Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 200

71

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O People of the Scripture, why do you confuse the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

التِفاتٌ إلى خِطابِ اليَهُودِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والآياتُ: المُعْجِزاتُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . وإعادَةُ نِدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ثانِيَةً لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وتَسْجِيلِ باطِلِهِمْ عَلَيْهِمْ. ولَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَلْبِيسُ دِينِهِمْ بِما أدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الأكاذِيبِ والخُرافاتِ والتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، حَتّى ارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِجَمِيعِهِ. وكِتْمانُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أماتُوها وعَوَّضُوها بِأعْمالِ أحْبارِهِمْ وآثارِ تَأْوِيلاتِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها.

Aal-i-Imraan 3:71Listen in Qur'an →
72

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will abandon their religion,

﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] .

عَطْفٌ عَلى ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٦٩] . فالطّائِفَةُ الأُولى حاوَلَتِ الإضْلالَ بِالمُجاهَرَةِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ حاوَلَتْهُ بِالمُخادَعَةِ. قِيلَ أُشِيرَ إلى طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ،

صفحة ٢٨٠

ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وغَيْرِهِما مِن يَهُودِ خَيْبَرَ، أغْواهُمُ العُجْبُ بِدِينِهِمْ فَتَوَهَّمُوا أنَّهم قُدْوَةٌ لِلنّاسِ، فَلَمّا أعْيَتْهُمُ المُجاهَرَةُ بِالمُكابَرَةِ دَبَّرُوا لِلْكَيْدِ مَكِيدَةً أُخْرى، فَقالُوا لِطائِفَةٍ مِن أتْباعِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ مُظْهِرِينَ أنَّكم صَدَّقْتُمُوهُ ثُمَّ اكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ لِيَظْهَرَ أنَّكم كَفَرْتُمْ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وتَجْرِبَةٍ فَيَقُولَ المُسْلِمُونَ ما صَرَفَ هَؤُلاءِ عَنّا إلّا ما انْكَشَفَ لَهم مِن حَقِيقَةِ أمْرِ هَذا الدِّينِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو الدِّينَ المُبَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن لَفْظِ الحِكايَةِ بِأنْ يَكُونَ اليَهُودُ قالُوا آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ فَحَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَنْوِيهًا بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِنَ المَحْكِيِّ بِأنْ يَكُونَ اليَهُودُ أطْلَقُوا هَذِهِ الصِّلَةَ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ إذْ صارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ. و﴿وجْهَ النَّهارِ﴾ أوَّلُهُ وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] .

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] مِن كَلامِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا بِهِ الِاحْتِراسَ ألّا يَظُنُّوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أنَّهُ إيمانٌ حَقٌّ، فالمَعْنى ولا تُؤْمِنُوا إيمانًا حَقًّا ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، فَأمّا مُحَمَّدٌ فَلا تُؤْمِنُوا بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ دِينَكم. فَهَذا تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.

وهَذا اعْتِذارٌ عَنْ إلْزامِهِمْ بِأنَّ كُتُبَهم بَشَّرَتْ بِمَجِيءِ رَسُولٍ مُقَفٍّ فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ لا يَجِيءُ إلّا بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وضَلُّوا عَنْ عَدَمِ الفائِدَةِ في مَجِيئِهِ بِما في التَّوْراةِ لِأنَّهُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَيَتَنَزَّهُ فِعْلُ اللَّهِ عَنْهُ، فالرَّسُولُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ مُوسى لا يَكُونُ إلّا ناسِخًا لِبَعْضِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَجَمْعُهم بَيْنَ مَقالَةِ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبَيْنَ مَقالَةِ ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ [آل عمران: ٧٣] مِثْلَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] .

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] كَلامٌ مُعْتَرِضٌ، أُمِرَ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهم. كِنايَةٌ عَنِ اسْتِبْعادِ حُصُولِ اهْتِدائِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْدِهِمْ، لِأنَّ هُدى غَيْرِهِ أيْ مُحاوَلَتَهُ هُدى النّاسِ لا يَحْصُلُ مِنهُ المَطْلُوبُ، إذا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ. فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ: لِأنَّ ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ فَهو صُورَةُ الهُدى ولَيْسَ بِهُدًى وهو مُقابِلُ قَوْلِهِمْ:

صفحة ٢٨١

﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، إذْ أرادُوا صُورَةَ الإيمانِ، وما هو …

Aal-i-Imraan 3:72Listen in Qur'an →
73

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allah. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand of Allah - He grants it to whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Wise."

﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .

أشْكَلَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها وصْفَ نَظْمِها، ومَصْرِفَ مَعْناها إلى أيِّ فَرِيقٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّها أشْكَلُ آيَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا ثَمانِيَةً. تَرْجِعُ إلى احْتِمالَيْنِ أصْلِيَّيْنِ.

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أنَّها تَكْمِلَةٌ لِمُحاوَرَةِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ ذَلِكَ الحِوارِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَأْتِي وُجُوهٌ نَقْتَصِرُ مِنها عَلى وجْهَيْنِ واضِحَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَعْلِيلَ قَوْلِهِمْ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَتَهُمُ اسْتِحالَةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، واسْتِحالَةَ بَعْثَةِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، وأنَّهُ يُقَدَّرُ لامُ تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ مِثْلُهُ. ثُمَّ إمّا أنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ نَفْيٍ بَعْدَ أنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”أحَدٌ“ المُرادُ مِنهُ شُمُولُ كُلِّ أحَدٍ: لِأنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ مُرادًا مِنهُ الشُّمُولُ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ، وما في مَعْنى النَّفْيِ مِثْلَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ ”أحَدٌ“ في الكَلامِ المُوجِبِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالوَحْدَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُناسِبٍ في هَذِهِ الآيَةِ.

فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَأنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، ظاهِرَةً ومُقَدَّرَةً، كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لِئَلّا تَضِلُّوا.

والمَعْنى: أنَّ قَصْدَهم مِن هَذا الكَلامِ تَثْبِيتُ أنْفُسِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ دِينِ اليَهُودِيَّةِ، لِأنَّ اليَهُودَ لا يُجَوِّزُونَ نَسْخَ أحْكامِ اللَّهِ ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي البَداءَ.

صفحة ٢٨٢

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم أرادُوا إنْكارَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ النُّبُوَّةَ كَما أُوتِيَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ السِّياقِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قَوْلَهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَحَرْفُ ”أوْ“ فِيهِ لِلتَّقْسِيمِ مِثْلَ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وما بَعْدَ ”أوْ“ مَعْطُوفٌ عَلى النَّفْيِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ، والمَعْنى: ولا يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم أوْ وكَيْفَ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ.

واوُ الجَمْعِ في يُحاجُّوكم ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”أحَدٌ“ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الإنْكارِ.

وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ كَلامِهِمُ المُبادَرَةُ بِما يُفِيدُ ضَلالَهم لِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ.

الِاحْتِمالُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم بَقِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ .

والكَلامُ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:73Listen in Qur'an →
74

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

He selects for His mercy whom He wills. And Allah is the possessor of great bounty.

﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .

أشْكَلَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها وصْفَ نَظْمِها، ومَصْرِفَ مَعْناها إلى أيِّ فَرِيقٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّها أشْكَلُ آيَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا ثَمانِيَةً. تَرْجِعُ إلى احْتِمالَيْنِ أصْلِيَّيْنِ.

الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أنَّها تَكْمِلَةٌ لِمُحاوَرَةِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ ذَلِكَ الحِوارِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَأْتِي وُجُوهٌ نَقْتَصِرُ مِنها عَلى وجْهَيْنِ واضِحَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَعْلِيلَ قَوْلِهِمْ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَتَهُمُ اسْتِحالَةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، واسْتِحالَةَ بَعْثَةِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، وأنَّهُ يُقَدَّرُ لامُ تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ مِثْلُهُ. ثُمَّ إمّا أنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ نَفْيٍ بَعْدَ أنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”أحَدٌ“ المُرادُ مِنهُ شُمُولُ كُلِّ أحَدٍ: لِأنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ مُرادًا مِنهُ الشُّمُولُ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ، وما في مَعْنى النَّفْيِ مِثْلَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ ”أحَدٌ“ في الكَلامِ المُوجِبِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالوَحْدَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُناسِبٍ في هَذِهِ الآيَةِ.

فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَأنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، ظاهِرَةً ومُقَدَّرَةً، كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لِئَلّا تَضِلُّوا.

والمَعْنى: أنَّ قَصْدَهم مِن هَذا الكَلامِ تَثْبِيتُ أنْفُسِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ دِينِ اليَهُودِيَّةِ، لِأنَّ اليَهُودَ لا يُجَوِّزُونَ نَسْخَ أحْكامِ اللَّهِ ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي البَداءَ.

صفحة ٢٨٢

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم أرادُوا إنْكارَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ النُّبُوَّةَ كَما أُوتِيَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ السِّياقِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قَوْلَهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَحَرْفُ ”أوْ“ فِيهِ لِلتَّقْسِيمِ مِثْلَ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وما بَعْدَ ”أوْ“ مَعْطُوفٌ عَلى النَّفْيِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ، والمَعْنى: ولا يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم أوْ وكَيْفَ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ.

واوُ الجَمْعِ في يُحاجُّوكم ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”أحَدٌ“ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الإنْكارِ.

وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ كَلامِهِمُ المُبادَرَةُ بِما يُفِيدُ ضَلالَهم لِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ.

الِاحْتِمالُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم بَقِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ .

والكَلامُ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:74Listen in Qur'an →
75

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] silver coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned." And they speak untruth about Allah while they know [it].

صفحة ٢٨٥

﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والمُناسَبَةُ بَيانُ دَخائِلِ أحْوالِ اليَهُودِ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ النّاشِئَةِ عَنْ حَسَدِهِمْ وفي انْحِرافِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِهِ، فَقَدْ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَةَ فَرِيقٍ مِنهم.

وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هُنا في أهْلِ الكِتابِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا يُؤَدِّي الأمانَةَ تَعَفُّفًا عَنِ الخِيانَةِ وفَرِيقًا لا يُؤَدِّي الأمانَةَ مُتَعَلِّلِينَ لِإباحَةِ الخِيانَةِ في دِينِهِمْ، قِيلَ: ومِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومِنَ الفَرِيقِ الثّانِي فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وكِلاهُما مِن يَهُودِ يَثْرِبَ.

والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ الفَرِيقِ الثّانِي إذْ كانَ مِن دِينِهِمْ في زَعْمِهِمْ إباحَةُ الخَوْنِ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ إلَخْ ولِذَلِكَ طَوَّلَ الكَلامَ فِيهِ. وإنَّما قَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ إنْصافًا لِحَقِّ هَذا الفَرِيقِ، لِأنَّ الإنْصافَ مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ الإسْلامُ، وإنْ كانَ في زَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم يُبِيحُ لَهم خِيانَةَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ صارَ النَّعْيُ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا القَوْلِ لازِمًا لِجَمِيعِهِمْ أِمِينِهِمْ وخائِنِهِمْ، لِأنَّ الأمِينَ حِينَئِذٍ لا مَزِيَّةَ لَهُ إلّا في أنَّهُ تَرَكَ حَقًّا يُبِيحُ لَهُ دِينُهُ أخْذَهُ، فَتَرَفَّعَ عَنْ ذَلِكَ كَما يَتَرَفَّعُ المُتَغالِي في المُرُوءَةِ عَنْ بَعْضِ المُباحاتِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ مِن مَضْمُونِ صِلَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِما: فَفي الأوَّلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قُوَّةِ الأمانَةِ، مَعَ إمْكانِ الخِيانَةِ ووُجُودِ العُذْرِ لَهُ في عادَةِ أهْلِ دِينِهِ، وفي الثّانِي لِلتَّعْجِيبِ مِن أنْ يَكُونَ الخَوْنُ خُلُقًا لِمُتَّبِعِ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ يَزِيدُ التَّعْجِيبُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾: فَيُكْسِبُ المُسْنَدَ إلَيْهِما زِيادَةَ عَجَبِ حالٍ.

صفحة ٢٨٦

وعُدِّيَ ”تَأْمَنُهُ“ بِالباءِ مَعَ أنَّ مِثْلَهُ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤]، لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تُعامِلُهُ بِقِنْطارٍ لِيَشْمَلَ الأمانَةَ بِالوَدِيعَةِ، والأمانَةَ بِالمُعامَلَةِ عَلى الِاسْتِيمانِ، وقِيلَ الباءُ فِيهِ بِمَعْنى ”عَلى“ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ أوْ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ

وهُوَ مَحْمَلٌ بَعِيدٌ، لِأنَّ الباءَ في البَيْتِ لِلظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ مِن ”يُؤَدِّهِ“ عَلى الأصْلِ في الضَّمائِرِ.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِإسْكانِ هاءِ الضَّمِيرِ في ”يُؤَدِّهِ“ فَقالَ …

Aal-i-Imraan 3:75Listen in Qur'an →
76

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allah - then indeed, Allah loves those who fear Him.

صفحة ٢٨٥

﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والمُناسَبَةُ بَيانُ دَخائِلِ أحْوالِ اليَهُودِ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ النّاشِئَةِ عَنْ حَسَدِهِمْ وفي انْحِرافِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِهِ، فَقَدْ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَةَ فَرِيقٍ مِنهم.

وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هُنا في أهْلِ الكِتابِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا يُؤَدِّي الأمانَةَ تَعَفُّفًا عَنِ الخِيانَةِ وفَرِيقًا لا يُؤَدِّي الأمانَةَ مُتَعَلِّلِينَ لِإباحَةِ الخِيانَةِ في دِينِهِمْ، قِيلَ: ومِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومِنَ الفَرِيقِ الثّانِي فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وكِلاهُما مِن يَهُودِ يَثْرِبَ.

والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ الفَرِيقِ الثّانِي إذْ كانَ مِن دِينِهِمْ في زَعْمِهِمْ إباحَةُ الخَوْنِ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ إلَخْ ولِذَلِكَ طَوَّلَ الكَلامَ فِيهِ. وإنَّما قَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ إنْصافًا لِحَقِّ هَذا الفَرِيقِ، لِأنَّ الإنْصافَ مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ الإسْلامُ، وإنْ كانَ في زَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم يُبِيحُ لَهم خِيانَةَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ صارَ النَّعْيُ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا القَوْلِ لازِمًا لِجَمِيعِهِمْ أِمِينِهِمْ وخائِنِهِمْ، لِأنَّ الأمِينَ حِينَئِذٍ لا مَزِيَّةَ لَهُ إلّا في أنَّهُ تَرَكَ حَقًّا يُبِيحُ لَهُ دِينُهُ أخْذَهُ، فَتَرَفَّعَ عَنْ ذَلِكَ كَما يَتَرَفَّعُ المُتَغالِي في المُرُوءَةِ عَنْ بَعْضِ المُباحاتِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ مِن مَضْمُونِ صِلَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِما: فَفي الأوَّلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قُوَّةِ الأمانَةِ، مَعَ إمْكانِ الخِيانَةِ ووُجُودِ العُذْرِ لَهُ في عادَةِ أهْلِ دِينِهِ، وفي الثّانِي لِلتَّعْجِيبِ مِن أنْ يَكُونَ الخَوْنُ خُلُقًا لِمُتَّبِعِ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ يَزِيدُ التَّعْجِيبُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾: فَيُكْسِبُ المُسْنَدَ إلَيْهِما زِيادَةَ عَجَبِ حالٍ.

صفحة ٢٨٦

وعُدِّيَ ”تَأْمَنُهُ“ بِالباءِ مَعَ أنَّ مِثْلَهُ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤]، لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تُعامِلُهُ بِقِنْطارٍ لِيَشْمَلَ الأمانَةَ بِالوَدِيعَةِ، والأمانَةَ بِالمُعامَلَةِ عَلى الِاسْتِيمانِ، وقِيلَ الباءُ فِيهِ بِمَعْنى ”عَلى“ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ أوْ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ

وهُوَ مَحْمَلٌ بَعِيدٌ، لِأنَّ الباءَ في البَيْتِ لِلظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ مِن ”يُؤَدِّهِ“ عَلى الأصْلِ في الضَّمائِرِ.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِإسْكانِ هاءِ الضَّمِيرِ في ”يُؤَدِّهِ“ فَقالَ …

Aal-i-Imraan 3:76Listen in Qur'an →
77

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who exchange the covenant of Allah and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allah will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ في خِيانَةِ الأمانَةِ إبْطالًا لِلْعَهْدِ، ولِلْحِلْفِ الَّذِي بَيْنَهم، وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وقُرَيْشٍ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ ذِكْرُ الخُلُقِ الجامِعِ لِشَتاتِ مَساوِئِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، دَعا إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٦٩] وما بَعْدَهُ.

وقَدْ جَرَتْ أمْثالُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى اليَهُودِ مُفَرَّقَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] . ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] . ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ

صفحة ٢٩٠

القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤] . فَعَلِمْنا أنَّهُمُ المُرادُ بِذَلِكَ هُنا. وقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ تَسْمِيَةِ دِينِهِمْ بِالعَهْدِ وبِالمِيثاقِ في مَواضِعَ، لِأنَّ مُوسى عاهَدَهم عَلى العَمَلِ بِهِ، وبَيَّنا مَعانِيَ هَذِهِ الأوْصافِ والأخْبارِ.

ومَعْنى ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ إذْ قَدْ شاعَ نَفْيُ الكَلامِ في الكِنايَةِ عَنِ الغَضَبِ، وشاعَ اسْتِعْمالُ النَّظَرِ في الإقْبالِ والعِنايَةِ، ونَفْيُ النَّظَرِ في الغَضَبِ فالنَّظَرُ المَنفِيُّ هُنا نَظَرٌ خاصٌّ. وهاتانِ الكِنايَتانِ يَجُوزُ مَعَهُما إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ لا يُطَهِّرُهم مِنَ الذُّنُوبِ ولا يُقْلِعُونَ عَنْ آثامِهِمْ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِن رِقَّةِ الدِّيانَةِ إلى حَدِّ أنْ يَشْتَرِيَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يُرْجى لَهُ صَلاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولا يُنَمِّيهِمْ أيْ لا يُكْثِرُ حُظُوظَهم في الخَيْراتِ.

وفِي مَجِيءِ هَذا الوَعِيدِ، عَقِبَ الصِّلَةِ، وهي ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، إيذانٌ بِأنَّ مَن شابَهَهم في هَذِهِ الصِّفاتِ فَهو لاحِقٌ بِهِمْ، حَتّى ظَنَّ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن حَلَفَ يَمِينًا باطِلَةً، وكُلٌّ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ فِيما يَعْرِفُهُ مِن قِصَّةِ يَمِينٍ فاجِرَةٍ، فَفي البُخارِيِّ، عَنْ أبِي وائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن حَلْفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ﴾ الآيَةَ فَدَخَلَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْنا: كَذا وكَذا. قالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كانَتْ لِي بِئْرٌ في أرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيِّنَتَكَ أوْ يَمِينَهُ قُلْتُ: إذَنْ يَحْلِفُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ» الحَدِيثَ.

وفِي البُخارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ.

وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ هاتِهِ الآيَةَ في قِصَّةٍ وجَبَتْ فِيها يَمِينٌ لِرَدِّ دَعْوى.

Aal-i-Imraan 3:77Listen in Qur'an →
78

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allah," but it is not from Allah. And they speak untruth about Allah while they know.

صفحة ٢٩١

﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

أيْ مِنَ اليَهُودِ طائِفَةٌ تُخَيِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ أشْياءَ أنَّها مِمّا جاءَ في التَّوْراةِ، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، إمّا في الِاعْتِذارِ عَنْ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الذَّمِيمَةِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وإمّا لِلتَّخْلِيطِ عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى يُشَكِّكُوهم فِيما يُخالِفُ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ القُرْآنُ، أوْ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ في بَعْضِ ما نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ، فاللَّيُّ مُجْمَلٌ، ولَكِنَّهُ مُبَيَّنٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتابِ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .

واللَّيُّ في الأصْلِ: الإراغَةُ أيْ إدارَةُ الجِسْمِ غَيْرِ المُتَصَلِّبِ إلى غَيْرِ الصَّوْبِ الَّذِي هو مُمْتَدٌّ إلَيْهِ: فَمِن ذَلِكَ لَيُّ الحَبْلِ، ولَيُّ العِنانِ لِلْفَرَسِ لِإدارَتِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ صَوْبِ سَيْرِهِ، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ولَيُّ الرَّأْسِ بِمَعْنى الِالتِفاتِ الشَّزْرِ أوِ الإعْراضِ قالَ تَعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] .

واللَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِمَعْنى تَحْرِيفِ اللِّسانِ عَنْ طَرِيقِ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ إلى طَرِيقِ حَرْفٍ آخَرَ يُقارِبُهُ لِتُعْطِيَ الكَلِمَةُ في أُذُنِ السّامِعِ جَرْسَ كَلِمَةٍ أُخْرى، وهَذا مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِمْ راعِنا وفي الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِمْ في السَّلامِ عَلى النَّبِيءِ السّامُ عَلَيْكَ أيِ المَوْتُ أوِ السِّلامُ - بِكَسْرِ السِّينِ - عَلَيْكَ وهَذا اللَّيُّ يُشابِهُ الإشْمامَ والِاخْتِلاسَ ومِنهُ إمالَةُ الألِفِ إلى الياءِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ الكَلِماتُ بِالتَّرْقِيقِ والتَّفْخِيمِ وبِاخْتِلافِ صِفاتِ الحُرُوفِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ التَّوْراةُ فَلَعَلَّهم كانُوا إذا قَرَءُوا بَعْضَ التَّوْراةِ بِالعَرَبِيَّةِ نَطَقُوا بِحُرُوفٍ مِن كَلِماتِها بَيْنَ بَيْنَ لِيُوهِمُوا المُسْلِمِينَ مَعْنًى غَيْرَ المَعْنى المُرادِ، وقَدْ كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ ومِراسٌ في هَذا.

وقَرِيبٌ مِن هَذا ما ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ أنَّ بَعْضَ الأزارِقَةِ أعادَ بَيْتَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ في مَجْلِسِ ابْنِ عَبّاسٍ.

رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ

صفحة ٢٩٢

فَجَعَلَ يَضْحى يَحْزى وجَعَلَ يَخْصَرُ يَخْسَرُ بِالسِّينِ لِيُشَوِّهَ المَعْنى لِأنَّهُ غَضِبَ مِن إقْبالِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى سَماعِ شِعْرِهِ. وفي الأحاجِي والألْغازِ مِن هَذا كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلّاهِي إلَهًا فَوْقَهُ فَيَقُولُها أحَدٌ بِحَضْرَةِ ناسٍ ولا يُشْبِعُ كَسْرَةَ اللّاهِي يَخالُها السّامِعُ لِلَّهِ فَيَظُنُّهُ كَفَرَ. أوْ لَعَلَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ ما لَيْسَ مِنَ التَّوْراةِ بِالكَيْفِيّاتِ أوِ اللُّحُونِ الَّتِي كانُوا يَقْرَءُونَ بِها التَّوْراةَ لِيُخَيِّلُوا لِلسّامِعِينَ أنَّهم يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّيُّ هُنا مَجازًا عَنْ صَرْفِ المَعْنى إلى مَعْنًى آخَرَ كَقَوْلِهِمْ: لَوى الحُجَّةَ أيْ ألْقى بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها، وهو تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ: بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، والأقْيِسَةِ الفاسِدَةِ، والمَوْضُوعاتِ الكاذِبَةِ، ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا اللَّيُّ يَقْصِدُونَ مِنهُ التَّمْوِيهَ عَلى المُسْلِمِينَ لِغَرَضٍ، كَما …

Aal-i-Imraan 3:78Listen in Qur'an →
79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

It is not for a human [prophet] that Allah should give him the Scripture and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allah," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ: فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَيَّ اليَهُودِ ألْسِنَتَهم بِالتَّوْراةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ التَّحْرِيفِ الَّذِي عِنْدَ النَّصارى لِمُناسَبَةِ التَّشابُهِ في التَّحْرِيفِ إذْ تَقُولُ النَّصارى عَلى المَسِيحِ أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ فالمُرادُ بِالبَشَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ تَنْزِيهُ عِيسى عَنْ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، رَدًّا عَلى النَّصارى، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .

وفِي الكَشّافِ قِيلَ نَزَلَتْ لِأنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: «لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيئَكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» . قُلْتُ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، فَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَدِيثًا مَقْبُولًا فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّها قُصِدَ مِنها الرَّدُّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُعْتَقَداتِ. ووَقَعَ في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا رافِعٍ اليَهُودِيَّ والسَّيِّدَ مِن نَصارى نَجْرانَ قالا يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ» ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ نَفْيٌ لِاسْتِحْقاقِ أحَدٍ لِذَلِكَ القَوْلِ واللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقاقِ. وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في الكَلامِ ما كانَ فُلانٌ فاعِلًا كَذا، فَلَمّا أُرِيدَتِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ

صفحة ٢٩٤

عَدَلَ عَنْ نَفْيِ الفِعْلِ إلى نَفْيِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ، وجَعَلَ نَفْيَ الجِنْسِ عَنِ الشَّخْصِ بِواسِطَةِ نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ إذْ لا طَرِيقَةَ لِحَمْلِ اسْمِ ذاتٍ عَلى اسْمِ ذاتٍ إلّا بِواسِطَةِ بَعْضِ الحُرُوفِ، فَصارَ التَّرْكِيبُ: ما كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ويُقالُ أيْضًا: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] .

فَمَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ قَوْلُ ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ حَقًّا لِبَشَرٍ أيِّ بَشَرٍ كانَ. وهَذِهِ اللّامُ هي أصْلُ لامِ الجُحُودِ الَّتِي نَحْوَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَتَراكِيبُ لامِ الجَحُودِ كُلِّها مِن قَبِيلِ قَلْبِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، بِحَيْثُ يُنْفى أنْ يَكُونَ وُجُودُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَجْعُولًا لِأجْلِ فِعْلِ كَذا، أيْ فَهو بَرِيءٌ مِنهُ بِأصْلِ الخِلْقَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ جُحُودًا.

والمَنفِيُّ في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إيتاءُ الحُكْمِ والنُّبُوءَةِ، ولَكِنْ قَدْ عُلِمَ أنَّ مَصَبَّ النَّفْيِ هو المَعْطُوفُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ كُونُوا عِبادًا لِي إذا آتاهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ.

والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ كالعَبِيدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ …

Aal-i-Imraan 3:79Listen in Qur'an →
80

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۦنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ: فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَيَّ اليَهُودِ ألْسِنَتَهم بِالتَّوْراةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ التَّحْرِيفِ الَّذِي عِنْدَ النَّصارى لِمُناسَبَةِ التَّشابُهِ في التَّحْرِيفِ إذْ تَقُولُ النَّصارى عَلى المَسِيحِ أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ فالمُرادُ بِالبَشَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ تَنْزِيهُ عِيسى عَنْ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، رَدًّا عَلى النَّصارى، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .

وفِي الكَشّافِ قِيلَ نَزَلَتْ لِأنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: «لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيئَكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» . قُلْتُ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، فَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَدِيثًا مَقْبُولًا فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّها قُصِدَ مِنها الرَّدُّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُعْتَقَداتِ. ووَقَعَ في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا رافِعٍ اليَهُودِيَّ والسَّيِّدَ مِن نَصارى نَجْرانَ قالا يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ» ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ نَفْيٌ لِاسْتِحْقاقِ أحَدٍ لِذَلِكَ القَوْلِ واللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقاقِ. وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في الكَلامِ ما كانَ فُلانٌ فاعِلًا كَذا، فَلَمّا أُرِيدَتِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ

صفحة ٢٩٤

عَدَلَ عَنْ نَفْيِ الفِعْلِ إلى نَفْيِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ، وجَعَلَ نَفْيَ الجِنْسِ عَنِ الشَّخْصِ بِواسِطَةِ نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ إذْ لا طَرِيقَةَ لِحَمْلِ اسْمِ ذاتٍ عَلى اسْمِ ذاتٍ إلّا بِواسِطَةِ بَعْضِ الحُرُوفِ، فَصارَ التَّرْكِيبُ: ما كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ويُقالُ أيْضًا: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] .

فَمَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ قَوْلُ ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ حَقًّا لِبَشَرٍ أيِّ بَشَرٍ كانَ. وهَذِهِ اللّامُ هي أصْلُ لامِ الجُحُودِ الَّتِي نَحْوَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَتَراكِيبُ لامِ الجَحُودِ كُلِّها مِن قَبِيلِ قَلْبِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، بِحَيْثُ يُنْفى أنْ يَكُونَ وُجُودُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَجْعُولًا لِأجْلِ فِعْلِ كَذا، أيْ فَهو بَرِيءٌ مِنهُ بِأصْلِ الخِلْقَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ جُحُودًا.

والمَنفِيُّ في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إيتاءُ الحُكْمِ والنُّبُوءَةِ، ولَكِنْ قَدْ عُلِمَ أنَّ مَصَبَّ النَّفْيِ هو المَعْطُوفُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ كُونُوا عِبادًا لِي إذا آتاهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ.

والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ كالعَبِيدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ …

Aal-i-Imraan 3:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.