Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 200

61

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."

﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] لِما فِيهِ مِن إيماءٍ إلى أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مُمْتَرُونَ في هَذا الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لَهم في هَذِهِ الآياتِ: أيْ فَإنِ اسْتَمَرُّوا عَلى مُحاجَّتِهِمْ إيّاكَ مُكابَرَةً في هَذا الحَقِّ أوْ في شَأْنِ عِيسى فادْعُهم إلى المُباهَلَةِ والمُلاعَنَةِ. ذَلِكَ أنَّ تَصْمِيمَهم عَلى مُعْتَقَدِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنِ العِلْمِ وبَيَّنْتَ لَهم، فَلَمْ يَبْقَ أوْضَحُ مِمّا حاجَجْتَهم بِهِ فَعَلِمْتَ أنَّهم إنَّما يُحاجُّونَكَ عَنْ مُكابَرَةٍ، وقِلَّةِ يَقِينٍ، فادْعُهم إلى المُباهَلَةِ بِالمُلاعَنَةِ المَوْصُوفَةِ هُنا.

و”تَعالَوْا“ اسْمُ فِعْلٍ لِطَلَبِ القُدُومِ، وهو في الأصْلِ أمْرٌ مِن تَعالى يَتَعالى إذا قَصَدَ العُلُوَّ، فَكَأنَّهم أرادُوا في الأصْلِ أمْرًا بِالصُّعُودِ إلى مَكانٍ عالٍ تَشْرِيفًا لِلْمَدْعُوِّ، ثُمَّ شاعَ

صفحة ٢٦٥

حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الأمْرِ بِالقُدُومِ أوِ الحُضُورِ، وأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أحْوالُ اسْمِ الفِعْلِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى فَتْحِ آخِرِهِ، وأمّا قَوْلُ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ:

أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي

فَقَدْ لَحَّنُوهُ فِيهِ.

ومَعْنى ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ ائْتُوا وادْعُوا أبْناءَكم ونَحْنُ نَدْعُو أبْناءَنا إلى آخِرِهِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ إلى آخِرِهِ.

و”ثُمَّ“ هُنا لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ.

والِابْتِهالُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَهْلِ وهو الدُّعاءُ بِاللَّعْنِ ويُطْلَقُ عَلى الِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ مُطْلَقًا لِأنَّ الدّاعِيَ بِاللَّعْنِ يَجْتَهِدُ في دُعائِهِ، والمُرادُ في الآيَةِ المَعْنى الأوَّلُ.

ومَعْنى ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ فَنَدْعُ بِإيقاعِ اللَّعْنَةِ عَلى الكاذِبِينَ. وهَذا الدُّعاءُ إلى المُباهَلَةِ إلْجاءٌ لَهم إلى أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ أوْ يَكُفُّوا. رَوى المُفَسِّرُونَ وأهْلُ السِّيرَةِ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُلاعَنَةِ قالَ لَهُمُ العاقِبُ: لا نُلاعِنُهُ، فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيئًا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ أبَدًا ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا. فَلَمْ يُجِيبُوا إلى المُباهَلَةِ وعَدَلُوا إلى المُصالَحَةِ كَما سَيَأْتِي.

وهَذِهِ المُباهَلَةُ لَعَلَّها مِن طُرُقِ التَّناصُفِ عِنْدَ النَّصارى فَدَعاهم إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

وإنَّما جَمَعَ في المُلاعَنَةِ الأبْناءَ والنِّساءَ: لِأنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مُكابَرَتُهم في الحَقِّ وحُبُّ الدُّنْيا، عُلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ يَكُونُ أهْلُهُ ونِساؤُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] وأنَّهُ يَخْشى سُوءَ العَيْشِ وفُقْدانَ الأهْلِ، ولا يَخْشى عَذابَ الآخِرَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ أنَّهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والَّذِينَ يَحْضُرُهم لِذَلِكَ وأبْناءُ أهْلِ الوَفْدِ ونِساؤُهُمُ اللّائِي كُنَّ مَعَهم.

صفحة ٢٦٦

والنِّساءُ: الأزْواجُ لا مَحالَةَ، وهو إطْلاقٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ إذا أُضِيفَ لَفْظُ النِّساءِ إلى واحِدٍ أوْ جَماعَةٍ دُونَ ما إذا ورَدَ غَيْرَ مُضافٍ، قالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ …

Aal-i-Imraan 3:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allah. And indeed, Allah is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ هَذا لَهْو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها بِالواوِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”الكاذِبِينَ“ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًا لِلَّهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ غُلِبَ، فَإثْباتُ أنَّهُ عَبْدٌ هو الحَقُّ.

واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى.

صفحة ٢٦٧

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهو القَصَصُ ضَمِيرُ فَصْلٍ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ الَّتِي أفادَها ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لِأنَّ اللّامَ وحْدَها مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ، وضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ هَذا القَصَصُ لا ما تَقُصُّهُ كُتُبُ النَّصارى وعَقائِدُهم.

و القَصَصُ بِفَتْحِ القافِ والصّادِ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، يُقالُ: قَصَّ الخَبَرَ قَصًّا: إذا أخْبَرَ بِهِ، والقَصُّ أخَصُّ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ القَصَّ إخْبارٌ بِخَبَرٍ فِيهِ طُولٌ وتَفْصِيلٌ وتُسَمّى الحادِثَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبَرَ بِها - قِصَّةً بِكَسْرِ القافِ أيْ مَقْصُوصَةً أيْ مِمّا يَقُصُّها القُصّاصُ، ويُقالُ لِلَّذِي يَنْتَصِبُ لِتَحْدِيثِ النّاسِ بِأخْبارِ الماضِينَ قَصّاصٌ بِفَتْحِ القافِ. فالقَصَصُ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ ولَيْسَ هو مَصْدَرًا، ومَن جَرى عَلى لِسانِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَذَلِكَ تَسامُحٌ مِن تَسامُحِ الأقْدَمِينَ، فالقَصُّ بِالإدْغامِ مَصْدَرٌ، والقَصَصُ بِالفَكِّ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ واسْمٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُوصِ.

وقَوْلُهُ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ تَأْكِيدٌ لِحَقِّيَّةِ هَذا القَصَصِ. ودَخَلَتْ ”مِنَ“ الزّائِدَةُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى قَصْدِ نَفْيِ الجِنْسِ لِتَدُلَّ الجُمْلَةُ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِالصَّراحَةِ ودَلالَةِ المُطابَقَةِ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الوَحْدَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَيُوهِمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلاهانِ أوْ أكْثَرُ في شِقٍّ آخَرَ، وإنْ كانَ هَذا يَئُولُ إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَكِنْ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ.

وقَوْلُهُ: وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - فِيهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحُكْمِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ إلَهِيَّةِ المَسِيحِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ مِنَ النَّصارى، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ قَتَلَهُ اليَهُودُ وذَلِكَ ذِلَّةٌ وعَجْزٌ لا يَلْتَئِمانِ مَعَ الإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ وهو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا إبْطالٌ لِإلَهِيَّتِهِ عَلى اعْتِقادِنا؛ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا لِإنْقاذِهِ مِن أيْدِي الظّالِمِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ فَقُلْ تَعالَوْا، وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ إذْ نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ، وقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا الحَقَّ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا أبَوُا المُباهَلَةَ، قالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا. فَأبَوْا، فَقالَ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، فَأبَوْا، فَقالَ لَهم: فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ

صفحة ٢٦٨

أيْ أتْرُكُ لَكُمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا، فَقالُوا: ما لَنا طاقَةٌ بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُصالِحُكَ عَلى ألّا تَغْزُوَنا ولا …

Aal-i-Imraan 3:62Listen in Qur'an →
63

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ

But if they turn away, then indeed - Allah is Knowing of the corrupters.

﴿إنَّ هَذا لَهْو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها بِالواوِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”الكاذِبِينَ“ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًا لِلَّهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ غُلِبَ، فَإثْباتُ أنَّهُ عَبْدٌ هو الحَقُّ.

واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى.

صفحة ٢٦٧

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهو القَصَصُ ضَمِيرُ فَصْلٍ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ الَّتِي أفادَها ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لِأنَّ اللّامَ وحْدَها مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ، وضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ هَذا القَصَصُ لا ما تَقُصُّهُ كُتُبُ النَّصارى وعَقائِدُهم.

و القَصَصُ بِفَتْحِ القافِ والصّادِ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، يُقالُ: قَصَّ الخَبَرَ قَصًّا: إذا أخْبَرَ بِهِ، والقَصُّ أخَصُّ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ القَصَّ إخْبارٌ بِخَبَرٍ فِيهِ طُولٌ وتَفْصِيلٌ وتُسَمّى الحادِثَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبَرَ بِها - قِصَّةً بِكَسْرِ القافِ أيْ مَقْصُوصَةً أيْ مِمّا يَقُصُّها القُصّاصُ، ويُقالُ لِلَّذِي يَنْتَصِبُ لِتَحْدِيثِ النّاسِ بِأخْبارِ الماضِينَ قَصّاصٌ بِفَتْحِ القافِ. فالقَصَصُ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ ولَيْسَ هو مَصْدَرًا، ومَن جَرى عَلى لِسانِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَذَلِكَ تَسامُحٌ مِن تَسامُحِ الأقْدَمِينَ، فالقَصُّ بِالإدْغامِ مَصْدَرٌ، والقَصَصُ بِالفَكِّ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ واسْمٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُوصِ.

وقَوْلُهُ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ تَأْكِيدٌ لِحَقِّيَّةِ هَذا القَصَصِ. ودَخَلَتْ ”مِنَ“ الزّائِدَةُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى قَصْدِ نَفْيِ الجِنْسِ لِتَدُلَّ الجُمْلَةُ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِالصَّراحَةِ ودَلالَةِ المُطابَقَةِ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الوَحْدَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَيُوهِمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلاهانِ أوْ أكْثَرُ في شِقٍّ آخَرَ، وإنْ كانَ هَذا يَئُولُ إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَكِنْ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ.

وقَوْلُهُ: وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - فِيهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحُكْمِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ إلَهِيَّةِ المَسِيحِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ مِنَ النَّصارى، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ قَتَلَهُ اليَهُودُ وذَلِكَ ذِلَّةٌ وعَجْزٌ لا يَلْتَئِمانِ مَعَ الإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ وهو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا إبْطالٌ لِإلَهِيَّتِهِ عَلى اعْتِقادِنا؛ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا لِإنْقاذِهِ مِن أيْدِي الظّالِمِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ فَقُلْ تَعالَوْا، وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ إذْ نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ، وقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا الحَقَّ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا أبَوُا المُباهَلَةَ، قالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا. فَأبَوْا، فَقالَ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، فَأبَوْا، فَقالَ لَهم: فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ

صفحة ٢٦٨

أيْ أتْرُكُ لَكُمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا، فَقالُوا: ما لَنا طاقَةٌ بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُصالِحُكَ عَلى ألّا تَغْزُوَنا ولا …

Aal-i-Imraan 3:63Listen in Qur'an →
64

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allah and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allah." But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ .

رُجُوعٌ إلى المُجادَلَةِ، بَعْدَ انْقِطاعِها بِالدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ، بَعَثَ عَلَيْهِ الحِرْصُ عَلى إيمانِهِمْ، وإشارَةٌ إلى شَيْءٍ مِن زَيْغِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَنْ حَقِيقَةِ إسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. وقَدْ جِيءَ في هَذِهِ المُجادَلَةِ بِحُجَّةٍ لا يَجِدُونَ عَنْها مَوْئِلًا، وهي دَعْوَتُهم إلى تَخْصِيصِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِ عَقِيدَةِ إشْراكِ غَيْرِهِ في الإلَهِيَّةِ. فَجُمْلَةُ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِجُمْلَةِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا﴾ [آل عمران: ٦١] لِأنَّ مَدْلُولَ الأُولى احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِضِعْفِ ثِقَتِهِمْ بِأحَقِّيَّةِ اعْتِقادِهِمْ، ومَدْلُولَ هَذِهِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ. والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا النَّصارى: لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا المَخْلُوقَ رَبًّا وعَبَدُوهُ مَعَ اللَّهِ.

وتَعالَوْا هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في طَلَبِ الِاجْتِماعِ عَلى كَلِمَةٍ سَواءٍ وهو تَمْثِيلٌ: جُعِلَتِ الكَلِمَةُ المُجْتَمَعُ عَلَيْها بِشِبْهِ المَكانِ المُرادِ الِاجْتِماعُ عِنْدَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”تَعالَوْا“ قَرِيبًا.

والكَلِمَةُ هُنا أُطْلِقَتْ عَلى الكَلامِ الوَجِيزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .

صفحة ٢٦٩

و”سَواءٌ“ هُنا اسْمُ مَصْدَرِ الِاسْتِواءِ، قِيلَ بِمَعْنى العَدْلِ، وقِيلَ بِمَعْنى قَصْدٍ لا شَطَطَ فِيها، وهَذانِ يَكُونانِ مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ سَواءٌ وسِوًى وسَوًى بِمَعْنى مُتَوَسِّطٍ قالَ تَعالى: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِمَعْنى ما يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَإنَّ اتِّخاذَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا، لا يَكُونُ عَلى اسْتِواءِ حالٍ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. وعَلى كُلِّ مَعْنًى فالسَّواءُ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ، وُصِفَ بِهِ ”كَلِمَةٍ“ وهو لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ، لِأنَّ الوَصْفَ بِالمَصْدَرِ واسْمِ المَصْدَرِ لا مُطابَقَةَ فِيهِ.

وألّا نَعْبُدَ بَدَلٌ مِن ”كَلِمَةٍ“ وقالَ جَماعَةٌ: هو بَدَلٌ مِن ”سَواءٍ“ ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ، في النَّوْعِ الثّانِي مِنَ الجِهَةِ السّادِسَةِ مِن جِهاتِ قَواعِدِ الإعْرابِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ، واعْتَرَضَهُ الدَّمامِينِيُّ وغَيْرُهُ.

والحَقُّ أنَّهُ مَرْدُودٌ مِن جِهَةِ مُراعاةِ الِاصْطِلاحِ لا مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ ”سَواءٍ“ وصْفٌ لِـ ”كَلِمَةٍ“ و”ألّا نَعْبُدَ“ لَوْ جُعِلَ بَدَلًا مِن ”سَواءٍ“ آلَ إلى كَوْنِهِ في قُوَّةِ الوَصْفِ لِـ ”كَلِمَةٍ“ ولا يَحْسُنُ وصْفُ ”كَلِمَةٍ“ بِهِ.

وضَمِيرُ ”بَيْنَنا“ عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ: وهو النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ .

ويُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ إلى آخِرِهِ، التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ عَبَدُوا المَسِيحَ كُلِّهِمْ.

وقَوْلُهُ فَإنْ تَوَلَّوْا جِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ التَّوَلِّيَ بَعْدَ نُهُوضِ هَذِهِ الحُجَّةِ وما قَبْلَها مِنَ الأدِلَّةِ غَرِيبُ الوُقُوعِ، فالمَقامُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو صالِحٌ لِاقْتِلاعِ حُصُولِ هَذا الشَّرْطِ، فَصارَ فِعْلُ الشَّرْطِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ نادِرَ الوُقُوعِ مَفْرُوضًا، وذَلِكَ مِن مَواقِعِ ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ …

Aal-i-Imraan 3:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

صفحة ٢٧٠

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن دُعائِهِمْ لِكَلِمَةِ الحَقِّ الجامِعَةِ لِحَقِّ الدِّينِ، إلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهُمُ الباطِلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِ إبْراهِيمَ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم عَلى دِينِهِ تَوَصُّلًا إلى أنَّ الَّذِي خالَفَ دِينَهم لا يَكُونُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ كَما يَدَّعِي النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ فالمُحاجَّةُ فَرْعٌ عَنِ المُخالَفَةِ في الدَّعْوى. وهَذِهِ المُحاجَّةُ عَنْ طَرِيقِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ، أوْ مُحاجَّتُهُمُ النَّبِيءَ في دَعْواهُ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - مُحاجَّةٌ يَقْصِدُونَ مِنها إبْطالَ مُساواةِ دِينِهِ لِدِينِ إبْراهِيمَ، بِطَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ أيْضًا.

فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن مَقُولِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] أيْ قُلْ لَهم: يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَقِبَ أمْرِهِ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ تَعالَوْا، فَيَكُونَ تَوْجِيهَ خِطابٍ إلى أهْلِ الكِتابِ مُباشَرَةً، ويَكُونَ جَعَلَ الجُمْلَةَ الأُولى مِن مَقُولِ الرَّسُولِ دُونَ هَذِهِ؛ لِأنَّ الأُولى مِن شُئُونِ الدَّعْوَةِ، وهَذِهِ مِن طُرُقِ المُحاجَّةِ، وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ. والكُلُّ في النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سَواءٌ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى هَذا الكَلامِ نَشَأتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] لِأنَّهُ قَدْ شاعَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في مَكَّةَ وبَعْدَها أنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَرْجِعُ إلى الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وسَيَجِيءُ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وقَدِ اشْتُهِرَ هَذا وأُعْلِنَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في مَكَّةَ، وبَيْنَ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وبَيْنَ النَّصارى في وفْدِ نَجْرانَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم ورَثَةُ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ ادَّعَوْا أنَّهم

صفحة ٢٧١

عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُمُ ادِّعاءً قَدِيمًا أمْ كانُوا قَدْ تَفَطَّنُوا إلَيْهِ مِن دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَيْقَظُوا لِتَقْلِيدِهِ في ذَلِكَ، أمْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإفْحامِ لِلرَّسُولِ حِينَ حاجَّهم بِأنَّ دِينَهُ الحَقُّ، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَألْجَأُوهُ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرَ مُخْرِجَةٍ عَنِ اتِّباعِهِ، فَهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ في دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُخْرِجَةً عَنْ دِينِإبْراهِيمَ فَلا يَكُونُ الإسْلامُ تابِعًا لِدِينِ إبْراهِيمَ.

وأحْسَبُ أنَّ ادِّعاءَهم أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ إنَّما انْتَحَلُوهُ لِبَثِّ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ بَيْنَ …

Aal-i-Imraan 3:65Listen in Qur'an →
66

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allah knows, while you know not.

صفحة ٢٧٠

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن دُعائِهِمْ لِكَلِمَةِ الحَقِّ الجامِعَةِ لِحَقِّ الدِّينِ، إلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهُمُ الباطِلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِ إبْراهِيمَ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم عَلى دِينِهِ تَوَصُّلًا إلى أنَّ الَّذِي خالَفَ دِينَهم لا يَكُونُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ كَما يَدَّعِي النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ فالمُحاجَّةُ فَرْعٌ عَنِ المُخالَفَةِ في الدَّعْوى. وهَذِهِ المُحاجَّةُ عَنْ طَرِيقِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ، أوْ مُحاجَّتُهُمُ النَّبِيءَ في دَعْواهُ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - مُحاجَّةٌ يَقْصِدُونَ مِنها إبْطالَ مُساواةِ دِينِهِ لِدِينِ إبْراهِيمَ، بِطَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ أيْضًا.

فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن مَقُولِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] أيْ قُلْ لَهم: يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَقِبَ أمْرِهِ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ تَعالَوْا، فَيَكُونَ تَوْجِيهَ خِطابٍ إلى أهْلِ الكِتابِ مُباشَرَةً، ويَكُونَ جَعَلَ الجُمْلَةَ الأُولى مِن مَقُولِ الرَّسُولِ دُونَ هَذِهِ؛ لِأنَّ الأُولى مِن شُئُونِ الدَّعْوَةِ، وهَذِهِ مِن طُرُقِ المُحاجَّةِ، وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ. والكُلُّ في النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سَواءٌ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى هَذا الكَلامِ نَشَأتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] لِأنَّهُ قَدْ شاعَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في مَكَّةَ وبَعْدَها أنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَرْجِعُ إلى الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وسَيَجِيءُ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وقَدِ اشْتُهِرَ هَذا وأُعْلِنَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في مَكَّةَ، وبَيْنَ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وبَيْنَ النَّصارى في وفْدِ نَجْرانَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم ورَثَةُ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ ادَّعَوْا أنَّهم

صفحة ٢٧١

عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُمُ ادِّعاءً قَدِيمًا أمْ كانُوا قَدْ تَفَطَّنُوا إلَيْهِ مِن دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَيْقَظُوا لِتَقْلِيدِهِ في ذَلِكَ، أمْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإفْحامِ لِلرَّسُولِ حِينَ حاجَّهم بِأنَّ دِينَهُ الحَقُّ، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَألْجَأُوهُ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرَ مُخْرِجَةٍ عَنِ اتِّباعِهِ، فَهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ في دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُخْرِجَةً عَنْ دِينِإبْراهِيمَ فَلا يَكُونُ الإسْلامُ تابِعًا لِدِينِ إبْراهِيمَ.

وأحْسَبُ أنَّ ادِّعاءَهم أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ إنَّما انْتَحَلُوهُ لِبَثِّ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ بَيْنَ …

Aal-i-Imraan 3:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allah]. And he was not of the polytheists.

﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

نَتِيجَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ إذْ قَدْ تَحَصْحَصَ مِنَ الحُجَّةِ الماضِيَةِ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ غَيْرُ الحَنِيفِيَّةِ، وأنَّ مُوسى وعِيسى، عَلَيْهِما السَّلامُ، لَمْ يُخْبِرا بِأنَّهُما عَلى الحَنِيفِيَّةِ، فَأنْتَجَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ عَلى حالِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ؛ إذْ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ عَنْ مُوسى ولا عِيسى، عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهَذا سَنَدُهُ خُلُوُّ كُتُبِهِمْ عَنِ ادِّعاءِ ذَلِكَ. وكَيْفَ تَكُونُ اليَهُودِيَّةُ أوِ النَّصْرانِيَّةُ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ مَعَ خُلُوِّها مِن فَرِيضَةِ الحَجِّ، وقَدْ جاءَ الإسْلامُ بِذِكْرِ فَرْضِهِ لِمَن تَمَكَّنَ مِنهُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ

صفحة ٢٧٥

اللَّهُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ» . ثُمَّ تَمَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأبْطَلَتْ دَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ.

والحَنِيفُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أفادَ الِاسْتِدْراكَ بَعْدَ نَفْيِ الضِّدِّ حَصْرًا لِحالِ إبْراهِيمَ فِيما يُوافِقُ أُصُولَ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ حَنِيفًا بِقَوْلِهِ مُسْلِمًا لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ ولا يُؤْمِنُونَ بِالإسْلامِ، فَأعْلَمَهم أنَّ الإسْلامَ هو الحَنِيفِيَّةُ، وقالَ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَفى عَنْ إبْراهِيمَ مُوافَقَةَ اليَهُودِيَّةِ، ومُوافَقَةَ النَّصْرانِيَّةِ، ومُوافَقَةَ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَثَبَتَتْ مُوافَقَتُهُ الإسْلامَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في مَواضِعَ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وأنَّهُ كانَ حَنِيفًا، وأنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو الَّذِي جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وكُلُّ ذَلِكَ لا يُبْقِي شَكًّا في أنَّ الإسْلامَ هو إسْلامُ إبْراهِيمَ.

وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الأُصُولَ الدّاخِلَةَ تَحْتَ مَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] فَلْنَفْرِضْها في مَعْنى قَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَدْ جاءَ إبْراهِيمُ بِالتَّوْحِيدِ، وأعْلَنَهُ إعْلانًا لَمْ يَتْرُكْ لِلشِّرْكِ مَسْلَكًا إلى نُفُوسِ الغافِلِينَ، وأقامَ هَيْكَلًا وهو الكَعْبَةُ، أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وفَرَضَ حَجَّهُ عَلى النّاسِ ارْتِباطًا بِمَغْزاهُ، وأعْلَنَ تَمامَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠] وأخْلَصَ القَوْلَ والعَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ …

Aal-i-Imraan 3:67Listen in Qur'an →
68

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allah] and this prophet, and those who believe [in his message]. And Allah is the ally of the believers.

﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينِ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ نَفْيِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ عَنْ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا المُشْرِكُونَ بِأوْلى النّاسِ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أوْلى بِدِينِكم.

و”أوْلى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ أيْ أشَدُّ ولْيًا أيْ قُرْبًا مُشْتَقٌّ مِن ولِيَ إذا صارَ ولِيًّا، وعُدِّيَ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ أيْ أخَصُّ النّاسِ بِإبْراهِيمَ وأقْرَبُهم مِنهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ”أوْلى“ هُنا بِمَعْنى أجْدَرَ فَيَضْطَرُّ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ قَوْلِهِ ”بِإبْراهِيمَ“ أيْ بِدِينِ إبْراهِيمَ.

والَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في حَياتِهِ: مِثْلَ لُوطٍ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولا اعْتِدادَ بِمُحاوَلَةِ الَّذِينَ حاوَلُوا اتِّباعَ الحَنِيفِيَّةِ ولَمْ يَهْتَدُوا إلَيْها، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وأبِيهِ أبِي الصَّلْتِ، وأبِي قَيْسٍ صِرْمَةَ بْنِ أبِي أنَسٍ مِن بَنِي النَّجّارِ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «كادَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ» وهو لَمْ يُدْرِكِ الإسْلامَ فالمَعْنى كادَ أنْ يَكُونَ حَنِيفًا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشّامِ يَسْألُ عَنِ الدِّينِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عَنْ دِينِهِ فَقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّك لا تَكُونُ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ، قالَ زَيْدٌ: أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللَّهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا ؟ قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا أنْ تَكُونَ حَنِيفًا، قالَ: وما الحَنِيفُ ؟ قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا

صفحة ٢٧٧

نَصْرانِيًّا لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَّصارى فَقاوَلَهُ مِثْلَ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، غَيْرَ أنَّ النَّصْرانِيَّ قالَ: أنْ تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وهَذِهِ أُمْنِيَّةٌ مِنهُ لا تُصادِفُ الواقِعَ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ: قالَتْ: رَأيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ الإسْلامِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ وهو يَقُولُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَيْسَ مِنكم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرِي وفِيهِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأسْفَلَ بَلْدَحٍ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ الوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إلى النَّبِيءِ سُفْرَةٌ فَأبى زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو أنْ يَأْكُلَ مِنها وقالَ: إنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمّا تَذْبَحُونَ عَلى أنْصابِكم ولا آكُلُ إلّا ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» وهَذا تَوَهُّمٌ مِنهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَفْعَلُ كَما تَفْعَلُ قُرَيْشٌ. وإنَّ زَيْدًا كانَ يَعِيبُ عَلى قُرَيْشٍ ذَبائِحَهم ويَقُولُ: الشّاةُ خَلَقَها اللَّهُ وأنْزَلَ لَها مِنَ السَّماءِ الماءَ وأنْبَتَ لَها مِنَ الأرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَها عَلى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ.

واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ وهَذا النَّبِيءُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في المُشْتَهِرِ بِوَصْفٍ بَيْنَ المُخاطَبِينَ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «فَجَعَلَ الفَراشُ …

Aal-i-Imraan 3:68Listen in Qur'an →
69

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

A faction of the people of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مُناسَبَتُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨] إلَخْ. والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا اليَهُودُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ ﴿طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانَتْ مَعَهُمُ المُحاجَّةُ في الآياتِ السّابِقَةِ.

والمُرادُ بِالطّائِفَةِ جَماعَةٌ مِنهم مِن قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وقَيْنُقاعَ، دَعَوْا عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ومُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، إلى الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.

وجُمْلَةُ لَوْ يُضِلُّونَكم مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ”ودَّتْ“ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. فَـ ”لَوْ“ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي مَجازًا لِأنَّ التَّمَنِّيَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ ”ودَّتْ“ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يُضِلُّونَكم لَحَصَلَ مَوْدُودُهم، والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّمَنِّيَ عارِضٌ مِن عَوارِضِ ”لَوِ“ الِامْتِناعِيَّةِ في بَعْضِ المَقاماتِ. ولَيْسَ هو مَعْنًى أصْلِيًّا مِن مَعانِي ”لَوْ“ . وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٧٩

وقَوْلُهُ لَوْ يُضِلُّونَكم أيْ ودُّوا إضْلالَكم وهو يَحْتَمِلُ أنَّهم ودُّوا أنْ يَجْعَلُوهم عَلى غَيْرِ هُدًى في نَظَرِ أهْلِ الكِتابِ: أيْ يُذَبْذِبُوهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإضْلالُ في نَفْسِ الأمْرِ، وإنْ كانَ وِدُّ أهْلِ الكِتابِ أنْ يُهَوِّدُوهم. وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنَّهم إذا أضَلُّوا النّاسَ فَقَدْ صارُوا هم أيْضًا ضالِّينَ؛ لِأنَّ الإضْلالَ ضَلالٌ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ ضالِّينَ بِرِضاهم بِالبَقاءِ عَلى دِينٍ مَنسُوخٍ. وقَوْلُهُ وما يَشْعُرُونَ يُناسِبُ الِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّ العِلْمَ بِالحالَتَيْنِ دَقِيقٌ.

Aal-i-Imraan 3:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while you witness [to their truth]?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

التِفاتٌ إلى خِطابِ اليَهُودِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والآياتُ: المُعْجِزاتُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . وإعادَةُ نِدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ثانِيَةً لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وتَسْجِيلِ باطِلِهِمْ عَلَيْهِمْ. ولَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَلْبِيسُ دِينِهِمْ بِما أدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الأكاذِيبِ والخُرافاتِ والتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، حَتّى ارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِجَمِيعِهِ. وكِتْمانُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أماتُوها وعَوَّضُوها بِأعْمالِ أحْبارِهِمْ وآثارِ تَأْوِيلاتِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها.

Aal-i-Imraan 3:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.