يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
O People of the Scripture, why do you confuse the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن طائِفَةٍ أنَّها تَوَدُّ وتَشْتَهِي أنْ تُضِلَّ المُسْلِمِينَ، أيْ تُتْلِفَهم عن دِينِهِمْ وتَجْعَلَهم في ضَلالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الطائِفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَتَحْتَمِلُ "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ الرُؤَساءَ والأحْبارَ الَّذِينَ يَسْكُنُ الناسُ إلى قَوْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: "يُضِلُّونَكُمْ" مَعْناهُ: يُهْلِكُونَكُمْ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ.
؎ كُنْتَ القَذى في مَوْجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا
وقَوْلِ النابِغَةِ:
؎ فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ... ∗∗∗
البَيْتِ.
وَهَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ خاصٍّ بِاللَفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ هَذا الضَلالُ في الآيَةِ وفي البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ تُفَسَّرَ لَفْظَةُ الضَلالِ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم بِبُعْدِهِمْ عَنِ الإسْلامِ هُمُ الضالُّونَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ لِذَلِكَ أىْ لا يَتَفَطَّنُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ المَأْخُوذِ مِنَ الشَعْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَشْعُرُونَ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم.
ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى مُوَبِّخًا لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي هي آيَةُ القُرْآنِ؛ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ أمْرَهُ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ الَّذِي هو الآتِي بِهِ في كِتابِكُمْ؟ قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَعْجِيزِ العَرَبِ والإعْلامِ بِالغُيُوبِ وتَكَلُّمِ الجَماعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ و"تَشْهَدُونَ" - عَلى هَذا - يَكُونُ بِمَعْنى تَحْضُرُونَ وتُعايِنُونَ. والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُخْبِرُونَ بِصِفَةِ النَبِيِّ الخارِجِ وحالِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، فَإخْبارُهُمُ المُتَقَدِّمُ لِظُهُورِهِ هو الشَهادَةُ الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها. قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عُنِيَ بِها قُرَيْظَةُ والنَضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ ونَصارى نَجْرانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ﴾ مَعْناهُ: تَخْلِطُونَ، تَقُولُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- بِمَعْنى خَلَطْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وتَقُولُ: لَبِسْتُ الثَوْبَ، بِكَسْرِ الباءِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ هو التَوْراةُ المُنَزَّلَةُ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ هو ما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ ونَسَبُوهُ إلى التَوْراةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَقُّ إسْلامُهم بُكْرَةً، والباطِلُ كُفْرُهم عَشِيَّةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَيْفِ وعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ:. تَعالَوْا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ وجْهَ النَهارِ، وَنَكْفُرُ آخِرَهُ، عَسى أنْ نَلْبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ أمْرَهم. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ …