Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 71–80 of 200

71

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O People of the Scripture, why do you confuse the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى كانَتْ لَهم حِرْفَتانِ إحْداهُما: أنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ أنَّهُ رَسُولُ حَقٍّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذِهِ الحِرْفَةِ في الآيَةِ الأُولى.

وثانِيَتُهُما: أنَّهم كانُوا يَجْتَهِدُونَ في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وفي إخْفاءِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، واللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذِهِ الحِرْفَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الثّانِيَةِ، فالمَقامُ الأوَّلُ مَقامُ الغِوايَةِ والضَّلالَةِ، والمَقامُ الثّانِي مَقامُ الإغْواءِ والإضْلالِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”تُلَبِّسُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”تَلْبَسُونَ“ بِفَتْحِ الباءِ، أيْ تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» “ وقَوْلِهِ:

إذا هو بِالمَجْدِ ارْتَدى وتَأزَّرا

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السّاعِيَ في إخْفاءِ الحَقِّ لا سَبِيلَ لَهُ إلى ذَلِكَ إلّا مِن أحَدِ وجْهَيْنِ:

إمّا بِإلْقاءِ شُبْهَةٍ تَدُلُّ عَلى الباطِلِ، وإمّا بِإخْفاءِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الثّانِي، أمّا لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ هاهُنا وُجُوهًا:

أحَدُها: تَحْرِيفُ التَّوْراةِ، فَيَخْلِطُونَ المُنَزَّلَ بِالمُحَرَّفِ، عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ.

وثانِيها: أنَّهم تَواضَعُوا عَلى إظْهارِ الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ، ثُمَّ الرُّجُوعِ عَنْهُ في آخِرِ النَّهارِ، تَشْكِيكًا لِلنّاسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ مِنَ البِشارَةِ والنَّعْتِ والصِّفَةِ ويَكُونُ في التَّوْراةِ أيْضًا ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كالمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ فَيُلَبِّسُونَ عَلى الضُّعَفاءِ أحَدَ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُشَبِّهَةِ، وهَذا قَوْلُ القاضِي.

ورابِعُها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُعْتَرِفٌ بِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ التَّوْراةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ شَرْعَ - مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُنْسَخُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْقاءٌ لِلشُّبُهاتِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾، فالمُرادُ أنَّ الآياتِ المَوْجُودَةَ في التَّوْراةِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها مُفْتَقِرًا إلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، والقَوْمُ كانُوا يَجْتَهِدُونَ في إخْفاءِ تِلْكَ الألْفاظِ الَّتِي كانَ بِمَجْمُوعِها يَتِمُّ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِثْلَ ما أنَّ أهْلَ البِدْعَةِ في زَمانِنا يَسْعَوْنَ في أنْ لا يَصِلَ إلى عَوامِّهِمْ دَلائِلُ المُحَقِّقِينَ.

أمّا قَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّكم إنَّما تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عِنادًا وحَسَدًا.

وثانِيها: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنْتُمْ أرْبابُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ لا أرْبابُ الجَهْلِ والخُرافَةِ.

وثالِثُها: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ عِقابَ مَن يَفْعَلُ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ عَظِيمٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، و﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِعْلُهم؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولَ: لِمَ فَعَلْتُمْ …

Aal-i-Imraan 3:71Listen in Qur'an →
72

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will abandon their religion,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم يَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنْ حَكى عَنْهم نَوْعًا واحِدًا مِن أنْواعِ تَلْبِيساتِهِمْ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ ما أُنْزِلَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بَعْضَ ما أُنْزِلَ.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اسْتَخْرَجُوا حِيلَةً في تَشْكِيكِ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، وهو أنْ يُظْهِرُوا تَصْدِيقَ ما يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الشَّرائِعِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، ثُمَّ يُظْهِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ تَكْذِيبَهُ، فَإنَّ النّاسَ مَتى شاهَدُوا هَذا التَّكْذِيبَ، قالُوا: هَذا التَّكْذِيبُ لَيْسَ لِأجْلِ الحَسَدِ والعِنادِ، وإلّا لَما آمَنُوا بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا لَمْ يَكُنْ هَذا التَّكْذِيبُ لِأجْلِ الحَسَدِ والعِنادِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وقَدْ تَفَكَّرُوا في أمْرِهِ واسْتَقْصَوْا في البَحْثِ عَنْ دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ فَلاحَ لَهم بَعْدَ التَّأمُّلِ التّامِّ والبَحْثِ الوافِي أنَّهُ كَذّابٌ، فَيَصِيرُ هَذا الطَّرِيقُ شُبْهَةً لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَيْبَرَ عَلى هَذا الطَّرِيقِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ مَعْناهُ أنّا مَتى ألْقَيْنا هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَلَعَلَّ أصْحابَهُ يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ والنَّصارى قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نافِقُوا وأظْهِرُوا الوِفاقَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَثْبُتُوا عَلى دِينِكم إذا خَلَوْتُمْ بِإخْوانِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ أمْرَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ في اضْطِرابٍ فَزُجُّوا الأيّامَ مَعَهم بِالنِّفاقِ فَرُبَّما ضَعُفَ أمْرُهم واضْمَحَلَّ دِينُهم ويَرْجِعُوا إلى دِينِكم، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَهَوْا عَنْ غَيْرِ دِينِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَكانَ قَوْلُهم ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أمْرٌ بِالنِّفاقِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ كَذَّبْتُمُوهُ في جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ فَإنَّ عَوامَّكم يَعْلَمُونَ كَذِبَكم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمّا جاءَ بِهِ حَقٌّ، ولَكِنْ صَدِّقُوهُ في بَعْضٍ وكَذِّبُوهُ في بَعْضٍ حَتّى يَحْمِلَ النّاسُ تَكْذِيبَكم لَهُ عَلى الإنْصافِ لا عَلى العِنادِ فَيَقْبَلُوا قَوْلَكم.

صفحة ٨٤

الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ بَعْضَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والقائِلُونَ بِهَذا …

Aal-i-Imraan 3:72Listen in Qur'an →
73

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allah. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand of Allah - He grants it to whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Wise."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا بَقِيَّةُ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا يُقَرِّرُ

صفحة ٨٥

شَرائِعَ التَّوْراةِ، فَأمّا مَن جاءَ بِتَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ فَلا تُصَدِّقُوهُ، وهَذا هو مَذْهَبُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ﴾ صِلَةً زائِدَةً، فَإنَّهُ يُقالُ: صَدَّقْتُ فُلانًا، ولا يُقالُ صَدَّقْتُ لِفُلانٍ، وكَوْنُ هَذِهِ اللّامِ صِلَةً زائِدَةً جائِزٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، والمُرادُ رَدِفَكم.

والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ لا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، كَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإتْيانِ بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ إلّا بَقاءَ أتْباعِكم عَلى دِينِكم، فالمَعْنى: ولا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، فَإنَّ مَقْصُودَ كُلِّ واحِدٍ حِفْظُ أتْباعِهِ وأشْياعِهِ عَلى مُتابَعَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ: الدِّينُ دِينُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] .

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ صارَ هَذا الكَلامُ جَوابًا عَمّا حَكاهُ عَنْهم ؟ فَنَقُولُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو قَوْلُهم: لا دِينَ إلّا ما هم عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما صَلَحَ جَوابًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ إنَّما ثَبَتَ دِينًا مِن جِهَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ وأوْجَبَ الِانْقِيادَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَتى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ وأرْشَدَ إلى غَيْرِهِ، وأوْجَبَ الِانْقِيادَ إلى غَيْرِهِ كانَ نَبِيًّا يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الدِّينَ إنَّما صارَ دِينًا بِحُكْمِهِ وهِدايَتِهِ، فَحَيْثُما كانَ حُكْمُهُ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يَعْنِي: الجِهاتُ كُلُّها لِلَّهِ، فَلَهُ أنْ يُحَوِّلَ القِبْلَةَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقَدْ جِئْتُكم بِهِ فَلَنْ يَنْفَعَكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ الصَّعْبَةِ، فَنَقُولُ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اليَهُودِ، ومِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ:

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أنْ يُؤْتى“ بِمَدِّ الألِفِ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:73Listen in Qur'an →
74

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

He selects for His mercy whom He wills. And Allah is the possessor of great bounty.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا بَقِيَّةُ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا يُقَرِّرُ

صفحة ٨٥

شَرائِعَ التَّوْراةِ، فَأمّا مَن جاءَ بِتَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ فَلا تُصَدِّقُوهُ، وهَذا هو مَذْهَبُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ﴾ صِلَةً زائِدَةً، فَإنَّهُ يُقالُ: صَدَّقْتُ فُلانًا، ولا يُقالُ صَدَّقْتُ لِفُلانٍ، وكَوْنُ هَذِهِ اللّامِ صِلَةً زائِدَةً جائِزٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، والمُرادُ رَدِفَكم.

والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ لا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، كَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإتْيانِ بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ إلّا بَقاءَ أتْباعِكم عَلى دِينِكم، فالمَعْنى: ولا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، فَإنَّ مَقْصُودَ كُلِّ واحِدٍ حِفْظُ أتْباعِهِ وأشْياعِهِ عَلى مُتابَعَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ: الدِّينُ دِينُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] .

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ صارَ هَذا الكَلامُ جَوابًا عَمّا حَكاهُ عَنْهم ؟ فَنَقُولُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو قَوْلُهم: لا دِينَ إلّا ما هم عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما صَلَحَ جَوابًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ إنَّما ثَبَتَ دِينًا مِن جِهَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ وأوْجَبَ الِانْقِيادَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَتى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ وأرْشَدَ إلى غَيْرِهِ، وأوْجَبَ الِانْقِيادَ إلى غَيْرِهِ كانَ نَبِيًّا يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الدِّينَ إنَّما صارَ دِينًا بِحُكْمِهِ وهِدايَتِهِ، فَحَيْثُما كانَ حُكْمُهُ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يَعْنِي: الجِهاتُ كُلُّها لِلَّهِ، فَلَهُ أنْ يُحَوِّلَ القِبْلَةَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقَدْ جِئْتُكم بِهِ فَلَنْ يَنْفَعَكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ الصَّعْبَةِ، فَنَقُولُ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اليَهُودِ، ومِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ:

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أنْ يُؤْتى“ بِمَدِّ الألِفِ عَلى …

Aal-i-Imraan 3:74Listen in Qur'an →
75

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] silver coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned." And they speak untruth about Allah while they know [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم أُوتُوا مِنَ المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الخِيانَةَ مُسْتَقْبَحَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أرْبابِ الأدْيانِ، وهم مُصِرُّونَ عَلَيْها، فَدَلَّ هَذا عَلى كَذِبِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبائِحَ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ قَبائِحِ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمُعامَلَةِ النّاسِ، وهو إصْرارُهم عَلى الخِيانَةِ والظُّلْمِ وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ.

وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى انْقِسامِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُهم أهْلُ الأمانَةِ، وبَعْضُهم أهْلُ الخِيانَةِ وفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا، أمّا الَّذِينَ بَقُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ فَهم مُصِرُّونَ عَلى الخِيانَةِ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنْ يَحِلَّ لَهم قَتْلُ كُلِّ مَن خالَفَهم في الدِّينِ وأخْذُ أمْوالِهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .

الثّانِي: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ هُمُ النَّصارى، وأهْلَ الخِيانَةِ هُمُ اليَهُودُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ اليَهُودِ أنَّهُ: يُحِلُّ قَتْلَ المُخالِفِ ويُحِلُّ أخْذَ مالِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْدَعَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ فَأدّى إلَيْهِ،

صفحة ٨٩

وأوْدَعَ آخَرُ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ دِينارًا فَخانَهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: أمِنتُهُ بِكَذا وعَلى كَذا، كَما يُقالُ: مَرَرْتُ بِهِ وعَلَيْهِ، فَمَعْنى الباءِ إلْصاقُ الأمانَةِ، ومَعْنى: عَلى اسْتِعْلاءُ الأمانَةِ، فَمَنِ اؤْتُمِنَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ صارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في مَعْنى المُلْتَصِقِ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنهُ، واتِّصالِهِ بِحِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، وأيْضًا صارَ المُودَعُ كالمُسْتَعْلِي عَلى تِلْكَ الأمانَةِ والمُسْتَوْلِي عَلَيْها، فَلِهَذا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِكِلْتا العِبارَتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: أمِنتُكَ بِدِينارٍ أيْ: وثِقْتُ بِكَ فِيهِ، وقَوْلُكَ: أمِنتُكَ عَلَيْهِ، أيْ جَعَلْتُكَ أمِينًا عَلَيْهِ وحافِظًا لَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ القِنْطارِ والدِّينارِ هاهُنا العَدَدُ الكَثِيرُ والعَدَدُ القَلِيلُ، يَعْنِي أنَّ فِيهِمْ مَن هو في غايَةِ الأمانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الأمْوالِ الكَثِيرَةِ أدّى الأمانَةَ فِيها، ومِنهم مَن هو في غايَةِ الخِيانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ فِيهِ الخِيانَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ …

Aal-i-Imraan 3:75Listen in Qur'an →
76

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allah - then indeed, Allah loves those who fear Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم أُوتُوا مِنَ المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الخِيانَةَ مُسْتَقْبَحَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أرْبابِ الأدْيانِ، وهم مُصِرُّونَ عَلَيْها، فَدَلَّ هَذا عَلى كَذِبِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبائِحَ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ قَبائِحِ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمُعامَلَةِ النّاسِ، وهو إصْرارُهم عَلى الخِيانَةِ والظُّلْمِ وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ.

وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى انْقِسامِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُهم أهْلُ الأمانَةِ، وبَعْضُهم أهْلُ الخِيانَةِ وفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا، أمّا الَّذِينَ بَقُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ فَهم مُصِرُّونَ عَلى الخِيانَةِ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنْ يَحِلَّ لَهم قَتْلُ كُلِّ مَن خالَفَهم في الدِّينِ وأخْذُ أمْوالِهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .

الثّانِي: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ هُمُ النَّصارى، وأهْلَ الخِيانَةِ هُمُ اليَهُودُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ اليَهُودِ أنَّهُ: يُحِلُّ قَتْلَ المُخالِفِ ويُحِلُّ أخْذَ مالِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْدَعَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ فَأدّى إلَيْهِ،

صفحة ٨٩

وأوْدَعَ آخَرُ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ دِينارًا فَخانَهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: أمِنتُهُ بِكَذا وعَلى كَذا، كَما يُقالُ: مَرَرْتُ بِهِ وعَلَيْهِ، فَمَعْنى الباءِ إلْصاقُ الأمانَةِ، ومَعْنى: عَلى اسْتِعْلاءُ الأمانَةِ، فَمَنِ اؤْتُمِنَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ صارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في مَعْنى المُلْتَصِقِ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنهُ، واتِّصالِهِ بِحِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، وأيْضًا صارَ المُودَعُ كالمُسْتَعْلِي عَلى تِلْكَ الأمانَةِ والمُسْتَوْلِي عَلَيْها، فَلِهَذا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِكِلْتا العِبارَتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: أمِنتُكَ بِدِينارٍ أيْ: وثِقْتُ بِكَ فِيهِ، وقَوْلُكَ: أمِنتُكَ عَلَيْهِ، أيْ جَعَلْتُكَ أمِينًا عَلَيْهِ وحافِظًا لَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ القِنْطارِ والدِّينارِ هاهُنا العَدَدُ الكَثِيرُ والعَدَدُ القَلِيلُ، يَعْنِي أنَّ فِيهِمْ مَن هو في غايَةِ الأمانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الأمْوالِ الكَثِيرَةِ أدّى الأمانَةَ فِيها، ومِنهم مَن هو في غايَةِ الخِيانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ فِيهِ الخِيانَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ …

Aal-i-Imraan 3:76Listen in Qur'an →
77

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who exchange the covenant of Allah and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allah will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ اليَهُودَ بِالخِيانَةِ في أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخِيانَةَ في أمْوالِ النّاسِ لا تَتَمَشّى إلّا بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ هَذِهِ الآيَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى وعِيدِ مَن يُقْدِمُ عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، ولا شَكَّ أنَّ عَهْدَ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ لا يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ ولا يَخُونَ في دِينِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذا الوَعِيدَ عَقِيبَ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ خِيانَتَهم في أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَتَهم في عَهْدِ اللَّهِ وخِيانَتَهم في تَعْظِيمِ أسْمائِهِ حِينَ يَحْلِفُونَ بِها كَذِبًا، ومِنَ النّاسِ مَن

صفحة ٩٢

قالَ: هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ في المَنعِ عَنِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والرِّواياتِ الكَثِيرَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّها إنَّما نَزَلَتْ في أقْوامٍ أقْدَمُوا عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ اعْتِقادُ كَوْنِ هَذا الوَعِيدِ عامًّا في حَقِّ كُلِّ مَن يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ وأنَّهُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِاليَهُودِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ النُّزُولِ، فَمِنهم مَن خَصَّها بِاليَهُودِ الَّذِينَ شَرَحَ اللَّهُ أحْوالَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، ومِنهم مَن خَصَّها بِغَيْرِهِمْ.

أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، كَتَمُوا ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ غَيْرَهُ وحَلَفُوا بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِئَلّا يَفُوتَهُمُ الرِّشا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ادِّعائِهِمْ أنَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا في ذَلِكَ وحَلَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها «نَزَلَتْ في الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وخَصْمٍ لَهُ في أرْضٍ، اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لِلرَّجُلِ: ”أقِمْ بَيِّنَتَكَ“، فَقالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، فَقالَ لِلْأشْعَثِ: ”فَعَلَيْكَ اليَمِينُ“، فَهَمَّ الأشْعَثُ بِاليَمِينِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ ورَدَّ الأرْضَ إلى الخَصْمِ واعْتَرَفَ بِالحَقِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ» .

الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً في تَنْفِيقِ سِلْعَتِهِ.

الثّالِثُ: نَزَلَتْ في عَبْدانَ وامْرِئِ القَيْسِ اخْتَصَما إلى الرَّسُولِ ﷺ في أرْضٍ، فَتَوَجَّهُ اليَمِينُ عَلى امْرِئِ القَيْسِ، فَقالَ: أنْظِرْنِي إلى الغَدِ، ثُمَّ جاءَ مِنَ الغَدِ وأقَرَّ لَهُ بِالأرْضِ.

والأقْرَبُ الحَمْلُ عَلى الكُلِّ.

فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما …

Aal-i-Imraan 3:77Listen in Qur'an →
78

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allah," but it is not from Allah. And they speak untruth about Allah while they know.

﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ نازِلَةٌ في اليَهُودِ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ اليَهُودِ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نازِلَةً في اليَهُودِ أيْضًا، واعْلَمْ أنَّ ”اللَّيَّ“ عِبارَةٌ عَنْ عَطْفِ الشَّيْءِ ورَدِّهِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى الِاعْوِجاجِ، يُقالُ: لَوَيْتُ يَدَهُ، والتَوى الشَّيْءُ إذا انْحَرَفَ، والتَوى فُلانٌ عَلَيَّ إذا غَيَّرَ أخْلاقَهُ عَنِ الِاسْتِواءِ إلى ضِدِّهِ، ولَوى لِسانَهُ عَنْ كَذا إذا غَيَّرَهُ، ولَوى فُلانًا عَنْ رَأْيِهِ إذا أمالَهُ عَنْهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ» “، وقالَ تَعالى: ﴿وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] .

إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾ مَعْناهُ وأنْ يَعْمِدُوا إلى اللَّفْظَةِ فَيُحَرِّفُونَها في حَرَكاتِ الإعْرابِ تَحْرِيفًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى، وهَذا كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ فَلا يَبْعُدُ مِثْلُهُ في العِبْرانِيَّةِ، فَلَمّا فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّوْراةِ كانَ ذَلِكَ هو المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.

الثّانِي: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: إنَّ النَّفَرَ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ كَتَبُوا كِتابًا شَوَّشُوا فِيهِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وخَلَطُوهُ بِالكِتابِ الَّذِي كانَ فِيهِ نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قالُوا: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ لَيَّ اللِّسانِ تَثَنِّيهِ بِالتَّشَدُّقِ والتَّنَطُّعِ والتَّكَلُّفِ وذَلِكَ مَذْمُومٌ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قِراءَتِهِمْ لِذَلِكَ الكِتابِ الباطِلِ بِلَيِّ اللِّسانِ ذَمًّا لَهم وعَيْبًا ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْها بِالقِراءَةِ، والعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ ألْفاظِ المَدْحِ والذَّمِّ في الشَّيْءِ الواحِدِ، فَيَقُولُونَ في المَدْحِ: خَطِيبٌ مُصْقِعٌ، وفي الذَّمِّ: مِكْثارٌ ثَرْثارٌ.

فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ المُرادُ قِراءَةُ ذَلِكَ الكِتابِ الباطِلِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ وما هو الكِتابُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَقِيَ هاهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إلى ما يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (لِتَحْسَبُوهُ) ؟

صفحة ٩٥

الجَوابُ: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾ وهو المُحَرَّفُ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يُمْكِنُ إدْخالُ التَّحْرِيفِ في التَّوْراةِ مَعَ شُهْرَتِها العَظِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ ؟ …

Aal-i-Imraan 3:78Listen in Qur'an →
79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

It is not for a human [prophet] that Allah should give him the Scripture and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allah," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ عادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ ما حَرَّفُوهُ ما زَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وأنَّهُ كانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِعِبادَتِهِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ الآيَةَ، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّانِي: قِيلَ «إنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ مِنَ اليَهُودِ ورَئِيسَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ أنْ نَأْمُرَ بِغَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي“»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ:

صفحة ٩٧

«قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» “ .

الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ أحَدًا لا يَنالُ مِن دَرَجاتِ الفَضْلِ والمَنزِلَةِ ما نالُوهُ، فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ وجَبَ أنْ لا تَشْتَغِلُوا بِاسْتِعْبادِ النّاسِ واسْتِخْدامِهِمْ ولَكِنْ يَجِبُ أنْ تَأْمُرُوا النّاسَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ والِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكم أنْ تَحُثُّوا النّاسَ عَلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ، أنَّهم لَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَمَنَعَهُمُ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥]، وقالَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٤] .

الثّانِي: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ لا يَحْسُنُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الكِتابَ والوَحْيَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، …

Aal-i-Imraan 3:79Listen in Qur'an →
80

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۦنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ عادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ ما حَرَّفُوهُ ما زَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وأنَّهُ كانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِعِبادَتِهِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ الآيَةَ، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّانِي: قِيلَ «إنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ مِنَ اليَهُودِ ورَئِيسَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ أنْ نَأْمُرَ بِغَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي“»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ:

صفحة ٩٧

«قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» “ .

الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ أحَدًا لا يَنالُ مِن دَرَجاتِ الفَضْلِ والمَنزِلَةِ ما نالُوهُ، فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ وجَبَ أنْ لا تَشْتَغِلُوا بِاسْتِعْبادِ النّاسِ واسْتِخْدامِهِمْ ولَكِنْ يَجِبُ أنْ تَأْمُرُوا النّاسَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ والِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكم أنْ تَحُثُّوا النّاسَ عَلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ، أنَّهم لَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَمَنَعَهُمُ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥]، وقالَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٤] .

الثّانِي: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ لا يَحْسُنُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الكِتابَ والوَحْيَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، …

Aal-i-Imraan 3:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.