Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩١ ] ﴿(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ)﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««يُقالُ لِلرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قالَ: فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ أرَدْتُ مِنكَ أهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قَدْ أخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأبَيْتَ إلّا أنْ تُشْرِكَ»» ! وفي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! خَيْرَ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ وتَمَنَّ، فَيَقُولُ: ما أسْألُ ولا أتَمَنّى إلّا أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ في سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ - لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ - ويُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! شَرَّ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَفْتَدِي مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! نَعَمْ. فَيَقُولُ: كَذَبْتَ ! قَدْ سَألْتُكَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ وأيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَيُرَدُّ إلى النّارِ»» . ولِهَذا قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: مِن مُنْقِذٍ مِن عَذابِ اللَّهِ ولا مُجِيرٍ مِن ألِيمِ عِقابِهِ.

لَطِيفَةٌ:

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قالَ صاحِبُ (الِانْتِصافِ): إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ، يُعْطَفُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ المُقْتَرِنَةُ بِهِ ضَرُورَةً. والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى. مِثالُهُ: قَوْلُكَ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتْ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ، عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى. ومِنهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] مَعْناهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ -: لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ، فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى ما هو أسْهَلُ وأوْلى بِالوُجُوبِ، فَإذا تَبَيَّنَ مُقْتَضى الواوِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ وجَدْتَ آيَةَ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ ظاهِرًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا، يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وهَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ، وهي حالَةُ افْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، هي حالَةٌ أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى …

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٢ ] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ سِيقَ لِبَيانِ ما يَنْفَعُهم ويُقْبَلُ مِنهم، إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكَفَرَةَ ولا يُقْبَلُ مِنهم، أيْ: لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ، وتَلْحَقُوا بِزُمْرَةِ الأبْرارِ. بِناءً عَلى أنَّ تَعْرِيفَ البِرِّ لِلْجِنْسِ. أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو ثَوابُهُ وجَنَّتُهُ، إذا كانَ لِلْعَهْدِ، حَتّى تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى مِمّا تُحِبُّونَ، أيْ: تَهْوَوْنَهُ ويُعْجِبُكم مِن كَرائِمِ أمْوالِكم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِ المَدِينَةِ مالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءَ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ. قالَ أنَسٌ: فَلَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قامَ أبُو طَلْحَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ، وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ. فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ» قالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ». فَقَسَمُها أبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ – (وبَيْرُحا يُرْوى بِكَسْرِ الباءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها والمَدِّ والقَصْرِ، وهو اسْمُ حَدِيقَةٍ بِالمَدِينَةِ - وفي الفائِقِ: إنَّها فَيْعَـلى مِنَ البَراحِ، وهو الأرْضُ الظّاهِرَةُ. وبَخٍ بَخٍ: كَلِمَةُ اسْتِحْسانٍ ومَدْحٍ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ، ورابِحٌ بِالمُوَحَّدَةِ: أيْ: ذُو رِبْحٍ، وبِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: يَرُوحُ عَلَيْكَ نَفْعُهُ وثَوابُهُ) .

وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! لَمْ أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنْفَسُ عِنْدِي مِن سَهْمِي الَّذِي هو بِخَيْبَرَ، فَما تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قالَ: «حَبِّسْ الأصْلَ وسَبِّلْ الثَّمَرَةَ»» .

ورَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: حَضَرَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَذَكَرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ، فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا أحَبَّ إلَيَّ مِن جارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ: هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْ أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ، لَنَكَحْتُها. يَعْنِي: تَزَوَّجْتُها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ القاشانِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ فِعْلٍ يُقَرِّبُ صاحِبَهُ مِنَ اللَّهِ فَهو بِرٌّ، ولا يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ إلّا بِالتَّبَرُّؤِ عَمّا سِواهُ، فَمَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ حُجِبَ عَنْ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وأشْرَكَ شِرْكًا خَفِيًّا، لِتَعَلُّقِ مَحَبَّتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿(ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ)﴾ [البقرة: ١٦٥] وآثَرَ نَفْسَهُ بِهِ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ بَعُدَ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٣ ] ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ المَطاعِمَ كُلَّها لَمْ تَزَلْ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبْلِ إنْزالِ التَّوْراةِ، وتَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنها لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، لَمْ يُحَرَّمْ مِنها شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ المَطْعُومِ الواحِدِ الَّذِي حَرَّمَهُ أبُوهم إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَتَبِعُوهُ عَلى تَحْرِيمِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

اَلْأوَّلُ: رُوِيَ، فِيما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أنَّهُ لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في قِصَّةٍ، واَلتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ أنَّهُ العُرُوقُ. قالُوا: كانَ يَعْتَرِيهِ عِرْقُ النَّسا بِاللَّيْلِ فَيُزْعِجُهُ، فَنَذَرَ لَئِنْ عُوفِيَ لا يَأْكُلُ عِرْقًا، ولا يَأْكُلُ ولَدُهُ ما لَهُ عِرْقٌ، فاتَّبَعَهُ بَنُوهُ في إخْراجِ العُرُوقِ مِنَ اللَّحْمِ اسْتِنانًا بِهِ، واقْتِداءً بِطَرِيقِهِ، قالَ الرّازِيُّ: ونَقَلَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا خَرَجَ مِن حَرّانَ إلى كَنْعانَ، بَعَثَ بُرُدًا إلى أخِيهِ عِيسُو إلى أرْضِ ساعِيرَ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلَيْهِ وقالَ: إنْ عِيسُو هو ذا يَتَلَقّاكَ ومَعَهُ أرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَذُعِرَ يَعْقُوبُ وحَزِنَ جِدًّا، فَصَلّى ودَعا، وقَدَّمَ هَدايا لِأخِيهِ، وذَكَرَ القِصَّةَ، إلى أنْ ذَكَرَ المَلِكَ الَّذِي لَقِيَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَدَنا ذَلِكَ الرَّجُلُ، ووَضَعَ إصْبَعَهُ عَلى مَوْضِعِ عِرْقِ النَّسا، فَخَدِرَتْ تِلْكَ العُصْبَةُ وجَفَّتْ، فَمِن أجْلِ هَذا لا يَأْكُلُ بَنُو إسْرائِيلَ العُرُوقَ - انْتَهى - قُلْتُ: والقِصَّةُ مَسُوقَةٌ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ.

اَلثّانِي: التَّحْرِيمُ المَذْكُورُ، عَلى الرِّوايَةِ الأُولى، أعْنِي لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَكانَ تَبَرُّرًا وتَعَبُّدًا وتَزَهُّدًا وقَهْرًا لِلنَّفْسِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ الحَقِّ تَعالى. وعَلى الثّانِيَةِ: فَإمّا وفاءٌ بِالنَّذْرِ وإمّا تَداوِيًا،وإمّا لِكَوْنِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ تَعافُهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ - فالتَّحْرِيمُ بِمَعْنى الِامْتِناعِ.

اَلثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وتَكْذِيبٌ لَهم حَيْثُ أرادُوا بَراءَةَ ساحَتِهِمْ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وجُحُودِ ما غاظَهم واشْمَأزُّوا مِنهُ، وامْتَعَضُوا مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ لِبَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ. فَقالُوا: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وما هو إلّا تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ، كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وعَلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وهَلُمَّ جَرًّا. إلى أنْ انْتَهى التَّحْرِيمُ إلَيْنا فَحُرِّمَتْ عَلَيْنا كَما حُرِّمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا. وغَرَضُهم تَكْذِيبُ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالبَغْيِ والظُّلْمِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وأكْلِ الرِّبا …

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٤ ] ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

﴿فَمَنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ: ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ: في أمْرِ المَطاعِمِ وغَيْرِها: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِتَعَرُّضِهِمْ إلى أنْ يَهْتِكَهم تَعالى ويُعَذِّبُهم.

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٥ ] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ: ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمْ الكاذِبُونَ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن آمَنَ مَعَهُ، واَلَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي ورَّطَتْكم في فَسادِ دِينِكم ودُنْياكم حَيْثُ اضْطَرَّتْكم إلى تَحْرِيفِ كِتابِ اللَّهِ لِتَسْوِيَةِ أغْراضِكم، وألْزَمْتُكم تَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ولِمَن تَبِعَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ الأدْيانِ الزّائِفَةِ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِما في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ مِن شِرْكِ إثْباتِ الوَلَدِ أوْ إلَهِيَّةِ عِيسى، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ، وما كانَ يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ؟ ! .

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٦ ] ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾

﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِنُسُكِهِمْ وعِباداتِهِمْ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أيْ: لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، أيْ: فِيها. وفي تَرْكِ المَوْصُوفِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى. وبَكَّةُ لُغَةٌ في مَكَّةَ، فَإنَّ العَرَبَ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ كَما في قَوْلِهِمْ: (ضَرْبَةُ لازِبٍ ولازِمٍ)، و(النَّمِيطُ والنَّبِيطُ) في اسْمِ مَوْضِعٍ بِالدَّهْناءِ، وقَوْلُهم (أمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ) و ( أغْبَطَتْ الحُمّى وأغْمَطَتْ) . وقِيلَ: مَكَّةُ البَلَدُ، وبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِدَقِّها أعْناقَ الجَبابِرَةِ، فَلَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِازْدِحامِ النّاسِ بِها مِن بَكَّهُ إذا فَرَّقَهُ ووَضَعَهُ وإذا زاحَمَهُ، كَما أنَّ مَكَّةَ مِن مَكَّهُ: أهْلَكَهُ ونَقَصَهُ؛

لِأنَّها تُهْلِكُ مَن ظَلَمَ فِيها وألْحَدَ، وتُنْقِصُ الذُّنُوبَ أوْ تَنْفِيها كَما في القامُوسِ - وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مَكَّةَ هي (مِيشا) أوْ (ماسا) المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ، وآخَرُ إلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن اسْمِ واحِدٍ مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ وهو (مَسّا) ﴿مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ، لِما يَحْصُلُ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ عِنْدَهُ وطافَ حَوْلَهُ، مِنَ الثَّوابِ وتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ: ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهم.

تَنْبِيهٌ:

ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِيَّةِ كَوْنُهُ أوَّلًا في الوَضْعِ والبِناءِ، ورَوَوْا في ذَلِكَ آثارًا، مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرَضِينَ، ومِنها: أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً لِبِناءِ بَيْتٍ في الأرْضِ عَلى مِثالِ البَيْتِ المَعْمُورِ، وذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، ومِنها: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآثارِ خَبَرٌ صَحِيحٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. والمُتَعَيِّنُ أنَّ المُرادَ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ مَسْجِدًا، كَما بَيَّنَتْهُ رِوايَةُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَتْ البُيُوتُ قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ: مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلُ ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الحَرامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ: ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الأقْصى» قُلْتُ: كَمْ كانَ بَيْنَهُما ؟ قالَ: «أرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهِ، فَإنَّ الفَضْلَ فِيهِ»» .

قالَ ابْنُ القِيَمِ في (زادِ المَعادَ): وقَدْ أشْكَلَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَن لَمْ يَعْرِفْ المُرادَ بِهِ، فَقالَ: مَعْلُومٌ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ الَّذِي بَنى المَسْجِدَ الأقْصى. وبَيْنَهُ وبَيْنَ إبْراهِيمَ أكْثَرُ مِن ألْفِ عامٍ. وهَذا مِن جَهْلِ القائِلِ، فَإنَّ سُلَيْمانَ إنَّما كانَ لَهُ مِنَ المَسْجِدِ الأقْصى تَجْدِيدُهُ لا تَأْسِيسُهُ، واَلَّذِي أسَّسَهُ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا المِقْدارِ. انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٧ ] ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وهو الحَجْرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ قَواعِدَ البَيْتِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ كانَ مُلْتَصِقًا بِجِدارِ البَيْتِ، حَتّى أخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في إمارَتِهِ إلى ناحِيَةِ الشَّرْقِ، بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الطُّوّافُ مِنهُ، ولا يُشَوِّشُونَ عَلى المُصَلِّينَ عِنْدَهُ بَعْدَ الطَّوافِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنا بِالصَّلاةِ عِنْدَهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: التَّرْغِيبُ فِي زِيارَةِ البَعْضِ الحَرَمَ وفِعْلِ الطّاعاتِ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالبَرَكَةِ والهُدى وجَعَلَ فِيهِ آياتٍ بَيِّناتٍ.

لَطِيفَةٌ:

مَقامُ إبْراهِيمَ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، أيْ: مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن آياتٍ، بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، إمّا وحْدَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ وقُوَّةِ دِلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى نُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] أوْ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ. قالُوا: فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أثَرِ قَدَمَيْهِ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وغَوْصِهِ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ، وإلانَةِ بَعْضِ الصُّخُورِ دُونَ بَعْضٍ، وإبْقائِهِ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وحِفْظِهِ، مَعَ كَثْرَةِ الأعْداءِ، أُلُوفَ السِّنِينَ، آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (آيَةٌ بَيِّنَةٌ) عَلى التَّوْحِيدِ، وإمّا بِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً أوْ شَرْطِيَّةً، لَكِنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: (وأمِنَ مِن دَخْلِهِ ( فَتَكُونُ بِحَسَبِ المَعْنى والمَآلِ، مَعْطُوفَةً عَلى مَقامِ إبْراهِيمَ، ولا يَخْفى أنَّ الِاثْنَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ فَيُكْتَفى بِذَلِكَ، أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ اثْنَتانِ، وطَوى ذِكْرَ ما عَداهُما دِلالَةً عَلى كَثْرَتِها - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - . قالَ المَهايِمِيُّ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ رَمْيُ الطَّيْرِ أصْحابَ الفِيلِ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ، وتَعْجِيلُ عُقُوبَةِ مَن عَتا فِيهِ، وإجابَةُ دُعاءِ مَن دَعا تَحْتَ مِيزابِهِ، وإذْعانُ النُّفُوسِ لِتَوْقِيرِهِ مِن غَيْرِ زاجِرٍ، ومِن أعْظَمِها: النّازِلُ مَنزِلَةَ الكُلِّ، مَقامُ إبْراهِيمَ، الحَجَرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ قَواعِدَ البَيْتِ، كُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ في الهَواءِ، ثُمَّ لُيِّنَ، فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَماهُ، كَأنَّهُما في طِينٍ، فَبَقِيَ أثَرُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ومِن آياتِهِ: أنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِن نَهْبِ العَرَبِ وقِتالِهِمْ، وقَدْ أمِنَ صَيْدُهُ وأشْجارُهُ. - ا هـ - . قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَعْنى أمْنِ داخِلِهِ: أمْنُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿( أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ)﴾ [العنكبوت: ٦٧] وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٨ ] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. وإظْهارِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهانَةِ وتَهْوِيلِ الخَطْبِ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في (شَهِيدٌ) لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ الِاجْتِراءِ عَلى ما يَأْتُونَهُ. ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في ضَلالِهِمْ تَوْبِيخَهم في إضْلالِهِمْ، فَقالَ:

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٩ ] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ دِينِهِ. وكانُوا يَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْ الإسْلامِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ: ﴿تَبْغُونَها﴾ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ: تَبْغُونَ لَها، أيْ: لِسَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي هي أقْوَمُ السُّبُلِ: ﴿عِوَجًا﴾ أيْ: اعْوِجاجًا وزَيْغًا وتَحْرِيفًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَغْيُ يُقْتَصَرُ لَهُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اللّامُ، كَقَوْلِكَ: بَغَيْتُ المالَ والأجْرَ والثَّوابَ، وأُرِيدَ هَهُنا: تَبْغُونَ لَها عِوَجًا، ثُمَّ أُسْقِطَتْ اللّامُ. كَما قالُوا: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا، أيْ: وهَبْتْ لَكَ دِرْهَمًا، ومِثْلُهُ: صِدْتُكَ ظَبْيًا، أيْ: صِدْتُ لَكَ ظَبْيًا، وأنْشَدَ:

؎فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا

أرادَ: أصِيدُ لَكم.

قالَ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ (عِوَجًا) في مَوْضِعِ الحالِ. والمَعْنى: تَبْغُونَها ضالِّينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ، فَقالَ تَعالى: إنَّكم تَبْغُونَ سَبِيلَ اللَّهِ ضالِّينَ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى الحَذْفِ والإيصالِ.

وذَكَرَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ) وجْهًا آخَرَ قالَ: هو أتَمُّ مَعْنًى، وهو أنْ تَجْعَلَ الهاءَ هي المَفْعُولَ بِهِ، و(عِوَجًا) حالٌ وقَعَ فِيها المَصْدَرُ الَّذِي هو (عِوَجًا) مَوْقِعَ الِاسْمِ، وفي هَذا الإعْرابِ مِنَ المُبالَغَةِ أنَّهم يَطْلُبُونَ أنْ تَكُونَ الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ نَفْسَ العِوَجِ، عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في مِثْلِ رَجُلٌ صَوْمٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .

﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ بِأنَّها سَبِيلُ اللَّهِ، والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: بِحُسْنِ اعْتِقادِكم فِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الكِتابِ: ﴿يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ: ﴿كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم يَحْسُدُونَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما آتاهم اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ.

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.