فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ ﴿حَاجَّكَ﴾ أي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادِلَيْن يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (١٤ / ٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة.، أي: طلب كل واحد منهما أن يحج الآخر، وأيهما الذي حج؟ آدم، نعم، ﴿حَاجَّكَ﴾ إذن: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجة ليغلب الآخر.
وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ (مَن) هذه شرطية، وجواب الشرط ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، وقوله: ﴿مَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ الضمير يعود على (عيسى)، والمراد بالمحاجة في عيسى ليس في ذاته؛ لأن عيسى معلوم أنه بشر، لكن في شأنه وقضيته، وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾، من الذي يمكن أن يحاج النبي ﷺ في عيسى؟ هم النصارى، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصارى، ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، يعني: بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنته فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة، وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، أتى بـ(مِن) الدالة على أن النبي ﷺ أُمِر بالمباهلة بعد أن تروّى من العلم؛ لأن ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: فمن حاجك فيه بعد ما جاءك، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل على التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به أيش؟ ازداد به علمًا ويقينًا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ عن أي طريق؟ عن طريق الله عز وجل، فإن الله تعالى أوحى إلى نبيه محمد ﷺ في شأن عيسى من العلم ما لم يكن عند غيره، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ قلنا: إنّ ﴿قل﴾ جواب الشرط، و﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وفيه إشكال؛ لأن ﴿تَعَالَوْا﴾ جمع، و﴿من حاجك﴾ أيش؟ مفرد، فكيف صح أن يكون الجمع عائدًا على مفرد؟ الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة، يعني التي تصلح للمفرد وغيره، يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعنى، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعنى صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، فمثلًا ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١]، ما
الذي رُوعِيَ في ذلك؟ * الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الطلاق ١١].
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الطلاق ١١].
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، آية واحدة روعي فيها اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ، كذا؟ لو روعي اللفظ في كل هذه الجمل لقيل: خائن، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخله) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدًا) فيها أبدًا قد أحسن الله (له). ولو روعي المعنى لقيل: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخلهم) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدين) فيها أبدًا قد أحسن الله (لهم) رزقًا.
وقوله: ﴿تَعَالَوْا﴾ هل هي اسم فعل أمر، أو فعل أمر؟ نقول: هي فعل أمر؛ لأن اسم فعل الأمر لا تدخله العلامات، يعني ما تتصل به الضمائر، اسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨] ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، لماذا لم يقل: هلموا؟ لأنه اسم فعل أمر، واسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، ولهذا تقول للجماعة: صه، يعني: اسكتوا، ولا تقول: صهوا، فإن اقترنت به الضمائر صار فعل أمر، ولهذا نقول: ﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر ولَّا اسم فعل؟ فعل أمر، طيب، ﴿تَعَالَوْا﴾ يعني: أقبلوا، لكنها أقبلوا بتعالٍ وارتفاع، وكأن المنادي ينادي هذا ليرتفع إليه فيكلمه بما يريد.
وقوله: …