَنَصَّ عَلَيْهِ؛ وأيْضًا فَحالَةُ الِافْتِداءِ حالَةٌ لا يَمْتَنُّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي - قالَهُ أبُو حَيّانَ. فالمَعْنى: لا يُقْبَلُ مِن أحَدِهِمْ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مِنَ الذَّهَبِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ عَلى حالِ الِافْتِداءِ، والمُرادُ بِالمِثالِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ؛ وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى مَلْءِ الأرْضِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يَدْخُلُ تَحْتَ أوْهامِ النّاسِ ويَجْرِي في مُحاوَراتِهِمْ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ بِهِمْ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ولِعَظَمَتِهِ أغْرَقَ في النَّفْيِ بَعْدَهُ بِزِيادَةِ الجارِّ فَقالَ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ يَنْصُرُونَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فانْتَفى عَنْهم كُلُّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ الِاسْتِنْقاذِ.

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

ولَما كانَ آخِرُ هَذِهِ القِصَصِ في الحَقِيقَةِ إبْطالَ كُلِّ ما خالَفَ الإسْلامَ؛ الَّذِي هو مَعْنى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] - وما بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما جَرُّهُ - خَتَمَ الآيَةَ بِدَعْوى أنَّ المُخالِفِينَ مِنَ الخاسِرِينَ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ لا يُقْبَلُ إنْفاقُهُ لِلْإنْقاذِ مِمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الشَّدائِدِ؛ لا بِدَفْعٍ لِقاهِرٍ؛ ولا بِتَقْوِيَةٍ لِناصِرٍ؛ فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُفِيدُ فِيهِ الإنْفاقُ؛ وأيِّ وُجُوهِهِ أنْفَعُ؛ فَأُرْشِدُ إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّ الأحَبَّ مِنهُ أجْدَرُ بِالقَبُولِ؛ رُجُوعًا إلى ما قَرَّرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ قَبْلَ آيَةِ الشَّهادَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ مِن صِفَةِ عِبادِهِ المُنْفِقِينَ؛ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾؛ وهو كَمالُ الخَيْرِ؛ ﴿حَتّى تُنْفِقُوا﴾؛ أيْ: في وُجُوهِ الخَيْرِ؛ ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ ما تَقْتَضُّونَ؛ كَما تَرَكَ إسْرائِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أنْفَقْتُمْ مِنهُ؛ عَلِمَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ فَأنالَكم بِهِ البِرَّ؛ وإنْ تَيَمَّمْتُمُ الخَبِيثَ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ؛ فَأنْفَقْتُمُوهُ؛ لَمْ تَبَرُّوا؛ وكانَ كُلٌّ مِنَ المَحَبَّةِ والكَراهَةِ؛ أمْرًا خَفِيًّا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ المَحْبُوبِ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - وقَدَّمَ الجارَّ اهْتِمامًا بِهِ؛ إظْهارًا لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن سَألَكَ: ”هَلْ تَعْلَمُ كَذا“: ”لا أعْلَمُ إلّا هُوَ“ - فَقالَ: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَهَذا كَما تَرى احْتِباكٌ.

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ كانَ دَيْدَنَ أهِلِ الكَمالِ؛ عَلى وجْهٍ يُقَرِّرُ بِهِ ما مَضى مِنَ الإخْبارِ بِعَظِيمِ اجْتِراءِ أهْلِ الكِتابِ عَلى الكَذِبِ بِأمْرٍ حِسِّيٍّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾؛ أيْ: مِنَ الشُّحُومِ مُطْلَقًا؛ وغَيْرِها؛ ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أكْلُهُ؛ كَما كانَ حِلًّا لِمَن قَبْلَهُمْ؛ عَلى أصْلِ الإباحَةِ؛ ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾؛ تَبَرُّرًا؛ وتَطَوُّعًا؛ ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾؛ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ اسْتِجْلابًا لِبَنِيهِ إلى ما يَرْفَعُهم بَعْدَ اجْتِذابِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما يَضُرُّهُمْ؛ ولا يَنْفَعُهُمْ؛ ولَمّا كانُوا؛ بِما أغْرَقُوا فِيهِ مِنَ الكَذِبِ؛ رُبَّما قالُوا: إنَّما حَرَّمَ ذَلِكَ اتِّباعًا لِحُكْمِ التَّوْراةِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ﴾؛ وأثْبَتَ الجارَّ لِأنَّ تَحْرِيمَهُ كانَ في بَعْضِ ذَلِكَ الزَّمانِ؛ لا مُسْتَغْرِقًا لَهُ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾؛ وكانَ قَدْ تَرَكَ لُحُومَ الإبِلِ؛ وألْبانَها؛ وكانَتْ أحَبَّ الأطْعِمَةِ إلَيْهِ؛ لِلَّهِ؛ وإيثارًا لِعِبادِهِ - كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلْزامًا لِلْيَهُودِ بِاعْتِقادِ النَّسْخِ الَّذِي طَعَنُوا بِهِ في هَذا الدِّينِ؛ في أمْرِ القِبْلَةِ؛ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ؛ لِيَصِيرَ عُذْرًا لَهم في التَّخَلُّفِ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ؛ فَكانُوا يَقُولُونَ: ”لَمْ تَزَلِ الشُّحُومُ؛ وما ذُكِرَ مَعَها حَرامًا عَلى مَن قَبْلَنا؛ كَما كانَتْ حَرامًا عَلَيْنا“؛ فَأمَرَ بِجَوابِهِمْ بِأنْ قالَ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِلْيَهُودِ؛ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾؛ أيْ: لِتَدُلَّ لَكُمْ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ فِيما ادَّعَيْتُمُوهُ؛ فَلَمْ يَأْتُوا بِها؛ فَبانَ كَذِبُهُمْ؛ فافْتُضِحُوا فَضِيحَةً لا مِثْلَ لَها في الدُّنْيا؛

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

﴿فَمَنِ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مَن ﴿افْتَرى﴾؛ أيْ: تَعَمَّدَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: في أمْرِ المَطاعِمِ؛ أوْ غَيْرِها.

ولَمّا كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ إيقاعِ الكَذِبِ في أيِّ زَمَنٍ كانَ؛ لا عَنْ إيقاعِهِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: البَيانِ العَظِيمِ الظّاهِرِ جِدًّا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ الأباغِضُ؛ ﴿هُمُ﴾؛ خاصَّةً؛ لِتَعَمُّدِهِمُ الكَذِبَ عَلى مَن هو مُحِيطٌ بِهِمْ؛ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ﴿الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: المُتَناهُو الظُّلْمِ بِالمَشْيِ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ؛ فِعْلَ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ فَهو لا يَضَعُ شَيْئًا في مَوْضِعِهِ؛ وذَلِكَ بِتَعَرُّضِهِمْ إلى أنْ يَهْتِكَهُمُ التّامُّ العِلْمِ؛ ويُعَذِّبُهُمُ الشّامِلُ القُدْرَةِ.

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

ولَمّا اتَّضَحَ كَذِبُهُمْ؛ وافْتُضِحَ تَدْلِيسُهم - لِأنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِكِتابِهِمْ؛ فَلَمْ يَأْتُوا بِهِ؛ صارَ ظاهِرًا كالشَّمْسِ؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا لَبْسَ؛ ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا تَمادِيًا في الكَذِبِ - أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ أنْكَرُوا النَّسْخَ؛ فَأقَمْتُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ مِن كِتابِهِمْ؛ ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ؛ وتُخْبِرُ بِهِ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ وغَيْرِهِ مِن بَنِيهِ؛ أسْلافِكُمْ؛ وتَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكُمْ؛ هو ولا أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لِأنَّكم لَوْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لِأتَيْتُمْ بِالتَّوْراةِ؛ نافِيًا بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَأخُّرُهم عَنِ الإتْيانِ بِها لِعِلَّةٍ يَعْتَلُّونَ بِها غَيْرِ ذَلِكَ؛ وإذْ قَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ (تَعالى) في جَمِيعِ ما قالَ؛ وجَبَ اتِّباعُهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ وأعْظَمُهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ فَإنَّها الجامِعَةُ لِلْمَحاسِنِ.

ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ بِهَذا الدَّلِيلِ المُحْكَمِ؛ لَزِمَ قَطْعًا أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا؛ ولا نَصْرانِيًّا؛ ولا مُشْرِكًا؛ وقَدْ أقَرُّوا بِأنْ مِلَّتَهُ هي الحَقُّ؛ وأنَّهم أتْباعُهُ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبُ اتِّباعِهِ فِيما أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهِ؛ فَبانَ كالشَّمْسِ صِدْقُهُ؛ لا فِيما افْتَرَوْهُ هم مِنَ الكَذِبِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -:﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ وهي الإسْلامُ؛ أيْ: الِانْقِيادُ لِلدَّلِيلِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: تابِعًا لِلْحُجَّةِ إذا تَحَرَّرَتْ؛ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَأْلُوفٍ؛ ولَمّا كانَ ﷺ مَفْطُورًا عَلى الإسْلامِ؛ فَلَمْ يَكُنْ في جِبِلَّتِهِ شَيْءٌ مِنَ العِوَجِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ؛ نَفى الكَوْنَ؛ فَقالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: بِعُزَيْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ مِنَ الأكابِرِ؛ كالأحْبارِ الَّذِينَ تُقَلِّدُونَهُمْ؛ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّهم يَدْعُونَ إلى ضِدِّ ما دَعا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

ولَمّا ألْزَمَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلى النَّسْخِ أنَّهم عَلى غَيْرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ اتِّباعَها؛ بَعْدَ بَيانِ أنَّها هي ما عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وأتْباعُهُ؛ أخْبَرَ عَنِ البَيْتِ الَّذِي يُخَوِّلُ إلَيْهِ التَّوَجُّهَ في الصَّلاةِ؛ فَعابُوهُ عَلى أهْلِ الإسْلامِ أنَّهُ أعْظَمَ شَعائِرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ الَّتِي كَفَرُوا بِتَرْكِها؛ ولِذَلِكَ أبْلَغَ في تَأْكِيدِهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ﴾؛ أيْ: مِنَ البُيُوتِ الجامِعَةِ لِلْعِبادَةِ؛ ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: عَلى العُمُومِ؛ مُتَعَبَّدًا؛ واجِبًا عَلَيْهِمْ قَصْدُهُ وحَجُّهُ بِما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ واسْتِقْبالُهُ في الصَّلاةِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في ذَلِكَ؛ ولَعَلَّ بِناءَ "وُضِعَ؛ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ وضْعَهُ كانَ قَبْلَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾؛ أيْ: البَلْدَةِ الَّتِي تَدُقُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ؛ ويَزْدَحِمُ النّاسُ فِيها ازْدِحامًا لا يَكُونُ في غَيْرِها مِثْلُهُ؛ ولا قَرِيبٌ مِنهُ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَدُقَّ هَذا النَّبِيُّ الَّذِي أظْهَرْتُهُ مِنها الأعْناقَ مِن كُلِّ مَن ناوَأهُ؛ ويَزْدَحِمَ النّاسُ عَلى الدُّخُولِ في دِينِهِ ازْدِحامًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ؛ فَإنْ فاتَكم ذَلِكَ خِبْتُمْ في الدّارَيْنِ غايَةَ الخَيْبَةِ؛ ودامَ ذُلُّكُمْ؛ وصَغارُكُمْ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُبارَكًا﴾؛ أيْ: عَظِيمَ الثَّباتِ؛ كَثِيرَ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومَن قَبْلَهُمْ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ فَعابَ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلَهم مِنَ النَّسْخِ ما أنْكَرُوهُ عَلى مَوْلاهُمْ؛ وذَلِكَ نَسْخُهم لِما شَرَعَهُ مِن حُجَّةٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ؛ تَحْرِيفًا مِنهُمْ؛ مِثالًا لِما قَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنْ كَذِبِهِمْ؛ وهَذا أمْرٌ شَهِيرٌ يُسَجَّلُ عَلَيْهِمْ بِالمُخالَفَةِ؛ ويُثْبِتُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُؤالَفَةَ؛ فَإنَّ حَجَّ البَيْتِ الحَرامِ؛ وتَعْظِيمَهُ؛ مِن أعْظَمِ ما شَرَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما هو مُبَيَّنٌ في السِّيَرِ وغَيْرِها؛ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ؛ وقَدْ حَجَّهُ أنْبِياؤُهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأسْلافُهُمْ؛ إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ؛ وإسْحاقُ؛ ويَعْقُوبُ؛ والأسْباطُ؛ وغَيْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأتْباعِهِمْ؛ كَما رُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى إنَّ في بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في حَجِّهِ إلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومِنَ المُحالِ عادَةً أنْ يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ ومِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّهم قَدْ تَرَكُوا هَذِهِ الشَّرِيعَةَ العَظِيمَةَ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم دَعْوى أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مَعَ انْسِلاخِهِمْ مِن مُعْظَمِ شَرائِعِهِ!

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

ثُمَّ فَسَّرَ الهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾؛ وقَوْلِهِ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أثَرُ قَدَمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الحَجَرِ؛ حَيْثُ قامَ لِتَغْسِلَ كَنَّتُهُ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ؛ أعْرَبَهُ أبُو حَيّانَ بَدَلًا؛ أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ المَوْصُولِ الَّذِي هو خَبَرُ ”إنَّ“؛ في قَوْلِهِ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَمَقامُ إبْراهِيمَ“؛ وأعْرَبَهُ غَيْرُهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِ: ”آياتٌ“؛ وهو وحْدَهُ آياتٌ؛ لِعِظَمِهِ؛ ولِتَعَدُّدِ ما فِيهِ مِن تَأْثِيرِ القَدَمِ؛ وحِفْظِهِ إلى هَذا الزَّمانِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مَنقُولًا؛ وتَذْكِيرِهِ بِجَمِيعِ قَضايا إبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ أمْنُ أهْلِهِ في بِلادِ النَّهْبِ والغاراتِ الَّتِي لَيْسَ بِها حاكِمٌ يُفْزَعُ إلَيْهِ؛ ولا رَئِيسٌ يُعَوَّلُ في ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ مِن أدَلِّ الآياتِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ أهْلِهِ؛ ﴿كانَ آمِنًا﴾؛ أيْ: عَرِيقًا في الأمْنِ؛ أوْ: ”فَأمِّنُوهُ بِأمانِ اللَّهِ“؛ وتَحْوِيلُ العِبارَةِ عَنْ ”وأمِنَ داخِلُهُ“؛ لِأنَّ هَذا أدَلُّ عَلى المُرادِ مِن تَمَكُّنِ الأمْنِ؛ وفِيهِ بِشارَةٌ بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

ولَمّا أوْضَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَراءَتَهم مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ بَعْدَ دَعْواهم - بُهْتانًا - أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ؛ وكانَتِ المُخالَفَةُ في الواجِبِ أدَلَّ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿عَلى النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ فَأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ دَلالَةً عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ - كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ عَنِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ في ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ [الكهف: ٧٧]؛ في ”الكَهْفِ“؛ وذَلِكَ لِئَلّا يُدَّعى خُصُوصَةٌ بِالعَرَبِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾؛ أيْ: زِيارَتُهُ زِيارَةً عَظِيمَةً؛ وأظْهَرَ أيْضًا تَنْصِيصًا عَلَيْهِ؛ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ؛ تَفْخِيمًا لِقَدْرِهِ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالبَيْتِ؛ لِأنَّهُ في الزِّيارَةِ؛ وعادَةُ العَرَبِ زِيارَةُ مَعاهِدِ الأحْبابِ؛ وأطْلالِهِمْ؛ وأماكِنِهِمْ؛ وحِلالَهُمْ؛ وأعْظَمُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزِّيارَةِ عِنْدَهُمُ الحَجُّ؛ ثُمَّ ”مَن“؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدَلًا مِن ”النّاسِ“؛ تَأْكِيدًا بِالإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ؛ وحَمْلًا عَلى الشُّكْرِ بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ التَّشْدِيدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿إلَيْهِ سَبِيلا﴾؛ فَمَن حَجَّهُ كانَ مُؤْمِنًا.

ولَمّا كانَ مِنَ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”ومَن لَمْ يَحُجَّهُ؛ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ؛ كَفَرَ بِالنِّعْمَةِ؛ إنْ كانَ مُعْتَرِفًا بِالوُجُوبِ؛ وبِالمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ إنْ جَحَدَ“؛ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾؛ أيْ: بِالنِّعْمَةِ؛ أوْ بِالدِّينِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ ﴿غَنِيٌّ﴾؛ ولَمّا كانَ غِناهُ مُطْلَقًا؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مَوْضِعَ ”عَنْهُ“ -: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: طائِعِهِمْ؛ وعاصِيهِمْ؛ صامِتِهِمْ وناطِقِهِمْ؛ رَطْبِهِمْ؛ ويابِسِهِمْ؛ فَوَضَحَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما شاكَلَها أنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِهِ؛ كَما وضَحَ بِما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِهِمْ؛ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ بَراءَتُهُ مِنهُمْ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ لِأنَّ إثْباتَ فَرْضِهِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى كُفْرِ مَن أباهُ؛ وإثْباتَ ”ومَن كَفَرَ“؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى إيمانِ …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - البَراهِينَ؛ وأحْكَمَ الدَّلائِلَ عَقْلًا وسَمْعًا؛ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ شُبْهَةٌ؛ ولَمْ يُبادِرُوا الإذْعانَ؛ بَلْ زادُوا في الطُّغْيانِ؛ وكادُوا أنْ يُوقِعُوا الضِّرابَ والطِّعانَ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ؛ أعْرَضَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ خِطابِهِمْ؛ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ؛ ورابِعِ الِانْتِقامِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ؛ الَّذِي يَكُونُ قَتْلُهم عَلى يَدِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ وأثْبَتَ أداةً دالَّةً عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تُوقِعُونَ الكُفْرَ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: وهي - لِكَوْنِهِ الحائِزَ بِجَمِيعِ الكَمالِ - البَيِّناتُ؛ نَقْلًا وعَقْلًا؛ الدّالَّةُ عَلى أنَّكم عَلى الباطِلِ؛ لِما وضَحَ مِن أنَّكم عَلى غَيْرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ كُفْرُهم ظاهِرًا ذَكَرَ شَهادَتَهُ (تَعالى)؛ فَقالَ مُهَدِّدًا: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّ اللَّهَ - الَّذِي هو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ فَلا إلَهَ غَيْرُهُ؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ -؛ ﴿شَهِيدٌ عَلى﴾؛ كُلِّ؛ ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ - سُبْحانَهُ - السِّرَّ وأخْفى؛ وإنْ حَرَّفْتُمْ وأسْرَرْتُمْ“؛

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ إيذانًا بِالِاسْتِقْلالِ؛ تَقْرِيعًا آخَرَ لِزِيادَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ التَّكْفِيرَ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: المُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ؛ واتِّباعِ الوَحْيِ؛ كُرِّرَ هَذا الوَصْفُ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ في التَّقْرِيعِ - أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ؛ ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ كُفْرِكُمْ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ القَهْرُ؛ والعِزُّ؛ والعَظَمَةُ؛ والِاخْتِصاصُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وسَبِيلُهُ: دِينُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المَفْعُولَ؛ فَقالَ: ﴿مَن آمَنَ﴾؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿تَبْغُونَها﴾؛ أيْ: السَّبِيلَ؛ ﴿عِوَجًا﴾؛ أيْ: بِلَيِّكم ألْسِنَتَكُمْ؛ وافْتِرائِكم عَلى اللَّهِ؛ ولَمْ يَفْعَلْ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ أعْرَضَ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ ما فَعَلَ مِن قَبْلُ؛ إذْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ - تَعالى جَدُّهُ؛ وتَعاظَمَ مَجْدُهُ - إذْ قالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]؛ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ وقالَ أبُو البَقاءِ - في إعْرابِهِ -: ”إنَّ“تَبْغُونَ”؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في“تَصُدُّونَ”؛ أوْ مِنَ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ راجِعَيْنِ إلَيْها؛ فَلِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ وعِوَجًا حالٌ“؛ انْتَهى.

وقالَ صاحِبُ القامُوسِ - في بَناتِ الواوِ -: ”بَغا الشَّيْءَ بَغْوًا“: نَظَرُ إلَيْهِ كَيْفَ هُوَ؛ وقالَ - في بَناتِ الياءِ -: ”بَغَيْتُهُ أبْغِيهِ“: طَلَبْتُهُ؛ فالظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ عِوَجًا حالًا - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أصْوَبُ مِن جَعْلِهِ مَفْعُولًا - كَما قالَ في الكَشّافِ -؛ ويَكُونُ ”تَبْغُونَ“؛ إمّا يائِيًّا؛ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ”تُرِيدُونَها مُعْوَجَّةً؛ أوْ ذاتَ عِوَجٍ“؛ فَإنَّ ”طَلَبَ“؛ بِمَعْنى: أرادَ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ واوِيًّا بِمَعْنى: ”تَرَوْنَها ذاتَ عِوَجٍ“؛ أيْ: ”تَجْعَلُونَها في نَظَرِكُمْ“؛ يَعْنِي: ”تَتَكَلَّفُونَ وصْفَها بِالعِوَجِ؛ مَعَ عِلْمِكم بِاسْتِقامَتِها“؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الصَّحِيحِ: «”ابْغِنِي أحْجارًا أسَتَنْفِضْ بِهِنَّ“؛» يُؤَيِّدُ قَوْلَ صاحِبِ الكَشّافِ.

ولَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمْ؛ وإرادَتَهُمُ العِوَجَ الَّذِي لا يَرْضاهُ ذُو عَقْلٍ؛ قالَ مُوَبِّخًا: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾؛ أيْ: بِاسْتِقامَتِها بِشَهادَتِكم بِاسْتِقامَةِ دِينِ إبْراهِيمَ؛ مَعَ قِيامِ أدِلَّةِ السَّمْعِ؛ والعَقْلِ؛ أنَّها دِينُهُ؛ وأنَّ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ أوْلى النّاسِ بِهِ؛ لِانْقِيادِهِمْ لِلْأدِلَّةِ؛ ولَمّا كانَ الشَّهِيدُ قَدْ يَغْفُلُ؛ وكانُوا يُخْفُونَ مَكْرَهم في صَدِّهِمْ؛ هَدَّدَهم بِإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ؛ ولَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها؛ ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

ولَمّا تَمَّ إيذانُهُ بِالسُّخْطِ عَلى أعْدائِهِ؛ وأبْلَغَ في إنْذارِهِمْ عَظِيمَ انْتِقامِهِ؛ إنْ دامُوا عَلى إضْلالِهِمْ؛ أقْبَلَ بِالبِشْرِ عَلى أحِبّائِهِ؛ مُواجِهًا لَهم بِلَذِيذِ خِطابِهِ؛ وصَفِيِّ غَنائِهِ؛ مُحَذِّرًا لَهم الِاغْتِرارَ بِالمُضِلِّينَ؛ ومُنَبِّهًا؛ ومُرْشِدًا؛ ومُذَكِّرًا؛ ودالًا عَلى ما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها؛ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِدَقِيقِ مَكْرِ اليَهُودِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾؛ أتى بِهَذا اللَّفْظِ لَمّا كانَ المُحَذَّرُ مِنهُ الِافْتِراقَ؛ والمُقاطَعَةَ؛ الَّذِي يَأْتِي عَيْبُ أهْلِ الكِتابِ بِهِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: القاطِعِينَ بَيْنَ الأحْبابِ؛ مِثْلِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ الَّذِي مَكَرَ بِكم إلى أنْ أوْقَعَ الحَرْبِ بَيْنَكُمْ؛ فَلَوْلا النَّبِيُّ الَّذِي رَحِمَكم بِهِ رَبُّكُمْ؛ لَعُدْتُمْ إلى شَرِّ ما كُنْتُمْ فِيهِ؛ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ وزادَ في تَقْبِيحِ هَذا الحالِ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا بِإسْقاطِ الجارِّ إلى الِاسْتِغْراقِ زَمانَ البُعْدِ -: ﴿بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ؛ أيْ: غَرِيقِينِ في صِفَةِ الكُفْرِ؛ فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ؛ ما أخْسَرَها! وطَرِيقَةٍ؛ ما أجْوَرَها!

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.