Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 61–70 of 200

61

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allah upon the liars [among us]."

ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ ﴿حَاجَّكَ﴾ أي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادِلَيْن يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (١٤ / ٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة.، أي: طلب كل واحد منهما أن يحج الآخر، وأيهما الذي حج؟ آدم، نعم، ﴿حَاجَّكَ﴾ إذن: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجة ليغلب الآخر.

وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ (مَن) هذه شرطية، وجواب الشرط ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، وقوله: ﴿مَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ الضمير يعود على (عيسى)، والمراد بالمحاجة في عيسى ليس في ذاته؛ لأن عيسى معلوم أنه بشر، لكن في شأنه وقضيته، وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾، من الذي يمكن أن يحاج النبي ﷺ في عيسى؟ هم النصارى، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصارى، ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، يعني: بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنته فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة، وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، أتى بـ(مِن) الدالة على أن النبي ﷺ أُمِر بالمباهلة بعد أن تروّى من العلم؛ لأن ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: فمن حاجك فيه بعد ما جاءك، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل على التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به أيش؟ ازداد به علمًا ويقينًا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ عن أي طريق؟ عن طريق الله عز وجل، فإن الله تعالى أوحى إلى نبيه محمد ﷺ في شأن عيسى من العلم ما لم يكن عند غيره، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ قلنا: إنّ ﴿قل﴾ جواب الشرط، و﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وفيه إشكال؛ لأن ﴿تَعَالَوْا﴾ جمع، و﴿من حاجك﴾ أيش؟ مفرد، فكيف صح أن يكون الجمع عائدًا على مفرد؟ الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة، يعني التي تصلح للمفرد وغيره، يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعنى، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعنى صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، فمثلًا ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١]، ما

الذي رُوعِيَ في ذلك؟ * الطلبة: اللفظ.

* الشيخ: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الطلاق ١١].

* الطلبة: المعنى.

* الشيخ: المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الطلاق ١١].

* الطلبة: اللفظ.

* الشيخ: اللفظ، آية واحدة روعي فيها اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ، كذا؟ لو روعي اللفظ في كل هذه الجمل لقيل: خائن، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخله) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدًا) فيها أبدًا قد أحسن الله (له). ولو روعي المعنى لقيل: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخلهم) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدين) فيها أبدًا قد أحسن الله (لهم) رزقًا.

وقوله: ﴿تَعَالَوْا﴾ هل هي اسم فعل أمر، أو فعل أمر؟ نقول: هي فعل أمر؛ لأن اسم فعل الأمر لا تدخله العلامات، يعني ما تتصل به الضمائر، اسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨] ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، لماذا لم يقل: هلموا؟ لأنه اسم فعل أمر، واسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، ولهذا تقول للجماعة: صه، يعني: اسكتوا، ولا تقول: صهوا، فإن اقترنت به الضمائر صار فعل أمر، ولهذا نقول: ﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر ولَّا اسم فعل؟ فعل أمر، طيب، ﴿تَعَالَوْا﴾ يعني: أقبلوا، لكنها أقبلوا بتعالٍ وارتفاع، وكأن المنادي ينادي هذا ليرتفع إليه فيكلمه بما يريد.

وقوله: …

Aal-i-Imraan 3:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allah. And indeed, Allah is the Exalted in Might, the Wise.

الشيخ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ هذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: المؤكد الأول: (إن)؛ لأن (إن) للتوكيد، والمؤكد الثاني: اللام، والمؤكد الثالث: (هو)؛ لأن (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر.

ويتضح ذلك بالمثال، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فهنا هو ضمير فصل. أفادت هذه الفوائد الثلاث، أفادت الحصر، حصر الفضل في زيد، زيد هو الفاضل، وأفادت التوكيد؛ لأن قولك: زيد الفاضل دون قولك: زيد هو الفاضل، في توكيد أفضليته، الثالث: الفصل بين الصفة والخبر، بأنك لو قلت: زيد الفاضل لتشوَّف المخاطب إلى خبر، طيب زيد الفاضل ويش حاله؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، عُلم أن كلمة الفاضل أيش؟ هي الخبر.

هنا لو كان في غير القرآن وقيل: هذا القصص الحق، استقام الكلام، ولكن يفوت في الكلام أيش؟ هذه المؤكدات الثلاثة.

وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه ما ذكره الله تعالى في شأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وتعرفون أن الله تعالى تحدث عن عيسى ابن مريم في هذه الآيات حديثًا مسهبًا طويلا عنه وعن أمه.

وقوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ القصص مصدر قص يقص قصًّا وقَصصًا، لكنه هنا يحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى الفعل، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول، أي: إن هذا لهو المقصوص الحق. وسواء قلنا بهذا أو بهذا فالمؤدى واحد، فإن هذا القصص الحق.

والحق هنا صفة للقصص، والحق إن قيل في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، وإن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] فإذا قيل لك: حكَم القاضي على فلان لفلان بكذا، فقلت: هذا حكمٌ حق، فالمعنى عدل، وإذا قيل لك: أخبَرنا فلان بكذا، فقلت: هذا حق، أي صدق، فالحق إن كان في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، وإن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، هنا هل هو بمعنى الخبر؟ يعني هل هو في مقابل الخبر أو في مقابل الحكم؟ الخبر؛ لأن القصص خبر ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه ٩٩].

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي الصدق الذي لا يخالف الواقع، بل يطابقه تمام المطابقة، فما قاله النصارى في عيسى ابن مريم مما خرج عن خبر الله عنه فهو كذب باطل.

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الجملة كما ترون أيضًا فيها حصر وفيها توكيد؛ أما الحصر فطريقه النفي والإثبات، النفي في قوله: ﴿مَا﴾، والإثبات في قوله: ﴿إِلَّا﴾، وأما التوكيد ففي قوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾؛ لأن (من) حرف جر زائد من حيث الإعراب، لكنه يزيد المعنى، هو زائد من حيث الإعراب لكنه يزيد المعنى، ماذا يزيد المعنى؟ يزيد المعنى توكيدًا.

ولهذا نقول: إن الحروف الزائدة في القرآن الكريمة هي زائدة زائدة، زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعنى؛ أي أنها تفيد معنى زائدًا على ما لو لم تكن موجودة

وقوله: ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيمًا، ولا يصدُق هذا حقًّا إلا على الله عز وجل.

وكلمة (إله) هنا على وزن فِعَال، ولكنها بمعنى مفعول، والكلمة هذه -أعني (إله) بمعنى مألوه أو فِعال بمعنى المفعول- كثيرة في اللغة العربية كالغراس والبناء والفراش والوطاء وما أشبه ذلك، غراس مغروس، وبناء بمعنى مبني، فراش بمعنى مفروش، إله بمعنى مألوه.

فما معنى مألوه؟ قلنا: هو المعبود محبة وتعظيمًا، هذا المألوه.

وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، (إلا) هذه أداة استثناء، والجملة التي قبلها فيها شيء محذوف تقديره: وما من إله حق إلا الله، وعلى هذا فنعرب كلمة ﴿اللَّهُ﴾ بدل من الخبر محذوف الذي تقديره: وما من إله حق إلا الله. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني خالق …

Aal-i-Imraan 3:62Listen in Qur'an →
63

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ

But if they turn away, then indeed - Allah is Knowing of the corrupters.

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.

قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الضمير يعود على هؤلاء النصارى الذين طلب منهم النبي ﷺ المباهلة ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران ٦١]، وسبق أنهم امتنعوا عن المباهلة؛ لأنهم يعلمون أنهم لو باهلوا لأخذهم العذاب؛ لأن الرسول ﷺ حق وهم على باطل

يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن المباهلة وعن اتباعك يا محمد فإنما هم مفسدون، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ولم يقل: عليم بهم، بل أظهر في موضع الإضمار.

الإظهار في موضع الإضمار له فوائد:

الفائدة الأولى: التسجيل أو انطباق الوصف في هذا المُظهَر على من يعود عليه، يعني أن هذا الوصف الذي جُعل في موضع الضمير ينطبق على مرجع الضمير، فكأنه قال: فإن تولوا فإن الله عليم بهم، لكن وصفهم بالفساد.

الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو جاء الضمير هنا حسب السياق: فإن الله عليم بهم، اختص العلم بمن؟ بهم هم، فإذا قال: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ صار عامًّا فيهم وفي غيرهم.

الفائدة الثالثة: أن هذا الفعل الذي حصل من هؤلاء الذين جاء الإظهار في موضع الإضمار عنهم هو نوع من هذا الوصف الذي عُبر به في موضع الضمير، يعني أن فعلهم فساد، وهو التولي والإعراض عن دين الله.

ففي هذه الآية الكريمة، من فوائدها: تهديد من تولى عن دين الله عز وجل، ووجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم وسيعاقبهم بما تقتضيه حالهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التولي عن دين الله فساد، كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]

وهل التولي نفسه فساد أو أنه سبب للفساد؟

الجواب على هذا أن نقول: هو فساد وسبب للفساد. ووجه كونه فسادًا أنه إذا تُولي عن دين الله حل محله ما سواه، ومعلوم أن دين الله صلاح وما سواه فساد، ولهذا نجد القوانين المحكَّمة في عباد الله لا تُصلح الخلق، لا يصلح الخلق منها إلا ما وافق الشرع، وأما ما خالف الشرع فإنه فساد، مهما كان واضع القوانين في الذكاء والفهم لأحوال الناس، فإنهم إذا وضعوا من القوانين ما يخالف شرع الله فإنه فساد بكل حال.

إذن نفس التولي فساد، ثم هو أيضا سبب للفساد؛ لأن الجدب والقحط وضيق الرزق والفتن كلها سببها المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].

وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦].

وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢].

إذن فالتولي عن دين الله أيش؟ فساد وسبب للفساد.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد، وإن زعم أنه مصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.

ولهذا قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال: أي لا تفسدوها بالمعاصي.

فكل عاص فهو مفسد، شاء أم أبى، وكل مطيع لله فهو مصلِح؛ لأن بضدها …

Aal-i-Imraan 3:63Listen in Qur'an →
64

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allah and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allah." But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.

الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ. وقد مر بنا قاعدة: أن الله تعالى إذا صدّر الشيء بـ﴿قُلْ﴾ الموجه للرسول ﷺ فإنه يقتضي زيادة العناية به؛ لأنه أمرٌ بأن يبلغ هذا الشيء أيش؟ لخصوصه، وإلا فإن جميع فإن القرآن مأمور النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله.

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهل الكتاب يعني بهم اليهود والنصارى، وعلى هذا فالمراد بالكتاب الجنس؛ ليكون شاملًا لأيش؟ ذكرت أن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وقلت: على هذا يكون الكتاب للجنس ليكون شاملا؟

* طالب: اليهود والنصارى.

* الشيخ: لا.

* طالب: التوراة والإنجيل.

* الشيخ: التوراة والإنجيل، فـ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما خاطب هؤلاء بأهل الكتاب، أو وصفهم بذلك لأنه لا يوجد كتب منزلة باقية آثارها إلا التوراة والإنجيل، ولهذا سموا أهل الكتاب، وإلا فإنه ما من رسول إلا ومعه كتاب يدعو به؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ﴾ يعني مع الرسل ﴿الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥] لكن الكتب التي بقيت وأثرت وإن كان فيها شيء من التغيير هي التي عند اليهود وعند النصارى.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ من المراد بهم؟ اليهود والنصارى.

هنا لو قال لنا قائل: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ فسرها بمرادها وبلفظها؟

نقول: نفسرها بلفظها أي يا أصحاب الكتاب، يا من حُملتم الكتاب، هذا سماه: تفسير لفظي. التفسير المرادي يعني: مراد به من؟ اليهود والنصارى، فالتفسير اللفظي هو الذي تُفسر به الكلمة بقطع النظر عن المراد بها، والتفسير المرادي الذي هو مقصود الكلام هو من يُراد بالكلام.

﴿تَعَالَوْا﴾ يعني أقبلوا، و(تعال) فعل أمر، وليست اسم فعل، خلافًا لمن زعم من النحويين أنها اسم فعل. والدليل على أنها فعل: لحوق الفاعل بها، يعني: اتصال الضمير بها، واسم الفعل لا يتصل به ضمير، تقول: (تعالَوْا) للجماعة، (تعاليا) لمن؟ للمثنى، (تعالَيْن) لجماعة الإناث، (تعالَيْ) للواحدة، فإذن هي فعل، يعني أقبلوا، بخلاف (هلم)، (هلم) هذه اسم فعل. الدليل: لأنها لا تتغير ولا يلحقها الضمير ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨] ولم يقل: هلموا إلينا.

﴿تَعَالَوْا﴾ أقبلوا إلينا، ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ وفسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾، لكن وصف هذه الكلمة قبل أن يفسرها: ﴿سَوَاءٍ﴾ سواء يعني: عدل، لأن سواء هنا مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي مستوية، ليس فيها حيف، مستوية بيننا وبينكم، والمستوية بين الضد وضده، يعني أنها عدل، ليس فيها جنف من هؤلاء ولا من هؤلاء، سواء. إذن سواء مصدر أيش؟ بمعنى اسم الفاعل، أي مستوية بيننا وبينكم، يعني: عدل، لا فيها ميل لنا ولا ميل لكم.

﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الضمير في ﴿بَيْنَنَا﴾ يعود على المسلمين ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾ الضمير على أهل الكتاب.

ما هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾؟ هذه الكلمة سواء، كل الرسل متفقون على هذه الكلمة؛ من نوح إلى محمد ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]. فإذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام متفقين على هذه الكلمة إذن فإذا دعوناكم إليها فهذا عدل ليس فيه حيف. سواء بيني وبينكم هي ألا نعبد إلا الله، وعلى هذا فيكون موضع قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الجر، على أنها عطف بيان لأيش؟ لـ ﴿كَلِمَةٍ﴾، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي هي أيش؟ ألا نعبد.

قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ نعبد أي نذل ونخضع لغير الله عز وجل، لا نخضع ولا نذل الذل المطلق إلا لله وحده عز وجل؛ لأن العبادة يراد بها الذل والخضوع الكامل المطلق، …

Aal-i-Imraan 3:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف.

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه.

وما كيفية هذه المحاجة؟

كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم:

القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم.

الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم.

وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟

ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ.

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟

* طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا).

* الشيخ: قولان، القول الأول؟

* الطالب: أشربت معنى التحدي.

* الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح.

* الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه.

* الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟

* الطالب: لم يمر علي.

* الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب.

* طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء.

* الشيخ: الهمزة.

* الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون.

* الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، …

Aal-i-Imraan 3:65Listen in Qur'an →
66

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allah knows, while you know not.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف.

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه.

وما كيفية هذه المحاجة؟

كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم:

القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم.

الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم.

وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟

ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ.

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟

* طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا).

* الشيخ: قولان، القول الأول؟

* الطالب: أشربت معنى التحدي.

* الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح.

* الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه.

* الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟

* الطالب: لم يمر علي.

* الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب.

* طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء.

* الشيخ: الهمزة.

* الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون.

* الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، …

Aal-i-Imraan 3:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allah]. And he was not of the polytheists.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف.

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه.

وما كيفية هذه المحاجة؟

كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم:

القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم.

الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم.

وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟

ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ.

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟

* طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا).

* الشيخ: قولان، القول الأول؟

* الطالب: أشربت معنى التحدي.

* الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح.

* الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه.

* الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟

* الطالب: لم يمر علي.

* الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب.

* طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء.

* الشيخ: الهمزة.

* الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون.

* الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، …

Aal-i-Imraan 3:67Listen in Qur'an →
68

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allah] and this prophet, and those who believe [in his message]. And Allah is the ally of the believers.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف.

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام.

قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه.

وما كيفية هذه المحاجة؟

كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم:

القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم.

الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم.

وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟

ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ.

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟

* طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا).

* الشيخ: قولان، القول الأول؟

* الطالب: أشربت معنى التحدي.

* الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح.

* الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه.

* الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟

* الطالب: لم يمر علي.

* الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب.

* طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء.

* الشيخ: الهمزة.

* الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون.

* الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، …

Aal-i-Imraan 3:68Listen in Qur'an →
69

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

A faction of the people of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا …

Aal-i-Imraan 3:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while you witness [to their truth]?

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا …

Aal-i-Imraan 3:70Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.