Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 200

51

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ

Indeed, Allah is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ بِماذا أُرْسِلَ وهو أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ .

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ أنَّ تَقْدِيرَهُ وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ فَقَوْلُهُ: (ومُصَدِّقًا) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ”أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ“، وإنِّي بُعِثْتُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ هَذِهِ الألْفاظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ هو المُعْجِزَةُ، فَكُلُّ مَن حَصَلَ لَهُ المُعْجِزُ، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: بِأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِمُوسى بِالتَّوْراةِ، ولَعَلَّ مِن جُمْلَةِ الأغْراضِ في بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ تَقْرِيرُ التَّوْراةِ وإزالَةُ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ وتَحْرِيفاتِ الجاهِلِينَ.

وأمّا المَقْصُودُ الثّانِي: مِن بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ يُقالُ: هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ مُناقِضَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ جاءَ لِيُحِلَّ بَعْضَ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِخِلافِ حُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ .

والجَوابُ: إنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالتَّوْراةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا اعْتِقادُ أنَّ كُلَّ ما فِيها فَهو حَقٌّ وصَوابٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي مَذْكُورًا في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ عِيسى بِتَحْلِيلِ ما كانَ مُحَرَّمًا فِيها

صفحة ٥٣

مُناقِضًا لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وأيْضًا إذا كانَتِ البِشارَةُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَرْعِهِ مُناقِضًا لِلتَّوْراةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما غَيَّرَ شَيْئًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ السَّبْتَ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأحْبارَ كانُوا قَدْ وضَعُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ شَرائِعَ باطِلَةً ونَسَبُوها إلى مُوسى، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَها وأبْطَلَها وأعادَ الأمْرَ إلى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ حَرَّمَ بَعْضَ الأشْياءِ …

Aal-i-Imraan 3:51Listen in Qur'an →
52

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allah?" The disciples said, "We are supporters for Allah. We have believed in Allah and testify that we are Muslims [submitting to Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى بِشارَةَ مَرْيَمَ بِوَلَدٍ مِثْلِ عِيسى، واسْتَقْصى في بَيانِ صِفاتِهِ، وشَرْحِ مُعْجِزاتِهِ وتَرَكَ

صفحة ٥٤

هاهُنا قِصَّةَ وِلادَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَها في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، شَرَعَ في بَيانِ أنَّ عِيسى لَمّا شَرَحَ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وأظْهَرَ لَهم تِلْكَ الدَّلائِلَ فَهم بِماذا عامَلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإحْساسُ عِبارَةٌ عَنْ وِجْدانِ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالكُفْرِ، فَأحَسَّ ذَلِكَ بِأُذُنِهِ.

والثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَرَفَ مِنهم إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وعَزْمَهم عَلى قَتْلِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، مِثْلَ العِلْمِ الحاصِلِ مِنَ الحَواسِّ، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمِ بِالإحْساسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ ظَهَرَ كُفْرُهم عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهم ودَعاهم إلى دِينِ اللَّهِ فَتَمَرَّدُوا وعَصَوْا فَخافَهم واخْتَفى عَنْهم، وكانَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ كَأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ مُسْتَضْعَفًا، وكانَ يَخْتَفِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما اخْتَفى النَّبِيُّ ﷺ في الغارِ، وفي مَنازِلِ مَن آمَنَ بِهِ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ يَسِيحانِ في الأرْضِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ نَزَلَ في قَرْيَةٍ عَلى رَجُلٍ فَأحْسَنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ضِيافَتَهُ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ مَلِكٌ جَبّارٌ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا حَزِينًا، فَسَألَهُ عِيسى عَنِ السَّبَبِ فَقالَ: مَلِكُ هَذِهِ المَدِينَةِ رَجُلٌ جَبّارٌ ومِن عادَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ هو وجُنُودَهُ، وهَذا اليَوْمُ نَوْبَتِي والأمْرُ مُتَعَذِّرٌ عَلَيَّ، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ، قالَتْ: يا بُنَيَّ ادْعُ اللَّهَ لِيَكْفِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا أُمّاهُ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كانَ شَرًّا، فَقالَتْ: قَدْ أحْسَنَ وأكْرَمَ ولا بُدَّ مِن إكْرامِهِ، فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا قَرُبَ مَجِيءُ المَلِكِ فامْلَأْ قُدُورَكَ وخَوابِيَكَ ماءً ثُمَّ أعْلِمْنِي، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَتَحَوَّلَ ما في القُدُورِ طَبِيخًا، وما في الخَوابِي خَمْرًا، فَلَمّا جاءَهُ المَلِكُ أكَلَ وشَرِبَ وسَألَهُ مِن أيْنَ هَذا الخَمْرُ ؟ فَتَعَلَّلَ الرَّجُلُ في الجَوابِ فَلَمْ يَزَلِ المَلِكُ يُطالِبُهُ بِذَلِكَ حَتّى أخْبَرَهُ بِالواقِعَةِ فَقالَ: إنَّ مَن دَعا اللَّهَ حَتّى جَعَلَ الماءَ خَمْرًا إذا دَعا أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ تَعالى ولَدِي لا بُدَّ وأنْ يُجابَ، وكانَ ابْنُهُ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأيّامٍ، فَدَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وطَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ، فَقالَ عِيسى: لا تَفْعَلْ، فَإنَّهُ إنْ عاشَ كانَ شَرًّا، فَقالَ: ما أُبالِي ما كانَ إذا رَأيْتُهُ، وإنْ أحْيَيْتَهُ تَرَكْتُكَ عَلى ما تَفْعَلُ، …

Aal-i-Imraan 3:52Listen in Qur'an →
53

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger Jesus, so register us among the witnesses [to truth]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى بِشارَةَ مَرْيَمَ بِوَلَدٍ مِثْلِ عِيسى، واسْتَقْصى في بَيانِ صِفاتِهِ، وشَرْحِ مُعْجِزاتِهِ وتَرَكَ

صفحة ٥٤

هاهُنا قِصَّةَ وِلادَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَها في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، شَرَعَ في بَيانِ أنَّ عِيسى لَمّا شَرَحَ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وأظْهَرَ لَهم تِلْكَ الدَّلائِلَ فَهم بِماذا عامَلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإحْساسُ عِبارَةٌ عَنْ وِجْدانِ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالكُفْرِ، فَأحَسَّ ذَلِكَ بِأُذُنِهِ.

والثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَرَفَ مِنهم إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وعَزْمَهم عَلى قَتْلِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، مِثْلَ العِلْمِ الحاصِلِ مِنَ الحَواسِّ، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمِ بِالإحْساسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ ظَهَرَ كُفْرُهم عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهم ودَعاهم إلى دِينِ اللَّهِ فَتَمَرَّدُوا وعَصَوْا فَخافَهم واخْتَفى عَنْهم، وكانَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ كَأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ مُسْتَضْعَفًا، وكانَ يَخْتَفِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما اخْتَفى النَّبِيُّ ﷺ في الغارِ، وفي مَنازِلِ مَن آمَنَ بِهِ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ يَسِيحانِ في الأرْضِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ نَزَلَ في قَرْيَةٍ عَلى رَجُلٍ فَأحْسَنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ضِيافَتَهُ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ مَلِكٌ جَبّارٌ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا حَزِينًا، فَسَألَهُ عِيسى عَنِ السَّبَبِ فَقالَ: مَلِكُ هَذِهِ المَدِينَةِ رَجُلٌ جَبّارٌ ومِن عادَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ هو وجُنُودَهُ، وهَذا اليَوْمُ نَوْبَتِي والأمْرُ مُتَعَذِّرٌ عَلَيَّ، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ، قالَتْ: يا بُنَيَّ ادْعُ اللَّهَ لِيَكْفِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا أُمّاهُ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كانَ شَرًّا، فَقالَتْ: قَدْ أحْسَنَ وأكْرَمَ ولا بُدَّ مِن إكْرامِهِ، فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا قَرُبَ مَجِيءُ المَلِكِ فامْلَأْ قُدُورَكَ وخَوابِيَكَ ماءً ثُمَّ أعْلِمْنِي، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَتَحَوَّلَ ما في القُدُورِ طَبِيخًا، وما في الخَوابِي خَمْرًا، فَلَمّا جاءَهُ المَلِكُ أكَلَ وشَرِبَ وسَألَهُ مِن أيْنَ هَذا الخَمْرُ ؟ فَتَعَلَّلَ الرَّجُلُ في الجَوابِ فَلَمْ يَزَلِ المَلِكُ يُطالِبُهُ بِذَلِكَ حَتّى أخْبَرَهُ بِالواقِعَةِ فَقالَ: إنَّ مَن دَعا اللَّهَ حَتّى جَعَلَ الماءَ خَمْرًا إذا دَعا أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ تَعالى ولَدِي لا بُدَّ وأنْ يُجابَ، وكانَ ابْنُهُ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأيّامٍ، فَدَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وطَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ، فَقالَ عِيسى: لا تَفْعَلْ، فَإنَّهُ إنْ عاشَ كانَ شَرًّا، فَقالَ: ما أُبالِي ما كانَ إذا رَأيْتُهُ، وإنْ أحْيَيْتَهُ تَرَكْتُكَ عَلى ما تَفْعَلُ، …

Aal-i-Imraan 3:53Listen in Qur'an →
54

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And the disbelievers planned, but Allah planned. And Allah is the best of planners.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى بِشارَةَ مَرْيَمَ بِوَلَدٍ مِثْلِ عِيسى، واسْتَقْصى في بَيانِ صِفاتِهِ، وشَرْحِ مُعْجِزاتِهِ وتَرَكَ

صفحة ٥٤

هاهُنا قِصَّةَ وِلادَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَها في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، شَرَعَ في بَيانِ أنَّ عِيسى لَمّا شَرَحَ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وأظْهَرَ لَهم تِلْكَ الدَّلائِلَ فَهم بِماذا عامَلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإحْساسُ عِبارَةٌ عَنْ وِجْدانِ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالكُفْرِ، فَأحَسَّ ذَلِكَ بِأُذُنِهِ.

والثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَرَفَ مِنهم إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وعَزْمَهم عَلى قَتْلِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، مِثْلَ العِلْمِ الحاصِلِ مِنَ الحَواسِّ، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمِ بِالإحْساسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ ظَهَرَ كُفْرُهم عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهم ودَعاهم إلى دِينِ اللَّهِ فَتَمَرَّدُوا وعَصَوْا فَخافَهم واخْتَفى عَنْهم، وكانَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ كَأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ مُسْتَضْعَفًا، وكانَ يَخْتَفِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما اخْتَفى النَّبِيُّ ﷺ في الغارِ، وفي مَنازِلِ مَن آمَنَ بِهِ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ يَسِيحانِ في الأرْضِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ نَزَلَ في قَرْيَةٍ عَلى رَجُلٍ فَأحْسَنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ضِيافَتَهُ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ مَلِكٌ جَبّارٌ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا حَزِينًا، فَسَألَهُ عِيسى عَنِ السَّبَبِ فَقالَ: مَلِكُ هَذِهِ المَدِينَةِ رَجُلٌ جَبّارٌ ومِن عادَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ هو وجُنُودَهُ، وهَذا اليَوْمُ نَوْبَتِي والأمْرُ مُتَعَذِّرٌ عَلَيَّ، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ، قالَتْ: يا بُنَيَّ ادْعُ اللَّهَ لِيَكْفِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا أُمّاهُ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كانَ شَرًّا، فَقالَتْ: قَدْ أحْسَنَ وأكْرَمَ ولا بُدَّ مِن إكْرامِهِ، فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا قَرُبَ مَجِيءُ المَلِكِ فامْلَأْ قُدُورَكَ وخَوابِيَكَ ماءً ثُمَّ أعْلِمْنِي، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَتَحَوَّلَ ما في القُدُورِ طَبِيخًا، وما في الخَوابِي خَمْرًا، فَلَمّا جاءَهُ المَلِكُ أكَلَ وشَرِبَ وسَألَهُ مِن أيْنَ هَذا الخَمْرُ ؟ فَتَعَلَّلَ الرَّجُلُ في الجَوابِ فَلَمْ يَزَلِ المَلِكُ يُطالِبُهُ بِذَلِكَ حَتّى أخْبَرَهُ بِالواقِعَةِ فَقالَ: إنَّ مَن دَعا اللَّهَ حَتّى جَعَلَ الماءَ خَمْرًا إذا دَعا أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ تَعالى ولَدِي لا بُدَّ وأنْ يُجابَ، وكانَ ابْنُهُ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأيّامٍ، فَدَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وطَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ، فَقالَ عِيسى: لا تَفْعَلْ، فَإنَّهُ إنْ عاشَ كانَ شَرًّا، فَقالَ: ما أُبالِي ما كانَ إذا رَأيْتُهُ، وإنْ أحْيَيْتَهُ تَرَكْتُكَ عَلى ما تَفْعَلُ، …

Aal-i-Imraan 3:54Listen in Qur'an →
55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

[Mention] when Allah said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allah alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ قَوْلُهُ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ وُجِدَ هَذا المَكْرُ إذْ قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ.

صفحة ٦٠

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَّفَ عِيسى في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: (إنِّي مُتَوَفِّيكَ)، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى طَرِيقَيْنِ:

أحَدُهُما: إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ، ولا تَأْخِيرٍ فِيها.

والثّانِي: فَرْضُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيها، أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ فَبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: مَعْنى قَوْلِهِ (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) أيْ مُتَمِّمٌ عُمُرَكَ، فَحِينَئِذٍ أتَوَفّاكَ، فَلا أتْرُكُهم حَتّى يَقْتُلُوكَ، بَلْ أنا رافِعُكَ إلى سَمائِي، ومُقَرِّبُكَ بِمَلائِكَتِي، وأصُونُكَ عَنْ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن قَتْلِكَ وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ.

والثّانِي: (مُتَوَفِّيكَ) أيْ مُمِيتُكَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالُوا: والمَقْصُودُ أنْ لا يَصِلَ أعْداؤُهُ مِنَ اليَهُودِ إلى قَتْلِهِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أكْرَمَهُ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: قالَ وهْبٌ: تُوُفِّيَ ثَلاثَ ساعاتٍ، ثُمَّ رُفِعَ.

وثانِيها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: تُوُفِّيَ سَبْعَ ساعاتٍ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ ورَفَعَهُ. الثّالِثُ: قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّهُ تَعالى تَوَفّاهُ حِينَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] .

الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِهِ هَذِهِ الأفْعالَ، فَأمّا كَيْفَ يَفْعَلُ، ومَتى يَفْعَلُ، فالأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ، وقَدْ ثَبَتَ الدَّلِيلُ أنَّهُ حَيٌّ، ووَرَدَ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَقْتُلُ الدَّجّالَ» “ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَتَوَفّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

الوَجْهُ الخامِسُ في التَّأْوِيلِ: ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) عَنْ شَهَواتِكَ وحُظُوظِ نَفْسِكَ، ثُمَّ قالَ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) وذَلِكَ لِأنَّ مَن لَمْ يَصِرْ فانِيًا عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَكُونُ لَهُ وُصُولٌ إلى مَقامِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وأيْضًا فَعِيسى لَمّا رُفِعَ إلى السَّماءِ صارَ حالُهُ كَحالِ المَلائِكَةِ في زَوالِ الشَّهْوَةِ، والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ.

والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ التَّوَفِّيَ أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ هو رُوحُهُ لا جَسَدُهُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رُفِعَ بِتَمامِهِ إلى السَّماءِ بِرُوحِهِ وبِجَسَدِهِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النساء: …

Aal-i-Imraan 3:55Listen in Qur'an →
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا ما

صفحة ٦٤

فِي ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، أمّا الِاخْتِلافُ فَهو أنْ كَفَرَ قَوْمٌ وآمَنَ آخَرُونَ، وأمّا الحُكْمُ فِيمَن كَفَرَ فَهو أنْ يُعَذِّبَهُ عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمّا الحُكْمُ فِيمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، فَهو أنْ يُوَفِّيَهم أُجُورَهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا عَذابُ الكافِرِ في الدُّنْيا فَهو مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: القَتْلُ والسَّبْيُ وما شاكَلَهُ، حَتّى لَوْ تَرَكَ الكُفْرَ لَمْ يَحْسُنْ إيقاعُهُ بِهِ، فَذَلِكَ داخِلٌ في عَذابِ الدُّنْيا.

والثّانِي: ما يَلْحَقُ الكافِرَ مِنَ الأمْراضِ والمَصائِبِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ هَلْ هو عِقابٌ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِقابٌ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا وقَعَ مِثْلُهُ لِلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ عِقابًا بَلْ يَكُونُ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ مِثْلَ هَذا إذا وقَعَ لِلْكافِرِ لا يَكُونُ عِقابًا بَلْ يَكُونُ أيْضًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ويَكُونُ جارِيًا مَجْرى الحُدُودِ الَّتِي تُقامُ عَلى التّائِبِ، فَإنَّها لا تَكُونُ عِقابًا بَلِ امْتِحانًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَعِدُ الكُلَّ بِالصَّبْرِ عَلَيْها والرِّضا بِها والتَّسْلِيمِ لَها وما هَذا حالُهُ لا يَكُونُ عِقابًا.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ سَلَّمْتُمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ عَذابٌ لِلْكافِرِ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا تُوجَدَ المُؤاخَذَةُ في الدُّنْيا، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ المُجازاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لا في الدُّنْيا، قُلْنا: الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى حُصُولِ العِقابِ في الدُّنْيا خاصَّةٌ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: وصْفُ العَذابِ بِالشِّدَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِقابُ الكافِرِ في الدُّنْيا أشَدَّ، ولَسْنا نَجِدُ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأمْرَ تارَةً يَكُونُ عَلى الكُفّارِ وأُخْرى عَلى المُسْلِمِينَ، ولا نَجِدُ بَيْنَ النّاسِ تَفاوُتًا.

قُلْنا: بَلِ التَّفاوُتُ مَوْجُودٌ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الآيَةَ في بَيانِ أمْرِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَرى الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لازِمَةً لَهم، فَزالَ الإشْكالُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ تَعالى هَذا العَذابَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ يَمْتَنِعُ عَلى الأئِمَّةِ والمُؤْمِنِينَ قَتْلُ الكُفّارِ بِسَبَبِ العَهْدِ وعَقْدِ الذِّمَّةِ ؟

قُلْنا: المانِعُ هو العَهْدُ، ولِذَلِكَ إذا زالَ العَهْدُ حَلَّ قَتْلُهُ.

Aal-i-Imraan 3:56Listen in Qur'an →
57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allah does not like the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَيُوَفِّيهِمْ“ بِالياءِ، يَعْنِي فَيُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، والباقُونَ بِالنُّونِ حَمْلًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ (فَأحْكُمُ) (فَأُعَذِّبُهم) وهو الأوْلى لِأنَّهُ نَسَقُ الكَلامِ.

صفحة ٦٥

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم عَمِلُوا الصّالِحاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ مِرارًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ العَمَلَ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ فَشَبَّهَهم في عِبادَتِهِمْ لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ بِالمُسْتَأْجِرِ، والكَلامُ فِيهِ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، قالُوا: لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحِبًّا لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المَحَبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَقَدْ يُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا إذا عَلِقَتا بِالأفْعالِ: فَمَعْناهُما واحِدٌ إذا اسْتُعْمِلَتا عَلى حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: (لا يُرِيدُ ظُلْمَ الظّالِمِينَ) هَكَذا قَرَّرَهُ القاضِي، وعِنْدَ أصْحابِنا أنَّ المَحَبَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ، فَهو تَعالى وإنْ أرادَ كُفْرَ الكافِرِ إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا وأطْوارًا.

Aal-i-Imraan 3:57Listen in Qur'an →
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

This is what We recite to you, [O Muhammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن نَبَأِ عِيسى وزَكَرِيّا وغَيْرِهِما، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ (نَتْلُوهُ)، و(مِنَ الآياتِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي، و(نَتْلُوهُ) صِلَتُهُ، و(مِنَ الآياتِ) الخَبَرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التِّلاوَةُ والقَصَصُ واحِدٌ في المَعْنى، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى شَيْءٍ يُذْكَرُ بَعْضُهُ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ التِّلاوَةَ إلى نَفْسِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ [القصص: ٣]، وأضافَ القَصَصَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلاوَةَ المَلَكِ جارِيَةً مَجْرى تِلاوَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمَلَكِ، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ ﷺ لَمّا كانَ بِأمْرِهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا أُضِيفَ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ (مِنَ الآياتِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مِنَ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى ثُبُوتِ رِسالَتِكَ؛ لِأنَّها أخْبارٌ لا يَعْلَمُها إلّا قارِئٌ مِن كِتابٍ أوْ مَن يُوحى إلَيْهِ، فَظاهِرٌ أنَّكَ لا تَكْتُبُ ولا تَقْرَأُ، فَبَقِيَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ القُرْآنُ وفي وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ ذِكْرًا حَكِيمًا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى الحاكِمِ مِثْلُ القَدِيرِ والعَلِيمِ، والقُرْآنُ حاكِمٌ بِمَعْنى أنَّ الأحْكامَ تُسْتَفادُ مِنهُ، والثّانِي: مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ في تَأْلِيفِهِ ونَظْمِهِ وكَثْرَةِ عُلُومِهِ، والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وهو شائِعٌ في اللُّغَةِ؛ لِأنَّ حَكَمْتُ يَجْرِي مَجْرى أحْكَمْتُ في المَعْنى، فَرُدَّ إلى

صفحة ٦٦

الأصْلِ، ومَعْنى المُحْكَمِ في القُرْآنِ أنَّهُ أُحْكِمَ عَنْ تَطَرُّقِ وُجُوهِ الخَلَلِ إلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١]، والرّابِعُ: أنْ يُقالَ: القُرْآنُ لِكَثْرَةِ حِكَمِهِ: إنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ، فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الحَكِيمِ هاهُنا غَيْرُ القُرْآنِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي مِنهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أخْبَرَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذا القَصَصَ مِمّا كُتِبَ هُنالِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

Aal-i-Imraan 3:58Listen in Qur'an →
59

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, the example of Jesus to Allah is like that of Adam. He created Him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ «حُضُورِ وفْدِ نَجْرانَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمْ أنْ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، لَمّا سَلَّمْتَ أنَّهُ لا أبَ لَهُ مِنَ البَشَرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ أبُوهُ هو اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: إنَّ آدَمَ ما كانَ لَهُ أبٌ ولا أُمٌّ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، فَكَذا القَوْلُ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ»، هَذا حاصِلُ الكَلامِ، وأيْضًا إذا جازَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ التُّرابِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن دَمِ مَرْيَمَ ؟

بَلْ هَذا أقْرَبُ إلى العَقْلِ، فَإنَّ تَوَلُّدَ الحَيَوانِ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ في رَحِمِ الأُمِّ أقْرَبُ مِن تَوَلُّدِهِ مِنَ التُّرابِ اليابِسِ، هَذا تَلْخِيصُ الكَلامِ.

ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ صِفَتُهُ كَصِفَةِ آدَمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ صِفَةُ الجَنَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ لَيْسَ بِصِلَةٍ لِآدَمَ ولا صِفَةٍ ولَكِنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ بِحالِ آدَمَ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كَما تَقُولُ في الكَلامِ: مَثَلُكَ كَمَثَلِ زَيْدٍ، تُرِيدُ أنْ تُشَبِّهَهُ بِهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ تُخْبِرُ بِقِصَّةِ زَيْدٍ فَتَقُولُ: فَعَلَ كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلنّاسِ مِن والِدٍ أوَّلَ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ولَدٍ مَسْبُوقًا بِوالِدٍ لا إلى أوَّلَ وهو مُحالٌ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الوالِدَ الأوَّلَ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١]، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

أحَدُها: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرابِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] .

والثّالِثُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] .

والرّابِعُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾

صفحة ٦٧

﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] .

الخامِسُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ لازِبٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] .

السّادِسُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن صَلْصالٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] .

السّابِعُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عَجَلٍ، قالَ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] .

الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] .

أمّا الحُكَماءُ فَقالُوا: إنَّما خُلِقَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تُرابٍ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: لِيَكُونَ مُتَواضِعًا.

الثّانِي: …

Aal-i-Imraan 3:59Listen in Qur'an →
60

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ قَوْلُهُ (الحَقُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: الَّذِي أنْبَأْتُكَ مِن قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ذَلِكَ النَّبَأُ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ (الحَقُّ) فَحُذِفَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْتِئْنافٌ بَعْدَ انْقِضاءِ الكَلامِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ (مِن رَبِّكَ) وهَذا كَما تَقُولُ: الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، والباطِلُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ آخَرُونَ: الحَقُّ، رُفِعَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: جاءَكَ الحَقُّ.

وقِيلَ: أيْضًا إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالصِّفَةِ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: مِن رَبِّكَ الحَقُّ فَلا تَكُنْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِامْتِراءُ الشَّكُّ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ: مَرَيْتُ النّاقَةَ والشّاةَ إذا حَلَبْتَها، فَكَأنَّ الشّاكَّ يَجْتَذِبُ بِشَكِّهِ مِراءً كاللَّبَنِ الَّذِي يُجْتَذَبُ عِنْدَ الحَلْبِ، يُقالُ: قَدْ مارى فُلانٌ فُلانًا إذا جادَلَهُ، كَأنَّهُ يَسْتَخْرِجُ غَضَبَهُ، ومِنهُ قِيلُ: الشُّكْرُ يَمْتَرِي المَزِيدَ أيْ يَجْلِبُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الحَقِّ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ أنَّ هَذا الَّذِي أنْزَلْتُ عَلَيْكَ هو الحَقُّ مِن خَبَرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا ما قالَتِ النَّصارى واليَهُودُ، فالنَّصارى قالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، واليَهُودُ رَمَوْا مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِالإفْكِ ونَسَبُوها إلى يُوسُفَ النَّجّارِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ في القُرْآنِ هو الحَقُّ ثُمَّ نَهى عَنِ الشَّكِّ فِيهِ، ومَعْنى مُمْتَرِي مُفْتَعِلٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ.

صفحة ٦٩

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ الحَقَّ في بَيانِ هَذِهِ المَسْألَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَثَلِ وهو قِصَّةُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لا بَيانَ لِهَذِهِ المَسْألَةِ ولا بُرْهانَ أقْوى مِنَ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الواقِعَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ في الظّاهِرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ شاكًّا في صِحَّةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، واخْتَلَفَ النّاسُ في الجَوابِ عَنْهُ، فَمِنهم مَن قالَ: الخِطابُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا أنَّهُ في المَعْنى مَعَ الأُمَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] .

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمَعْنى: فَدُمْ عَلى يَقِينِكَ، وعَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الِامْتِراءِ.

Aal-i-Imraan 3:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.