Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 200

71

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O People of the Scripture, why do you confuse the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أيْ: تَسْتُرُونَ الحَقَّ المُنَزَّلَ بِتَمْوِيهاتِكم الباطِلَةِ: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَقْبَلُ تَمْوِيهًا ولا تَحْرِيفًا: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عالِمِينَ بِما تَكْتُمُونَهُ مِن حَقِّيَتِهِ وقَدْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، ويَلْبِسُونَ عَلى النّاسِ في ذَلِكَ، كَدَأْبِهِمْ في غَيْرِهِ. وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى قُبْحِ كِتْمانِ الحَقِّ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ وفُرُوعُهُ والفُتْيا والشَّهادَةُ. وعَلى قُبْحِ التَّلْبِيسِ. فَيَجِبُ حَلُّ الشُّبْهَةِ وإبْطالُها.

Aal-i-Imraan 3:71Listen in Qur'an →
72

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will abandon their religion,

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٢ ] ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ: أوَّلَهُ: ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن تَلْبِيساتِهِمْ. وهي مَكِيدَةٌ أرادُوها لِيَلْبِسُوا عَلى الضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أمْرَ دِينِهِمْ، وهو أنَّهم اشْتَوَرُوا بَيْنَهم أنْ يُظْهِرُوا الإيمانَ أوَّلَ النَّهارِ ويُصَلُّوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإذا جاءَ آخِرُ النَّهارِ ارْتَدُّوا إلى دِينِهِمْ. فَيَظُنُّ الضُّعَفاءُ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم إلّا الحَقُّ، وأنَّهُ ما رَدَّهم عَنْ الدِّينِ بَعْدَ اتِّباعِهِمْ لَهُ وتَرْكِ العِنادَ، وهم أُولُو عِلْمٍ وأهْلُ كِتابٍ، إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ لَهم، ولِهَذا قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: عَنْ الإسْلامِ كَما رَجَعْتُمْ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الرّازِيُّ: الفائِدَةُ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ مِن وُجُوهٍ:

اَلْأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ كانَتْ مَخْفِيَّةً فِيما بَيْنَهم وما أطْلَعُوا عَلَيْها أحَدًا مِنَ الأجانِبِ، فَلَمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ عَنْها كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

اَلثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَها أثَرٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ولَوْلا هَذا الإعْلامُ لَكانَ رُبَّما أثَّرَتْ في قَلْبِ بَعْضِ مَن في إيمانِهِ ضَعْفٌ.

اَلثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا افْتَضَحُوا في هَذِهِ الحِيلَةِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنْ الإقْدامِ عَلى أمْثالِها مِنَ الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ.

Aal-i-Imraan 3:72Listen in Qur'an →
73

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allah. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand of Allah - He grants it to whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Wise."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ، أيْ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا تابِعًا لِشَرِيعَتِكم، لا مَن جاءَ بِغَيْرِها، أوْ: ولا تُؤْمِنُوا ذَلِكَ الإيمانَ المُتَقَدِّمَ، وهو إيمانُهم وجْهَ النَّهارِ، إلّا لِأجْلِ حِفْظِ أتْباعِكم وأشْياعِكم وبَقائِهِمْ عَلى دِينِكم: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو اَلْإسْلامُ وقَدْ جِئْتُكم بِهِ، وما عَداهُ ضَلالٌ، فَلا يَنْفَعُكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِنّا بَعْدَ أنْ هَدانا اللَّهُ. ثُمَّ وصَلَ بِهِ تَقْرِيعَهم فَقالَ: (أنْ) بِمَدِّ الألِفِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ. وتَقْدِيرُها في قِراءَةِ غَيْرِهِ، أيْ: دَعاكم الحَسَدُ والبَغْيُ حَتّى قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ ودَبَّرْتُمُوهُ الآنَ: ﴿يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والعِلْمِ والكِتابِ: ﴿أوْ﴾ كَراهَةَ أنْ: ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ أُوتُوا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بِالشَّهادَةِ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم آمَنُوا وكَفَرْتُمْ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ فَيَفْضَحُكم: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ﴾ أيْ: بِإنْزالِ الآياتِ وغَيْرِها: ﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَلا يُمْكِنُكم مَنعُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ العَطاءِ: ﴿عَلِيمٌ﴾

Aal-i-Imraan 3:73Listen in Qur'an →
74

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

He selects for His mercy whom He wills. And Allah is the possessor of great bounty.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ فَيَزِيدُهُ فَضْلًا عَلَيْكم: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

Aal-i-Imraan 3:74Listen in Qur'an →
75

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] silver coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned." And they speak untruth about Allah while they know [it].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٥ ] ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ بِالمُطالَبَةِ والتَّرافُعِ وإقامَةِ البَيِّنَةِ، فَلا يَبْعُدُ مِنهُ الخِيانَةُ مَعَ اللَّهِ بِكِتْمانِ ما أمَرَهُ بِإظْهارِهِ طَمَعًا في إبْقاءِ الرِّئاسَةِ والرِّشا عَلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عِلَّةَ الخِيانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: ذَلِكَ الِاسْتِحْلالُ والخِيانَةُ هو بِسَبَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْنا مِن أمْوالِ العَرَبِ عِقابٌ ومُؤاخَذَةٌ فَهم يَخُونُونَ الخَلْقَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: في الِاعْتِذارِ عَنْهُ: ﴿عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ وغَيْرِهِ، فَيَخُونُونَهُ أيْضًا: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ وافْتِراءٌ لِتَحْرِيمِ الغَدْرِ عَلَيْهِمْ. كَما هو في التَّوْراةِ. وقَدْ مَضى نَقْلُهُ في البَقَرَةِ في آيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] فارْجِعْ إلَيْهِ.

Aal-i-Imraan 3:75Listen in Qur'an →
76

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allah - then indeed, Allah loves those who fear Him.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦ ] ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾

﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ (بَلى) إمّا لِإثْباتِ ما نَفَوْهُ مِنَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ، أيْ: بَلى عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، فالوَقْفُ حِينَئِذٍ عَلى (بَلى) وقْفُ التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ (بَلى) مَسَدَّها. وإمّا لِابْتِداءِ جُمْلَةٍ بِلا مُلاحَظَةِ كَوْنِها جَوابًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَلى) قَدْ تُذْكَرُ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ يُذْكَرُ بَعْدَها - كَما نَقَلَهُ الرّازِيُّ - وهَذا هو الَّذِي أرْتَضِيهِ. وإنْ اقْتَصَرَ (الكَشّافُ) ومُقَلِّدُوهُ عَلى الأوَّلِ. وقَدْ ذَكَرُوا في (نَعَمْ) أنَّها تَأْتِي لِلتَّوْكِيدِ إذا وقَعَتْ صَدْرًا. نَحْوَ: نَعَمْ هَذِهِ أطْلالُهم، فَلْتَكُنْ (بَلى) كَذَلِكَ، فَإنَّهُما أخَوانِ، وإنْ تَخالَفا في صُوَرٍ، وعَلى هَذا فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى (بَلى) . والضَّمِيرُ في: ﴿بِعَهْدِهِ﴾ إمّا لِاسْمِ (اللَّهِ) في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] عَلى مَعْنى: إنَّ كُلَّ مَن أوْفى بِعَهْدِ اللَّهِ واتَّقاهُ في تَرْكِ الخِيانَةِ والغَدْرِ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وإمّا لـ: ﴿مَن أوْفى﴾ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ واتَّقاهُ فَإنَّهُ يُحِبُّهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ فَهَذا عامٌّ، يُخَيَّلُ أنَّهُ ولَوْ وفّى أهْلُ الكِتابِ بِعُهُودِهِمْ وتَرَكُوا اَلْخِيانَةَ لَكَسَبُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ. قُلْتُ: أجَلْ لِأنَّهم إذا وفَّوْا بِالعُهُودِ، وفَّوْا أوَّلَ شَيْءٍ بِالعَهْدِ الأعْظَمِ وهو ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَهم، ولَوْ اتَّقَوْا اللَّهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ لاتَّقَوْهُ في تَرْكِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وتَحْرِيفِ كَلِمِهِ. انْتَهى.

Aal-i-Imraan 3:76Listen in Qur'an →
77

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who exchange the covenant of Allah and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allah will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أيْ: يَسْتَبْدِلُونَ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما أخَذَهم عَلَيْهِ في كِتابِهِ، أوْ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم: ﴿وأيْمانِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَقَدُوها بِالتِزامِ مُتابَعَةِ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِنَ الدُّنْيا الزّائِلَةِ الحَقِيرَةِ الَّتِي لا نِسْبَةَ لِجَمِيعِها إلى أدْنى ما فَوَّتُوهُ: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ﴾ أيْ: لا نَصِيبَ ثَوابٍ: ﴿لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وذَلِكَ لِحَجْبِهِمْ عَنْ مَقاماتِ قُرْبِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ كَما يُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ، أوْ لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِالنّارِ. واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:

اَلْأُولى: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدًا لِلَّهِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أوْ حَلَفَ كاذِبًا، فَإنَّهُ قَدْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً.

الثّانِيَةُ: في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] قالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ شِدَّةِ سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ كَلامَهُ فَإنَّما ذَلِكَ بِسُخْطٍ عَلَيْهِ، وإذا سَخِطَ إنْسانٌ عَلى آخَرَ قالَ لَهُ: لا أُكَلِّمُكَ. وقَدْ يَأْمُرُ بِحَجْبِهِ عَنْهُ، ويَقُولُ: لا أرى وجْهَ فُلانٍ، وإذا جَرى ذِكْرُهُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِالجَمِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ. ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إسْماعُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أوْلِياءَهُ كَلامَهُ بِغَيْرِ سَفِيرٍ تَشْرِيفًا عالِيًا يَخْتَصُّ بِهِ أوْلِياءَهُ. ولا يُكَلِّمُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ والفُسّاقِ، وتَكُونُ المُحاسَبَةُ مَعَهم بِكَلامِ المَلائِكَةِ. ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى الآيَةِ لا يُكَلِّمُهم بِكَلامٍ يَسُرُّهم ويَنْفَعُهم، والكُلُّ حَسَنٌ.

الثّالِثَةُ: رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن حَلَفَ عَلى مالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» . قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْداقَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ». وفي رِوايَةٍ قالَ: ««مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآيَةُ. فَدَخَلَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الكِنْدِيُّ فَقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْنا: كَذا وكَذا، فَقالَ: صَدَقَ، فِيَّ نَزَلَتْ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بِئْرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شاهِداكَ أوْ يَمِينُهُ» . قُلْتُ: إنَّهُ إذًا يَحْلِفُ ولا …

Aal-i-Imraan 3:77Listen in Qur'an →
78

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allah," but it is not from Allah. And they speak untruth about Allah while they know.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨ ] ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى عَنْ اليَهُودِ، عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ، أنَّ مِنهم فَرِيقًا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ويُبَدِّلُونَ كَلامَ اللَّهِ، ويُزِيلُونَهُ عَنْ المُرادِ بِهِ، لِيُوهِمُوا الجَهَلَةَ أنَّهُ في كِتابِ اللَّهِ كَذَلِكَ، ويَنْسُبُونَهُ إلى اللَّهِ، وهو كَذِبٌ عَلى اللَّهِ، وهم يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا وافْتَرَوْا في ذَلِكَ كُلِّهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ، ويُحَرِّفُونَهُ. وهَكَذا رَوى البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم يُحَرِّفُونَ ويُزِيلُونَ. ولَيْسَ أحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتابٍ مَن كُتُبِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَكِنَّهم يُحَرِّفُونَهُ: يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ، ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ، وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ويَقُولُونَ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ. رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنْ عَنى وهْبٌ ما بِأيْدِيهِمْ مِن ذَلِكَ، فَلا شَكَّ أنَّهُ قَدْ دَخَلَها التَّبْدِيلُ والتَّحْرِيفُ والزِّيادَةُ والنَّقْصُ. وأمّا تَعْرِيبُ ذَلِكَ المُشاهَدُ بِالعَرَبِيَّةِ، فَفِيهِ خَطَأٌ كَبِيرٌ وزِياداتٌ كَثِيرَةٌ ونُقْصانٌ ووَهْمٌ فاحِشٌ. وهو مِن بابِ تَفْسِيرِ المُعْرَّبِ المُعَبِّرِ، وفَهْمُ كَثِيرٍ مِنهم فاسِدٌ. وأمّا إنْ عَنى كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي هي كُتُبُهُ مِن عِنْدِهِ، فَتِلْكَ كَما قالَ، مَحْفُوظَةٌ لَمْ يَدْخُلْها شَيْءٌ - انْتَهى - وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الإسْرائِيلِيّاتِ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهم عَلَيْهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - بَيَّنَ افْتِراءَهم عَلى رُسُلِهِ إذْ زَعَمُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:

Aal-i-Imraan 3:78Listen in Qur'an →
79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

It is not for a human [prophet] that Allah should give him the Scripture and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allah," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩ ] ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ. وفي التَّعْبِيرِ بِبَشَرٍ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِما افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ: ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ أيْ: الفَهْمَ والعِلْمَ أوْ الحِكْمَةَ: ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ وهي الخَبَرُ مِنهُ تَعالى لِيَدْعُوَ النّاسُ إلى اللَّهِ بِتَرْكِ الأنْدادِ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: الَّذِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى عِبادَتِهِ وحْدَهُ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ: اتَّخِذُونِي رَبًّا: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ﴾ يَقُولُ لَهم: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ: مَنسُوبِينَ إلى الرَّبِّ لِاسْتِيلاءِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِمْ وطَمْسِ البَشَرِيَّةِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ عامِلِينَ مُعَلِّمِينَ تالِينَ لَكُتُبَ اللَّهِ. أيْ: كُونُوا عابِدِينَ مُرْتاضِينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ، حَتّى تَصِيرُوا رَبّانِيِّينَ بِغَلَبَةِ النُّورِ عَلى الظُّلْمَةِ - أفادَهُ القاشانِيُّ -: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِ النّاسِ الكِتابَ ودِراسَتِهِ، أيْ: قِراءَتِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ يَجُرُّكم إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ.

Aal-i-Imraan 3:79Listen in Qur'an →
80

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۦنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠ ] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِالعَوْدِ إلَيْهِ وقَدْ بُعِثَ لِمَحْوِ الشِّرْكِ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِقْرارِكم عَلى الإسْلامِ.

تَنْبِيهاتٌ:

اَلْأوَّلُ: إذا كانَ ما ذُكِرَ في الآيَةِ لا يَصْلُحُ لِنَبِيٍّ ولا لِمُرْسَلٍ، فَلَأنْ لا يَصْلُحَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ غَيْرَهم، بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى.

ولِهَذا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا يَنْبَغِي هَذا لِمُؤْمِنٍ، أنْ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ كانَ يَعْبُدُ بَعْضُهم بَعْضًا - يَعْنِي: أهْلَ الكِتابِ - كانُوا يَعْبُدُونَ أحْبارَهم ورُهْبانَهم، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآيَةُ، وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ - كَما سَيَأْتِي - «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَبَدُوهم. قالَ: بَلى، إنَّهم أحَلُّوا لَهم الحَرامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الحَلالَ، فاتَّبَعُوهم، فَذَلِكَ عِبادَتُهم إيّاهم». فالجَهَلَةُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ ومَشايِخِ الضَّلالِ يَدْخُلُونَ في هَذا الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ، بِخِلافِ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ مِنَ العُلَماءِ العامِلِينَ، فَإنَّهم إنَّما يَأْمُرُونَ بِما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وبَلَّغَتْهم إيّاهُ الرُّسُلُ الكِرامُ، وإنَّما يَنْهَوْنَهم عَمّا نَهاهم اللَّهُ عَنْهُ وبَلَّغَتْهم إيّاهُ رُسُلُهُ الكِرامُ - قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .

اَلثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ باعِثٍ لِمَن عَلَّمَ عَلى أنْ يَعْمَلَ، وأنَّ مِن أعْظَمِ العَمَلِ بِالعِلْمِ تَعْلِيمُهُ والإخْلاصُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. والدِّراسَةُ: مُذاكَرَةُ العِلْمِ والفِقْهِ. فَدَلَّتْ الآيَةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الإنْسانِ رَبّانِيًّا، فَمَن اشْتَغَلَ بِها، لا لِهَذا المَقْصُودِ، فَقَدْ ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ عَمَلُهُ، وكانَ مَثَلُهُ مَثَلُ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ مُونِقَةً بِمَنظَرِها، ولا مَنفَعَةَ بِثَمَرِها، ولِهَذا قالَ ﷺ: ««نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وقَلْبٍ لا يَخْشَعُ»» كَذا في فَتْحِ البَيانِ والرّازِيِّ.

اَلثّالِثُ: قُرِئَ في السَّبْعِ: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: ولا يَأْمُرُكم اللَّهُ أوْ النَّبِيُّ، وبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ثُمَّ يَقُولَ، (ولا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ.

Aal-i-Imraan 3:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.