إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، نَشَأ عَنْ حُكْمِ فَرِيقٍ مِنَ الكُفّارِ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الكُفْرُ حَتّى رَسَخَ فِيهِمْ وصارَ لَهم دَيْدَنًا. وإنْ كانَ المُرادُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْأُولى أُعِيدَتْ لِيُبْنى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ هُنا العُمُومُ مِثْلُ المُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ مُؤْذِنَةٌ بِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ اسْمِ الشَّرْطِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْتَرِنْ خَبَرُ المَوْصُولِ بِالفاءِ في الجُمْلَةِ
صفحة ٣٠٦
الَّتِي قَبْلَها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] لِأنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ولَمْ يَمُوتُوا كافِرِينَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم، بِخِلافِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ فَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم مُصَرَّحٌ بِهِ، وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهُ لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها مُقْتَرِنَةً بِالفاءِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ خَبَرَ إنَّ.
ومَعْنى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لَنْ يُقْبَلَ مِنهم بِشَيْءٍ يَفْتَدُونَ بِهِ في الآخِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ قَبُولِ الِافْتِداءِ في الدُّنْيا. ضَرُورَةً أنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم ماتُوا وهم كُفّارٌ. والمِلْءُ بِكَسْرِ المِيمِ ما يَمْلَأُ وِعاءً، ومِلْءُ الأرْضِ في كَلامِهِمْ كِنايَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ المُتَعَذِّرَةِ، لِأنَّ الأرْضَ لا يَمْلَؤُها شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ المُقَدَّرَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ عَدَدُ رِمالِ الدَّهْناءِ، وعَدَدُ الحَصى، ومُيِّزَ هَذا المِقْدارُ (بِذَهَبًا) لِعِزَّةِ الذَّهَبِ وتَنافُسِ النّاسِ في اقْتِنائِهِ وقَبُولِ حاجَةِ مَن بَذَلَهُ قالَ الحَرِيرِيُّ:
وقارَنَتْ نُجْحَ المَساعِي خَطْرَتُهُ
وقَوْلُهُ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهم ولَوْ في حالِ فَرْضِ الِافْتِداءِ بِهِ، وحَرْفُ (لَوْ) لِلشَّرْطِ وحَذْفُ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولِكَثْرَتِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ لَوْ وإنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ في مِثْلِهِ مُجَرَّدَتانِ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لا يُقْصَدُ بِهِما إلّا المُبالَغَةُ، ولَقَّبُوهُما بِالوَصْلِيَّتَيْنِ: أيْ أنَّهُما لِمُجَرَّدِ الوَصْلِ والرَّبْطِ في مَقامِ التَّأْكِيدِ. وتَرَدَّدُوا أيْضًا في إعْرابِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هَذا المَوْقِعَ، وفي الواوِ المُقْتَرِنَةِ بِها، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها واوُ الحالِ وإلَيْهِ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ …