Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 200

81

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And [recall, O People of the Scripture], when Allah took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allah] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?" They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما مَضى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الرُّسُلِ كُفْرٌ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ فَخَصَّ في ذِكْرِهِمْ وعَمَّمَ، ذَكَرَ قانُونًا كُلِّيًّا لِمَعْرِفَةِ الرَّسُولِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاذِبِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ كافَّةً، والمَعْنى: ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ الإنْعامِ عَلَيْكم بِالإسْلامِ والإنْعامِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلى النّاسِ - الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذا أتاهُمْ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكَفِّرًا لِغَيْرِهِ وكافِرًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَما﴾ أيْ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لَما ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ: آتَيْناكُمْ، أوْفَقُ لِسِياقِ الجَلالَةِ - قالَهُ الجَعْبَرِيُّ ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ أيْ أمَرْتُكم بِها بِشَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَأمَرْتُمْ بِذَلِكَ مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ أيْ مِن عِنْدِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُعْلِمُ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أيْ أنْتُمْ وأُمَمُكم ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أيْ عَلى مَن يُخالِفُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا المِيثاقَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ: إنْ، زادَ في تَأْكِيدِهِ اهْتِمامًا بِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ يا مَعْشَرَ النَّبِيِّينَ ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ﴾ أيِ العَهْدِ المُعَظَّمِ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ ﴿إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ، فَإنَّهُ يَشُدُّ في نَفْسِهِ بِالتَّوْثِيقِ والتَّوَثُّقِ، ويَشْتَدُّ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلى النُّفُوسِ لِما لَها مِنَ النُّزُوعِ إلى الإطْلاقِ عَنْ عَهْدِ التَّقَيُّدِ بِنَوْعٍ مِنَ القُيُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أقْرَرْنا﴾ أيْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: ما قالَ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ يا أنْبِياءُ! بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، أوْ يا مَلائِكَةُ! عَلَيْهِمْ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ مَن ﴿تَوَلّى﴾ أيْ مِنكم أوْ مِن أُمَمِكُمُ الَّذِي بَلَغَهم ذَلِكَ عَنْ نُصْرَةِ نَبِيٍّ مَوْصُوفٍ بِما ذَكَرَ.

ولَمّا كانَ المُسْتَحِقُّ لِغايَةِ الذَّمِّ إنَّما هو مَنِ اتَّصَلَ تَوَلِّيهِ بِالمَوْتِ لَمْ يَقْرِنِ الظَّرْفَ بِجارٍّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ بِما فِيهِ مِنَ الوَثاقَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ العَظِيمِ عَنْ دائِرَةِ الحَقِّ.

Aal-i-Imraan 3:81Listen in Qur'an →
82

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما مَضى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الرُّسُلِ كُفْرٌ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ فَخَصَّ في ذِكْرِهِمْ وعَمَّمَ، ذَكَرَ قانُونًا كُلِّيًّا لِمَعْرِفَةِ الرَّسُولِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاذِبِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ كافَّةً، والمَعْنى: ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ الإنْعامِ عَلَيْكم بِالإسْلامِ والإنْعامِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلى النّاسِ - الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذا أتاهُمْ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكَفِّرًا لِغَيْرِهِ وكافِرًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَما﴾ أيْ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لَما ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ: آتَيْناكُمْ، أوْفَقُ لِسِياقِ الجَلالَةِ - قالَهُ الجَعْبَرِيُّ ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ أيْ أمَرْتُكم بِها بِشَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَأمَرْتُمْ بِذَلِكَ مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ أيْ مِن عِنْدِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُعْلِمُ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أيْ أنْتُمْ وأُمَمُكم ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أيْ عَلى مَن يُخالِفُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا المِيثاقَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ: إنْ، زادَ في تَأْكِيدِهِ اهْتِمامًا بِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ يا مَعْشَرَ النَّبِيِّينَ ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ﴾ أيِ العَهْدِ المُعَظَّمِ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ ﴿إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ، فَإنَّهُ يَشُدُّ في نَفْسِهِ بِالتَّوْثِيقِ والتَّوَثُّقِ، ويَشْتَدُّ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلى النُّفُوسِ لِما لَها مِنَ النُّزُوعِ إلى الإطْلاقِ عَنْ عَهْدِ التَّقَيُّدِ بِنَوْعٍ مِنَ القُيُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أقْرَرْنا﴾ أيْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: ما قالَ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ يا أنْبِياءُ! بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، أوْ يا مَلائِكَةُ! عَلَيْهِمْ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ مَن ﴿تَوَلّى﴾ أيْ مِنكم أوْ مِن أُمَمِكُمُ الَّذِي بَلَغَهم ذَلِكَ عَنْ نُصْرَةِ نَبِيٍّ مَوْصُوفٍ بِما ذَكَرَ.

ولَمّا كانَ المُسْتَحِقُّ لِغايَةِ الذَّمِّ إنَّما هو مَنِ اتَّصَلَ تَوَلِّيهِ بِالمَوْتِ لَمْ يَقْرِنِ الظَّرْفَ بِجارٍّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ بِما فِيهِ مِنَ الوَثاقَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ العَظِيمِ عَنْ دائِرَةِ الحَقِّ.

Aal-i-Imraan 3:82Listen in Qur'an →
83

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

So is it other than the religion of Allah they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

ولَمّا كانَ المُدْرِكُ لِكُلِّ نَبِيٍّ إنَّما هم أُمَّةُ النَّبِيِّ الَّذِي قَبْلَهُ، وكانُوا يُكَذِّبُونَهُ ويُخالِفُونَهُ قالَ - خاتِمًا لِهَذِهِ القِصَصِ بَعْدَ الشَّهادَةِ بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ بِما بَدَأها بِهِ في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةِ إلى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] عَلى وجْهِ الإنْكارِ والتَّهْدِيدِ عاطِفًا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: ﴿أفَغَيْرَ﴾ أيْ أتَوَلَّوْا فَفَسَقُوا، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم غَيْرُ دِينِ اللَّهِ، وأُورِدَ بِأنَّ تَقْدِيمَ ”غَيْرَ“ يُفْهِمُ أنَّ الإنْكارَ مُنْحَطٌّ عَلى طَلَبِهِمُ اخْتِصاصًا لِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ هو المُرادَ كَما لا يَخْفى، وأُجِيبُ بِأنَّ تَقْدِيمَهُ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِهِ في الإنْكارِ، والِاخْتِصاصَ مُتَأخِّرٌ مُراعاتُهُ عَنْ نَكْبَةِ غَيْرِهِ - كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ ﴿دِينِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَبْغُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ بِفِسْقِهِمْ، أوْ أتَوَلَّيْتُمْ - عَلى قِراءَةِ الخِطابِ ﴿ولَهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَهُ خاصَّةً ﴿أسْلَمَ﴾ أيْ خَضَعَ بِالِانْقِيادِ لِأحْكامِهِ والجَرْيِ تَحْتَ مُرادِهِ وقَضائِهِ، لا يَقْدِرُونَ عَلى مُغالَبَةِ قَدَرِهِ بِوَجْهٍ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهم مَن لَهم قُوَّةُ الدِّفاعِ بِالبَدَنِ والعَقْلِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ﴿طَوْعًا﴾ بِالإيمانِ أوْ بِما وافَقَ أغْراضَهم ﴿وكَرْهًا﴾ بِالتَّسْلِيمِ لِقَهْرِهِ في إسْلامِ أحَدِهِمْ وإنْ كَثُرَتْ أعْوانُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ إلى أكْرَهِ ما يَكْرَهُ وهو صاغِرٌ داخِرٌ، لا يَسْتَطِيعُ أمْرًا ولا يَجِدُ نَصْرًا ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ بِالحَشْرِ، لا تُعالِجُونَ مَقَرًّا ولا تَلْقَوْنَ مَلْجَأً ولا مَفَرًّا، فَإذا كانُوا كَذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّفَصِّي مِن قَبْضَتِهِ بِنَوْعِ قُوَّةٍ ولا حِيلَةٍ في سُكُونٍ ولا حَرَكَةٍ فَكَيْفَ يُخالِفُونَ ما أتاهم مِن أمْرِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهم رُسُلُهُ بِما أتى بِهِ كُلٌّ مِنهم مِنَ المُعْجِزَةِ! ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُعانِدَ لِلرَّسُولِ ﷺ مُعانِدٌ لِلْمُرْسِلِ.

Aal-i-Imraan 3:83Listen in Qur'an →
84

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, "We have believed in Allah and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants, and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

ولَمّا تَمَّ تَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الدُّعاءِ إلى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ هَدَّدَ مَن تَوَلّى، فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: أنا مُقْبِلٌ غَيْرُ مُتَوَلٍّ فَما أقُولُ وما أفْعَلُ؟ قالَ مُخاطِبًا لِرَأْسِ السّامِعِينَ لِيَكُونَ أجْدَرَ لِامْتِثالِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ لافِتًا لِمَن نَفَعَهُ هَذا التَّذْكِيرُ والتَّهْدِيدُ فَأقْبَلَ ﴿آمَنّا﴾ أنا ومَن أطاعَنِي مِن أُمَّتِي - مُبَكِّتًا لِأهْلِ الكِتابِ بِما تَرَكُوهُ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن بَعْدَهُ مِن خُلَّصِ أبْنائِهِ، وأبَوْهُ وجادَلُوا فِيهِ عُدْوانًا وادَّعَوْهُ؛ ثُمَّ فَصَّلَ المَأْمُورَ بِالإيمانِ بِهِ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ.

ولَمّا كانَ الإنْزالُ عَلى الشَّيْءِ مَقْصُودًا بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ كانَ الأنْسَبُ أنْ يُقالَ: ﴿وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةً ولِأتْباعِهِ مَجازًا، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِذَلِكَ أحَقَّ لِأنَّها سُورَةُ التَّوْحِيدِ ﴿وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أبِينا ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيِ ابْنَيْهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ابْنِ إسْحاقَ ﴿والأسْباطِ﴾ أيْ أوْلادِ يَعْقُوبَ.

ولَمّا كانَ ما نالَهُ صاحِبا شَرِيعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكِتابَيْنِ المُنَزَّلَيْنِ عَلَيْهِما والمُعْجِزاتِ المَمْنُوحَيْنِ بِها أعْظَمَ مِمّا كانَ لِمَن قَبْلَهُما غَيَّرَ السِّياقَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِن أوْلادِ الأسْباطِ مِنَ التَّوْراةِ والشَّرِيعَةِ ﴿وعِيسى﴾ مِن ذُرِّيَّةِ داوُدَ مِنَ الإنْجِيلِ والشَّرِيعَةِ النّاسِخَةِ لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ هُنا إلى الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرَ لِكَوْنِها سُورَةَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أخْلَقُ بِهِ وأغْرَقُ فِيهِ ناسَبَ الإعْراءُ عَنِ التَّأْكِيدِ بِما في البَقَرَةِ، ونَظَرَ إلى الكُلِّ لَمْحًا واحِدًا فَقالَ: ﴿والنَّبِيُّونَ﴾ أيْ كافَّةً مِنَ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ لِيَكُونَ الإيمانُ بِالمُنْزَلِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ لِشَرَفِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ خاصَّةً وإلى العِبادِ عامَّةً بِإرْسالِهِمْ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ هَذا الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ لِلَّهِ وما أنْزَلَ مِن عِنْدِهِ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ عَلى طَرِيقِ الإخْلاصِ والرِّضى.

Aal-i-Imraan 3:84Listen in Qur'an →
85

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And whoever desires other than Islam as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإظْهارِ الإيمانِ بِهَذا القَوْلِ، وكانَ ذَلِكَ هو الإذْعانَ الَّذِي هو الإسْلامُ قالَ - مُحَذِّرًا مِنَ الرِّدَّةِ عَنْهُ عاطِفًا عَلى ﴿آمَنّا﴾ [آل عمران: ٨٤] ومُظْهِرًا لِما مِن حَقِّهِ الإضْمارُ لَوْلا إرادَةُ التَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى مُخالَفَةِ الفِطْرَةِ الأُولى -: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ أيْ يَتَطَلَّبْ ﴿غَيْرَ﴾ دِينِ ﴿الإسْلامِ﴾ الَّذِي هو ما ذَكَرَ مِنَ الانْقِيادِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُشْتَمِلِ عَلى الشَّرائِعِ المَعْرُوفَةِ الَّتِي أساسُها الإيمانُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ حَقِيقَةً بِإظْهارِ اتِّباعِ الرُّسُلِ أوْ مَجازًا بِالكَوْنِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى بِما أشْعَرَ بِهِ الِابْتِغاءُ - كَما تَقَدَّمَ، وكَرَّرَ الإسْلامَ في هَذا السِّياقِ كَثِيرًا لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ المُصَدِّقِ حَثًّا عَلى تَمامِ الِانْقِيادِ لَهُ ﴿دِينًا﴾ وأتى بِالفاءِ الرّابِطَةِ إعْلامًا بِأنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها ومَرْبُوطٌ بِهِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ أيْ في الدُّنْيا، وأشْعَرَ تَرْتِيبُ هَذا عَلى السَّبَبِ بِأنَّهُ يُرْجى زَوالُ السَّبَبِ لِأنَّهُ مِمّا عَرَضَ لِلْعَبْدِ كَما جَرى في الرِّدَّةِ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنَّهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ أكْثَرُ المُرْتَدِّينَ وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا يُقْبَلُ مِنهم في الآخِرَةِ، مَعَ زِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِالخَسارَةِ - وهي حِرْمانُ الثَّوابِ - المُنافِيَةِ لِمَقاصِدِهِمْ، والقَصْدُ الأعْظَمُ بِهَذا أهْلُ الكِتابِ مَعَ العُمُومِ لِغَيْرِهِمْ لِإقْرارِهِمْ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وتَوَقُّعِهِمْ لَهُ، عالِمِينَ قَطْعًا بِصِدْقِهِ لِما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ.

Aal-i-Imraan 3:85Listen in Qur'an →
86

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

How shall Allah guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allah does not guide the wrongdoing people.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِخَسارَةِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ شَرَعَ يَسْتَدِلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مَعَ ما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ ناسٍ بِهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَهُ ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ رَبِّهِمْ وبِما ذَكَرَ مِمّا أتَتْ بِهِ رُسُلُهُ إعْراضًا عَنْهُ وعَنْهُمْ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِكَمالِ الذَّمِّ مَنِ اسْتَمَرَّ كُفْرُهُ إلى المَوْتِ قالَ مِن غَيْرِ جارٍّ: ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿وشَهِدُوا﴾ أيْ وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا ﴿أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِهِ ﴿وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ القاطِعَةُ بِأنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ قَطْعًا، لا شَيْءَ أقْوى مِن بَيانِهِ ولا أشَدَّ مِن ظُهُورِهِ بِما أشْعَرَ بِهِ إسْقاطُ تاءِ التَّأْنِيثِ مِن جاءَ.

ولَمّا كانَ الحائِدُ عَنِ الدَّلِيلِ بَعْدَ البَيانِ لا يُرْجى في الغالِبِ عَوْدُهُ كانَ الِاسْتِبْعادُ بِكَيْفَ مُوَضِّحًا لِأنَّ التَّقْدِيرَ لِأجْلِ التَّصْرِيحِ بِالمُرادِ: أُولَئِكَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لِظُلْمِهِمْ بِوَضْعِهِمْ ثَمَرَةَ الجَهْلِ بِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُؤَكَّدِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ مَوْضِعَ ثَمَرَةِ العِلْمِ، فَعَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ المَعْلُومِ تَقْدِيرُهُ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الغَرِيقِينَ في الظُّلْمِ لِكَوْنِهِ جَبَلَهم عَلى ذَلِكَ، تَحْذِيرًا مِن مُطْلَقِ الظُّلْمِ،

Aal-i-Imraan 3:86Listen in Qur'an →
87

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allah and the angels and the people, all together,

ولَمّا عُلِمَتْ بَشاعَةُ خِيانَتِهِمْ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وهي غَضَبُهُ وطَرْدُهُ ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ حَتّى أنَّهم هم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، فَإنَّ الكافِرَ يُطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ عَلى هُدىً ويَصِيرُ يَلْعَنُ الكافِرَ ظانًّا أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا اللَّعْنُ واقِعٌ عَلَيْهِمْ حالَ تَلَبُّسِهِمْ بِالفِعْلِ لِوَضْعِهِمُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَصارَ كُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ يُبْعِدُهم لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لِتَبْدِيلِهِمُ الحَسَنَ بِالسَّيِّئِ، وحَذَرًا مِن فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَهُ

Aal-i-Imraan 3:87Listen in Qur'an →
88

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ اللَّعْنَةِ دائِمًا.

ولَمّا كانَ المُقِيمُ في الشِّدَّةِ قَدْ تَنْقُصُ شِدَّتُهُ عَلى طُولٍ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ مُفِيدًا أنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ مُطْلَقِ الشِّدَّةِ بِالطَّرْدِ شَدائِدَ أُخْرى بِالعُقُوبَةِ. ولَمّا كانَ المُعَذَّبُ عَلى شَيْءٍ رُبَّما اسْتَمْهَلَ وقْتًا ما لِيَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ لِيَعْتَذِرَ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُؤَخَّرُونَ لِلْعِلْمِ بِحالِهِمْ باطِنًا وظاهِرًا حالًا ومَآلًا، ولِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، لَمْ يُتْرَكْ شَيْءٌ مِنها لِأنَّ المُقِيمَ لَها مُنَزَّهٌ عَنِ العَجْزِ والنِّسْيانِ.

Aal-i-Imraan 3:88Listen in Qur'an →
89

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Except for those who repent after that and correct themselves. For indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا انْخَلَعَتِ القُلُوبُ بِهَذِهِ الكُرُوبِ نَفَّسَ عَنْها سُبْحانَهُ وتَعالى مُشِيرًا إلى أنَّ فِيهِمْ - وإنِ اسْتُبْعِدَ رُجُوعُهم - مَوْضِعًا لِلرَّجاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ رَجَعُوا إلى رَبِّهِمْ مُتَذَكِّرِينَ لِإحْسانِهِ، ولَمّا كانَ التّائِبُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ ما بَعْدَ الإيمانِ بِالكُفْرِ، وكانَتِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً ولَوْ قَلَّ زَمَنُها أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الِارْتِدادِ حَيْثُ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مِنَ الثَّمَراتِ الحَسَنَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهم لِأنَّ اللَّهَ ﴿غَفُورٌ﴾ يَمْحُو الزَّلّاتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإعْطاءِ المَثُوباتِ، هَذِهِ صِفَةٌ لَهم ولِكُلِّ مَن تابَ مِن ذَنْبِهِ.

Aal-i-Imraan 3:89Listen in Qur'an →
90

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ

Indeed, those who reject the message after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.

ولَمّا رَغَّبَ في التَّوْبَةِ رَهَّبَ مِنَ التَّوانِي عَنْها فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ وأوامِرِهِ، وأسْقَطَ الجارَّ لِما مَضى مِن قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ لِفَظاعَتِهِ وقُبْحِهِ وشَناعَتِهِ جَدِيرًا بِالنَّفْرَةِ عَنْهُ والبُعْدِ مِنهُ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ بِاسْتِبْعادِ إيقاعِهِ، فَكَيْفَ بِالتَّمادِي عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِالِازْدِيادِ مِنهُ! وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أيْ بِأنْ تَمادَوْا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُبادِرُوا بِالتَّوْبَةِ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أيْ إنْ تابُوا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَتُوبُونَ تَوْبَةً نَصُوحًا يَدُومُونَ عَلَيْها ويُصْلِحُونَ ما فَسَدَ، أوْ لَنْ تُوجَدَ مِنهم تَوْبَةٌ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْها القَبُولُ لِأنَّهم زادُوا عَنْ أهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ بِالتَّمادِي، ولَمْ يَأْتِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مُهَيَّؤُونَ لِلْكُفْرِ مِن أصْلِ الجِبِلَّةِ، فَلا يَتُوبُونَ أبَدًا تَوْبَةً صَحِيحَةً، فالعِلَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الطَّبْعُ لا الذَّنْبُ، وهَذا شامِلٌ لِمَن تابَ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ مِنهُ كَأبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ، ولِمَن لَمْ يَتُبْ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الضّالُّونَ﴾ أيِ الغَرِيقُونَ في الضَّلالِ وإلَيْهِ أشارَ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: ٢٣] لِوُقُوعِهِمْ في أبْعَدِ شِعابِهِ وأضْيَقِ نِقابِهِ، فَأنّى لَهم بِالرُّجُوعِ مِنهُ والتَّفَصِّي عَنْهُ!

Aal-i-Imraan 3:90Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.