Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 200

81

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And [recall, O People of the Scripture], when Allah took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allah] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?" They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾

صفحة ١٠١

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ تَقْرِيرِ الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإظْهارًا لِعِنادِهِمْ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ بِأنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم آمَنُوا بِهِ ونَصَرُوهُ، وأخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ وحَكَمَ تَعالى بِأنَّ مَن رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ فَحَصَلَ الكَلامُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ الإيمانَ بِكُلِّ رَسُولٍ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم إلّا أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ الواحِدَةَ لا تَكْفِي في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما لَمْ يَضُمَّ إلَيْها مُقَدِّمَةً أُخْرى، وهي أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم.

وعِنْدَ هَذا لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِكَوْنِهِ رَسُولًا بِكَوْنِهِ رَسُولًا.

والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ:

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ واذْكُرُوا يا أهْلَ الكِتابِ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَصْدَرَ يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ وإلى المَفْعُولِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المِيثاقُ مَأْخُوذًا مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا لَهم مِن غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنهم في أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ وطاوُسٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّ المِيثاقَ هَذا مُخْتَصٌّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ آخِذَ المِيثاقِ هو اللَّهُ تَعالى، والمَأْخُوذَ مِنهم هُمُ النَّبِيُّونَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الأُمَّةِ، فَلَمْ يَحْسُنْ صَرْفُ المِيثاقِ إلى الأُمَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْتُمْ يَكُونُ المِيثاقُ مُضافًا إلى المُوثَقِ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْنا يَكُونُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، وهو المُوثَقُ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ أقْوى مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وهو كَما يُقالُ: مِيثاقُ اللَّهِ وعَهْدُهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ …

Aal-i-Imraan 3:81Listen in Qur'an →
82

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾

صفحة ١٠١

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ تَقْرِيرِ الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإظْهارًا لِعِنادِهِمْ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ بِأنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم آمَنُوا بِهِ ونَصَرُوهُ، وأخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ وحَكَمَ تَعالى بِأنَّ مَن رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ فَحَصَلَ الكَلامُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ الإيمانَ بِكُلِّ رَسُولٍ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم إلّا أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ الواحِدَةَ لا تَكْفِي في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما لَمْ يَضُمَّ إلَيْها مُقَدِّمَةً أُخْرى، وهي أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم.

وعِنْدَ هَذا لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِكَوْنِهِ رَسُولًا بِكَوْنِهِ رَسُولًا.

والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ:

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ واذْكُرُوا يا أهْلَ الكِتابِ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَصْدَرَ يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ وإلى المَفْعُولِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المِيثاقُ مَأْخُوذًا مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا لَهم مِن غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنهم في أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ وطاوُسٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّ المِيثاقَ هَذا مُخْتَصٌّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ آخِذَ المِيثاقِ هو اللَّهُ تَعالى، والمَأْخُوذَ مِنهم هُمُ النَّبِيُّونَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الأُمَّةِ، فَلَمْ يَحْسُنْ صَرْفُ المِيثاقِ إلى الأُمَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْتُمْ يَكُونُ المِيثاقُ مُضافًا إلى المُوثَقِ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْنا يَكُونُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، وهو المُوثَقُ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ أقْوى مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وهو كَما يُقالُ: مِيثاقُ اللَّهِ وعَهْدُهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ …

Aal-i-Imraan 3:82Listen in Qur'an →
83

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

So is it other than the religion of Allah they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَرْعٌ شَرَعَهُ اللَّهُ وأوْجَبَهُ عَلى جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن كَرِهَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يَبْغُونَ“ و”يُرْجَعُونَ“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتِها، لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: رَدًّا لِهَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] .

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ حِكايَةَ أخْذِ المِيثاقِ حَتّى يُبَيِّنَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَلْزَمُهُمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ قالَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِنْكارِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَبْغُونَ“ بِالتّاءِ خِطابًا لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ و”يُرْجَعُونَ“

صفحة ١٠٧

بِالياءِ لِيَرْجِعَ إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقَرَأ الباقُونَ فِيهِما بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ﴾، وأيْضًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ ولِكُلِّ أحَدٍ: أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّهُ أسْلَمَ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ مَرْجِعَكم إلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والمُرادُ اسْتِنْكارُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ أوْ تَقْرِيرُ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، ومَوْضِعُ الهَمْزَةِ هو لَفْظَةُ ”يَبْغُونَ“ تَقْدِيرُهُ: أيَبْغُونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الأفْعالِ والحَوادِثِ، إلّا أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ المَفْعُولَ الَّذِي هو (غَيْرَ دِينِ اللَّهِ) عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ الباطِلِ، وأمّا الفاءُ فَلِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ، فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قِيلَ أوَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ جازَ إلّا أنَّ في الفاءِ فائِدَةً زائِدَةً كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبَعْدَ أخْذِ هَذا المِيثاقِ المُؤَكَّدِ بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ البَلِيغَةِ تَبْغُونَ ؟ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ اخْتَصَمُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ادَّعى أنَّهُ أوْلى بِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا: ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويَبْعُدُ عِنْدِي حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، والِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَها بِما قَبْلَها، فالوَجْهُ في الآيَةِ أنَّ هَذا المِيثاقَ لَمّا كانَ مَذْكُورًا في كُتُبِهِمْ وهم كانُوا …

Aal-i-Imraan 3:83Listen in Qur'an →
84

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, "We have believed in Allah and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants, and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ إنَّما أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الَّذِي يَأْتِي مُصَدِّقًا لِما مَعَهم بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن صِفَةِ - مُحَمَّدٍ ﷺ - كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: وُحِّدَ الضَّمِيرُ في ”قُلْ“، وجُمِعَ في ”آمَنّا“ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَهُ، إنَّما خاطَبَهُ بِلَفْظِ الوُحْدانِ، وعَلَّمَهُ أنَّهُ حِينَ يُخاطِبُ القَوْمَ يُخاطِبُهم بِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ

صفحة ١٠٩

والتَّفْخِيمِ، مِثْلَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ والعُظَماءُ.

والثّانِي: أنَّهُ خاطَبَهُ أوَّلًا بِخِطابِ الوُحْدانِ لِيَدُلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهُ لا مُبَلِّغَ لِهَذا التَّكْلِيفِ مِنَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ إلّا هو، ثُمَّ قالَ: ”آمَنّا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ حِينَ يَقُولُ هَذا القَوْلَ فَإنَّ أصْحابَهُ يُوافِقُونَهُ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى عَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ ”قُلْ“ لِيُظْهِرَ بِهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم ثُمَّ قالَ ”آمَنّا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ الإيمانَ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ، لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِأنَّ كُتُبَ سائِرِ الأنْبِياءِ حَرَّفُوها وبَدَّلُوها فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِها إلّا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ كالأصْلِ لِما أُنْزِلَ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ فَلِهَذا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ ذَكَرَ بَعْضَ الأنْبِياءِ وهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ يَعْتَرِفُ أهْلُ الكِتابِ بِوُجُودِهِمْ، ويَخْتَلِفُونَ في نُبُوَّتِهِمْ، ”والأسْباطُ“ هم أسْباطُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهَ أُمَمَهُمُ الِاثْنَيْ عَشَرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الإقْرارَ بِنُبُوَّةِ كُلِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِفَوائِدَ: إحْداها: إثْباتُ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ هَذا الشَّرْطَ كانَ مُعْتَبَرًا في أخْذِ المِيثاقِ.

وثانِيها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَذاهِبَ أهْلِ الكِتابِ مُتَناقِضَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما يُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ الَّذِي يُصَدِّقُونَهُ لِمَكانِ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلَيْهِ كانَ نَبِيًّا، وعَلى هَذا يَكُونُ تَخْصِيصُ البَعْضِ بِالتَّصْدِيقِ والبَعْضِ بِالتَّكْذِيبِ مُتَناقِضًا، بَلِ الحَقُّ تَصْدِيقُ الكُلِّ والِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ الكُلِّ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إصْرارَهم عَلى تَكْذِيبِ بَعْضِ الأنْبِياءِ إعْراضٌ عَنْ دِينِ اللَّهِ …

Aal-i-Imraan 3:84Listen in Qur'an →
85

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And whoever desires other than Islam as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ لَيْسَ إلّا الإسْلامُ، وأنَّ كُلَّ دِينٍ سِوى الإسْلامِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ القَبُولَ لِلْعَمَلِ هو أنْ يَرْضى اللَّهُ ذَلِكَ العَمَلَ، ويَرْضى عَنْ فاعِلِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن لَهُ دِينٌ سِوى الإسْلامِ فَكَما أنَّهُ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الخاسِرِينَ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ يَكُونُ بِحِرْمانِ الثَّوابِ، وحُصُولِ العِقابِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ التَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وعَلى ما تَحَمَّلَهُ مِنَ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ في الدُّنْيا في تَقْرِيرِهِ ذَلِكَ الدِّينَ الباطِلَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ مَقْبُولًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ إلّا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] يَقْتَضِي كَوْنَ الإسْلامِ مُغايِرًا لِلْإيمانِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والآيَةُ الثّانِيَةِ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.

Aal-i-Imraan 3:85Listen in Qur'an →
86

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

How shall Allah guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allah does not guide the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: …

Aal-i-Imraan 3:86Listen in Qur'an →
87

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allah and the angels and the people, all together,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: …

Aal-i-Imraan 3:87Listen in Qur'an →
88

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: …

Aal-i-Imraan 3:88Listen in Qur'an →
89

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Except for those who repent after that and correct themselves. For indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: …

Aal-i-Imraan 3:89Listen in Qur'an →
90

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ

Indeed, those who reject the message after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا فِيما بِهِ يَزْدادُ الكُفْرُ، والضّابِطُ أنَّ المُرْتَدَّ يَكُونُ فاعِلًا لِلزِّيادَةِ بِأنْ يُقِيمَ ويُصِرَّ فَيَكُونَ الإصْرارُ كالزِّيادَةِ، وقَدْ يَكُونُ فاعِلًا لِلزِّيادَةِ بِأنْ يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الكُفْرِ كُفْرًا آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ المَبْعَثِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ فِيهِ في كُلِّ وقْتٍ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقَهُ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْكارِهِمْ لِكُلِّ مُعْجِزَةٍ تَظْهَرُ.

الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ كَفَرُوا بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ عِيسى والإنْجِيلَ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والقُرْآنَ.

والثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ ارْتَدُّوا وذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، وازْدِيادُهُمُ الكُفْرَ أنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ.

الرّابِعُ: المُرادُ فِرْقَةٌ ارْتَدُّوا، ثُمَّ عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ النِّفاقَ كُفْرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الآيَةِ الأوْلى بِقَبُولِ تَوْبَةِ المُرْتَدِّينَ، وحَكَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَدَمِ قَبُولِها وهو يُوهِمُ التَّناقُضَ، وأيْضًا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ مَتى وُجِدَتِ التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها فَإنَّها تَكُونُ مَقْبُولَةً لا مَحالَةَ، فَلِهَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ: السَّبَبُ أنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] . الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى ما إذا تابُوا بِاللِّسانِ ولَمْ يَحْصُلْ في قُلُوبِهِمْ إخْلاصٌ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي والقَفّالُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ وبَيَّنَ أنَّهُ أهْلُ اللَّعْنَةِ إلّا أنْ يَتُوبَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ كَفَرَ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ فَإنَّ التَّوْبَةَ الأُولى تَصِيرُ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ وتَصِيرُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، قالَ: وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِالآيَةِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَإنْ كانُوا كَذَلِكَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم.

الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الَّذِي لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنَ الكُفّارِ هو الَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ اليَهُودَ والمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مائِتُونَ عَلى الكُفْرِ داخِلُونَ في جُمْلَةِ مَن لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهم.

الخامِسُ: لَعَلَّ المُرادَ ما إذا تابُوا عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ فَقَطْ، فَإنَّ التَّوْبَةَ عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً ما لَمْ …

Aal-i-Imraan 3:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.