Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 200

81

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And [recall, O People of the Scripture], when Allah took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allah] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?" They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

عَطَفَ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ عَلى ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] أيْ ما أمَرَكُمُ الأنْبِياءُ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أمَرُوكم بِغَيْرِ ذَلِكَ فَأضَعْتُمُوهُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم لِيُبَلِّغُوهُ إلَيْكم، فالمَعْطُوفُ هو ظَرْفُ إذْ وما تَعَلَّقَ بِهِ.

صفحة ٢٩٨

ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بِقَوْلِهِ أأقْرَرْتُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ويَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ إذْ بِمَعْنى زَمانٍ غَيْرِ ظَرْفٍ والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، فالمَقْصُودُ الحِكايَةُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ وما مَعَهُ فَيَكُونُ قالَ أأقْرَرْتُمْ مَعْطُوفًا بِحَذْفِ العاطِفِ. كَما هو الشَّأْنُ في جُمَلِ المُحاوَرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ قالُوا أقْرَرْنا.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ وما بَعْدَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾: مِن أنَّ النَّبِيِّينَ أعْطَوْا مِيثاقًا لِلَّهِ فَقالَ: أأقْرَرْتُمْ قالُوا: أقْرَرْنا إلَخْ. ويَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ هو صِيغَةُ المِيثاقِ.

وهَذا المِيثاقُ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، يُؤْذُونَهم فِيهِ بِأنَّ رَسُولًا يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِهِ وبِنَصْرِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إعْلامُ أُمَمَهِمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ المِيثاقُ مَحْفُوظًا لَدى سائِرِ الأجْيالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إلَخْ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ التَّوَلِّي والفِسْقُ ولَكِنَّ المَقْصُودَ أُمَمُهم كَقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ عَلى أُمَمِكم. وإلى هَذا يَرْجِعُ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ. وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَبِيئًا إسْرائِيلِيًّا لَقالَ أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِنهم عَلى ما في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ مِن غُمُوضٍ ولَعَلَّ النَّصَّ الأصْلِيَّ أصْلَحُ مِن هَذا المُتَرْجَمِ.

والبِشاراتُ في كُتُبِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفي الإنْجِيلِ كَثِيرَةٌ فَفي مَتّى قَوْلُ المَسِيحِ وتَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ أيْ يَبْقى أخِيرًا إلى المُنْتَهى فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الرَّبُّ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم ومَتى جاءَ المُعَزّى رُوحُ الحَقِّ الَّذِي …

Aal-i-Imraan 3:81Listen in Qur'an →
82

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

عَطَفَ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ عَلى ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] أيْ ما أمَرَكُمُ الأنْبِياءُ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أمَرُوكم بِغَيْرِ ذَلِكَ فَأضَعْتُمُوهُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم لِيُبَلِّغُوهُ إلَيْكم، فالمَعْطُوفُ هو ظَرْفُ إذْ وما تَعَلَّقَ بِهِ.

صفحة ٢٩٨

ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بِقَوْلِهِ أأقْرَرْتُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ويَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ إذْ بِمَعْنى زَمانٍ غَيْرِ ظَرْفٍ والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، فالمَقْصُودُ الحِكايَةُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ وما مَعَهُ فَيَكُونُ قالَ أأقْرَرْتُمْ مَعْطُوفًا بِحَذْفِ العاطِفِ. كَما هو الشَّأْنُ في جُمَلِ المُحاوَرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ قالُوا أقْرَرْنا.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ وما بَعْدَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾: مِن أنَّ النَّبِيِّينَ أعْطَوْا مِيثاقًا لِلَّهِ فَقالَ: أأقْرَرْتُمْ قالُوا: أقْرَرْنا إلَخْ. ويَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ هو صِيغَةُ المِيثاقِ.

وهَذا المِيثاقُ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، يُؤْذُونَهم فِيهِ بِأنَّ رَسُولًا يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِهِ وبِنَصْرِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إعْلامُ أُمَمَهِمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ المِيثاقُ مَحْفُوظًا لَدى سائِرِ الأجْيالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إلَخْ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ التَّوَلِّي والفِسْقُ ولَكِنَّ المَقْصُودَ أُمَمُهم كَقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ عَلى أُمَمِكم. وإلى هَذا يَرْجِعُ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ. وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَبِيئًا إسْرائِيلِيًّا لَقالَ أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِنهم عَلى ما في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ مِن غُمُوضٍ ولَعَلَّ النَّصَّ الأصْلِيَّ أصْلَحُ مِن هَذا المُتَرْجَمِ.

والبِشاراتُ في كُتُبِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفي الإنْجِيلِ كَثِيرَةٌ فَفي مَتّى قَوْلُ المَسِيحِ وتَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ أيْ يَبْقى أخِيرًا إلى المُنْتَهى فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الرَّبُّ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم ومَتى جاءَ المُعَزّى رُوحُ الحَقِّ الَّذِي …

Aal-i-Imraan 3:82Listen in Qur'an →
83

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

So is it other than the religion of Allah they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَنِ التَّذْكِيرِ بِما كانَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ.

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّحْذِيرِ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ تَبْغُونَ بِتاءِ خِطابٍ لِأهْلِ الكِتابِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ،

صفحة ٣٠١

ويَعْقُوبُ: بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى مُخاطَبَةِ المُسْلِمِينَ بِالتَّعْجِيبِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وكُلُّهُ تَفْرِيعُ ذِكْرِ أحْوالِ خَلَفِ أُولَئِكَ الأُمَمِ كَيْفَ اتَّبَعُوا غَيْرَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ بِهِ. والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ.

ودِينُ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ لِتَشْرِيفِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَهُ يَوْمَئِذٍ قَدْ نُسِخَ بِما هو دِينُ اللَّهِ.

ومَعْنى تَبْغُونَ تَطْلُبُونَ يُقالُ بَغى الأمْرَ يَبْغِيهِ بُغاءً - بِضَمِّ الباءِ وبِالمَدِّ، ويُقْصَرُ - والبُغْيَةُ بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِها وهاءٍ في آخِرِهِ قِيلَ مَصْدَرٌ، وقِيلَ اسْمٌ، ويُقالُ ابْتَغى بِمَعْنى بَغى، وهو مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقِياسُ مَصْدَرِهِ البَغْيُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعِ البَغْيُ إلّا في مَعْنى الِاعْتِداءِ والجَوْرِ، وذَلِكَ فِعْلُهُ قاصِرٌ، ولَعَلَّهم أرادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الطَّلَبِ وبَيْنَ الِاعْتِداءِ، فَأماتُوا المَصْدَرَ القِياسِيَّ لِبَغى بِمَعْنى طَلَبَ وخَصُّوهُ بِبَغى بِمَعْنى اعْتَدى وظَلَمَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وتَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] ويُقالُ تَبَغّى بِمَعْنى ابْتَغى.

وجُمْلَةُ ولَهُ أسْلَمَ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى الإسْلامِ لِلَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .

ومَعْنى ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أنَّ مِنَ العُقَلاءِ مَن أسْلَمَ عَنِ اخْتِيارٍ لِظُهُورِ الحَقِّ لَهُ، ومِنهم مَن أسْلَمَ بِالجِبِلَّةِ والفِطْرَةِ كالمَلائِكَةِ، أوِ الإسْلامِ كَرْهًا هو الإسْلامُ بَعْدَ الِامْتِناعِ أيْ أكْرَهَتْهُ الأدِلَّةُ والآياتُ أوْ هو إسْلامُ الكافِرِينَ عِنْدَ المَوْتِ ورُؤْيَةُ سُوءِ العاقِبَةِ، أوْ هو الإكْراهُ عَلى الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .

والكَرْهُ بِفَتْحِ الكافِ هو الإكْراهُ، والكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ المَكْرُوهِ.

ومَعْنى وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ أنَّهُ يُرْجِعُكم إلَيْهِ فَفِعْلُ رَجَعَ: المُتَعَدِّي أُسْنِدَ إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ فاعِلِهِ، أيْ يُرْجِعُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ المَوْتِ، وعِنْدَ القِيامَةِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذا، عَقِبَ التَّوْبِيخِ والتَّحْذِيرِ، أنَّ الرَّبَّ الَّذِي لا مَفَرَّ مِن حُكْمِهِ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ دِينٍ أمَرَهُ بِهِ، وحَقُّهُ أنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ مُخْتارًا قَبْلَ أنْ يُسْلِمَها اضْطِرارًا.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عَلى المُرادِ مِن قَوْلِهِ وكَرْهًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَيْهِ تُرْجَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ بِياءِ الغَيْبَةِ.

Aal-i-Imraan 3:83Listen in Qur'an →
84

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, "We have believed in Allah and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants, and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

صفحة ٣٠٢

﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيئُونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ المُخاطَبُ بِفِعْلِ قُلْ هو النَّبِيءُ ﷺ، لِيَقُولَ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ: مُسْلِمُهم، وكافِرُهم، ولِذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ أُنْزِلَ عَلَيَّ لِتَبْلِيغِكم فَجَعَلَ إنْزالَهُ عَلى الرَّسُولِ والأُمَّةِ لِاشْتِراكِهِمْ في وُجُوبِ العَمَلِ بِما أُنْزِلَ، وعَدّى فِعْلَ أُنْزِلَ هُنا بِحَرْفِ عَلى بِاعْتِبارِ أنَّ الإنْزالَ يَقْتَضِي عُلُوًّا فَوُصُولُ الشَّيْءِ المُنَزَّلِ وُصُولُ اسْتِعْلاءٍ وعُدِّيَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِحَرْفِ إلى بِاعْتِبارِ أنَّ الإنْزالَ يَتَضَمَّنُ الوُصُولَ وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ إلى. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، واسْتِئْنافٌ: لِتَلْقِينِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُسْلِمِينَ كَلامًا جامِعًا لِمَعْنى الإسْلامِ لِيَدُومُوا عَلَيْهِ، ويُعْلِنُ بِهِ لِلْأُمَمِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] .

ومَعْنى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أنَّنا لا نُعادِي الأنْبِياءَ، ولا يَحْمِلُنا حُبُّ نَبِيئِنا عَلى كَراهَتِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى، وحُذِفَ المَعْطُوفُ وتَقْدِيرُهُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ وآخَرَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ شِعارُ الإسْلامِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .

وهُنا انْتَهَتِ المُجادَلَةُ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.

Aal-i-Imraan 3:84Listen in Qur'an →
85

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And whoever desires other than Islam as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهْوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَما عَلِمْتَ، وهَذا تَأْيِيسٌ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ النَّجاةِ في الآخِرَةِ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَنَحْنُ

صفحة ٣٠٣

ناجُونَ عَلى كُلِّ حالٍ. والمَعْنى مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ بَعْدَ مَجِيءِ الإسْلامِ. وقَرَأهُ الجَمِيعُ بِإظْهارِ حَرْفَيِ الغَيْنِ مِن كَلِمَةِ مَن يَبْتَغِ وكَلِمَةِ غَيْرَ ورَوى السُّوَسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامَ إحْداهُما في الأُخْرى وهو الإدْغامُ الكَبِيرُ.

Aal-i-Imraan 3:85Listen in Qur'an →
86

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

How shall Allah guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُناسِبُ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَرَفِ الإسْلامِ.

وكَيْفَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ والمَقْصُودُ إنْكارُ أنْ تَحْصُلَ لَهم هِدايَةٌ خاصَّةٌ وهي إمّا الهِدايَةُ النّاشِئَةُ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَبْدِ ولُطْفِهِ بِهِ، وإسْنادُها إلى اللَّهِ ظاهِرٌ؛ وإمّا الهِدايَةُ النّاشِئَةُ عَنْ إعْمالِ الأدِلَّةِ والِاسْتِنْتاجِ مِنها، وإسْنادُها إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُوجِدُ الأسْبابِ ومُسَبِّباتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهم آمَنُوا وعَلِمُوا ما في كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْبِيائِهِمْ، إذْ عَبَدَ اليَهُودُ الأصْنامَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وعَبَدَ النَّصارى المَسِيحَ، وقَدْ شَهِدُوا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ لِقِيامِ دَلائِلِ الصِّدْقِ، ثُمَّ كابَرُوا، وشَكَّكُوا النّاسَ. وجاءَتْهُمُ الآياتُ فَلَمْ يَتَّعِظُوا، فَلا مَطْمَعَ في هَدْيِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ، وإنَّما تَسْرِي الهِدايَةُ لِمَن أنْصَفَ وتَهَيَّأ لِإدْراكِ الآياتِ دُونَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً. وقِيلَ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ العَرَبِ أسْلَمُوا ثُمَّ كَفَرُوا ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ نَدِمُوا فَراسَلُوا قَوْمَهم مِنَ المُسْلِمِينَ يَسْألُونَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ فَنَزَلَتْ، ومِنهُمُ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، وطُعَيْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ.

وقَوْلُهُ وشَهِدُوا عَطْفٌ عَلى إيمانِهِمْ أيْ وشَهادَتُهم، لِأنَّ الِاسْمَ الشَّبِيهَ بِالفِعْلِ في الِاشْتِقاقِ يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الفِعْلِ وعَطْفُ الفِعْلِ عَلَيْهِ.

Aal-i-Imraan 3:86Listen in Qur'an →
87

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allah and the angels and the people, all together,

صفحة ٣٠٤

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

Aal-i-Imraan 3:87Listen in Qur'an →
88

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

صفحة ٣٠٤

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

Aal-i-Imraan 3:88Listen in Qur'an →
89

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Except for those who repent after that and correct themselves. For indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ٣٠٤

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

Aal-i-Imraan 3:89Listen in Qur'an →
90

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ

Indeed, those who reject the message after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.

﴿إنَّ الَّذِي كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ .

قالَ قَتادَةُ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ، وعَلَيْهِ فالمَوْصُولُ بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، فاليَهُودُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِمُوسى كَفَرُوا بِعِيسى وازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى: فاليَهُودُ كَما عَلِمْتَ، والنَّصارى آمَنُوا بِعِيسى ثُمَّ كَفَرُوا فَعَبَدُوهُ وألَّهُوهُ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

وتَأْوِيلُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إمّا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَتُوبُونَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا شَفاعَةَ لَها فَتُقْبَلُ وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ

عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

أيْ لا مَنارَ لَهُ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ ودَلِيلُهُ الحَصْرُ المَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ . وإمّا أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُظْهِرُونَهُ

صفحة ٣٠٥

مِنَ الإسْلامِ نِفاقًا، فالمُرادُ بِعَدَمِ القَبُولِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ في إيمانِهِمْ، وإمّا الإخْبارُ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ رَسَخَ في قُلُوبِهِمْ فَصارَ لَهم سَجِيَّةً لا يُحَوَّلُونَ عَنْها، فَإذا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَهم كاذِبُونَ، فَيَكُونُ عَدَمُ القَبُولِ بِمَعْنى عَدَمِ الِاطْمِئْنانِ لَهم، وأسْرارُهم مَوْكُولَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ اليَهُودِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأسْلَمَ بَعْضُهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ.

وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ المُسْلِمِينَ وماتُوا عَلى الكُفْرِ، فالمُرادُ بِالِازْدِيادِ الِاسْتِمْرارُ وعَدَمُ الإقْلاعِ. والقَوْلُ في مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا﴾ [آل عمران: ٩١] تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا بِالمُرادِفِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] وأيًّا ما كانَ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ مُتَعَيِّنٌ: لِأنَّ ظاهِرَها تُعارِضُهُ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ إسْلامَ الكافِرِ مَقْبُولٌ. ولَوْ تَكَرَّرَ مِنهُ الكُفْرُ، وأنَّ تَوْبَةَ العُصاةِ مَقْبُولَةٌ، ولَوْ وقَعَ نَقْضُها عَلى أصَحِّ الأقْوالِ وسَيَجِيءُ مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] .

Aal-i-Imraan 3:90Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.