Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 200

61

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأتْبَعَها بِذِكْرِ الجَوابِ عَنْ جَمِيعِ شُبَهِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وخَتَمَ الكَلامَ بِهَذِهِ النُّكْتَةِ القاطِعَةِ لِفَسادِ كَلامِهِمْ، وهو أنَّهُ لَمّا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الأبِ والأُمِّ البَشَرِيَّيْنِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الأبِ البَشَرِيِّ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ ولَمّا لَمْ يَبْعُدِ انْخِلاقُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التُّرابِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا انْخِلاقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الدَّمِ الَّذِي كانَ يَجْتَمِعُ في رَحِمِ أُمِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن أنْصَفَ وطَلَبَ الحَقَّ، عَلِمَ أنَّ البَيانَ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ تَعالى: (فَمَن حاجَّكَ) بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ والجَواباتِ اللّائِحَةِ فاقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم وعامِلْهم بِما يُعامَلُ بِهِ المُعانِدُ، وهو أنْ تَدْعُوَهم إلى المُلاعَنَةِ، فَقالَ: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقَ أنِّي حِينَ كُنْتُ بِخُوارَزْمَ، أُخْبِرْتُ أنَّهُ جاءَ نَصْرانِيٌّ يَدَّعِي التَّحْقِيقَ والتَّعَمُّقَ في مَذْهَبِهِمْ، فَذَهَبْتُ إلَيْهِ وشَرَعْنا في الحَدِيثِ، وقالَ لِي: ما الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: كَما نُقِلَ إلَيْنا ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، نُقِلَ إلَيْنا ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنْ رَدَدْنا التَّواتُرَ، أوْ قَبِلْناهُ لَكِنْ قُلْنا: إنَّ المُعْجِزَةَ لا تَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَحِينَئِذٍ بَطَلَتْ نُبُوَّةُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنِ اعْتَرَفْنا بِصِحَّةِ التَّواتُرِ، واعْتَرَفْنا بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ، ثُمَّ إنَّهُما حاصِلانِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ وجَبَ الِاعْتِرافُ قَطْعًا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضَرُورَةَ أنَّ عِنْدَ الِاسْتِواءِ في الدَّلِيلِ لا بُدَّ مِنَ الِاسْتِواءِ في حُصُولِ المَدْلُولِ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: أنا لا أقُولُ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّهُ كانَ نَبِيًّا، بَلْ أقُولُ إنَّهُ

صفحة ٧٠

كانَ إلَهًا، فَقُلْتُ لَهُ: الكَلامُ في النُّبُوَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمَعْرِفَةِ الإلَهِ وهَذا الَّذِي تَقُولُهُ باطِلٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الإلَهَ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا ولا مُتَحَيِّزًا ولا عَرَضًا، وعِيسى عِبارَةٌ عَنْ هَذا الشَّخْصِ البَشَرِيِّ الجُسْمانِيِّ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا، وقُتِلَ بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا عَلى قَوْلِكم وكانَ طِفْلًا أوَّلًا، ثُمَّ صارَ مُتَرَعْرِعًا، ثُمَّ صارَ شابًّا، وكانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويُحْدِثُ ويَنامُ ويَسْتَيْقِظُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في بَداهَةِ العُقُولِ أنَّ المُحْدَثَ لا يَكُونُ قَدِيمًا والمُحْتاجَ لا يَكُونُ غَنِيًّا والمُمْكِنَ لا يَكُونُ واجِبًا والمُتَغَيِّرَ لا يَكُونُ دائِمًا.

والوَجْهُ الثّانِي في إبْطالِ …

Aal-i-Imraan 3:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allah. And indeed, Allah is the Exalted in Might, the Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ، ومِنَ الدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾، والقَصَصُ هو مَجْمُوعُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى ما يَهْدِي إلى الدِّينِ، ويُرْشِدُ إلى الحَقِّ ويَأْمُرُ بِطَلَبِ النَّجاةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ هو القَصَصُ الحَقُّ لِيَكُونَ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، والخِطابُ وإنْ كانَ مَعَهُ فالمُرادُ بِهِ الكُلُّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَصْلًا وعِمادًا، ويَكُونَ خَبَرُ ”إنَّ“ هو قَوْلُهُ: ﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلى الفَصْلِ ؟

قُلْنا: إذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَدَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنهُ، وأصْلُها أنْ تَدَخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والقَصَصُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ”إنَّ“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”لَهو“ بِتَحْرِيكِ الهاءِ عَلى الأصْلِ، وبِالسُّكُونِ لِأنَّ اللّامَ يَنْزِلُ مِن ”هو“ مَنزِلَةَ بَعْضِهِ فَخُفِّفَ كَما خُفِّفَ عَضُدٌ.

صفحة ٧٥

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا، وأصْلُهُ اتِّباعُ الأثَرِ، يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ قَصَصًا في أثَرِ فُلانٍ، وقَصًّا، وذَلِكَ إذا اقْتَصَّ أثَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، وقِيلَ لِلْقاصِّ إنَّهُ قاصٌّ لِإتْباعِهِ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ، وسَوْقِهِ الكَلامَ سَوْقًا، فَمَعْنى القَصَصِ الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى المَعانِي المُتَتابِعَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾، وهَذا يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: عِنْدِي مِنَ النّاسِ أحَدٌ، أفادَ أنَّ عِنْدَكَ بَعْضَ النّاسِ، فَإذا قُلْتَ: ما عِنْدِي مِنَ النّاسِ مِن أحَدٍ، أفادَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكَ بَعْضُهم، وإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ بَعْضُهم، فَبِأنْ لا يَكُونَ عِنْدَكَ كُلُّهم أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ اعْتِمادَهم عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ القُدْرَةِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَزِيزًا غالِبًا لا يُدْفَعُ ولا يُمْنَعُ، وأنْتُمْ قَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ عِيسى ما كانَ كَذَلِكَ، وكَيْفَ وأنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ ؟ والثّانِي: أنَّهم قالُوا: إنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ وغَيْرِها فَيَكُونُ إلَهًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حَكِيمًا، أيْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وبِجَمِيعِ عَواقِبِ الأُمُورِ، فَذِكْرُ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) هاهُنا إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ …

Aal-i-Imraan 3:62Listen in Qur'an →
63

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ

But if they turn away, then indeed - Allah is Knowing of the corrupters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ، ومِنَ الدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾، والقَصَصُ هو مَجْمُوعُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى ما يَهْدِي إلى الدِّينِ، ويُرْشِدُ إلى الحَقِّ ويَأْمُرُ بِطَلَبِ النَّجاةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ هو القَصَصُ الحَقُّ لِيَكُونَ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، والخِطابُ وإنْ كانَ مَعَهُ فالمُرادُ بِهِ الكُلُّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَصْلًا وعِمادًا، ويَكُونَ خَبَرُ ”إنَّ“ هو قَوْلُهُ: ﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلى الفَصْلِ ؟

قُلْنا: إذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَدَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنهُ، وأصْلُها أنْ تَدَخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والقَصَصُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ”إنَّ“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”لَهو“ بِتَحْرِيكِ الهاءِ عَلى الأصْلِ، وبِالسُّكُونِ لِأنَّ اللّامَ يَنْزِلُ مِن ”هو“ مَنزِلَةَ بَعْضِهِ فَخُفِّفَ كَما خُفِّفَ عَضُدٌ.

صفحة ٧٥

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا، وأصْلُهُ اتِّباعُ الأثَرِ، يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ قَصَصًا في أثَرِ فُلانٍ، وقَصًّا، وذَلِكَ إذا اقْتَصَّ أثَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، وقِيلَ لِلْقاصِّ إنَّهُ قاصٌّ لِإتْباعِهِ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ، وسَوْقِهِ الكَلامَ سَوْقًا، فَمَعْنى القَصَصِ الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى المَعانِي المُتَتابِعَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾، وهَذا يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: عِنْدِي مِنَ النّاسِ أحَدٌ، أفادَ أنَّ عِنْدَكَ بَعْضَ النّاسِ، فَإذا قُلْتَ: ما عِنْدِي مِنَ النّاسِ مِن أحَدٍ، أفادَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكَ بَعْضُهم، وإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ بَعْضُهم، فَبِأنْ لا يَكُونَ عِنْدَكَ كُلُّهم أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ اعْتِمادَهم عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ القُدْرَةِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَزِيزًا غالِبًا لا يُدْفَعُ ولا يُمْنَعُ، وأنْتُمْ قَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ عِيسى ما كانَ كَذَلِكَ، وكَيْفَ وأنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ ؟ والثّانِي: أنَّهم قالُوا: إنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ وغَيْرِها فَيَكُونُ إلَهًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حَكِيمًا، أيْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وبِجَمِيعِ عَواقِبِ الأُمُورِ، فَذِكْرُ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) هاهُنا إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ …

Aal-i-Imraan 3:63Listen in Qur'an →
64

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allah and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allah." But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾

صفحة ٧٦

واعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أوْرَدَ عَلى نَصارى نَجْرانَ أنْواعَ الدَّلائِلِ وانْقَطَعُوا، ثُمَّ دَعاهم إلى المُباهَلَةِ فَخافُوا وما شَرَعُوا فِيها وقَبِلُوا الصَّغارَ بِأداءِ الجِزْيَةِ، وقَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ اتْرُكْ ذَلِكَ المَنهَجَ مِنَ الكَلامِ واعْدِلْ إلى مَنهَجٍ آخَرَ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّهُ كَلامٌ مَبْنِيٌّ عَلى الإنْصافِ وتَرْكِ الجِدالِ، و﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، ولا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، وهي ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ هَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ تَفْسِيرَ الألْفاظِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُرادُ نَصارى نَجْرانَ.

والثّانِي: المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَتَناوَلُهُما.

والثّانِي: رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما نُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَكَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى، وقالَتِ النَّصارى: يا مُحَمَّدُ ما تُرِيدُ إلّا أنْ نَقُولَ فِيكَ ما قالَتِ اليَهُودُ في عُزَيْرٍ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ حَمْلُهُ عَلى النَّصارى، لِما بَيَّنّا أنَّهُ لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، ثُمَّ باهَلَهم ثانِيًا، فَعَدَلَ في هَذا المَقامِ إلى الكَلامِ المَبْنِيِّ عَلى رِعايَةِ الإنْصافِ، وتَرْكِ المُجادَلَةِ، وطَلَبِ الإفْحامِ والإلْزامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ خاطَبَهم هاهُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾، وهَذا الِاسْمُ مِن أحْسَنِ الأسْماءِ وأكْمَلِ الألْقابِ حَيْثُ جَعَلَهم أهْلًا لِكِتابِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِحافِظِ القُرْآنِ يا حامِلَ كِتابِ اللَّهِ، ولِلْمُفَسِّرِ يا مُفَسِّرَ كَلامِ اللَّهِ، فَإنَّ هَذا اللَّقَبَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَهُ أرادَ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ المُخاطَبِ وفي تَطْيِيبِ قَلْبِهِ، وذَلِكَ إنَّما يُقالُ عِنْدَ عُدُولِ الإنْسانِ مَعَ خَصْمِهِ عَنْ طَرِيقَةِ اللَّجاجِ والنِّزاعِ إلى طَرِيقَةِ طَلَبِ الإنْصافِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (تَعالَوْا)، فالمُرادُ تَعْيِينُ ما دَعَوْا إلَيْهِ والتَّوَجُّهُ إلى النَّظَرِ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ انْتِقالًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ أصْلَ اللَّفْظِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعالِي وهو الِارْتِفاعُ مِن مَوْضِعٍ هابِطٍ إلى مَكانٍ عالٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ دالًّا عَلى طَلَبِ التَّوَجُّهِ إلى حَيْثُ يُدْعى إلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾ فالمَعْنى هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، لا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، والسَّواءُ هو العَدْلُ والإنْصافُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإنْصافِ إعْطاءُ النُّصْفِ، فَإنَّ الواجِبَ في العُقُولِ تَرْكُ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ وعَلى الغَيْرِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإعْطاءِ النُّصْفِ، فَإذا أنْصَفَ وتَرَكَ ظُلْمَهُ …

Aal-i-Imraan 3:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِنا، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلى دِينِنا، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ما أُنْزِلا إلّا مِن بَعْدِهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا ؟

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا أيْضًا لازِمٌ عَلَيْكم لِأنَّكم تَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والإسْلامُ إنَّما أُنْزِلَ بَعْدَهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ المُرادَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ في أُصُولِ الدِّينِ عَلى المَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ الآنَ، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ تَقُولَ اليَهُودُ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ

صفحة ٧٨

اليَهُودُ، وتَقُولُ النَّصارى إنَّ إبْراهِيمَ كانَ نَصْرانِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّصارى، فَكَوْنُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ نازِلَيْنِ بَعْدَ إبْراهِيمَ لا يُنافِي كَوْنَهُ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا بِهَذا التَّفْسِيرِ، كَما أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ نازِلًا بَعْدَهُ لا يُنافِي كَوْنَهُ مُسْلِمًا.

والجَوابُ: أنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا أنَّ النَّصارى لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَسِيحَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ إبْراهِيمَ، فَما كانَتْ عِبادَتُهُ مَشْرُوعَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ المَسِيحِ مُخالِفَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، وأمّا أنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكالِيفُ عَلى الخَلْقِ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ المُوَصِّلَ لِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلى الخَلْقِ واحِدٌ مِنَ البَشَرِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ قَدْ كانَ مُؤَيَّدًا بِالمُعْجِزاتِ، وإلّا لَمْ يَجِبْ عَلى الخَلْقِ قَبُولُ تِلْكَ التَّكالِيفِ مِنهُ فَإذَنْ قَدْ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى أنْبِياءُ، وكانَتْ لَهم شَرائِعُ مُعَيَّنَةٌ، فَإذا جاءَ مُوسى فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جاءَ بِتَقْرِيرِ تِلْكَ الشَّرائِعِ أوْ بِغَيْرِهِما، فَإنْ جاءَ بِتَقْرِيرِها لَمْ يَكُنْ مُوسى صاحِبَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ كانَ كالفَقِيهِ المُقَرِّرِ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، واليَهُودُ لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ بِشَرْعٍ آخَرَ سِوى شَرْعِ مَن تَقَدَّمَهُ فَقَدْ قالَ بِالنَّسْخِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دِينُ كُلِّ الأنْبِياءِ جَوازَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ واليَهُودُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَبَطَلَ قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Aal-i-Imraan 3:65Listen in Qur'an →
66

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allah knows, while you know not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.

صفحة ٧٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟

(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.

(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .

ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .

ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ …

Aal-i-Imraan 3:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allah]. And he was not of the polytheists.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.

صفحة ٧٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟

(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.

(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .

ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .

ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ …

Aal-i-Imraan 3:67Listen in Qur'an →
68

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allah] and this prophet, and those who believe [in his message]. And Allah is the ally of the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.

صفحة ٧٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟

(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.

(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .

ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .

ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ …

Aal-i-Imraan 3:68Listen in Qur'an →
69

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

A faction of the people of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مِن طَرِيقَةِ أهْلِ الكِتابِ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ والإعْراضَ عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى هَذا القَدْرِ، بَلْ يَجْتَهِدُونَ في إضْلالِ مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرٌّ بِمُوسى وعِيسى ويَدَّعِي لِنَفْسِهِ النُّبُوَّةَ، وأيْضًا إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْبَرَ في التَّوْراةِ بِأنَّ شَرْعَهُ لا يَزُولُ، وأيْضًا القَوْلُ بِالنَّسْخِ يُفْضِي إلى البَداءِ، والغَرَضُ مِنهُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يَغْتَرُّوا بِكَلامِ اليَهُودِ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقَوْلُهُ ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] .

واعْلَمْ أنَّ ”مِن“ هاهُنا لِلتَّبْعِيضِ وإنَّما ذَكَرَ بَعْضَهم ولَمْ يَعُمَّهم؛ لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مُعاذٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وحُذَيْفَةَ دَعاهُمُ اليَهُودُ إلى دِينِهِمْ، وإنَّما قالَ: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُضِلُّوكم؛ لِأنَّ ”لَوْ“ لِلتَّمَنِّي فَإنَّ قَوْلَكَ: لَوْ كانَ كَذا يُفِيدُ التَّمَنِّيَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنها: إهْلاكُهم أنْفُسَهم بِاسْتِحْقاقِ العِقابِ عَلى قَصْدِهِمْ إضْلالَ الغَيْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، ومِنها إخْراجُهم أنْفُسَهم عَنْ مَعْرِفَةِ الهُدى والحَقِّ لِأنَّ الذّاهِبَ عَنِ الِاهْتِداءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ ضالٌّ، ومِنها أنَّهم لَمّا اجْتَهَدُوا في إضْلالِ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ فَهم قَدْ صارُوا خائِبِينَ خاسِرِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا شَيْئًا ولاحَ لَهم أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ما تَصَوَّرُوهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ وما يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا يَضُرُّهم ولا يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ.

Aal-i-Imraan 3:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while you witness [to their truth]?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ الطّائِفَةِ الَّتِي لا تَشْعُرُ بِما في التَّوْراةِ مِن دَلالَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَيَّنَ أيْضًا حالَ الطّائِفَةِ العارِفَةِ بِذَلِكَ مِن أحْبارِهِمْ.

فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (لِمَ) أصْلُها لِما، لِأنَّها: ما الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلَيْها اللّامُ فَحُذِفَتِ الألِفُ لِطَلَبِ الخِفَّةِ؛ ولِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ صارَ كالعِوَضِ عَنْها؛ ولِأنَّها وقَعَتْ طَرَفًا ويَدُلُّ عَلَيْها الفَتْحَةُ، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] والوَقْفُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ يَكُونُ بِالهاءِ، نَحْوَ: فَبِمَهْ، ولِمَهْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها الآياتُ الوارِدَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنها ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، ومِنها أنَّ فِيهِما أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا القَوْلِ المُحْتَمِلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ نَقُولُ: إنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم ما كانُوا كافِرِينَ بِالتَّوْراةِ، بَلْ كانُوا كافِرِينَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، فَأطْلَقَ اسْمَ الدَّلِيلِ عَلى المَدْلُولِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا كافِرِينَ بِنَفْسِ التَّوْراةِ لِأنَّهم كانُوا يُحَرِّفُونَها وكانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فالمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهم عِنْدَ حُضُورِ المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ حُضُورِ عَوامِّهِمْ، كانُوا يُنْكِرُونَ اشْتِمالَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إذا خَلا بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ شَهِدُوا بِصِحَّتِها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] .

واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا القَوْلِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أخْبَرَهم بِما يَكْتُمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ، ويُظْهِرُونَ غَيْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ آياتِ اللَّهِ: أنَّها هي القُرْآنُ، وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم تُنْكِرُونَ عِنْدَ العَوامِّ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكم وعُقُولِكم كَوْنَهُ مُعْجِزًا.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ اللَّهِ جُمْلَةُ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّكم إنَّما اعْتَرَفْتُمْ بِدَلالَةِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ المُعْجِزَ قائِمٌ مَقامَ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا شَهِدْتُمْ بِأنَّ المُعْجِزَ إنَّما دَلَّ عَلى صِدْقِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ حُصُولَ هَذا الوَجْهِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ إصْرارُكم عَلى …

Aal-i-Imraan 3:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.