Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 71–80 of 200

71

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O People of the Scripture, why do you confuse the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا …

Aal-i-Imraan 3:71Listen in Qur'an →
72

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will abandon their religion,

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا …

Aal-i-Imraan 3:72Listen in Qur'an →
73

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allah. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand of Allah - He grants it to whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Wise."

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا …

Aal-i-Imraan 3:73Listen in Qur'an →
74

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

He selects for His mercy whom He wills. And Allah is the possessor of great bounty.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا …

Aal-i-Imraan 3:74Listen in Qur'an →
75

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] silver coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned." And they speak untruth about Allah while they know [it].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ لَمَّا ذَكَرَ الله سبحانه وتعالى خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية، ولبسهم الحق بالباطل، وعُتُوِّهم وعنادهم ونفاقهم وتغييرهم للمؤمنين، ذَكَرَ حالَهم في الأمور الدنيوية في المال فقسمهم الله تعالى إلى قسمين فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ وهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُمُّوا أهلَ كتاب؛ لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء؛ فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل.

﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ هنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع فيُقال: ﴿مَنْ إِنْ﴾ خلافًا لما يصدر من بعض الناس حتى من أئمة المساجد فيقول: (مَنِ انْ تأمنْه) هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: (مَنِ انْ تأمنه) جعل الهمزة همزةَ وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ يعود على المخاطَب؛ يعني من إن تأمنه أيها المخاطَب ﴿بِقِنْطَارٍ﴾؛ يعني على قنطار ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب حَدَّهُ بعضُهم بألف دينار، وبعضُهم بملء مَسْكِ الثَّوْرِ -يعني جلدَ الثور- من الدنانير. وعلى كل حال يعني مَن إنْ ائْتَمنه بمال كثير من الذهب يؤدِّه إليك؛ أي: يَرُدُّهُ إليك من غير تغيير ولا نقص، والأداء: هو إبلاغُ الشيء، ومنه: أداءُ الحديث، ومنه: أداء الأمانات؛ أي: إبلاغُها إلى مستحقها. فـ﴿مَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: يعطِهِ إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين.

وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ قراءتان؛ قراءة بالكسر كسر الهاء ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وقراءة أخرى بالسكون ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ .

ومنهم: القسم الثاني الخائن الذي لا يُؤتمن ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾؛ نقول فيها كما قلنا في يؤده ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ﴿لَا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ و﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.

﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾؛ والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛

أي: لا يرده إليك سالمًا بل يَنقصه ويخون فيه ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ يعني إلا إذا بقيت قائمًا عليه مراقبًا له ناظرًا في أحواله، فحينئذٍ تسلم من خيانته؛ أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله عز وجل أهل الكتاب الآن إلى قسمين: قسم أمين إذا ائتمنته على مال كثير لم ينقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل، لم يَنقص من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا ينقص المالَ الكثيرَ شيئًا، مع أن المال الكثير إذا أُخذ منه الشيء القليل لا يتبيَّن، فَائْتِمَانُهُ عند المال القليل من باب أولى.

والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل على واحدة من النقود فإنه لا يؤديها إليك، إلَّا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له فحينئذٍ تَسْلَمُ من شره، وإلَّا فإنه يمكن أن يَنقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار..

* الطلبة: لا يؤدِّه.

* الشيخ: فكذلك لا يؤدِّهْ، وعلى أكثر؟

* الطلبة: من باب أولى.

* الشيخ: من باب أولى.

طيب، في هذه الآية من حيث الإعراب أولًا قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾؛ ﴿مَنْ﴾ محلُّها من الإعراب ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾..

* طالب: خبر.

* الشيخ: مبتدأ، مبتدأ مؤخر ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم، وهو اسمٌ موصول (مَنْ) ويحتاج إلى صلة فأين صلته؟ صلته الجملة الشرطية ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾؛ يعني لا تتم الصلة إلا إذا جاء الشرط وجوابه، فـ﴿إِنْ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:75Listen in Qur'an →
76

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allah - then indeed, Allah loves those who fear Him.

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ لَمَّا ذَكَرَ الله سبحانه وتعالى خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية، ولبسهم الحق بالباطل، وعُتُوِّهم وعنادهم ونفاقهم وتغييرهم للمؤمنين، ذَكَرَ حالَهم في الأمور الدنيوية في المال فقسمهم الله تعالى إلى قسمين فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ وهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُمُّوا أهلَ كتاب؛ لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء؛ فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل.

﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ هنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع فيُقال: ﴿مَنْ إِنْ﴾ خلافًا لما يصدر من بعض الناس حتى من أئمة المساجد فيقول: (مَنِ انْ تأمنْه) هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: (مَنِ انْ تأمنه) جعل الهمزة همزةَ وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ يعود على المخاطَب؛ يعني من إن تأمنه أيها المخاطَب ﴿بِقِنْطَارٍ﴾؛ يعني على قنطار ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب حَدَّهُ بعضُهم بألف دينار، وبعضُهم بملء مَسْكِ الثَّوْرِ -يعني جلدَ الثور- من الدنانير. وعلى كل حال يعني مَن إنْ ائْتَمنه بمال كثير من الذهب يؤدِّه إليك؛ أي: يَرُدُّهُ إليك من غير تغيير ولا نقص، والأداء: هو إبلاغُ الشيء، ومنه: أداءُ الحديث، ومنه: أداء الأمانات؛ أي: إبلاغُها إلى مستحقها. فـ﴿مَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: يعطِهِ إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين.

وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ قراءتان؛ قراءة بالكسر كسر الهاء ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وقراءة أخرى بالسكون ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ .

ومنهم: القسم الثاني الخائن الذي لا يُؤتمن ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾؛ نقول فيها كما قلنا في يؤده ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ﴿لَا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ و﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.

﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾؛ والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾؛

أي: لا يرده إليك سالمًا بل يَنقصه ويخون فيه ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ يعني إلا إذا بقيت قائمًا عليه مراقبًا له ناظرًا في أحواله، فحينئذٍ تسلم من خيانته؛ أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله عز وجل أهل الكتاب الآن إلى قسمين: قسم أمين إذا ائتمنته على مال كثير لم ينقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل، لم يَنقص من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا ينقص المالَ الكثيرَ شيئًا، مع أن المال الكثير إذا أُخذ منه الشيء القليل لا يتبيَّن، فَائْتِمَانُهُ عند المال القليل من باب أولى.

والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل على واحدة من النقود فإنه لا يؤديها إليك، إلَّا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له فحينئذٍ تَسْلَمُ من شره، وإلَّا فإنه يمكن أن يَنقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار..

* الطلبة: لا يؤدِّه.

* الشيخ: فكذلك لا يؤدِّهْ، وعلى أكثر؟

* الطلبة: من باب أولى.

* الشيخ: من باب أولى.

طيب، في هذه الآية من حيث الإعراب أولًا قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾؛ ﴿مَنْ﴾ محلُّها من الإعراب ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾..

* طالب: خبر.

* الشيخ: مبتدأ، مبتدأ مؤخر ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم، وهو اسمٌ موصول (مَنْ) ويحتاج إلى صلة فأين صلته؟ صلته الجملة الشرطية ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ﴾؛ يعني لا تتم الصلة إلا إذا جاء الشرط وجوابه، فـ﴿إِنْ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:76Listen in Qur'an →
77

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who exchange the covenant of Allah and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allah will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذه الآية لها صلة بما قبلها وهي أن هذا العمل من جنس العمل السابق الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فهذه الآية فيها أيضًا نوع من أكل أموال الناس بالباطل.

قوله: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ يقال: يشترون ويقال: يَشْرُون فما الفرق بينهما؟

* طالب: يشترون؟

* الشيخ: نعم، الفرق بين (يشترون) و(يشرون)؟

* الطالب: في المعنى؟

* الشيخ: إي بالمعنى!

* الطالب: (...).

* الشيخ: ما بينهما فرق؟ لا، بينهما فرق؟

* طالب: يشرون؛ أي: يبيعون.

* الشيخ:يشرون يعني يبيعون، ويشترون؟

* الطالب: يشترون.

* الشيخ: نعم، يعني فالبائع مُعْطٍ والمشتري آخذ؛ الشاهد لهذا من القرآن قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء ٧٤]. يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] أي يبيع نفسه. وأما الاشتراء الذي بمعنى الأخذ ففي مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ يعني يأخذون ثمنًا قليلًا بعهد الله فينكثون عهدَ الله من بعد ميثاقه ويحلفون على الكذب بالأيمان من أجل الدنيا. وقوله: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يَحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الله عليه، ويحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الخلق عليه. فأما على الأول؛ أي بما عاهدوا الله عليه فهو ظاهر من الآية؛ لأن الله أراد العهد إليه، ومثالُه أن يكتم العالِمُ علمَه من أجل عرض من الدنيا؛ فإن الله عَهِدَ إلى العلماء أن يُبَيِّنُوا العلم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. فإن قال قائل: كيف أخذ الله العهد على العلماء ونحن لم نعلم أن أحدًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ هل علمتم أن عالمًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ لا، لكن لما أعطى الله العلماء العلم كان إعطاؤهم إياه عهدًا بأنْ أيش؟ يقوموا بنشره وإعلانه بين الخلق، فإذا لم يقوموا بذلك فإنهم لم يَفُوا بعهد الله.

القول الثاني: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعهدهم مع الناس وأضافه الله إلى نفسه بعهد الله؛ لأنه أمر بالوفاء به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١]. فسمى الله معاهدة الناس المؤمنين لغيرهم سماها أيش؟ عهدًا له ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ مع أنهم ما عاهدوا الله وإنما عاهدوا الخلق لكنه أضافه إلى نفسه؛ لأنه أمر بالوفاء به فصحَّ أن يقال: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾.

إذن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يشمل المعنيين جميعًا؛ أي: بما عاهدوا الله عليه، أو بما عاهدوا الخلق عليه؛ فعلى الوجه الأول المعنى..

* الطلبة: ظاهر..

* الشيخ: ظاهر واضح ما فيه إشكال، وعلى الثاني فيه شيء من الإشكال؛ حيث سمى عهد المخلوقين عهدًا لله ولكن الجواب عنه أن يُقال: أضافه الله لنفسه لأنه أمر بوفائه.

وقوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾؛ يعني ويشترون أيضًا بأيمانهم ثمنًا قليلًا، والأيمان جمع يمين وهي الْحَلِفُ بالله عز وجل، فيشترون باليمين ثمنًا قليلًا؛ مثل أن يحلف على جحد حق واجب عليه، أو يحلف على دعوى حق ليس له. مفهوم؟ يحلف على جحد حقٍّ واجبٍ عليه، أو يحلف على دعوى حقٍّ ليس له وهو كاذب، وهذه هي اليمين الغموس التي قال عنها رسول الله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»[[متفق عليه؛ …

Aal-i-Imraan 3:77Listen in Qur'an →
78

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allah," but it is not from Allah. And they speak untruth about Allah while they know.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨]:

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥] وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ اللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي.

واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع.

النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به.

فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله.

والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي.

والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟

* طلبة: للعاقبة.

* طالب: للتعليل.

* الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي.

* طلبة: للعاقبة.

* الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه.

هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟

الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.

أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا.

﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، ﴿يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٨].

ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ …

Aal-i-Imraan 3:78Listen in Qur'an →
79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

It is not for a human [prophet] that Allah should give him the Scripture and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allah," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨]:

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥] وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ اللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي.

واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع.

النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به.

فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله.

والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي.

والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟

* طلبة: للعاقبة.

* طالب: للتعليل.

* الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي.

* طلبة: للعاقبة.

* الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه.

هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟

الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.

أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا.

﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، ﴿يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٨].

ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ …

Aal-i-Imraan 3:79Listen in Qur'an →
80

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۦنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨]:

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران ٧٥] وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ اللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي.

واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع.

النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به.

فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله.

والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي.

والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟

* طلبة: للعاقبة.

* طالب: للتعليل.

* الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي.

* طلبة: للعاقبة.

* الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه.

هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟

الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.

أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا.

﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، ﴿يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٧٨].

ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ …

Aal-i-Imraan 3:80Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.