Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 200

71

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O People of the Scripture, why do you confuse the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ اسْتِئْنافًا آخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ قاصِرٌ عَلى ضَلالِهِمْ وهَذا مُتَعَدٍّ إلى إضْلالِهِمْ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ﴾ أيِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ﴿بِالباطِلِ﴾ أيْ بِأنْ تُؤَوِّلُوهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلِهِ، أوْ تَحْمِلُوهُ عَلى غَيْرِ مَحَلِّهِ ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا، وهو ما تَعْلَمُونَ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَوابِعِها ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِن ذَوِي العِلْمِ، فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ قَطْعًا وأنَّ عَذابَ الضّالِّ المُضِلِّ عَظِيمٌ جِدًّا.

Aal-i-Imraan 3:71Listen in Qur'an →
72

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will abandon their religion,

ولَمّا ذَكَرَ لَبْسَهم دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٦٩] مُبَيِّنًا لِنَوْعِ إضْلالٍ آخَرَ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ ﴿آمِنُوا﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ ﴿بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُتابَعَةً لَهم ﴿وجْهَ﴾ أيْ أوَّلَ ﴿النَّهارِ﴾ سُمِّيَ وجْهًا لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَسْتَقْبِلُكَ مِنهُ وهو ما يَظْهَرُ ولِذا عَبَّرُوا بِهِ عَنِ الأوَّلِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاسْتِغْراقِ النِّصْفِ، لِأنَّ مُرادَهُمُ التَّلْبِيسُ بِظاهِرٍ لا باطِنَ لَهُ، ولَفْظٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، في جُزْءٍ يَسِيرٍ جِدًّا ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ أيْ لِيَظُنُّوا أنَّهُ لا غَرَضَ لَكم إلّا الحَقَّ، وأنَّهُ ما رَدَّكم عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَ اتِّباعِكم لَهُ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ دِينِهِ

Aal-i-Imraan 3:72Listen in Qur'an →
73

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allah. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand of Allah - He grants it to whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Wise."

﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا التَّصْدِيقَ الحَقِيقِيَّ ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ فَصَوِّبُوا طَرِيقَتَهُ وصَدِّقُوا دِينَهُ وعَقِيدَتَهُ.

ولَمّا كانَ هَذا عَيْنَ الضَّلالِ أمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَعْجَبَ مِن حالِهِمْ مُنَبِّهًا عَلى ضَلالِهِمْ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنْهم إيذانًا بِالغَضَبِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِالعَظَمَةِ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِنّا عَنْهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى إرْشادِ أحَدٍ مِنكم إلَيْهِ إلّا بِإذْنِهِ، ثُمَّ وصَلَ بِهِ تَقْرِيعَهم فَقالَ: ﴿أنْ﴾ بِإثْباتِ هَمْزَةِ الإنْكارِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَقْدِيرِها في قِراءَةِ غَيْرِهِ، أيْ أفَعَلْتُمُ الإيمانَ عَلى الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ خَشْيَةَ أنْ ﴿يُؤْتى أحَدٌ﴾ أيْ مِن طَوائِفِ النّاسِ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ مِنَ العِلْمِ والهُدى الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ أوَّلَ الأمْرِ ﴿أوْ﴾ كَراهَةَ أنْ ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ أيْ يُحاجَّكم أُولَئِكَ الَّذِينَ أُوتُوا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْكم بِالشَّهادَةِ عَلَيْكم أنَّهم آمَنُوا وكَفَرْتُمْ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ فَيَفْضَحُوكم.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةً بِآيَةِ البَقَرَةِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] في الحَسَدِ عَلى ما أُوتِيَ غَيْرُهم مِنَ الدِّينِ الحَقِّ وكالشّارِحَةِ لَها بِبَيانِ ما يَلْبِسُونَهُ لِقَصْدِ الإضْلالِ خُتِمَتْ بِما خُتِمَتْ بِهِ تِلْكَ، لَكِنْ لَمّا قَصَدَ بِها الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في كِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ دَبَّرُوا هَذا المَكْرَ لِأجْلِهِما زِيدَتْ ما لَهُ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لِمَن تَشَوَّفَ إلى تَعْلِيمِ ما لَعَلَّهُ يَكُفُّ مِن مَكْرِهِمْ ويُؤَمِّنُ مِن شَرِّهِمْ مُعْرِضًا عَنْهم بِالخِطابِ بَعْدَ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِهِ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ﴾ في التَّشْرِيفِ بِإنْزالِ الآياتِ وغَيْرِها ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ المُخْتَصِّ بِأنَّهُ لا كُفْؤَ لَهُ، فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وأتْبَعَهُ نَتِيجَتَهُ فَقالَ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَلَهُ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ كَمالُ الِاجْتِباءِ، ثُمَّ قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا ورادًّا عَلَيْهِمْ في الأمْرِ الثّانِي: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ مِنَ العَظَمَةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ ما لا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ ولا تَبْلُغُهُ الأوْهامُ ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ يُوَسِّعُ عَلى مَن عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، ويُهْلِكُ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِخَيْرٍ، ويَعْلَمُ دَقِيقَ أمْرِكم وجَلِيلَهُ، فَلا يَحْتاجُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى تَنْبِيهِ أحَدٍ بِمُحاجَّتِكم عَلَيْهِ عِنْدَهُ.

Aal-i-Imraan 3:73Listen in Qur'an →
74

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

He selects for His mercy whom He wills. And Allah is the possessor of great bounty.

ولَمّا كانَ هَذا مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدٍ انْتَقَلَ عَنْهُ إلى تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في الأمْرِ الأوَّلِ بِثَمَرَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ونَتِيجَتِها مِن أنَّهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ تامُّ الِاقْتِدارِ فَقالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ ثُمَّ أكَّدَ تَعْظِيمَ ما لَدَيْهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَظُنُّ أنَّ اخْتِصاصَ البَعْضِ لِضِيقِ الرَّحْمَةِ عَنِ العُمُومِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ فَلا يَنْقُصُ ما عِنْدَهُ ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ هُنا تَعْظِيمًا لِما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ مُشِيرًا بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى التَّمَكُّنِ مِنَ الإعْطاءِ بِاخْتِبارِهِ وغَزارَةِ فَضْلِهِ وإلى القُدْرَةِ عَلى الإنْجاءِ مِن حَبائِلِ المَكْرِ بِسَعَةِ عِلْمِهِ.

Aal-i-Imraan 3:74Listen in Qur'an →
75

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] silver coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned." And they speak untruth about Allah while they know [it].

فَلَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ ذَكَرَ دَلِيلَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِأنَّهُ فَضَّلَ فَرِيقًا مِنهم فَأعْلاهُ، ورَذَلَ فَرِيقًا مِنهم فَأرْداهُ، فَلَمْ يَرُدَّهُمُ الكِتابُ - وهم يَتْلُونَهُ - إلى الصَّوابِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما مَضى مِن مَخازِيهِمْ مُقَرِّرًا لِكِتْمانِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ الحَقُّ بِأنَّ الخِيانَةَ دَيْدَنُهم في الأعْيانِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَعانِي الدِّينِيَّةِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم وإنْ شارَكُوا النّاسَ في انْقِسامِهِمْ إلى أمِينٍ وخائِنٍ فَهم يُفارِقُونَهم مِن حَيْثُ إنَّ خائِنَهم يَتَدَيَّنُ بِخِيانَتِهِ ويُسْنِدُها - مُرُوقًا مِن رِبْقَةِ الحَياءِ - إلى اللَّهِ، مادِحًا لِلْأمِينِ مِنهُمْ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ المَوْصُوفِينَ ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ أيْ مِنَ الذَّهَبِ المَذْكُورِ في الفَرِيقِ الآتِي ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ غَيْرَ خائِنٍ فِيهِ، فَلا تَسُوقُوا الكُلَّ مَساقًا واحِدًا في الخِيانَةِ ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ أيْ واحِدٍ ﴿لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ دَناءَةً وخِيانَةً ﴿إلا ما﴾ أيْ وقْتَ ما ﴿دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ تُطالِبُهُ بِهِ غالِبًا لَهُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أداةُ الِاسْتِعْلاءِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عِلَّةَ الخِيانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ البَعِيدُ مِنَ الكَمالِ ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ كَذِبًا عَلى شَرْعِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ﴾ يَعْنِي مَن لَيْسَ لَهُ كِتابٌ فَلَيْسَ عَلى دِينِهِمْ ﴿سَبِيلٌ﴾

ولَمّا كانَ الكَذِبُ مِن عِظَمِ القَباحَةِ بِمَكانٍ يُظَنُّ بِسَبَبِهِ أنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ذُو عَقْلٍ فَكَيْفَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ذَوُو عِلْمٍ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذِبٌ.

Aal-i-Imraan 3:75Listen in Qur'an →
76

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allah - then indeed, Allah loves those who fear Him.

ولَمّا ادَّعَوْا نَفْيَ الجُناحِ عَنْهم فِيهِمْ وبَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ عَنِ الكَذِبِ صَرَّحَ بِكَذِبِهِمْ في هَذا الأمْرِ بِخُصُوصِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ أيْ عَلَيْكم في خِيانَتِهِمْ لِتَحْرِيمِ العُذْرِ عَلَيْكم مُطْلَقًا، أيْ سَبِيلٌ - كَما هو في التَّوْراةِ وقَدْ مَضى نَقْلُهُ في البَقَرَةِ في آيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] وآيَةِ ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]

ولَمّا مَضى تَقْسِيمُهم إلى أمِينٍ وخائِنٍ اسْتَأْنَفَ بِشارَةَ الأوَّلِ ونِذارَةَ الثّانِي عَلى وجْهٍ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ لِتَحْرِيمِ الخِيانَةِ في كُلِّ شَرْعٍ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ مِنهُما، إنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الخائِنَ فَقالَ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ في الدِّينِ والدُّنْيا ﴿واتَّقى﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ ذا الجَلالِ والإكْرامِ يُحِبُّهُ، هَكَذا الأصْلُ، لَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِ وإشْعارًا بِأنَّهُ العِلَّةُ الحامِلَةُ لَهُ عَلى الأمانَةِ فَقالَ: ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾

Aal-i-Imraan 3:76Listen in Qur'an →
77

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who exchange the covenant of Allah and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allah will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ نَزّاعَةً إلى الخِيانَةِ رَواغَةً عِنْدَ مَضائِقِ الأمانَةِ، وكانَتِ الخِيانَةُ تَجُرُّ إلى الكَذِبِ بَسَطَ في الإنْذارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أيْ يَلِجُونَ في أنْ يَأْخُذُوا عَلى وجْهِ العِوَضِ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ الَّذِي عاهَدَهم عَلى الإيمانِ بِهِ وذِكْرِ صِفَتِهِ لِلنّاسِ، وهو سُبْحانُهُ أعْلى وأعَزُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿وأيْمانِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي عَقَدُوها بِالتِزامِ مُتابَعَةِ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البَعِيدُو الرُّتْبَةِ في الدَّناءَةِ ﴿لا خَلاقَ﴾ أيْ نَصِيبَ ﴿لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ لِبَيْعِهِمْ لَهُ بِنَصِيبِ الدُّنْيا ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ وغَضَبًا عَلَيْهِمْ بِما انْتَهَكُوا مِن حُرْمَتِهِ.

ولَمّا زادَتْ هَذِهِ عَنْ آيَةِ البَقَرَةِ العَهْدَ والحَلِفَ، وكانَ مِن عادَةِ الحالِفِ والمُعاهِدِ النَّظَرُ إلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ زادَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾ أيْ بَلْ يَعُدُّهم أحْقَرَ شَيْءٍ بِما أعْرَضُوا عَنْهُ، ولَمّا كانَ لِكَثْرَةِ الجَمْعِ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في مَشَقَّةِ الخِزْيِ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي مَنِ افْتَضَحَ في جَمْعِهِ لَمْ يَفُزْ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُزَكُّوا اسْمَهُ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ ما جَهِلُوا مِن عَظَمَتِهِ.

Aal-i-Imraan 3:77Listen in Qur'an →
78

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allah," but it is not from Allah. And they speak untruth about Allah while they know.

ولَمّا نَسَبَهم إلى الكَذِبِ عُمُومًا نَبَّهَ عَلى نَوْعٍ خاصٍّ مِنهُ هو أكْذَبُ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ أيْ جُبِلُوا عَلى الفُرْقَةِ، فَهم لا يَزالُونَ يَسْعَوْنَ في التَّفْرِيقِ ﴿يَلْوُونَ﴾ أيْ يَفْتِلُونَ ويُحَرِّفُونَ ﴿ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ بِأنْ يَنْقُلُوا اللِّسانَ لِتَغْيِيرِ الحَرْفِ مِن مَخْرَجٍ إلى آخَرَ - مَثَلًا بِأنْ يَقُولُوا في ”اعْبُدُوا اللَّهَ“ اللّاتَ، وفي ”لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ“ بِالحَدِّ، وفي ”مَن زَنى فارْجُمُوهُ“ فارْحَمُوهُ بِالمُهْمَلَةِ، أوْ فَحَمِّمُوهُ، أوِ اجْلِدُوهُ - ونَحْوَ هَذا.

ولَمّا كانَ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما لَهُ مِنَ الحَلاوَةِ والجَلالَةِ لا يُلْبَسُ بِغَيْرِهِ إلّا عَلى ضَعِيفِ العَقْلِ ناقِصِ الفِطْرَةِ عَبَّرَ بِالحُسْبانِ تَنْفِيرًا عَنِ السَّماعِ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى بُعْدِ ما يَسْمَعُهُ الإنْسانُ مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أيِ الَّذِي لُوِيَ بِهِ اللِّسانُ فَحُرِّفَ ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ المُنْزَلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمّا عُلِمَ بِهَذِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ أعادَهُ ظاهِرًا تَصْرِيحًا بِالتَّعْمِيمِ.

ولَمّا كانَ إيهامُهم هَذا مِنَ الجُرْأةِ بِمَكانٍ أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم تَجاوَزُوا إلى ما هو أعْظَمُ مِنهُ فَصَرَّحُوا بِما أوْهَمُوهُ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ مُجَدِّدِينَ التَّصْرِيحَ بِالكَذِبِ في كُلِّ وقْتٍ بِأنْ يَقُولُوا ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ - مُبْعِدًا لِما لَوَوْا بِهِ ألْسِنَتَهم عَنْ أنْ يَكُونَ فِيهِ ثُبُوتُ حَقٍّ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي لَمْ يُشارِكْ فِيهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ أنَصُّ عَلى المُرادِ وأنْفى لِكُلِّ احْتِمالٍ:﴿وما هُوَ﴾ أيِ الَّذِي لَوَوْا بِهِ ألْسِنَتَهم حَتّى أحالُوهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العامَّةُ، فَما لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِهِ فَلا حَقَّ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لا بِكَوْنِهِ مِنَ الكِتابِ ولا مِن غَيْرِهِ.

ولَمّا بَيَّنَ بِهَذا كَذِبَهم عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَصْرِيحًا بَعْدَ أنْ قَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى بَيانَهُ بِما يُظَنُّ تَلْوِيحًا أخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ عادَةٌ لَهُمْ، لا يَقِفُونَ مِنهُ عِنْدَ عَدٍّ، ولا يَنْحَصِرُونَ فِيهِ بِحَدٍّ، فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ جُرْأةً مِنهم ﴿الكَذِبَ﴾ أيِ العامَّ كَما قالُوا عَلَيْهِ هَذا الكَذِبَ الخاصَّ، ولَمّا كانَ الكَذِبُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما لَمْ يُتَعَمَّدْ، بَلْ وقَعَ خَطَأً احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّهُ كَذِبٌ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ.

Aal-i-Imraan 3:78Listen in Qur'an →
79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

It is not for a human [prophet] that Allah should give him the Scripture and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allah," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ ما أرادَ مِن كِتْمانِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ الإشارَةِ إلى بَعْضِ تَوابِعِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِأنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ المُقْتَضِي لِلْكَذِبِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلّا بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَهْما كانَ القَوْلُ كَذِبًا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى اقْتَضى أنْ يَكُونَ تَعَبُّدًا لِلْمَنسُوبِ إلَيْهِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي شَرَعَهُ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِأنْ يُدَّعى أنَّ النَّبِيَّ دَعا إلى عِبادَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُقْتَضِيَةِ لِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ ما لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أنَّهم كاذِبُونَ فِيما يَدَّعُونَهُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَنَفى أنْ يَكُونَ قالَ لَهم ذَلِكَ أوْ شَيْئًا مِنهُ عَلى وجْهٍ شامِلٍ لَهُ ولِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ وبِسِياقٍ هو بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ صَحَّ ولا تُصُوِّرَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لِبَشَرٍ﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مِن عِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِما ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿الكِتابَ والحُكْمَ﴾ أيِ الحِكْمَةَ المُهَيِّئَةَ لِلْحُكَمِ، وهي العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ والعَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ، لِأنَّ أصْلَها الإحْكامُ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ في مَحَلِّهِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ فَسادُهُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ وهي الخَبَرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُقْتَضِي لِأتَمِّ الرِّفْعَةِ، يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ الأمْرَ الجَلِيلَ ويَنْصِبُهُ لِلدُّعاءِ إلى اخْتِصاصِهِ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ﴿ثُمَّ﴾ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ ﴿يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ تَجَوُّزًا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ والمُبادَرَةِ لِامْتِثالِ أمْرِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ إذْ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ مَن أُوتِيَ نُبُوَّةً وحِكْمَةً - وهو بَشَرٌ - في غايَةِ البُعْدِ عَنِ ادِّعاءِ مِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ - لا سِيَّما تَغَيُّرُ بَشْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِعالاتِهِ - مُسْتَقِلَّةٌ بِالإبْعادِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوى، فَلَمْ يَبْقَ لَهم مُسْتَنَدٌ، لا مِن جِهَةِ عَقْلٍ ولا مِن طَرِيقِ نَقْلٍ، فَصارَ قَوْلُ مِثْلِ ذَلِكَ مُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي هو مُتَلَبِّسٌ بِها، فَصَحَّ قَطْعًا انْتِفاؤُهُ عَنْهُ.

ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَكُونُ لَهُ أتْبَعَهُ ما لَهُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ يَقُولُ ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ تابِعِينَ طَرِيقَ الرَّبِّ مَنسُوبِينَ إلَيْهِ بِكَمالِ العِلْمِ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ، والألِفُ والنُّونُ زِيدَتا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِهِمْ في المُتابَعَةِ ورُسُوخِهِمْ في العِلْمِ اللَّدُنِيِّ، فَإنَّ الرَّبّانِيَّ هو الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وطاعَتِهِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا ماتَ: ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ بِهِ مُعَلِّمِينَ لَهُ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ فَإنَّ فائِدَةَ …

Aal-i-Imraan 3:79Listen in Qur'an →
80

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۦنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ مِنَ البَشَرِ داعِيًا إلى نَفْسِهِ وأثْبَتَ أنَّهُ يَكُونُ ولا بُدَّ داعِيًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ أثْبَتَ أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، لِأنَّ بَعْضَ الشَّياطِينِ يُحْكِمُ مَكْرَهُ بِإبْعادِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِالدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ عَلى وجْهِ الشِّرْكِ لا سِيَّما إنْ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ رَبّانِيًّا كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ البَشَرُ ﴿أنْ تَتَّخِذُوا﴾ أتى بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إيذانًا بِأنَّ الفِطَرَ مَجْبُولَةٌ عَلى التَّوَجُّهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ﴿المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ﴾ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ ﴿أرْبابًا﴾ أيْ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مِن دُونِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ كانَ فِيها أدْنى شائِبَةٍ فَهي باطِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ تَبْرِئَةً لِعِبادَةِ الخُلَّصِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى غَنِيٌّ، لا يَقْبَلُ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأحْكامِهِ، أوْ مُتَهَيِّئُونَ لِلتَّوْحِيدِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى.

Aal-i-Imraan 3:80Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.